تفسير ابن عاشور · سورة العنكبوت

تفسير الآية رقم 52 من سورة العنكبوت

الآية 52

تفسير ابن عاشور

(قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ )

قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)
{ قُلْ كفى بالله بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِى السماوات والارض }
بعد أن ألقمهم حَجر الحجّة الدامغة أمر بأن يجعل الله حكَماً بينه وبينهم لما استمر تكذيبهم بعد الدلائل القاطعة . وهذا من الكلام المنصف المقصود منه استدراج المخاطب .
و { كفى بالله } بمعنى هو كاف لي في إظهار الحق ، والباء مزيدة للتوكيد وقد تقدم نظيره في قوله : { وكفى بالله شهيداً } في سورة [ النساء : 79 ] .
( والشهيد : الشاهد ، ولما ضُمن معنى الحاكم عدّي بظرف بيني وبينكم } . قال الحارث بن حلزة في عمرو بن هند الملك
: ... وهو الرّب والشهيد على يو
م الحِيَاريْن والبلاء بلاء ... وجملة : { يعلم ما في السماوات والأرض } مقررة لمعنى الاكتفاء به شهيداً فهي تتنزل منها منزلة التوكيد .
{ السماوات والارض والذين ءامَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله أولئك }
بعد أن أنصفهم بقوله : { كفى بالله بيني وبينكم شهيداً } استمر في الانتصاف بما لا يستطيعون إنكاره وهو أن الذين اعتقدوا الباطل وكفروا بالله هم الخاسرون في الحكومة والقضية الموكولة إلى الله تعالى؛ فهم إن تأملوا في إيمانهم بالله حقَّ التأمّل وجدوا أنفسهم غير مؤمنين بإلهيته لأنهم أشركوا معه ما ليس حقيقاً بالإلهية فعلموا أنهم كفروا بالله فتعين أنهم آمنوا بالباطل فالكلام موجه كقوله : { وإنا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلال مبين } [ سبأ : 24 ] ، وقول حسان في أبي سفيان بن حرب أيام جاهليته
: ... أتهجوهُ ولست له بكفء
فشركما لخيركما الفداء ... وفي الجمع بين { ءامنوا } و { كَفروا } محسّن المضادة وهو الطِّبَاق .
والباطل : ضد الحق ، أي ما ليس بحقيق أن يؤمن به ، أي ما ليس بإله حق ولكنهم يدَّعون له الإلهية وذلك إيمانهم بإلهية الأصنام . وأما كفرهم بالله فلأنهم أشركوا معه في الإلهية فكفروا بأعظم صفاته وهي الوحدانية . واسم الإشارة يفيد التنبيه على أن المشار إليهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف التي ذكرت لهم قبل اسم الإشارة مثل : { أولئك على هدى من ربّهم } [ البقرة : 5 ] .
والقصر المستفاد من تعريف جزأي جملة { هم الخاسرون } قصر ادعائيّ للمبالغة في اتصافهم بالخسران العظيم بحيث إن كل خسران في جانب خسرانهم كالعدم؛ فكأنهم انفردوا بالخسران فأطلق عليهم المركب المفيد قصر الخسران عليهم وذلك لأنهم حقت عليهم الشقاوة العظمى الأبدية . واستعير الخسران لانعكاس المأمول من العمل المُكِدّ تشبيهاً بحال من كد في التجارة لينال مالاً فأفنى رأس ماله ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { فما ربِحَتْ تِجارتهم } [ البقرة : 16 ] .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
123456789101112131415161718192021222324252627282930313233343536373839404142434445464748495051525354555657585960616263646566676869

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.