فهرس تفسير الطبري للسور

8 - تفسير الطبري سورة الأنفال

التالي السابق

تفسير سورة الأنفال

( القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنفال )

( بسم الله الرحمن الرحيم )

( رَبِّ يَسِّر )

 

القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى « الأنفال » التي ذكرها الله في هذا الموضع.

فقال بعضهم: هي الغنائم, وقالوا: معنى الكلام: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها أنت وأصحابك يوم بدر، لمن هي؟ فقل: هي لله ولرسوله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو, عن حماد بن زيد, عن عكرمة، « يسألونك عن الأنفال » ، قال: « الأنفال » ، الغنائم.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: « الأنفال » ، الغنائم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن مجاهد قال: « الأنفال » ، المغنم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: الغنائم.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « الأنفال » ، قال: يعني الغنائم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: « الأنفال » ، الغنائم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « يسألونك عن الأنفال » ، « الأنفال » ، الغنائم.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: « الأنفال » ، الغنائم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « الأنفال » ، الغنائم.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن جريج, عن عطاء: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: الغنائم.

وقال آخرون: هي أنفال السرايا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا علي بن صالح بن حي قال، بلغني في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: السرايا.

وقال آخرون: « الأنفال » ، ما شذَّ من المشركين إلى المسلمين، من عَبْد أو دابة، وما أشبه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, عن عبد الملك, عن عطاء في قوله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، قال: هو ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، دابَّة أو عبدٌ أو متاعٌ, ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير, عن عبد الملك, عن عطاء: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: هي ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو أمة أو متاع أوثَقَل, فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء.

. . . . قال، حدثنا عبد الأعلى, عن معمر, عن الزهري: أن ابن عباس سئل عن: « الأنفال » ، فقال: السَّلَب والفرس.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ويقال « الأنفال » ، ما أخذ مما سقط من المتاع بعد ما تُقَسَّم الغنائم, فهي نفلٌ لله ولرسوله.

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عثمان بن أبي سليمان, عن محمد بن شهاب: أن رجلا قال لابن عباس: ما « الأنفال » ؟ قال: الفرَس والدِّرع والرمحُ.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، قال ابن جريج, قال عطاء: « الأنفال » ، الفرس الشاذّ والدرع والثوب.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن ابن عباس قال: كان ينفِّل الرجل سَلَب الرجل وفرسه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مالك بن أنس, عن ابن شهاب, عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن « الأنفال » , فقال ابن عباس: الفرس من النَّفَل, والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته, فقال ابن عباس ذلك أيضًا. ثم قال الرجل: « الأنفال » ، التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحْرجه, فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا، مَثَلُ صَبِيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري, عن القاسم بن محمد قال، قال ابن عباس: كان عمر رضي الله عنه إذا سئل عن شيء قال: « لا آمرك ولا أنهاك » . ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه عليه السلام إلا زاجرًا آمرًا، محللا محرمًا قال القاسم: فسلِّط على ابن عباس رجل يسأله عن: « الأنفال » , فقال ابن عباس: كان الرجل ينفّل فرس الرجل وسلاحه. فأعاد عليه الرجل, فقال له مثل ذلك, ثم أعاد عليه حتى أغضبه, فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا، مثل صبيغ الذي ضربه عمر حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه؟ فقال الرجل: أمّا أنت فقد انتقم الله لعمر منك.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا ابن المبارك, عن عبد الملك, عن عطاء: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة أو [ عبد ] , فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم .

وقال آخرون: « النفل » ، الخمس الذي جعله الله لأهل الخُمُس.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: هو الخمس. قال المهاجرون: لِمَ يُرْفع عنا هذا الخمس، لم يُخْرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام, عن الحجاج, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس, فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى: « الأنفال » ، قولُ من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سَهْمه على حقوقهم من القسمة, وإما مما وصل إليه بالنفل, أو ببعض أسبابه, ترغيبًا له، وتحريضًا لمن معه من جيشه على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين, أو صلاح أحد الفريقين. وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس من أنه الفرس والدرع ونحو ذلك, ويدخل فيه ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس، لأن ذلك أمره إلى الإمام، إذا لم يكن ما وصلوا إليه بغلبة وقهر, يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام, وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقَهر.

وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب, لأن « النفل » في كلام العرب، إنما هو الزيادة على الشيء, يقال منه: « نفَّلتك كذا » , و « أنفلتك » ، إذا زدتك.

و « الأنفال » ، جمع « نَفَل » ، ومنه قول لبيد بن ربيعة:

إِنَّ تَقْــوَى رَبِّنــا خَــيْرُ نَفَــلْ وَبِــإِذْنِ اللــهِ رَيْثِــي وَعَجَــلْ

فإذ كان معناه ما ذكرنا, فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة إن كان ذلك لبلاء أبلاه، أو لغناء كان منه عن المسلمين بتنفيل الوالي ذلك إيّاه, فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل, فهو منفل ما زيد من ذلك، لأن الزيادة نَفَلٌ، [ والنَّفَل ] ، وإن كان مستوجِبَهُ في بعض الأحوال لحق, ليس هو من الغنيمة التي تقع فيها القسمة. وكذلك كل ما رُضِخ لمن لا سهم له في الغنيمة، فهو « نفل » , لأنه وإن كان مغلوبًا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمة.

فالفصل إذ كان الأمر على ما وصفنا بين « الغنيمة » و « النفل » , أن « الغنيمة » هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر، نفَّل منه منفِّل أو لم ينفل، و « النفل » : هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغَنَاء عن الجيش على غير قسمة.

وإذْ كان ذلك معنى « النفل » , فتأويل الكلام: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الفضل من المال الذي تقع فيه القسمة من غنيمة كفار قريش الذين قتلوا ببدر، لمن هو؟ قل لهم يا محمد: هو لله ولرسوله دونكم, يجعله حيث شاء.

واختلف في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في غنائم بدر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان نفَّل أقوامًا على بلاء, فأبلى أقوام، وتخلف آخرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاختلفوا فيها بعد انقضاء الحرب, فأنـزل الله هذه الآية على رسوله, يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فماضٍ جائزٌ.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر بن سليمان قال، سمعت داود بن أبي هند يحدث, عن عكرمة, عن ابن عباس, أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من أتى مكان كذا وكذا, فله كذا وكذا, أو فعل كذا وكذا, فله كذا وكذا » ، فتسارع إليه الشبان, وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما فتح الله عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم , فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا! فأنـزل الله عليه الآية فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ .

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صنع كذا وكذا, فله كذا وكذا » ، قال: فتسارع في ذلك شبان الرجال, وبقيت الشيوخ تحت الرايات. فلما كان الغنائم, جاءوا يطلبون الذي جعُل لهم, فقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا, فإنا كنا رِدْءًا لكم, وكنا تحت الرايات, ولو انكشفتم انكشفتم إلينا! فتنازعوا, فأنـزل الله: « يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » .

حدثني إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من فعل كذا فله كذا وكذا من النفل » . قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخةُ الراياتِ, فلم يبرحوا. فلما فُتح عليهم, قالت المشيخة: كنا ردءًا لكم, فلو انهزمتم انحزتم إلينا, لا تذهبوا بالمغنم دوننا! فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!‍‍‍ فأنـزل الله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » . قال: فكان ذلك خيرًا لهم, وكذلك أيضًا أطيعوني فإني أعلم.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عكرمة في هذه الآية: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، قال: لما كان يوم بدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « من صنع كذا فله من النفل كذا » ‍‍‍! فخرج شبان من الرجال، فجعلوا يصنعونه, فلما كان عند القسمة, قال الشيوخ: نحن أصحاب الرايات, وقد كنا رِدْءًا لكم! فأنـزل الله في ذلك: « قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين » .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب الزهري قال، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن سليمان بن موسى, عن مكحول مولى هذيل, عن أبي سلام, عن أبي أمامة الباهلي, عن عبادة بن الصامت قال، أنـزل الله حين اختلف القوم في الغنائم يوم بدر: « يسألونك عن الأنفال » إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، عن بَوَاء.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد قال، حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا, عن سليمان بن موسى الأشدق, عن مكحول, عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن « الأنفال » , فقال: فينا معشرَ أصحاب بدر نـزلت، حين اختلفنا في النَّفَل, وساءت فيه أخلاقنا, فنـزعه الله من أيدينا, فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بَوَاء يقول: على السواء فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصلاحُ ذاتِ البين .

وقال آخرون: بل إنما أنـزلت هذه الآية، لأن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله من المغنم شيئًا قبل قسمتها, فلم يعطه إياه, إذ كان شِرْكًا بين الجيش, فجعل الله جميعَ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذكر من قال ذلك:

حدثني إسماعيل بن موسى السدي قال، حدثنا أبو الأحوص, عن عاصم, عن مصعب بن سعد, عن سعد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف فقلت: يا رسول الله، هذا السيف قد شَفَى الله به من المشركين! فسألته إياه, فقال: ليس هذا لي ولا لك! قال: فلما وليت, قلت: أخاف أن يعطيه من لم يُبْلِ بلائي! فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفي, قال فقلت: أخاف أن يكون نـزل في شيء! قال: إن السيف قد صارَ لي! قال: فأعطانيه, ونـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عاصم, عن مصعب بن سعد, عن سعد بن مالك قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف. قال: فقلت: يا رسول الله, إن الله قد شفي صَدري من المشركين أو نحو هذا فهبْ لي هذا السيف! فقال لي: هذا ليس لي ولا لك! فرجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا من لم يُبْلِ بلائي! فجاءني الرسول, فقلت: حدث فِيَّ حدثٌ ! فلما انتهيت قال: يا سعد إنك، سألتني السيف وليس لي, وإنه قد صار لي، فهو لك! ونـزلت: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن سماك بن حرب, عن مصعب بن سعد, عن أبيه قال: أصبت سيفًا يوم بدر فأعجبني, فقلت: يا رسول الله، هبه لي! فأنـزل الله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » .

