القول في تأويل قوله تعالى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ( 51 )

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) فقال بعضهم: عنى بقوله: ترجي: تؤخِّر، وبقوله: تُؤْوي: تضمَّ.

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) يقول: تؤخر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) قال: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء ( وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: تردها إليك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: فجعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن، ويأتي من يشاء منهن بغير قسم، وكان نبي الله يقسم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن منصور، عن أَبي رزين ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: لما أشفقن أن يطلقهن، قلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) فما شاء صنع في القسمة بين النساء، أحل الله له ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أَبي رزين في قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) وكان ممن آوى إليه عليه الصلاة والسلام: عائشة وحفصة وزينب وأم سلمة؛ فكان قسمه من نفسه لهن سوى قسمه. وكان ممن أرجى: سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة؛ فكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد أن يفارقهن، فقلن له: اقسم لنا من نفسك ما شئت، ودعنا نكون على حالنا.

وقال آخرون: معنى ذلك: تطلق وتخلي سبيل من شئت من نسائك، وتمسك من شئت منهن فلا تطلق.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ) أمهات المؤمنين ( وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) يعني: نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ويعني بالإرجاء: يقول: من شئت خليت سبيله منهن. ويعني بالإيواء: يقول: من أحببت أمسكت منهن.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من شئت، وتنكح من شئت من نساء أمتك .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) قال: كان نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوجها أو يتركها. وقيل: إن ذلك إنما جعل الله لنبيه حين غار بعضهن على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وطلب بعضهن من النفقة زيادة على الذي كان يعطيها، فأمره الله أن يخيرهن بين الدار الدنيا والآخرة، وأن يخلي سبيل من اختار الحياة الدنيا وزينتها، ويمسك من اختار الله ورسوله. فلما اخترن الله ورسوله قيل لهن: اقررن الآن على الرضا بالله وبرسوله؛ قسم لكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أو لم يقسم، أو قسم لبعضكن ولم يقسم لبعضكن، وفضل بعضكن على بعض في النفقة أو لم يفضل، سوى بينكن أو لم يسو، فإن الأمر في ذلك إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، ليس لكم من ذلك شيء، وكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما ذكر مع ما جعل الله له من ذلك يسوي بينهن في القسم، إلا امرأة منهن أراد طلاقها فرضيت بترك القسم لها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أَبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أَبي رزين قال: لما أراد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يطلق أزواجه، قلن له: افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت، فأمره الله فآوى أربعا، وأرجي خمسًا.

حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا عبيدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل حتى أنـزل الله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ) فقلت: إن ربك ليسارع في هواك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر؛ يعني العبدي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها كانت تعير النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وقالت: أما تستحي امرأة أن تعرض نفسها بغير صداق، فنـزلت، أو فأنـزل الله ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) فقلت: إني لأرى ربك يسارع لك في هواك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ... ) الآية. قال: كان أزواجه قد تغايرن على النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فهجرهن شهرًا، ثم نـزل التخيير من الله له فيهن، فقرأ حتى بلغ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى فخيرهن بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن ويسرحهن، وبين أن يقمن إن أردن الله ورسوله على أنهن أمهات المؤمنين، لا ينكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن ممن وهبت نفسها له، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ويرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، ومن ابتغى ممن هي عنده وعزل فلا جناح عليه ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين إذا علمن أنه من قضائي عليهن إيثار بعضهن على بعض ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ ) يرضين، قال ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) من ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه، فخيرهن بين أن يرضين بهذا، أو يفارقهن، فاخترن الله ورسوله، إلا امرأة واحدة بدوية ذهبت، وكان على ذلك صلوات الله عليه، وقد شرط الله له هذا الشرط، ما زال يعدل بينهن حتى لقي الله.

وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره جعل لنبيه أن يرجي من النساء اللواتي أحلهن له من يشاء، ويؤوي إليه منهن من يشاء، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كن في حباله عندما نـزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهن.

إذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخر من تشاء ممن وهبت نفسها لك، وأحللت لك نكاحها، فلا تقبلها ولا تنكحها، أو ممن هن في حبالك؛ فلا تقربها. وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك أو أردت من النساء اللاتي أحللت لك نكاحهن؛ فتقبلها أو تنكحها، وممن هي في حبالك؛ فتجامعها إذا شئت وتتركها إذا شئت بغير قسم.

وقوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك ومن نكحت من نسائك فجامعت ممن لم تنكح، فعزلته عن الجماع، فلا جناح عليك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) قال: جميعا هذه في نسائه؛ إن شاء أتى من شاء منهن، ولا جناح عليه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) قال: ومن ابتغى أصابه، ومن عزل لم يصبه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن استبدلت ممن أرجيت، فخليت سبيله من نسائك، أو ممن مات منهن ممن أحللت لك فلا جناح عليك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) يعني بذلك: النساء اللاتي أحل الله له من بنات العم والعمة والخال والخالة اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ يقول: إن مات من نسائك اللاتي عندك أحد، أو خليت سبيله، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي هن عندك، أو خليت سبيله منهن، ولا يصلح لك أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئًا.

وأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من قال: معنى ذلك: ومن ابتغيت إصابته من نسائك ( مِمَّنْ عَزَلَتْ ) عن ذلك منهن ( فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ) لدلالة قوله ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ ) على صحة ذلك، لأنه لا معنى لأن تقر أعينهن إذا هو صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم استبدل بالميتة أو المطلقة منهن، إلا أن يعني بذلك: ذلك أدنى أن تقر أعين المنكوحة منهن، وذلك مما يدل عليه ظاهر التنـزيل بعيد.

وقوله ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ ) يقول: هذا الذي جعلت لك يا محمد من إذني لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتي جعلت لك إرجاءهن، وتؤوي من تشاء منهن، ووضعي عنك الحرج في ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك، وعزلك عن ذلك من عزلت منهن، أقرب لنسائك أن تقر أعينهن به ولا يحزنَّ، ويرضين بما آتيتهن كلهن من تفضيل من فضلت من قسم، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك على غيره من نسائك، إذا هن علمن أنه من رضاي منك بذلك، وإذني لك به، وإطلاق مني لا من قبلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ذلك، نحوه.

والصواب من القراءة في قوله ( بِمَا آتيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ) الرفع غير جائز غيره عندنا، وذلك أن كلهن ليس بنعت للهاء في قوله ( آتيْتَهُنَّ ) ، وإنما معنى الكلام: ويرضين كلهن، فإنما هو توكيد لما في يرضين من ذكر النساء، وإذا جعل توكيدًا للهاء التي في آتيتهن لم يكن له معنى، والقراءة بنصبه غير جائزة لذلك، ولإجماع الحجة من القراء على تخطئة قارئه كذلك.

وقوله ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وضع عنك من ابتغاء من ابتغيت منهن، ممن عزلت تفضلا منه عليك بذلك وتكرمة ( وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا ) يقول: وكان الله ذا علم بأعمال عباده، وغير ذلك من الأشياء كلها ( حَلِيمًا ) يقول: ذا حلم على عباده، أن يعاجل أهل الذنوب منهم بالعقوبة، ولكنه ذو حلم وأناة عنهم ليتوب من تاب منهم، وينيب من ذنوبه من أناب منهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ( 52 )

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ... ) الآية إلى ( رَقِيبًا ) قال: نهي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئًا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ... ) إلى قوله ( إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) قال: لما خيرهن فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة قصره عليهن؛ فقال: ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ) وهن التسع التي اخترن الله ورسوله.

