تفسير ابن عاشور · سورة القصص

تفسير الآية رقم 70 من سورة القصص

الآية 70

تفسير ابن عاشور

(وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ )

وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
{ وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ } .
عطف على جملة { وربك يخلق ما يشاء ويختار } [ القصص : 68 ] الآية . والمقصود هو قوله { وله الحكم } وإنما قدم عليه ما هو دليل على أنه المنفرد بالحكم مع إدماج صفات عظمته الذاتية المقتضية افتقار الكل إليه .
ولذلك ابتدئت الجملة بضمير الغائب ليعود إلى المتحدث عنه بجميع ما تقدم من قوله { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } [ القصص : 58 ] إلى هنا ، أي الموصوف بتلك الصفات العظيمة والفاعل لتلك الأفعال الجليلة . والمذكور بعنوان { ربك } [ القصص : 69 ] هو المسمى الله اسماً جامعاً لجميع معاني الكمال . فضمير الغيبة مبتدأ واسم الجلالة خبره ، أي فلا تلتبسوا فيه ولا تخطئوا بادعاء ما لا يليق باسمه . وقريب منه قوله { فذلكم الله ربكم الحق } [ يونس : 32 ] .
وقوله { لا إله إلا هو } خبر ثان عن ضمير الجلالة ، وفي هذا الخبر الثاني زيادة تقرير لمدلول الخبر الأول فإن اسم الجلالة اختص بالدلالة على الإله الحق إلا أن المشركين حرفوا أو أثبتوا الإلهية للأصنام مع اعترافهم بأنها إلهية دون إلهية الله تعالى فكان من حق النظر أن يعلم أن لا إله إلا هو ، فكان هذا إبطالاً للشرك بعد إبطاله بحكاية تلاشيه عن أهل ملته يوم القيامة بقوله { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } [ القصص : 64 ] .
وأخبر عن اسم الجلالة خبراً ثانياً بقوله { له الحمد في الأولى والآخرة } وهو استدلال على انتفاء إلهية غيره بحجة أن الناس مؤمنهم وكافرهم لا يحمدون في الدنيا إلا الله فلا تسمع أحداً من المشركين يقول : الحمد للعزى ، مثلاً .
فاللام في { له } للملك ، أي لا يملك الحمد غيره ، وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص وهو اختصاص حقيقي .
وتعريف { الحمد } تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي له كل حمد .
و { الأولى } هي الدنيا وتخصيص الحمد به في الدنيا اختصاص لجنس الحمد به لأن حمد غيره مجاز كما تقدم في أول الفاتحة .
وأما الحمد في الآخرة فهو ما في قوله { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } [ الإسراء : 52 ] . واختصاص الجنس به في الآخرة حقيقة .
وقوله { وله الحكم } اللام فيه أيضاً للملك . والتقديم للاختصاص أيضاً . و { الحكم } : القضاء وهو تعيين نفع أو ضر للغير . وحذف المتعلق بالحكم لدلالة قوله { في الأولى والآخرة } عليه ، أي له الحكم في الدارين . والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على المجاز ، وأما الحكم في الآخرة فمقصور على الله . وفي هذا إبطال لتصرف آلهة المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها في قولهم { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } [ يونس : 18 ] أي في الآخرة إن كان ما زعمتم من البعث .
وأما جملة { وإليه ترجعون } فمسوقة مساق التخصيص بعد التعميم ، فبعد أن أثبت لله كل حمد وكل حكم ، أي أنكم ترجعون إليه في الآخرة فتمجدونه ويُجري عليكم حكمه . والمقصود بهذا إلزامهم بإثبات البعث .
وتقديم المجرور في { وإليه ترجعون } للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بالانتهاء إليه أي إلى حكمه .
فتح السورة في المصحف
خيارات القراءة والتنقل
حجم خط القرآن
حجم خط التفسير
فهرس آيات السورة
12345678910111213141516171819202122232425262728293031323334353637383940414243444546474849505152535455565758596061626364656667686970717273747576777879808182838485868788

روابط مرتبطة بالآية والسورة

انتقل إلى أقسام القرآن المرتبطة دون الحاجة للبحث من جديد.

ربط داخلي

سياق الآية

الآية الحالية وما يجاورها لتسهيل المتابعة.

عن المصدر

تفسير ابن عاشور

المؤلف: محمد الطاهر بن عاشور

التحرير والتنوير هو تفسير القرآن للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ويبرز فيه الاهتمام بالمعاني والبلاغة ومقاصد الخطاب القرآني.