حدثنا ابن المثنى وابن وكيع قال ابن المثنى: حدثني أبو معاوية وقال ابن وكيع: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الشيباني, عن محمد بن عبيد الله, عن سعد بن أبي وقاص قال: فلما كان يوم بدر، قتل أخي عُمَيْر، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه, وكان يسمى « ذا الكتيفة » , فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اذهب فاطرحه في القبض! فطرحته ورجعتُ، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخذ سَلَبي! قال: فما جاوزت إلا قريبًا، حتى نـزلت عليه « سورة الأنفال » , فقال: اذهب فخذ سيفك! ولفظ الحديث لابن المثنى.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير, وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة جميعًا, عن محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي بكر, عن قيس بن ساعدة قال: سمعت أبا أسَيْد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائد يوم بدر, وكان السيف يدعى « المرْزُبان » ، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردُّوا ما في أيديهم من النفل, أقبلت به فألقيته في النفل, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئًا يُسْأله, فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي, فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأعطاه إياه.

- 15661- حدثني يحيى بن جعفر قال، حدثنا أحمد بن أبي بكر, عن يحيى بن عمران, عن جده عثمان بن الأرقم وعن عمه, عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ردُّوا ما كان من الأنفال! فوضع أبو أسيد الساعديّ سيف ابن عائذ « المرزبان » , فعرفه الأرقم فقال: هبه لي، يا رسول الله! قال: فأعطاه إياه.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سماك بن حرب, عن مصعب بن سعد, عن أبيه قال: أصبت سيفا قال: فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نفلنيه! فقال: ضعه! ثم قام فقال: يا رسول الله، نفلنيه! قال: ضعه! قال: ثم قام فقال: يا رسول، الله نفلنيه! أجعل كمن لا غَنَاء له؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ضعه من حيث أخذته! فنـزلت هذه الآية: يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول .

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن سماك, عن مصعب بن سعد, عن سعد قال: أخذت سيفًا من المغنم فقلت: يا رسول الله، هب لي هذا! فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: قال سعد: كنت أخذت سيفَ سعيد بن العاص بن أمية, فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلت: أعطني هذا السيف يا رسول الله! فسكت, فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » ، إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، قال: فأعطانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال آخرون: بل نـزلت: لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر، فأعلمهم الله أنّ ذلك لله ولرسوله دونهم، ليس لهم فيه شيء. وقالوا: معنى « عن » في هذا الموضع « من » ، وإنما معنى الكلام: يسألونك من الأنفال. وقالوا: قد كان ابن مسعود يقرؤه: « يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ » على هذا التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش قال: كان أصحاب عبد الله يقرأونها: « يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: هي في قراءة ابن مسعود « يَسْأَلُونَكَ الأنْفَالَ » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، قال: « الأنفال » ، المغانم كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة، ليس لأحد منها شيء, ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به, فمن حبس منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلول. فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها, قال الله: يسألونك عن الأنفال، قل: الأنفال لي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيء « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين » , ثم أنـزل الله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [ سورة الأنفال: 41 ] . ثم قسم ذلك الخُمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن سمي في الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: نـزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا. قال: واختلفوا، فكانوا أثلاثًا. قال: فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، وملَّكه الله رَسوله, يقسمه كما أراه الله.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عباد بن العوام, عن الحجاج, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده: أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر, فنـزلت: « يسألونك عن الأنفال » .

. . . . قال: حدثنا عباد بن العوّام, عن جويبر, عن الضحاك: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: يسألونك أن تنفِّلهم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا أيوب, عن عكرمة في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: يسألونك الأنفال.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى أخبرَ في هذه الآية عن قوم سألوا رَسول الله صلى الله عليه وسلم الأنفال أن يُعطيهموها, فأخبرهم الله أنها لله، وأنه جعلها لرسوله.

وإذا كان ذلك معناه، جاز أن يكون نـزولها كان من أجل اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وجائز أن يكون كان من أجل مسألة من سأله السيف الذي ذكرنا عن سعد أنه سأله إياه وجائز أن يكون من أجل مسألة من سأله قسم ذلك بين الجيش.

واختلفوا فيها: أمنسوخة هي أم غير منسوخة؟

فقال بعضهم: هي منسوخة. وقالوا: نسخها قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الآية [ سورة الأنفال: 41 ] ، .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة قالا كانت الأنفال لله وللرسول، فنسختها: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: أصاب سعد بن أبي وقاص يوم بدر سيفًا, فاختصم فيه وناسٌ معه, فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم , فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم منهم, فقال الله: « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول » ، الآية, فكانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة, فنسخها الله بالخُمس.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني سليم مولى أم محمد, عن مجاهد في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، قال: نسختها: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة أو: عكرمة وعامر قالا نسخت الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ .

وقال آخرون: هي محكمة، وليست منسوخة. وإنما معنى ذلك: « قل الأنفال لله » , وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة وللرسول، يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يسألونك عن الأنفال » ، فقرأ حتى بلغ: « إن كنتم مؤمنين » ، فسلَّموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا, فقالوا: نعم! ثم جاء بعد الأربعين: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الآية [ سورة الأنفال: 41 ] ، ولكم أربعة أخماس. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: « وهذا الخمس مردود على فقرائكم » ، يصنع الله ورسوله في ذلك الخمس ما أحبَّا, ويضعانه حيث أحبَّا, ثم أخبرنا الله بالذي يجب من ذلك. ثم قرأ الآية: وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ [ سورة الحشر: 7 ] .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه صلى الله عليه وسلم، يُنفِّل من شاء, فنفّل القاتل السَّلَب, وجعل للجيش في البَدْأة الربع، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. ونفَّل قومًا بعد سُهْمَانهم بعيرًا بعيرًا في بعض المغازي. فجعل الله تعالى ذكره حكم الأنفال إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ينفِّل على ما يرى مما فيه صلاحُ المسلمين, وعلى من بعده من الأئمة أن يستَنّوا بسُنته في ذلك.

وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ، لاحتمالها ما ذكرتُ من المعنى الذي وصفت. وغير جائز أن يحكم بحكم قد نـزل به القرآن أنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها, فقد دللنا في غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادثُ حكمٍ بخلافه، ينفيه من كل معانيه, أو يأتي خبرٌ يوجب الحجةَ أن أحدهما ناسخٌ الآخرَ.

وقد ذكر عن سعيد بن المسيب: أنه كان ينكر أن يكون التنفيل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأويلا منه لقول الله تعالى: « قل الأنفال لله والرسول » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان, عن محمد بن عمرو قال: أرسل سعيد بن المسيب غلامه إلى قوم سألوه عن شيء, فقال: إنكم أرسلتم إلي تسألوني عن الأنفال, فلا نَفَل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد بينا أن للأئمة أن يتأسَّوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيهم بفعله, فينفِّلوا على نحو ما كان ينفل, إذا كان التنفيل صلاحًا للمسلمين.

 

القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 1 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فخافوا الله أيها القوم, واتقوه بطاعته واجتناب معاصيه, وأصلحوا الحال بينكم.

واختلف أهل التأويل في الذي عنى بقوله: « وأصلحوا ذات بينكم » .

فقال بعضهم: هو أمر من الله الذين غنموا الغنيمة يوم بدر، وشهدوا الوقعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اختلفوا في الغنيمة: أن يردَّ ما أصابوا منها بعضُهم على بعض.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم » ، قال: كان نبي الله ينفِّل الرجل من المؤمنين سَلَب الرجل من الكفار إذا قتله, ثم أنـزل الله: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم » ، أمرهم أن يردَّ بعضهم على بعض.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفّل الرجل على قدر جِدّه وغَنَائه على ما رأى, حتى إذا كان يوم بدر، وملأ الناسُ أيديهم غنائم, قال أهل الضعف من الناس: ذهب أهل القوة بالغنائم! فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فنـزلت: « قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ » ، ليردَّ أهل القوة على أهل الضعف.

وقال آخرون: هذا تحريج من الله على القوم, ونهيٌ لهم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة قال، حدثنا خالد بن يزيد وحدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قالا حدثنا أبو إسرائيل, عن فضيل, عن مجاهد, في قول الله: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم » ، قال: حَرَّج عليهم.

حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا عباد بن العوام, عن سفيان بن حسين, عن مجاهد, عن ابن عباس: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم » ، قال هذا تحريجٌ من الله على المؤمنين، أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم قال عباد, قال سفيان: هذا حين اختلفوا في الغنائم يوم بدر.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم » ، أي لا تَسْتَبُّوا.

واختلف أهل العربية في وجه تأنيث « البين » .

فقال بعض نحويي البصرة: أضاف « ذات » إلى « البين » وجعله « ذاتًا » , لأن بعضَ الأشياء يوضع عليه اسم مؤنث, وبعضًا يذكر نحو « الدار » و « الحائط » ، أنث « الدار » وذكر « الحائط » .

وقال بعضهم: إنما أراد بقوله: « ذات بينكم » ، الحال التي للبين، فقال: وكذلك « ذات العشاء » ، يريد الساعة التي فيها العشاء، قال: ولم يضعوا مذكرًا لمؤنث، ولا مؤنثًا لمذكر، إلا لمعنى.

قال أبو جعفر: هذا القول أولى القولين بالصواب، للعلة التي ذكرتها له.

وأما قوله: « وأطيعوا الله ورسوله » ، فإن معناه: وانتهوا أيها القوم الطالبون الأنفال، إلى أمر الله وأمر رسوله فيما أفاء الله عليكم, فقد بين لكم وجوهه وسبله « إن كنتم مؤمنين » ، يقول: إن كنتم مصدقين رسول الله فيما آتاكم به من عند ربكم، كما:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين » ، فسلموا لله ولرسوله، يحكمان فيها بما شاءا, ويضعانها حيث أرادا.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 2 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ليس المؤمن بالذي يخالف الله ورسوله، ويترك اتباعَ ما أنـزله إليه في كتابه من حدوده وفرائضه، والانقياد لحكمه, ولكن المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وَجِل قلبه، وانقاد لأمره، وخضع لذكره، خوفًا منه، وفَرَقًا من عقابه, وإذا قرئت عليه آيات كتابه صدّق بها، وأيقن أنها من عند الله, فازداد بتصديقه بذلك، إلى تصديقه بما كان قد بلغه منه قبل ذلك، تصديقًا. وذلك هو زيادة ما تلى عليهم من آيات الله إيَّاهم إيمانًا « وعلى ربهم يتوكلون » ، يقول: وبالله يوقنون، في أن قضاءه فيهم ماضٍ، فلا يرجون غيره، ولا يرهبون سواه.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، قال: المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه, ولا يؤمنون بشيء من آيات الله, ولا يتوكلون على الله, ولا يصلّون إذا غابوا, ولا يؤدُّون زكاة أموالهم. فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين, ثم وصف المؤمنين فقال: « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، فأدوا فرائضه « وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا » ، يقول: تصديقًا « وعلى ربهم يتوكلون » ، يقول: لا يرجون غيره.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد: « الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، قال: فَرِقت.

. . . . قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن السدي: « الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، قال: إذا ذكر الله عند الشيء وجِلَ قلبه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، يقول: إذا ذكر الله وَجِل قلبه.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « وجلت قلوبهم » ، قال: فرقت.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وجلت قلوبهم » ، فرقت.

. . . . قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان قال: سمعت السدي يقول في قوله: « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو قال: يهمّ بمعصية أحسبه قال: فينـزع عنه.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري, عن عبد الله بن عثمان بن خثيم, عن شهر بن حوشب, عن أبي الدرداء في قوله: « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، قال: الوجل في القلب كإحراق السَّعَفة, أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى! قال: إذا وجدت ذلك في القلب فادع الله, فإن الدعاء يذهب بذلك.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم » ، قال: فرقًا من الله تبارك وتعالى, ووَجلا من الله, وخوفًا من الله تبارك وتعالى.

وأما قوله: « زادتهم إيمانًا » ، فقد ذكرت قول ابن عباس فيه.

وقال غيره فيه, ما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا » ، قال: خشية.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون » ، قال: هذا نعت أهل الإيمان, فأثبت نَعْتهم, ووصفهم فأثبت صِفَتهم.

 

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها, وينفقون مما رزقهم الله من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه، من زكاة وجهاد وحج وعمرة ونفقةٍ على من تجب عليهم نفقته, فيؤدُّون حقوقهم « أولئك » ، يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال « هم المؤمنون » ، لا الذين يقولون بألسنتهم: « قد آمنا » وقلوبهم منطوية على خلافه نفاقًا, لا يقيمون صلاة ولا يؤدُّون زكاة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس: « الذين يقيمون الصلاة » ، يقول: الصلوات الخمس « ومما رزقناهم ينفقون » ، يقول: زكاة أموالهم « أولئك هم المؤمنون حقًّا » ، يقول: برئوا من الكفر. ثم وصف الله النفاق وأهله فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ : إلى قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [ سورة النساء: 150- 151 ] فجعل الله المؤمن مؤمنًا حقًّا, وجعل الكافر كافرًا حقًّا, وهو قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ سورة التغابن: 2 ] .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « أولئك هم المؤمنون حقًّا » ، قال: استحقُّوا الإيمان بحق, فأحقه الله لهم.

 

القول في تأويل قوله : لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « لهم درجات » ، لهؤلاء المؤمنين الذين وصف جل ثناؤه صفتهم « درجات » , وهي مراتب رفيعة.

ثم اختلف أهل التأويل في هذه « الدرجات » التي ذكر الله أنها لهم عنده، ما هي؟

فقال بعضهم: هي أعمال رفيعة، وفضائل قدّموها في أيام حياتهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن أبي يحيى القتات, عن مجاهد: « لهم درجات عند ربهم » ، قال: أعمال رفيعة.

وقال آخرون: بل ذلك مراتب في الجنة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن هشام عن جبلة, عن عطية, عن ابن محيريز: « لهم درجات عند ربهم » ، قال: الدرجات سبعون درجة, كل درجة حُضْر الفرس الجواد المضمَّر سبعين سنة.

وقوله: « ومغفرة » ، يقول: وعفو عن ذنوبهم، وتغطية عليها « ورزق كريم » ، قيل: الجنة وهو عندي: ما أعد الله في الجنة لهم من مزيد المآكل والمشارب وهنيء العيش.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق, عن هشام, عن عمرو, عن سعيد, عن قتادة: « ومغفرة » ، قال: لذنوبهم « ورزق كريم » ، قال: الجنة.

 

القول في تأويل قوله : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ( 5 ) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الجالب لهذه « الكاف » التي في قوله: « كما أخرجك » ، وما الذي شُبِّه بإخراج الله نبيه صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق.

فقال بعضهم: شُبِّه به في الصلاح للمؤمنين, اتقاؤهم ربهم, وإصلاحهم ذات بينهم, وطاعتهم الله ورسوله. وقالوا: معنى ذلك: يقول الله: وأصلحوا ذات بينكم, فإن ذلك خير لكم, كما أخرج الله محمدًا صلى الله عليه وسلم من بيته بالحقّ، فكان خيرًا له.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عكرمة: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ « ، الآية، أي: إن هذا خيرٌ لكم, كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيرًا لك »

وقال آخرون: معنى ذلك: كما أخرجك ربك، يا محمد، من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم يكرهون القتال, فهم يجادلونك فيه بعد ما تبين لهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « كما أخرجك ربك من بيتك بالحق » ، قال: كذلك يجادلونك في الحق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « كما أخرجك ربك من بيتك بالحق » ، كذلك يجادلونك في الحقِّ, القتالِ.

. . . . قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « كما أخرجك ربك من بيتك بالحق » ، قال: كذلك أخرجك ربك.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أنـزل الله في خروجه يعني خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر، ومجادلتهم إياه فقال: « كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون » ، لطلب المشركين, « يجادلونك في الحق بعد ما تبين » .

واختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي الكوفيين: ذلك أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يمضي لأمره في الغنائم, على كره من أصحابه, كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العِير وهم كارهون.

وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً، كما جادلوك يوم بدر فقالوا: « أخرجتنا للعِير, ولم تعلمنا قتالا فنستعدَّ له » .

وقال بعض نحويي البصرة، يجوز أن يكون هذا « الكاف » في ( كما أخرجك ) ، على قوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) . وقال: « الكاف » بمعنى « على » .

وقال آخرون منهم هي بمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام: والذي أخرجك ربّك.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال في ذلك بقول مجاهد, وقال: معناه: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من المؤمنين, كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تبين لأن كلا الأمرين قد كان, أعني خروج بعض من خرج من المدينة كارهًا, وجدالهم في لقاء العدو وعند دنوِّ القوم بعضهم من بعض, فتشبيه بعض ذلك ببعض، مع قرب أحدهما من الآخر، أولى من تشبيهه بما بَعُد عنه.

وقال مجاهد في « الحق » الذي ذكر أنهم يجادلون فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما تبينوه: هو القتال.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( يجادلونك في الحق ) ، قال: القتال.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وأما قوله: ( من بيتك ) ، فإن بعضهم قال: معناه: من المدينة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي بزة: ( كما أخرجك ربك من بيتك ) ، المدينة، إلى بدر.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني محمد بن عباد بن جعفر في قوله: ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) ، قال: من المدينة إلى بدر.

وأما قوله: ( وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون ) ، فإن كراهتهم كانت، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري, وعاصم بن عمر بن قتادة, وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا, عن عبد الله بن عباس, قالوا: لما سمع رَسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم, ندب إليهم المسلمين, وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم, فاخرجوا إليها، لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس, فخفّ بعضهم وثقُل بعضهم, وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون ) ، لطلب المشركين.

ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله: ( يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) .

فقال بعضهم: عُني بذلك: أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدر للقاء المشركين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال، لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء القوم, وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر, أمرَ الناس, فتعبَّوْا للقتال, وأمرهم بالشوكة, وكره ذلك أهل الإيمان, فأنـزل الله: ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) .

حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر القومَ يعني أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيرَهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , حين عرف القوم أن قريشًا قد سارت إليهم, وأنهم إنما خرجوا يريدون العيرَ طمعًا في الغنيمة, فقال: ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) ، إلى قوله: ( لكارهون ) ، أي كراهيةً للقاء القوم, وإنكارًا لمسير قريش حين ذُكِروا لهم.

وقال آخرون: عُني بذلك المشركون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) ، قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق « كأنما يساقون إلى الموت » ، حين يدعون إلى الإسلام ( وهم ينظرون ) ، قال: وليس هذا من صفة الآخرين, هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثني عبد العزيز بن محمد, عن ابن أخي الزهري, عن عمه قال: كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر: ( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) ، خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العِير.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قاله ابن عباس وابن إسحاق, من أن ذلك خبرٌ من الله عن فريق من المؤمنين أنهم كرهوا لقاء العدو, وكان جدالهم نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا: « لم يُعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم, وإنما خرجنا للعير » . ومما يدلّ على صحته قولُه وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ، ففي ذلك الدليلُ الواضح لمن فهم عن الله، أن القوم قد كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم كان في القتال، كما قال مجاهد, كراهيةً منهم له وأنْ لا معنى لما قال ابن زيد, لأن الذي قبل قوله: ( يجادلونك في الحق ) ، خبرٌ عن أهل الإيمان, والذي يتلوه خبرٌ عنهم, فأن يكون خبرًا عنهم، أولى منه بأن يكون خبرًا عمن لم يجرِ له ذكرٌ.

وأما قوله: ( بعد ما تبين ) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: بعد ما تبين أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به.

وقال آخرون: معناه: يجادلونك في القتال بعدما أمرت به.

ذكر من قال ذلك:

رواه الكلبي, عن أبي صالح, عن ابن عباس.

وأما قوله: ( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) ، فإن معناه: كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدوّ، من كراهتهم للقائهم إذا دعوا إلى لقائهم للقتال، « يساقون إلى الموت » .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: ( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون ) ، أي كراهةً للقاء القوم, وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكروا، أيها القوم ( إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ، يعني إحدى الفرقتين, فرقة أبي سفيان بن حرب والعير, وفرقة المشركين الذين نَفَروا من مكة لمنع عيرهم.