وقال آخرون: إنما معنى ذلك: لا يحل لك النساء بعد التي أحللنا لك بقولنا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ... إلى قوله اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا الكلام إلى أن معناه: لا يحل لك من النساء إلا التي أحللناها لك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، عن زياد، قال لأبي بن كعب: هل كان للنبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لو مات أزواجه أن يتزوج؟ قال: ما كان يحرم عليه ذلك، فقرأت عليه هذه الآية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ قال: فقال: أحل له ضربًا من النساء، وحرم عليه ما سواهن، أحل له كل امرأة آتى أجرها، وما ملكت يمينه مما أفاء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته، وكل امرأة وهبت نفسها له إن أراد أن يستنكحها خالصة له من دون المؤمنين.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن محمد بن أبي موسى، عن زياد الأنصاري، قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو مات نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أكان يحل له أن يتزوج؟ قال: وما يحرم ذلك عليه؟ قال: قلت قوله: ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) قال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، قال: ثني محمد بن أبي موسى، عن زياد، رجل من الأنصار، قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ وربما قال داود: وما يحرم عليه ذلك؟ قلت: قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) فقال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء، فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ... إلى قوله إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ثم قيل له ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن عنبسة، عمن ذكره، عن أَبي صالح ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) قال: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا غريبة، ويتزوج بعد من نساء تهامة، ومن شاء من بنات العم والعمة والخال والخالة إن شاء ثلاث مئة .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) هؤلاء التي سمى الله إلا ( بَنَاتِ عَمِّكَ ... ) الآية.

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) يعني من بعد التسمية، يقول: لا يحل لك امرأة إلا ابنة عم أو ابنة عمة أو ابنة خال أو ابنة خالة أو امرأة وهبت نفسها لك، من كان منهن هاجر مع نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم. وفي حرف ابن مسعود: ( والَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ) يعني بذلك: كل شيء هاجر معه ليس من بنات العم والعمة، ولا من بنات الخال والخالة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحل لك النساء من غير المسلمات، فأما اليهوديات والنصرانيات والمشركات فحرام عليك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.

وأولى الأقوال عندي بالصحة قول من قال: معنى ذلكَ: لا يحل لك النساء من بعد بعد اللواتي أحللتهن لك بقولي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ... إلى قوله وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ .

وإنما قلت ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ ) عقيب قوله إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ وغير جائز أن يقول: قد أحللت لك هؤلاء ولا يحللن لك إلا بنسخ أحدهما صاحبه، وعلى أن يكون وقت فرض إحدى الآيتين، فعل الأخرى منهما. فإذ كان ذلك كذلك ولا دلالة ولا برهان على نسخ حكم إحدى الآيتين حكم الأخرى، ولا تقدم تنـزيل إحداهما قبل صاحبتها، وكان غير مستحيل مخرجهما على الصحة، لم يجز أن يقال: إحداهما ناسخة الأخرى. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن لقول من قال: معنى ذلك: لا يحل من بعد المسلمات يهودية ولا نصرانية ولا كافرة، معنى مفهوم، إذ كان قوله ( مِنْ بَعْدُ ) إنما معناه: من بعد المسميات المتقدم ذكرهن في الآية قبل هذه الآية، ولم يكن في الآية المتقدم فيها ذكر المسميات بالتحليل لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذكر إباحة المسلمات كلهن، بل كان فيها ذكر أزواجه وملك يمينه الذي يفيء الله عليه، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، فتكون الكوافر مخصوصات بالتحريم، صح ما قلنا في ذلك، دون قول من خالف قولنا فيه.

واختلفت القراء في قراءة قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ ) فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة ( يَحِلُّ ) بالياء، بمعنى: لا يحل لك شيء من النساء بعد. وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة ( لا تَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ ) بالتاء توجيها منه إلى أنه فعل للنساء، والنساء جمع للكثير منهن.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأه بالياء للعلة التي ذكرت لهم، ولإجماع الحجة من القراء على القراءة بها، وشذوذ من خالفهم في ذلك.

وقوله ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد المسلمات، لا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة، ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من الكوافر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ) ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من النصارى واليهود والمشركين ( وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أَبي رزين في قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) قال: لا يحل لك أن تتزوج من المشركات إلا من سبيت فملكته يمينك منهن.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبدل بأزواجك اللواتي هن في حبالك أزواجًا غيرهن؛ بأن تطلقهن وتنكح غيرهن.

ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) يقول: لا يصلح لك أن تطلق شيئًا من أزواجك ليس يعجبك، فلم يكن يصلح ذلك له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا أن تبادل من أزواجك غيرك؛ بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ ) قال: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم؛ يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأته؛ فقال ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت أن تبادل، فأما الحرائر فلا قال: وكان ذلك من أعمالهم في الجاهلية.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا أن تطلق أزواجك فتستبدل بهن غيرهن أزواجًا.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لما قد بينا قبل من أن قول الذي قال معنى قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) لا يحل لك اليهودية أو النصرانية والكافرة، قول لا وجه له.