وقوله: ( أنها لكم ) ، يقول: إن ما معهم غنيمة لكم ( وتودون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، يقول: وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة يقول: ليس لها حدٌّ، ولا فيها قتال أن تكون لكم. يقول: تودُّون أن تكون لكم العيرُ التي ليس فيها قتال لكم، دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم، الذين في لقائهم القتالُ والحربُ.

وأصل « الشوكة » من « الشوك » .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علي بن نصر, وعبد الوارث بن عبد الصمد قالا حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة, عن عروة: أن أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكبان قريش مقبلين من الشأم, فسلكوا طريق الساحل. فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ندب أصحابه, وحدّثهم بما معهم من الأموال، وبقلة عددهم. فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه، لا يرونها إلا غنيمة لهم, لا يظنون أن يكون كبيرُ قتالٍ إذا رأوهم. وهي التي أنـزل الله فيها ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن مسلم الزهري, وعاصم بن عمر بن قتادة, وعبد الله بن أبي بكر, ويزيد بن رومان, عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا, عن عبد الله بن عباس, كُلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقت من حديث بدر, قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم، ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم, فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس, فخف بعضهم وثقل بعض, وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربًا. وكان أبو سفيان يستيقن حين دنا من الحجاز ويتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أموال الناس, حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: « أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعِيرك » ! فحذر عند ذلك, واستأجر ضمضم بن عمرو الغِفاري, فبعثه إلى مكة, وأمره أن يأتي قريشًا يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى بلغ واديًا يقال له « ذَفِرَان » , فخرج منه, حتى إذا كان ببعضه، نـزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عِيرهم, فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناسَ, وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر رضوان الله عليه، فقال فأحسن. ثم قام عمر رضي الله عنه، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض إلى حيث أمرك الله، فنحن معك, والله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ، [ سورة المائدة: 24 ] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق، لئن سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد يعني: مدينة الحبشة لجالدنا معك مَن دونه حتى تبلغه! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا, ثم دعا له بخيرٍ, ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليّ أيها الناس! وإنما يريد الأنصار, وذلك أنهم كانوا عَدَدَ الناس, وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا: « يا رسول الله، إنا برآء من ذِمامك حتى تصل إلى ديارنا, فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا, نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا » ، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه, وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوٍّ من بلادهم قال: فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل! قال: فقد آمنا بك وصدَّقناك, وشهدنا أن ما جئت به هو الحق, وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت, فوالذي بعثك بالحق إن استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضته لخُضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد, وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا, إنا لصُبُرٌ عند الحرب, صُدُقٌ عند اللقاء, لعلّ الله أن يريك منا ما تَقرُّ به عينك, فسر بنا على بركة الله! فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك, ثم قال: سيروا على بركة الله وأبشروا, فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين, والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدًا « . »

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أن أبا سفيان أقبل في عير من الشأم فيها تجارة قريش, وهي اللَّطيمة, فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد أقبلت، فاستنفر الناس, فخرجوا معه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا. فبعث عينًا له من جُهَينة, حليفًا للأنصار، يدعى « ابن أريقط » , فأتاه بخبر القوم. وبلغ أبا سفيان خروج محمد صلى الله عليه وسلم , فبعث إلى أهل مكة يستعينهم, فبعث رجلا من بني غِفار يدعى ضمضم بن عمرو, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشعر بخروج قريش, فأخبره الله بخروجهم, فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا: « إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا » ! فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العِير, فقال له أبو بكر رحمة الله عليه: إنّي قد سلكت هذا الطريق, فأنا أعلم به, وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا, فسكت النبي صلى الله عليه وسلم , ثم عاد فشاورهم, فجعلوا يشيرون عليه بالعير. فلما أكثر المشورة, تكلم سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله, أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك، وتعود فتشاورهم, فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار! أنت رسول الله, وعليك أنـزل الكتاب, وقد أمرك الله بالقتال، ووعدك النصر, والله لا يخلف الميعاد, امض لما أمرت به، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار! ثم قام المقداد بن الأسود الكندي فقال: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ( اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ، [ سورة المائدة: 24 ] ، ولكنا نقول: أقدم فقاتل، إنا معك مقاتلون! ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال: إن ربي وعدني القوم، وقد خرجوا، فسيروا إليهم! فساروا.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال: الطائفتان إحداهما أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشأم, والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفر من قريش. فكره المسلمون الشوكة والقتال, وأحبوا أن يلقوا العير, وأراد الله ما أراد.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ، قال: أقبلت عير أهل مكة يريد: من الشأم فبلغ أهل المدينة ذلك, فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العير. فبلغ ذلك أهل مكة, فسارعوا السير إليها، لا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين, فكانوا أن يلقوا العير أحبَّ إليهم، وأيسر شوكة، وأحضر مغنمًا. فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم , سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم, فكره القوم مسيرهم لشوكةٍ في القوم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال: أرادوا العير. قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأول, فأغار كُرْز بن جابر الفهري يريد سَرْح المدينة حتى بلغ الصفراء, فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فركب في أثره, فسبقه كرز بن جابر. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم , فأقام سنَتَه. ثم إن أبا سفيان أقبل من الشأم في عير لقريش, حتى إذا كان قريبًا من بدر, نـزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأوحى إليه: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، فنفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين, وهم يومئذ ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا منهم سبعون ومئتان من الأنصار, وسائرهم من المهاجرين. وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطم, فبعث إلى جميع قريش وهم بمكة, فنفرت قريش وغضبت.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال: كان جبريل عليه السلام قد نـزل فأخبره بمسير قريش وهي تريد عيرها, ووعده إما العيرَ, وإما قريشًا وذلك كان ببدر, وأخذوا السُّقاة وسألوهم, فأخبروهم, فذلك قوله: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، هم أهل مكة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، إلى آخر الآية، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهم يريدون يعترضون عِيرًا لقريش. قال: وخرج الشيطان في صورة سُرَاقة بن جعشم, حتى أتى أهل مكة فاستغواهم، وقال: إنّ محمدًا وأصحابه قد عرضوا لعيركم! وقال: لا غالبَ لكم اليوم من الناس من مثلكم, وإنّي جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله! فخرجوا ونادوا أن لا يتخلف منا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه! وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالروحاء عينًا للقوم, فأخبره بهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد وعدكم العير أو القوم! فكانت العير أحبّ إلى القوم من القوم, كان القتال في الشوكة, والعير ليس فيها قتال, وذلك قول الله عز وجل: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال: « الشوكة » ، القتال, و « غير الشوكة » ، العير.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثنا عبد الله بن وهب, عن ابن لهيعة, عن ابن أبي حبيب, عن أبي عمران, عن أبي أيوب قال: أنـزل الله جل وعز: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) ، فلما وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا، طابت أنفسنا: و « الطائفتان » ، عِير أبي سفيان, أو قريش.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة, عن يزيد بن أبي حبيب, عن أسلم أبي عمران الأنصاري, أحسبه قال: قال أبو أيوب: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قالوا: « الشوكة » القوم و « غير الشوكة » العير، فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين، إما العير وإما القوم, طابت أنفسنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني يعقوب بن محمد قال، حدثني غير واحد في قوله: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، إن « الشوكة » ، قريش.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، هي عير أبي سفيان, ودّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم، وأن القتال صُرِف عنهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، أي الغنيمة دون الحرب.

وأما قوله: ( أنها لكم ) ، ففتحت على تكرير « يعد » , وذلك أن قوله: ( يعدكم الله ) ، قد عمل في « إحدى الطائفتين » .

فتأويل الكلام: ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ، يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم, كما قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً . [ سورة الزخرف : 66 ] .

قال: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، فأنث « ذات » ، لأنه مراد بها الطائفة. ومعنى الكلام: وتودون أن الطائفة التي هي غير ذات الشوكة تكون لكم, دون الطائفة ذات الشوكة.

 

القول في تأويل قوله : وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ( 7 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يحق الإسلام ويعليه

« بكلماته » , يقول: بأمره إياكم، أيها المؤمنون، بقتال الكفار, وأنتم تريدون الغنيمة، والمال وقوله: ( ويقطع دابر الكافرين ) ، يقول: يريد أن يَجُبَّ أصل الجاحدين توحيدَ الله.

وقد بينا فيما مضى معنى « دابر » , وأنه المتأخر, وأن معنى: « قطعه » ، الإتيان على الجميع منهم.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قول الله: ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ) ، أن يقتل هؤلاء الذين أراد أن يقطع دابرهم, هذا خيرٌ لكم من العير.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) ، أي: الوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر.

 

القول في تأويل قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويريد الله أن يقطع دابر الكافرين، كيما يحق الحق, كيما يُعبد الله وحده دون الآلهة والأصنام, ويعزّ الإسلام, وذلك هو « تحقيق الحق » ( ويبطل الباطل ) ، يقول ويبطل عبادة الآلهة والأوثان والكفر، ولو كره ذلك الذين أجرموا فاكتسبوا المآثم والأوزار من الكفار.

حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: ( ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) ، هم المشركون.

وقيل: إن « الحق » في هذا الموضع، الله عز وجل.

 

القول في تأويل قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ، حين تستغيثون ربكم ف « إذْ » من صلة « يبطل » .

ومعنى قوله: ( تستغيثون ربكم ) ، تستجيرون به من عدوكم, وتدعونه للنصر عليهم « فاستجاب لكم » فأجاب دعاءكم، بأني ممدكم بألف من الملائكة يُرْدِف بعضهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وجاءت الرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . * ذكر الأخبار بذلك:

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا عبد الله بن المبارك, عن عكرمة بن عمار قال، حدثني سماك الحنفي قال، سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، ونظرَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وعِدّتهم, ونظر إلى أصحابه نَيِّفا على ثلاثمئة, فاستقبل القبلة, فجعل يدعو يقول: « اللهم أنجز لي ما وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض! » ، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه, وأخذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فوضع رداءه عليه, ثم التزمه من ورائه, ثم قال: كفاك يا نبي الله، بأبي وأمي، مناشدتَك ربك, فإنه سينجز لك ما وعدك! فأنـزل الله: ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: لما اصطفَّ القوم, قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا!

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم ربنا أنـزلت علي الكتاب, وأمرتني بالقتال, ووعدتني بالنصر, ولا تخلف الميعاد! فأتاه جبريلُ عليه السلام, فأنـزل الله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ،

[ سورة آل عمران: 124- 125 ] .

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي إسحاق, عن زيد بن يُثَيْع قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: اللهم انصر هذه العصابة, فإنك إن لم تفعل لن تعبد في الأرض! قال: فقال أبو بكر: بعضَ مناشدتك مُنْجِزَك ما وعدك.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويستغيثه ويستنصره, فأنـزل الله عليه الملائكة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: ( إذ تستغيثون ربكم ) ، قال: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( إذ تستغيثون ربكم ) ، أي: بدعائكم، حين نظروا إلى كثرة عدوهم وقلة عددهم « فاستجاب لكم » ، بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائكم معه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن أبي حصين, عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشد النِّشدة يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك, فوالله ليفيَنَّ الله لك بما وعدك!

وأما قوله: ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ، فقد بينا معناه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ، يقول: المزيد, كما تقول: « ائت الرجل فزده كذا وكذا » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير, عن هارون بن عنترة [ عن أبيه ] ، عن أبيه, عن ابن عباس: ( مردفين ) ، قال: متتابعين.

. . . . قال، حدثني أبي, عن سفيان, عن هارون بن عنترة, [ عن أبيه ] ، عن ابن عباس, مثله.

حدثني سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال، حدثنا أبو كدينة, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: ( ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) ، قال: وراء كل ملك ملك.

حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبي كدينة يحيى بن المهلب, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس: ( مردفين ) ، قال: متتابعين.

. . . . قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج بن أرطأة, عن قابوس قال: سمعت أبا ظبيان يقول: ( مردفين ) ، قال: الملائكة، بعضهم على إثر بعض.

. . . . قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: ( مردفين ) ، قال: بعضهم على إثر بعض.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: ( مردفين ) ، قال: ممدِّين قال ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قال: ( مردفين ) ، « الإرداف » ، الإمداد بهم.

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( بألف من الملائكة مردفين ) ، أي متتابعين.

حدثنا [ محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ] قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( بألف من الملائكة مردفين ) ، يتبع بعضهم بعضًا.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( مردفين ) ، قال: « المردفين » ، بعضهم على إثر بعض, يتبع بعضهم بعضًا.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( بألف من الملائكة مردفين ) ، يقول: متتابعين، يوم بدر.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: « مُرْدَفِينَ » ، بنصب الدال.

وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين والبصريين: ( مُرْدِفِينَ ) .

وكان أبو عمرو يقرؤه كذلك, ويقول فيما ذكر عنه: هو من « أردف بعضهم بعضًا » .

وأنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب وقال: إنما « الإرداف » ، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه. قال: ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر.

واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قرئ بفتح الدال أو بكسرها.

فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قرئ بالكسر: أن الملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضًا، على لغة من قال: « أردفته » . وقالوا: العرب تقول: « أردفته » . و « رَدِفته » , بمعنى « تبعته » و « أتبعته » ، واستشهد لصحة قولهم ذلك بما قال الشاعر:

إِذَا الْجَـــوْزَاءُ أرْدَفَــتِ الثُّرَيَّــا ظَنَنْــتُ بِــآلِ فَاطِمَــةَ الظُّنُونَـا

قالوا: فقال الشاعر: « أردفت » , وإنما أراد « ردفت » ، جاءت بعدها, لأن الجوزاء تجئ بعد الثريا.

وقالوا معناه إذا قرئ ( مردَفين ) ، أنه مفعول بهم, كأن معناه: بألف من الملائكة يُرْدِف الله بعضهم بعضًا.

وقال آخرون: معنى ذلك، إذا كسرت الدال: أردفت الملائكة بعضها بعضًا وإذا قرئ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) ، بكسر الدال، لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم، أن معناه: يتبع بعضهم بعضًا، ومتتابعين ففي إجماعهم على ذلك من التأويل، الدليلُ الواضح على أن الصحيح من القراءة ما اخترنا في ذلك من كسر الدال, بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضًا, ومسموع من العرب: « جئت مُرْدِفًا لفلان » ، أي: جئت بعده.

وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرئ « مردَفين » بفتح الدال: أن الله أردفَ المسلمين بهم فقولٌ لا معنى له، إذ الذكر الذي في « مردفين » من الملائكة دون المؤمنين. وإنما معنى الكلام: أن يمدكم بألف من الملائكة يُرْدَف بعضهم ببعض. ثم حذف ذكر الفاعل, وأخرج الخبر غير مسمَّى فاعلُه, فقيل: ( مردَفين ) ، بمعنى: مردَفٌ بعض الملائكة ببعض.

ولو كان الأمر على ما قاله من ذكرنا قوله، وجب أن يكون في « المردفين » ذكر المسلمين، لا ذكر الملائكة. وذلك خلاف ما دلّ عليه ظاهر القرآن.

وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى, وهي ما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الله بن يزيد: « مُرَدِّفِينَ » و « مُرِدِّفِينَ » و « مُرُدِّفِينَ » , مثقَّل على معنى: « مُرْتَدِفين » .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الزمعي, عن أبي الحويرث, عن محمد بن جبير, عن علي رضي الله عنه قال: نـزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه, ونـزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم , وأنا فيها.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لم يجعل الله إردافَ الملائكة بعضها بعضًا وتتابعها بالمصير إليكم، أيها المؤمنون، مددًا لكم « إلا بشرى » لكم، أي: بشارة لكم، تبشركم بنصر الله إياكم على أعدائكم « ولتطمئن به قلوبكم » ، يقول: ولتسكن قلوبكم بمجيئها إليكم, وتوقن بنصرة الله لكم « وما النصر إلا من عند الله » ، يقول: وما تنصرون على عدوكم، أيها المؤمنون، إلا أن ينصركم الله عليهم, لا بشدة بأسكم وقواكم, بل بنصر الله لكم, لأن ذلك بيده وإليه, ينصر من يشاء من خلقه « إن الله عزيز حكيم » يقول: إن الله الذي ينصركم، وبيده نصرُ من يشاء من خلقه « عزيز » ، لا يقهره شيء, ولا يغلبه غالب, بل يقهر كل شيء ويغلبه, لأنه خلقه « حكيم » ، يقول: حكيم في تدبيره ونصره من نصر, وخذلانه من خذل من خلقه, لا يدخل تدبيره وهن ولا خَلل.

وروي عن عبد الله بن كثير عن مجاهد في ذلك، ما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال، أخبرني ابن كثير: انه سمع مجاهدًا يقول: ما مدّ النبي صلى الله عليه وسلم مما ذكر الله غيرُ ألف من الملائكة مردفين, وذكر « الثلاثة » و « الخمسة » بشرى, ما مدُّوا بأكثر من هذه الألف الذي ذكر الله عز وجل في « الأنفال » ، وأما « الثلاثة » و « الخمسة » , فكانت بشرَى.

وقد أتينا على ذلك في « سورة آل عمران » ، بما فيه الكفاية.

 

القول في تأويل قوله : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ( 11 ) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، « إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ » ، ويعني بقوله: ( يغشيكم النعاس ) ، يلقي عليكم النعاس ( أمنة ) يقول: أمانًا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم, وكذلك النعاس في الحرب أمنة من الله عز وجل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله قال: النعاس في القتال، أمنةٌ من الله عز وجل, وفي الصلاة من الشيطان.

حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري في قوله: « يغشاكم النعاس أمنة منه » , عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله, بنحوه, قال: قال عبد الله، فذكر مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن عبد الله بنحوه.

و « الأمنة » مصدر من قول القائل: « أمنت من كذا أمَنَة، وأمانًا، وأمْنًا » وكل ذلك بمعنى واحد.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( أمنة منه ) ، أمانًا من الله عز وجل.

. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( أمنة ) ، قال: أمنًا من الله.

حدثني يونس قال، حدثنا ابن وهب قال، قال ابن زيد قوله: ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) ، قال: أنـزل الله عز وجل النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أحد. فقرأ: ثُمَّ أَنْـزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [ سورة آل عمران: 154 ] .

واختلفت القرأة في قراءة قوله: « إذ يغشيكم النعاس أمنة منه » ،

فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: « يُغْشِيكُمُ النُّعَاسَ » بضم الياء وتخفيف الشين، ونصب « النعاس » , من: « أغشاهم الله النعاس فهو يغشيهم » .

وقرأته عامة قرأة الكوفيين: ( يُغَشِّيكُمُ ) ، بضم الياء وتشديد الشين، من: « غشّاهم الله النعاس فهو يغشِّيهم » .

وقرأ ذلك بعض المكيين والبصريين: « يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ » ، بفتح الياء ورفع « النعاس » , بمعنى: « غشيهم النعاس فهو يغشاهم » .

واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله في « آل عمران » : يَغْشَى طَائِفَةً [ سورة آل عمران: 154 ] .

قال أبو جعفر: وأولى ذلك بالصواب: ( إِذْ يُغَشِّيكُمْ ) ، على ما ذكرت من قراءة الكوفيين, لإجماع جميع القراء على قراءة قوله: ( وينـزل عليكم من السماء ماء ) ، بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل الله عز وجل, فكذلك الواجب أن يكون كذلك ( يغشيكم ) ، إذ كان قوله: ( وينـزل ) ، عطفًا على « يغشي » , ليكون الكلام متسقًا على نحو واحد.

وأما قوله عز وجل: ( وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) ، فإن ذلك مطرٌ أنـزله الله من السماء يوم بدر ليطهر به المؤمنين لصلاتهم، لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مُجْنبِين على غير ماء. فلما أنـزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء, فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر. فذلك ربطه على قلوبهم، وتقويته أسبابهم، وتثبيته بذلك المطر أقدامهم, لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة ميثثاء، فلبَّدها المطر، حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها, توطئةً من الله عز وجل لنبيه عليه السلام وأوليائه، أسبابَ التمكن من عدوهم والظفر بهم.