فإذ كان ذلك كذلك فكذلك قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ) كافرة لا معنى له، إذ كان من المسلمات من قد حرم عليه بقوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) الذي دللنا عليه قبل. وأما الذي قاله ابن زيد في ذلك أيضًا فقول لا معنى له، لأنه لو كان بمعنى المبادلة لكانت القراءة والتنـزيل: ولا أن تبادل بهن من أزواج، أو ولا أن تُبدل بهن بضم التاء، ولكن القراءة المجمع عليها: ولا أن تَبدل بهن بفتح التاء، بمعنى: ولا أن تستبدل بهن، مع أن الذي ذكر ابن زيد من فعل الجاهلية غير معروف في أمة نعلمه من الأمم: أن يبادل الرجل آخر بامرأته الحرة، فيقال: كان ذلك من فعلهم فنهى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عن فعل مثله.

فإن قال قائل: أفلم يكن لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتزوج امرأة على نسائه اللواتي كن عنده، فيكون موجهًا تأويل قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ) إلى ما تأولت، أو قال: وأين ذكر أزواجه اللواتي كن عنده في هذا الموضع، فتكون الهاء من قوله ( وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ) من ذكرهن وتوهم أن الهاء في ذلك عائدة على النساء، في قوله ( لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ) ؟ قيل: قد كان لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يتزوج من شاء من النساء اللواتي كان الله أحلهن له على نسائه اللاتي كن عنده يوم نـزلت هذه الآية، وإنما نهي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بهذه الآية أن يفارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن المستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة، والرضا بالله ورسوله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن على غيره بذلك، ومنع من فراقهن بطلاق، فأما نكاح غيرهن فلم يمنع منه، بل أحل الله له ذلك على ما بين في كتابه. وقد روي عن عائشة أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يقبض حتى أحل الله له نساء أهل الأرض.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل له النساء، تعني: أهل الأرض .

حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل له النساء.

حدثنا العباس بن أبي طالب، قال: ثنا معلى، قال: ثنا وهيب، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير الليثي، عن عائشة قالت: ما توفي رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل له أن يتزوج من النساء ما شاء.

حدثني أَبو زيد عمر بن شبة، قال: ثنا أَبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء قال: أحسب عبيد بن عمير حدثني، قال أَبو زيد وقال أَبو عاصم مرة، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى أحل الله له النساء . قال: وقال أَبو الزبير: شهدت رجلا يحدثه عطاء.

حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا همام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى حل له النساء.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن الله حرم على نبيه بهذه الآية طلاق نسائه اللواتي خيرهن فاخترنه، فما وجه الخبر الذي روي عنه أنه طلق حفصة ثم راجعها، وأنه أراد طلاق سودة حتى صالحته على ترك طلاقه إياها، ووهبت يومها لعائشة؟ قيل: كان ذلك قبل نـزول هذه الآية.

والدليل على صحة ما قلنا من أن ذلك كان قبل تحريم الله على نبيه طلاقهن، الرواية الواردة أن عمر دخل على حفصة معاقبها حين اعتزل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم نساءه ، كان من قيله لها: قد كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم طلقك، فكلمته فراجعك، فوالله لئن طلقك، أو لو كان طلقك لا كلمته فيك. وذلك لا شك قبل نـزول آية التخيير، لأن آية التخيير إنما نـزلت حين انقضى وقت يمين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على اعتزالهن.

وأما أمر الدلالة على أن أمر سودة كان قبل نـزول هذه الآية، أن الله إنما أمر نبيه بتخيير نسائه بين فراقه والمقام معه على الرضا بأنْ لا قَسْم لهن، وأنه يرجي من يشاء منهن، ويؤوي منهن من يشاء، ويؤثر من شاء منهن على من شاء، ولذلك قال له تعالى ذكره وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ومن المحال أن يكون الصلح بينها وبين رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جرى على تركها يومها لعائشة في حال لا يوم لها منه.