وبمثل الذي قلنا تتابعت الأخبار عن [ أصحاب ] رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من أهل العلم.

* ذكر الأخبار الواردة بذلك:

حدثنا هارون بن إسحاق قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق, عن حارثة, عن علي رضي الله عنه قال: أصابنا من الليل طَشّ من المطر يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف نستظل تحتها من المطر, وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض! » فلما أن طلع الفجر، نادى: « الصلاة عبادَ الله! » ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف, فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , وحرض على القتال.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث وأبو خالد, عن داود, عن سعيد بن المسيب: ( ماء ليطهركم به ) ، قال: طش يوم بدر.

حدثني الحسن بن يزيد قال، حدثنا حفص, عن داود, عن سعيد, بنحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن أبي عدي وعبد الأعلى, عن داود, عن الشعبي وسعيد بن المسيب, قالا طش يوم بدر.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن الشعبي وسعيد بن المسيب في هذه الآية: ( ينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) ، قالا طشٌّ كان يوم بدر, فثبَّت الله به الأقدام.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إذ يغشاكم النعاس أمنة منه » الآية, ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماءً, واقتتلوا على كثيب أعفر, فلبَّده الله بالماء, وشرب المسلمون وتوضأوا وسقوْا, وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال، نـزل النبي صلى الله عليه وسلم يعني: حين سار إلى بدر والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دَعْصَة ، فأصاب المسلمين ضعف شديد, وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ, فوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله, وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون مُجْنِبين! فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا, فشرب المسلمون وتطهروا, وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر, ومشى الناس عليه والدوابّ، فساروا إلى القوم, وأمدّ الله نبيه بألف من الملائكة, فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنِّبةً, وميكائيل في خمسمائة مجنبةً.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « إذ يغشاكم النعاس أمنة منه » إلى قوله: ( ويثبت به الأقدام ) ، وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عنها, نـزلوا على الماء يوم بدر, فغلبوا المؤمنين عليه, فأصاب المؤمنين الظمأ, فجعلوا يصلون مجنبين مُحْدِثين, حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنـزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي, فشرب المسلمون، وملئوا الأسقية, وسقوا الرِّكاب، واغتسلوا من الجنابة, فجعل الله في ذلك طهورًا, وثبت الأقدام. وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رَملة، فبعث الله عليها المطر، فضربها حتى اشتدَّت, وثبتت عليها الأقدام.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون, فسبقهم المشركون إلى ماء بدر فنـزلوا عليه, وانصرف أبو سفيان وأصحابه تِلْقاء البحر, فانطلقوا. قال: فنـزلوا على أعلى الوادي, ونـزل محمد صلى الله عليه وسلم في أسفله. فكان الرجل من أصحاب محمد عليه السلام يُجْنِب فلا يقدر على الماء, فصلي جُنُبًا, فألقى الشيطان في قلوبهم فقال: كيف ترجون أن تظهروا عليهم، وأحدكم يقوم إلى الصلاة جنبًا على غير وضوء!، قال: فأرسل الله عليهم المطر, فاغتسلوا وتوضأوا وشربوا, واشتدّت لهم الأرض, وكانت بطحاء تدخل فيها أرجلهم, فاشتدت لهم من المطر، واشتدُّوا عليها.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: غلب المشركون المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين, وكانت بينهم رمال, فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزَن, فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياء الله, وقد غلبتم على الماء، وتصلون مُجْنبين محدثين! قال: فأنـزل الله عز وجل ماء من السماء, فسال كل وادٍ, فشرب المسلمون وتطهروا, وثبتت أقدامهم, وذهبت وسوسة الشيطان.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( ماء ليطهركم به ) ، قال: المطر، أنـزله عليهم قبل النعاس ( رجز الشيطان ) ، قال: وسوسته. قال: فأطفأ بالمطر الغبار, والتبدت به الأرض, وطابت به أنفسهم, وثبتت به أقدامهم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( ماء ليطهركم به ) ، أنـزله عليهم قبل النعاس, طبَّق بالمطر الغبار, ولبّد به الأرض, وطابت به أنفسهم, وثبتت به الأقدام.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( ماء ليطهركم به ) ، قال: القطر ( ويذهب عنكم رجز الشيطان ) ، وساوسه. أطفأ بالمطر الغبار, ولبد به الأرض, وطابت به أنفسهم, وثبتت به أقدامهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « رجز الشيطان » ، وسوسته.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) ، قال: هذا يوم بدر أنـزل عليهم القطر ( وليذهب عنكم رجز الشيطان ) ، الذي ألقى في قلوبكم: ليس لكم بهؤلاء طاقة! ( وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إذ يغشاكم النعاس أمنة منه ) ، إلى قوله: ( ويثبت به الأقدام ) ، إن المشركين نـزلوا بالماء يوم بدر, وغلبوا المسلمين عليه, فأصاب المسلمين الظمأ, وصلوا محدثين مجنبين, فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزَن, ووسوس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياء الله، وأن محمدًا نبي الله, وقد غلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين! فأمطر الله السماء حتى سال كل واد, فشرب المسلمون وملأوا أسقيتهم، وسقوا دوابهم، واغتسلوا من الجنابة, وثبت الله به الأقدام. وذلك أنهم كان بينهم وبين عدوهم رملة لا تجوزها الدواب, ولا يمشي فيها الماشي إلا بجَهد, فضربها الله بالمطر حتى اشتدت، وثبتت فيها الأقدام.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: « إذ يغشاكم النعاس أمنة منه » ، أي: أنـزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون, « وينـزل عليكم من السماء ماء » ، للمطر الذي أصابهم تلك الليلة, فحبس المشركون أن يسبقوا إلى الماء, وخلَّي سبيل المؤمنين إليه ( ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) ، ليذهب عنهم شك الشيطان، بتخويفه إياهم عدوهم, واستجلاد الأرض لهم, حتى انتهوا إلى منـزلهم الذي سبق إليه عدوهم.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: ثم ذكر ما ألقى الشيطان في قلوبهم من شأن الجنابة، وقيامهم يصلون بغير وضوء, فقال: « إذ يغشيكم النعاسَ أمنة منه وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام » ، حتى تشتدون على الرمل, وهو كهيئة الأرض.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا داود بن أبي هند قال: قال رجل عند سعيد بن المسيب وقال مرة: قرأ ( وينـزل عليكم من السماء ماء ليطهِّركم به ) ، فقال سعيد: إنما هي: « وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ » . قال: وقال الشعبي: كان ذلك طشًا يوم بدر.

وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة, أن مجاز قوله: ( ويثبت به الأقدام ) ، ويفرغ عليهم الصبر وينـزله عليهم, فيثبتون لعدوهم.

وذلك قولٌ خِلافٌ لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين, وحَسْبُ قولٍ خطًأ أن يكون خلافًا لقول من ذكرنا، وقد بينا أقوالهم فيه, وأن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابِّهم.

وأما قوله: ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ) ، أنصركم ( فثبتوا الذين آمنوا ) ، يقول: قوُّوا عزمهم, وصححوا نياتهم في قتال عدوهم من المشركين.

وقد قيل: إن تثبيت الملائكة المؤمنين، كان حضورهم حربهم معهم.

وقيل: كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم.

وقيل: كان ذلك بأن الملك يأتي الرجلَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك, فتقوى أنفسهم. قالوا: وذلك كان وحي الله إلى ملائكته.

وأما ابن إسحاق, فإنه قال بما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( فثبتوا الذين آمنوا ) ، أي: فآزروا الذين آمنوا.

 

القول في تأويل قوله : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ( 12 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: سَأرْعِبُ قلوب الذين كفروا بي، أيها المؤمنون، منكم, وأملأها فرقًا حتى ينهزموا عنكم « فاضربوا فوق الأعناق » .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( فوق الأعناق ) .

فقال بعضهم: معناه: فاضربوا الأعناق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية: ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، قال: اضربوا الأعناق.

. . . . قال، حدثنا أبي, عن المسعودي, عن القاسم, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله, إنما بعثت لضرب الأعناق وشدِّ الوَثَاق.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، يقول: اضربوا الرقاب.

واحتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول: « رأيت نفس فلان » , بمعنى: رأيته. قالوا: فكذلك قوله: ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، إنما معناه: فاضربوا الأعناق.

وقال آخرون: بل معنى ذلك، فاضربوا الرؤوس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة: ( فاضربوا فوق الأعناق ) ، قال: الرؤوس.

واعتلّ قائلو هذه المقالة بأن الذي « فوق الأعناق » ، الرؤوس. قالوا: وغير جائز أن تقول: « فوق الأعناق » , فيكون معناه: « الأعناق » . قالوا: ولو جاز ذلك، جاز أن يقال « تحت الأعناق » , فيكون معناه: « الأعناق » . قالوا: وذلك خلاف المعقول من الخطاب, وقلبٌ لمعاني الكلام.

وقال آخرون: معنى ذلك: فاضربوا على الأعناق، وقالوا: « على » و « فوق » معناهما متقاربان, فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: أن الله أمر المؤمنين، مُعَلِّمَهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف: أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدي والأرجل. وقوله: ( فوق الأعناق ) ، محتمل أن يكون مرادًا به الرؤوس, ومحتمل أن يكون مرادًا له: من فوق جلدة الأعناق, فيكون معناه: على الأعناق. وإذا احتمل ذلك، صح قول من قال، معناه: الأعناق. وإذا كان الأمر محتملا ما ذكرنا من التأويل, لم يكن لنا أن نوجِّهه إلى بعض معانيه دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها, ولا حجة تدلّ على خصوصه, فالواجب أن يقال: إن الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم، أصحابَ نبيه صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرًا.

وأما قوله: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، فإن معناه: واضربوا، أيها المؤمنون، من عدوكم كل طَرَف ومَفْصِل من أطراف أيديهم وأرجلهم.

و « البنان » : جمع « بنانة » , وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين, ومن ذلك قول الشاعر:

أَلا لَيْتَنِــي قَطَّعْــتُ مِنِّــي بَنَانَـةً وَلاقَيْتُـهُ فِـي الْبَيْـتِ يَقْظَـانَ حاذِرَا

يعني ب « البنانة » واحدة « البنان » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال: كل مفصِل.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال: المفاصل.