وغير جائز أن يكون كان ذلك منها إلا في حال كان لها منه يوم هو لها حق كان واجبًا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أداؤه إليها، ولم يكن ذلك لهن بعد التخيير لما قد وصفت قبل فيما مضى من كتابنا هذا.

فتأويل الكلام: لا يحل لك يا محمد النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك في الآية قبل، ولا أن تطلق نساءك اللواتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فتبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسن من أردت أن تبدل به منهن، إلا ما ملكت يمينك. وأن في قوله ( أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ ) رفع، لأن معناها: لا يحل لك النساء من بعد، ولا الاستبدال بأزواجك، وإلا في قوله: ( إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) استثناء من النساء. ومعنى ذلك: لا يحل لك النساء من بعد اللواتي أحللتهن لك إلا ما ملكت يمينك من الإماء، فإن لك أن تملك من أى أجناس الناس شئت من الإماء.

وقوله ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ) يقول: وكان الله على كل شيء؛ ما أحل لك، وحرم عليك، وغير ذلك من الأشياء كلها، حفيظًا لا يعزب عنه علم شيء من ذلك، ولا يئوده حفظ ذلك كله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ) : أي حفيظًا في قول الحسن وقتادة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ( 53 )

يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت نبي الله إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يأني إنى وأنيا وإناء، قال الحطيئة:

وآنيــتُ العَشــاءَ إلَــى سُــهَيلٍ أوِ الشِّــعْرَى فطــال بـيَ الأنَـاءُ

وفيه لغة أخرى يقال: قد آن لك، أي: تبين لك أينا ونال لك، وأنال لك، ومنه قول رؤبة بن العجاج:

هــاجَتْ وَمِثْــلِي نَوْلُـهُ أن يَرْبَعـا حمامــةٌ نــاختْ حَمَامًــا سُـجَّعًا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله ( إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) قال: متحيِّنين نضجه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) يقول: غير ناظرين الطعام أن يصنع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) قال: غير متحينين طعامه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. ونصب ( غير ) في قوله ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) على الحال من الكاف والميم في قوله ( إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: لا يجوز في ( غَيْرَ ) الجر على الطعام، إلا أن تقول: أنتم، ويقول: ألا ترى أنك لو قلت: أبدى لعبد الله عليَّ امرأة مبغضًا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول: مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدل على أن الصفة له لم يكن كلامًا، لو قلت هذا رجل مع امرأة مُلازِمِها، كان لحنًا حتى ترفع فتقول: ملازمُها، أو تقول: ملازِمَها هو فتجر.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو جعلت ( غَيْرَ ) في قوله ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) خفضًا كان صوابًا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعًا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا مع امرأةٍ محسنًا إليها ومحسنٍ إليها؛ فمن قال محسنًا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال: رأيته مع التي يحسن إليها، فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلا لغير النكرة، كما قال الأعشى:

فقُلـــتُ لـــهُ هـــذهِ هاتِهــا إلينــــا بأدْمَـــاءَ مُقْتَادِهـــا

فجعل المقتاد تابعًا لإعراب ( بِأدْمَاء ) ، لأنه بمنـزلة قولك: بأدماء تقتادها، فخفضه لأنه صلة لها، قال: وينشد: بأدماءِ مقتادِها، بخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد، قال: ومعناه: هاتها على يدي من اقتادها. وأنشد أيضًا:

وإنِ امــرَءًا أهْــدَى إلَيـكِ وَدُونُـهَ مـنَ الأرضِ موْمَـاةٌ وَبَيْـدَاءُ فَيْهَـقُ

لَمَحْقُوقَــةٌ أن تَســتجيبي لِصوتِـهِ وأن تعْلَمِــي أنَّ المُعَــانَ مُــوَفَّقُ

وحكي عن بعض العرب سماعًا ينشد:

أرأيــت إذْ أَعطَيتــكِ الــودَّ كلَّـه ولــم يـكُ عنـدي إن أبيـتِ إبـاءُ

أمُســلِمتي للمــوت أنــت فميِّـتٌ وهــل للنفــوس المسـلماتِ بقـاءُ

ولم يقل: فميت أنا، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها يريدون: أنت، وهو كثير في الكلام، قال: فعلى هذا يجوز خفض ( غير ) .

والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جر ( غير ) في ( غَيْرَ نَاظِرِينَ ) في الكلام، لا في القراءة لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها، فأما في القراءة فغير جائز في ( غير ) غير النصب، لإجماع الحجة من القراء على نصبها.

وقوله ( وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا ) يقول: ولكن إذا دعاكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله ( فإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا ) يقول: فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني: فتفرقوا واخرجوا من منـزله ( وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) فقوله ( وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) في موضع خفض عطفًا به على ناظرين، كما يقال في الكلام: أنت غير ساكت ولا ناطق. وقد يحتمل أن يقال: مستأنسين في موضع نصب عطفًا على معنى ناظرين، لأن معناه إلا أن يؤذن لكم إلى طعام لا ناظرين إناه، فيكون قوله ( وَلا مُسْتَأْنِسِينَ ) نصبًا حينئذ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأول والثاني؛ فترد أحيانًا على لفظ الأول وأحيانًا على معناه، وقد ذكر الفراء أن أبا القمقام أنشده:

أجِـدكَ لسـتَ الدهـرَ رائـيَ رامَـة ولا عـــاقلٍ إلا وانــت جــنِيبُ

ولا مُصعِـدٍ فـي المُصعِـدينَ لمنْعِـجٍ ولا هابطًـا مـا عِشْتُ هَضْبَ شطيبِ

فرد مصعد على أن رائي فيه باء خافضة، إذ حال بينه وبين المصعد مما حال بينهما من الكلام.

ومعنى قوله ( وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) : ولا متحدثين بعد فراغكم من أكل الطعام إيناسًا من بعضكم لبعض به.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) بعد أن تأكلوا.

واختلف أهل العلم في السبب الذي نـزلت هذه الآية فيه؛ فقال بعضهم: نـزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منـزل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وبرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى أهله حاجة فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منـزله .

ذكر من قال ذلك:

حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: بنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بزينب بنت جحش، فبعثت داعيًا إلى الطعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون، ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالا وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، وخرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فقال: « السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ » فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فأتى حجر نسائه فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، فإذا الثلاثة يتحدثون في البيت، وكان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم شديد الحياء، فخرج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أخبرته، أو أخبر أن الرهط قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكفة داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخي الستر بيني وبينه، وأُنـزلت آية الحجاب.

حدثني أَبو معاوية بشر بن دحية، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: سألني أُبي بن كعب عن الحجاب فقلت: أنا أعلم الناس به، نـزلت في شأن زينب؛ أولم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عليها بتمر وسويق، فنـزلت: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ... ) إلى قوله ( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) .

حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي، قال: أخبرني يونس، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى المدينة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنـزل في مبتنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بزينب بنت جحش، أصبح رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتى خرجوا وبقِي منهم رهط عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فأطالوا المكث، فقام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثم ظن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترًا، وأُنـزل الحجاب.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: دعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، صبيحة بنى بزينب بنت جحش، فأوسعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلم عليهن، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلما أبصرهما ولى راجعًا، فلما رأيا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولَّى عن بيته، ولَّيا مسرعين، فلا أدري أنا أخبرته أو أخبر فرجع إلى بيته، فأرخي الستر بيني وبينه، ونـزلت آية الحجاب.

حدثني ابن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عدي، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لو حجبت عن أمهات المؤمنين؛ فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فنـزلت آية الحجاب.

حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أَبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: أنا أعلم الناس بهذه الآية؛ آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم صنع طعامًا، ودعا القوم، فجاءوا فدخلوا وزينب مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في البيت، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخرج ثم يدخل وهم قعود، قال: فنـزلت هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... ) إلى ( فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) قال: فقام القوم وضرب الحجاب.

حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا أبي، عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: بنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بامرأة من نسائه، فأرسلني فدعوت القوم إلى الطعام، فلما أكلوا وخرجوا، قام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا قبل بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعًا، فأنـزل الله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ) .

حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أَبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا ابن نهشل، عن أَبي وائل عن عبد الله، قال: أمر عمر نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجاب، فقالت زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينـزل في بيوتنا، فأنـزل الله ( وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) .

حدثني محمد بن مرزوق، قال: ثنا أشهل بن حاتم، قال: ثنا ابن عون، عن عمرو بن سعد، عن أنس، قال: وكنت مع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وكان يمر على نسائه، قال: فأتى بامرأة عروس، ثم جاء وعندها قوم، فانطلق فقضى حاجته، واحتبس وعاد وقد خرجوا، قال: فدخل فأرخي بيني وبينه سترًا، قال: فحدثت أبا طلحة فقال: لئن كان كما تقول، لينـزلن في هذا شيء، قال: ونـزلت آية الحجاب.

وقال آخرون: كان ذلك في بيت أم سلمة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ( وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ) قال: كان هذا في بيت أم سلمة، قال: أكلوا، ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخل ويخرج ويستحي منهم، والله لا يستحي من الحق.

قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) قال: بلغنا أنهن أمرن بالحجاب عند ذلك.

وقوله ( إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ) يقول: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيته لذلك منكم ( وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) أن يتبين لكم، وإن استحيا نبيكم فلم يبين لكم كراهية ذلك حياء منكم. ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا ( فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ( ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.

وقد قيل: إن سبب أمر الله النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلا كان يأكل مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعائشة معهما، فأصابت يدها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كـان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ؛ فنـزلت آية الحجاب.

وقيل: نـزلت من أجل مسألة عمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أَبو كريب ويعقوب، قالا ثنا هشيم، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ قال: فنـزلت آية الحجاب.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا حميد، عن أنس، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمرو بن عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع؛ وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول الله احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا أن ينـزل الحجاب، قال: فأنـزل الله الحجاب.

حدثنا ابن وكيع ، قال: ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت سودة لحاجتها بعد ما ضرب علينا الحجاب، وكأنت امرأة تفرع النساء طولا فأبصرها عمر، فناداها: يا سودة إنك والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين أو كيف تصنعين؟ فانكفأت فرجعت إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وإنه ليتعشى، فأخبرته بما كان وما قال لها، وإن في يده لعرقًا فأوحي إليه ثم رفع عنه، وإن العرق لفي يده، فقال: « لَقَدْ أذنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرجنَ لحَاجَتكُن » .

حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أَبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمر نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجاب فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينـزل في بيوتنا؟ فأنـزل الله ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) .

حدثني أبو أيوب النهراني سليمان بن عبد الحميد، قال: ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: ثني ابن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا على أن ينـزل الحجاب، قالت عائشة: فأنـزل الله الحجاب، قال الله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا ... ) الآية.

وقوله ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم ( وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ) يقول: وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه.

وذكر أن ذلك نـزل في رجل كان يدخل قبل الحجاب، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها، فأنـزل الله تبارك وتعالى في ذلك ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ) .

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ) قال: ربما بلغ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن الرجل يقول: لو أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفي تزوجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذي النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ؛ فنـزل القرآن ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ... ) الآية .

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مات، وقد ملك قيلة بنت الأشعث، فتزوجها عكرِمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق على أَبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنها لم يخيرها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يحجبها، وقد برأها منه بالردة التي أرتدت مع قومها، فاطمأن أَبو بكر وسكن.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود عن عامر، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفي وقد ملك بنت الأشعث بن قيس ولم يجامعها، ذكر نحوه.

وقوله ( إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا ) يقول: إن أذاكم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونكاحكم أزواجه من بعده عند الله عظيم من الإثم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ( 54 )

يقول تعالى ذكره: إن تظهروا بألسنتكم شيئًا أيها الناس من مراقبة النساء، أو غير ذلك مما نهاكم عنه أو أذى لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بقول: لأتزوجن زوجته بعد وفاته، ( أَوْ تُخْفُوهُ ) يقول: أو تخفوا ذلك في أنفسكم، ( فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) يقول: فإن الله بكل ذلك وبغيره من أموركم وأمور غيركم، عليم لا يخفى عليه شيء، وهو يجازيكم على جميع ذلك.