. . . . قال: حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال: كل مفصل.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال: الأطراف. ويقال: كل مفصل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، يعني: بالبنان، الأطراف.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، قال: الأطراف.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( واضربوا منهم كل بنان ) ، يعني: الأطراف.

 

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 13 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ( ذلك بأنهم ) ، هذا الفعل من ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم, جزاءٌ لهم بشقاقهم الله ورسوله, وعقاب لهم عليه.

ومعنى قوله: ( شاقوا الله ورسوله ) ، فارقوا أمرَ الله ورسوله وعصوهما, وأطاعوا أمرَ الشيطان.

ومعنى قوله: ( ومن يشاقق الله ورسوله ) ، ومن يخالف أمرَ الله وأمر رسوله ففارق طاعتهما ( فإن الله شديد العقاب ) ، له. وشدة عقابه له: في الدنيا، إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم, وفي الآخرة، الخلودُ في نار جهنم وحذف « له » من الكلام، لدلالة الكلام عليها.

 

القول في تأويل قوله : ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ( 14 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا العقابُ الذي عجلته لكم، أيها الكافرون المشاقون لله ورسوله، في الدنيا, من الضرب فوق الأعناق منكم, وضرب كل بنان، بأيدي أوليائي المؤمنين, فذوقوه عاجلا واعلموا أن لكم في الآجل والمعاد عذابَ النار.

ولفتح « أن » من قوله: ( وأن للكافرين ) ، من الإعراب وجهان:

أحدهما الرفع, والآخر: النصبُ.

فأما الرفع، فبمعنى: ذلكم فذوقوه, ذلكم وأن للكافرين عذاب النار بنية تكرير « ذلكم » , كأنه قيل: ذلكم الأمر، وهذا.

وأما النصب: فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه, واعلموا, أو: وأيقنوا أن للكافرين فيكون نصبه بنية فعل مضمر, قال الشاعر:

وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا

بمعنى: وحاملا رمحًا.

والآخر: بمعنى: ذلكم فذوقوه, وبأن للكافرين عذاب النار ثم حذفت « الباء » ، فنصبت.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ( إذا لقيتم الذين كفروا ) في القتال ( زحفًا ) ، يقول: متزاحفًا بعضكم إلى بعض و « التزاحف » ، التداني والتقارب « فلا تولوهم الأدبار » ، يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم, ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم عليهم « ومن يولهم يومئذ دبره » ، يقول: ومن يولهم منكم ظهره ( إلا متحرفًا لقتال ) ، يقول: إلا مستطردًا لقتال عدوه، يطلب عورةً له يمكنه إصابتها فيكرّ عليه ( أو متحيزًا إلى فئة ) أو: إلا أن يوليهم ظهره متحيزًا إلى فئة, يقول: صائرًا إلى حَيِّز المؤمنين الذين يفيئون به معهم إليهم لقتالهم، ويرجعون به معهم إليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: ( إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة ) ، قال: « المتحرف » ، المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدوّ فيصيبها. قال، و « المتحيز » ، الفارّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره أو أصحابه. قال الضحاك: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أن لا يفروا. وإنما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام و أصحابه فئتَهم.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة ) ، أما « المتحرف » ، يقول: إلا مستطردًا, يريد العودة ( أو متحيزًا إلى فئة ) ، قال: « المتحيز » ، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة, ولا يُعذَر الناس وإن كثروا أن يُوَلُّوا عن الإمام.

واختلف أهل العلم في حكم قول الله عز وجل: ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم ) ، هل هو خاص في أهل بدر, أم هو في المؤمنين جميعًا؟

فقال قوم: هو لأهل بدر خاصة, لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليومَ فلهم الانهزام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن أبي نضرة في قول الله عز وجل: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: ذاك يوم بدر, ولم يكن لهم أن ينحازوا, ولو انحاز أحدٌ لم ينحز إلا إلي قال أبو موسى: يعني: إلى المشركين.

حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد, عن داود, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد قوله عز وجل: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين, ولم يكن يومئذ مسلم في الأرض غيرهم.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن مفضل قال، حدثنا داود, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد قال: نـزلت في يوم بدر: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) .

حدثني ابن المثنى, وعلي بن مسلم الطوسي قال ابن المثنى: حدثني عبد الصمد وقال علي: حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة, عن داود, يعني ابن أبي هند, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: يوم بدر قال أبو موسى: حدثت أن في كتاب غندر هذا الحديث: عن داود, عن الشعبي, عن أبي سعيد.

حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا علي بن عاصم, عن داود بن أبي هند, عن أبي نضرة, عن أبي سعيد الخدري قال: إنما كان ذلك يوم بدر، لم يكن للمسلمين فئة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما بعد ذلك, فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن أبي نضرة: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: هذه نـزلت في أهل بدر.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن قوله: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، أكان ذلك اليوم، أم هو بعد؟ قال: وكتب إليّ: « إنما كان ذلك يوم بدر » .

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد, عن سفيان, عن جويبر, عن الضحاك قال: إنما كان الفرار يوم بدر, ولم يكن لهم ملجأ يلجأون إليه. فأما اليوم، فليس فرارً.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الربيع, عن الحسن: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة, ليس الفرار من الزحف من الكبائر.

. . . . قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن الضحاك: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: كانت هذه يوم بدر خاصة.

. . . . قال، حدثنا روح بن عبادة, عن حبيب بن الشهيد, عن الحسن: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: نـزلت في أهل بدر.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد, عن قتادة: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: ذلكم يوم بدر.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك. عن المبارك بن فضالة, عن الحسن: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: ذلك يوم بدر. فأما اليوم، فإن انحاز إلى فئة أو مصر أحسبه قال: فلا بأس به.

حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان, عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: إنما هذا يوم بدر.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك, عن ابن لهيعة قال، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النارَ. قال: ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ) ، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [ سورة آل عمران: 155 ] . ثم كان حنين، بعد ذلك بسبع سنين فقال: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [ سورة التوبة: 25 ] : ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [ سورة التوبة: 27 ] .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن عون, عن محمد, أن عمر رحمة الله عليه بلغه قتل أبي عبيدٍ فقال: لو تحيز إليّ! إنْ كنتُ لَفِئَةً!

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك, عن جرير بن حازم قال، حدثني قيس بن سعد قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن قوله: ( ومن يولهم يومئذ دبره ) ، قال: هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، [ سورة الأنفال: 66 ] . قال: وليس لقوم أن يفرُّوا من مثلَيْهم. قال: ونسخت تلك إلا هذه العِدّة.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سليمان التيمي, عن أبي عثمان قال: لما قتل أبو عبيد، جاء الخبر إلى عمر فقال: يا أيها الناس، أنا فئتكم.

. . . . قال: ابن المبارك, عن معمر وسفيان الثوري وابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: قال عمر رضي الله عنه: أنا فئة كل مسلم.

وقال آخرون: بل هذه الآية حكمها عام في كل من ولى الدبر عن العدو منهزمًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الشرك بالله, والفرار من الزحف، لأن الله عز وجل يقول: ( ومن يولهم يومئذ دبره... فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) .

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في هذه الآية بالصواب عندي قولُ من قال: حكمها محكم, وأنها نـزلت في أهل بدر, وحكمها ثابت في جميع المؤمنين, وأن الله حرّم على المؤمنين إذا لقوا العدو، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرفٍ القتال, أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام, وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتالٍ منهزمًا بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما, فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه.

وإنما قلنا هي محكمة غير منسوخة, لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره: أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل, ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة ) .

وأما قوله: ( فقد باء بغضب من الله ) ، يقول: فقد رجع بغضب من الله ( ومأواه جهنم ) ، يقول: ومصيره الذي يصير إليه في معاده يوم القيامة جهنم « وبئس المصير » , يقول: وبئس الموضع الذي يصير إليه ذلك المصير.

 

القول في تأويل قوله : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 17 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله، ممن شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين، أيها المؤمنون، أنتم, ولكن الله قتلهم.

وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه, ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشركين, إذ كان جل ثناؤه هو مسبِّب قتلهم, وعن أمره كان قتالُ المؤمنين إياهم. ففي ذلك أدلُّ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون لله في أفعال خلقه صُنْعٌ به وَصَلوا إليها.

وكذلك قوله لنبيه عليه السلام: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، فأضاف الرميَ إلى نبي الله, ثم نفاه عنه, وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي, إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرميَّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين, والمسبِّب الرمية لرسوله.

فيقال للمنكرين ما ذكرنا قد علمتم إضافة الله رَمْيِ نبيه صلى الله عليه وسلم المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيَّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، كان من الله تسبيبه وتسديده, ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذفُ والإرسال, فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله الإنشاء والإنجاز بالتسبيب, ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا في أحدهما قولا إلا ألزموا في الآخر مثله.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( فلم تقتلوهم ) ، لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا: « قتلت » , وهذا: « قتلت » ( وما رميت إذ رميت ) ، قال لمحمد حين حَصَب الكفار.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد,بنحوه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر عن قتادة: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، قال: رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحصباء يوم بدر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن أيوب, عن عكرمة قال: ما وقع منها شيء إلا في عين رجل.

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبان العطار قال، حدثنا هشام بن عروة قال: لما ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا قال: هذه مصارعهم! ووَجد المشركون النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد سبقهم إليه ونـزل عليه, فلما طلعوا عليه زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « هذه قريش قد جاءت بجَلَبتها وفخرها، تحادُّك وتكذب رسولك, اللهم إني أسألك ما وعدتني! » . فلما أقبلوا استقبلهم, فحثا في وجوههم, فهزمهم الله عز وجل.

حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز بن عمران قال، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة, عن يزيد بن عبد الله, عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة, عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر, سمعنا صوتًا وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طَسْت, ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية فانهزمنا.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن قيس، ومحمد بن كعب القرظي قالا لما دنا القوم بعضهم من بعض, أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم, وقال: « شاهت الوجوه! » ، فدخلت في أعينهم كلهم, وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم, وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنـزل الله: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، الآية, إلى: ( إن الله سميع عليم ) .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( وما رميت إذ رميت ) ، الآية, ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها وجوه الكفار, فهزموا عند الحجر الثالث.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين التقى الجمعان يوم بدر لعلي: « أعطني حصًا من الأرض » ، فناوله حصى عليه تراب، فرمى به وجوه القوم, فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء، ثم رَدِفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، فذكر رميةَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، قال: هذا يوم بدر, أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات, فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: « شاهت الوجوه! » ، وانهزموا, فذلك قول الله عز وجل: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يوم بدر فقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا! فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب! فأخذ قبضة من التراب, فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصابَ عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة, فولُّوا مدبرين.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: قال الله عز وجل في رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصباء من يده حين رماهم: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) ، أي: لم يكن ذلك برميتك، لولا الذي جعل الله فيها من نصرك, وما ألقى في صدور عدوك منها حين هزمهم الله.

وروي عن الزهري في ذلك قول خلاف هذه الأقوال, وهو ما:-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري: ( وما رميت إذ رميت ) ، قال: جاء أبي بن خلف الجمحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل, فقال: « آلله محيي هذا، يا محمد، وهو رميم؟ » ، وهو يفتُّ العظم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يحييه الله, ثم يميتك, ثم يدخلك النار! قال: فلما كان يوم أحد قال: والله لأقتلن محمدًا إذا رأيته! فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.

وأما قوله: ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا ) ، فإنّ معناه: وكي ينعم على المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم, ويغنّمهم ما معهم, ويكتب لهم أجور أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وذلك « البلاء الحسن » , رمي الله هؤلاء المشركين، ويعني ب « البلاء الحسن » ، النعمة الحسنة الجميلة, وهي ما وصفت وما في معناه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال في قوله: ( وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنًا ) ، أي ليعرِّف المؤمنين من نعمه عليهم، في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم, ليعرفوا بذلك حقه، وليشكروا بذلك نعمته.

وقوله: ( إن الله سميع عليم ) ، يعني: إن الله سميع، أيها المؤمنون، لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومناشدته ربه، ومسألته إياه إهلاكَ عدوه وعدوكم، فقيل له: إنْ يَكُ إلا جحْش ! قال: أليسَ قال: أنا أقتلك؟ والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا! « »

ولقِيلكم وقيل جميع خلقه « عليم » ، بذلك كله، وبما فيه صلاحكم وصلاح عباده, وغير ذلك من الأشياء، محيط به, فاتقوه وأطيعوا أمرَه وأمر رسوله.

 

القول في تأويل قوله : ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ( 18 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( ذلكم ) ، هذا الفعل من قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا, وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم، وإمكانهم من قتلهم وأسرهم فعلنا الذي فعلنا ( وأنّ الله موهن كيد الكافرين ) ، يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِف « كيد الكافرين » , يعنى: مكرهم, حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا.

وفى فتح « أن » من الوجوه ما في قوله: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ، [ سورة الأنفال: 14 ] ، وقد بينته هنالك.

وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: ( موهن ) .

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والبصريين: « مُوَهِّنُ » بالتشديد, من: « وهَّنت الشيء » ، ضعَّفته.

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( مُوهِنُ ) ، من أوهنته فأنا موهنه « , بمعنى: أضعفته. »

قال أبو جعفر: والتشديد في ذلك أعجبُ إليّ، لأن الله تعالى كان ينقض ما يبرمه المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, عقدًا بعد عَقْدٍ, وشيئًا بعد شيء, وإن كان الآخرُ وجهًا صحيحًا.

 

القول في تأويل قوله : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم، وأظلم الفئتين, وتستنصروه عليه, فقد جاءكم حكم الله، ونصرُه المظلوم على الظالم, والمحق على المبطل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

. . . . قال: حدثنا سويد بن عمرو الكلبي, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير, عن ابن عباس قوله: ( إن تستفتحوا ) ، قال: إن تستقضوا القضاء وإنه كان يقول: ( وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ) ، قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلمه إلا ذلك

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال: كفار قريش في قولهم: « ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه » ! ففُتح بينهم يوم بدر.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال: استفتح أبو جهل فقال: اللهم يعني محمدًا ونفسه « أيُّنا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم » ! قال الله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الزهري في قوله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال: استفتح أبو جهل بن هشام فقال: « اللهم أيُّنا كان أفجر لك وأقطعَ للرحم، فأحنه اليوم! » يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام ونفسه. قال الله عز وجل: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوِّذ, وأجهزَ عليه ابن مسعود.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنى عقيل, عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العدوي، حليف بني زهرة, أن المستفتح يومئذ أبو جهل, وأنه قال حين التقى القوم: « أينا أقطعُ للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة » ! فكان ذلك استفتاحه, فأنـزل الله في ذلك: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، الآية.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، الآية, يقول: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرةً لمن اعتبر.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة, أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: « اللهم انصر أعز الجندين, وأكرم الفئتين, وخير القبيلتين » ! فقال الله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، يقول: نصرت ما قلتم, وهو محمد صلى الله عليه وسلم .

حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) إلى قوله: ( وأن الله مع المؤمنين ) ، وذلك حين خرج المشركون ينظرون عِيرَهم, وإن أهلَ العير، أبا سفيان وأصحابه، أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم, فقال أبو جهل: « أينا كان خيرًا عندك فانصره » ! وهو قوله: ( إن تستفتحوا ) ، يقول: تستنصروا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، قال: إن تستفتحوا العذاب, فعُذِّبوا يوم بدر. قال: وكان استفتاحهم بمكة, قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، [ سورة الأنفال: 32 ] . قال: فجاءهم العذاب يوم بدر. وأخبر عن يوم أحد: ( وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: « اللهم انصر أهدى الفئتين, وخير الفئتين وأفضل » فنـزلت: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

. . . . قال، حدثنا عبد الأعلى, عن معمر, عن الزهري: أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال: « اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه, فأحِنْه اليوم » ! فأنـزل الله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

. . . . قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن ابن إسحاق, عن الزهري, عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل, قال يوم بدر: اللهمّ أقطعنا لرحمه, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه الغداة! « . وكان ذلك استفتاحًا منه, فنـزلت: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، الآية. »

. . . . قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن إبراهيم بن سعد, عن صالح بن كيسان, عن الزهري, عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: كان المستفتح يوم بدر أبا جهل, قال: « اللهم أقطعنا للرحم, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه الغداة! » ، فأنـزل الله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري, عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير, حليف بني زهرة قال: لما التقى الناس, ودنا بعضهم من بعض, قال أبو جهل: « اللهم أقطعنا للرحم, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه الغداة! » ، فكان هو المستفتح على نفسه قال ابن إسحاق: فقال الله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، لقول أبي جهل: « اللهم أقطعنا للرحم, وآتانا بما لا نعرف, فأحنه للغداة! » قال: « الاستفتاح » ، الإنصاف في الدعاء.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن يزيد بن رومان وغيره: قال أبو جهل يوم بدر: « اللهم انصر أحب الدينين إليك, دينَنا العتيق, أم دينهم الحديث » ! فأنـزل الله: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) ، إلى قوله: ( وأن الله مع المؤمنين ) .

وأما قوله: ( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) ، فإنه يقول: « وإن تنتهوا » ، يا معشر قريش، وجماعة الكفار، عن الكفر بالله ورسوله, وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به « فهو خير لكم » ، في دنياكم وآخرتكم ( وإن تعودوا نعد ) ، يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال أتباعه المؤمنين « نعد » ، أي: بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر.

وقوله: ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت ) ، يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم, ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسَبْيكم وهزمكم « فئتكم شيئًا ولو كثرت » , يعني: جندهم وجماعتهم من المشركين, كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئًا ( وأن الله مع المؤمنين ) ، يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم, ينصرهم عليهم, أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على المشركين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق في قوله: ( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) ، قال: يقول لقريش « وإن تعودوا نعد » ، لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) ، أي: وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئًا. وإني مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم.

وقد قيل: إن معنى قوله: ( وإن تعودوا نعد ) ، وإن تعودوا للاستفتاح، نعد لفتح محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا القول لا معنى له، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه, فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك: « إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد » ، لأن الله قد كان وعد نبيه صلى الله عليه وسلم الفتح بقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، [ سورة الحج: 39 ] ، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وإن تعودوا نعد ) ، إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم ( ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ) ، محمد وأصحابه.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ( وأن الله مع المؤمنين ) .

ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله لمع المؤمنين فعطف ب « أن » على موضع « ولو كثرت » ، كأنه قال: لكثرتها, ولأن الله مع المؤمنين. ويكون موضع « أن » حينئذ نصبًا على هذا القول.

وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت، على: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ , ( وأن الله مع المؤمنين ) ، عطفًا بالأخرى على الأولى.

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: « وَإِنَّ اللهَ » ، بكسر الألف على الابتداء, واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله: « وإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ » .

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب, قراءة من كسر « إن » للابتداء, لتقضِّي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله: ( وأن الله مع المؤمنين ) .

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ( أطيعوا الله ورسوله ) ، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ( ولا تولوا عنه ) ، يقول: ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه « وأنتم تسمعون » أمرَه إياكم ونهيه, وأنتم به مؤمنون، كما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون ) ، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله, وتزعمون أنكم منه.

 

القول في تأويل قوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: « قد سمعنا » ، بآذاننا « وهم لا يسمعون » ، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه, وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بآذانهم, بمنـزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم, ويقولون: « قد سمعنا » , وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها.

وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) ، أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة, ويُسِرُّون المعصية.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( وهم لا يسمعون ) ، قال: عاصون.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

قال أبو جعفر: وللذي قال ابن إسحاق وجه, ولكن قوله: ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) ، في سياق قَصَص المشركين, ويتلوه الخبر عنهم بذمّهم, وهو قوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ، فلأن يكون ما بينهما خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصمون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكُصون عنه إن نطقوا به, الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه, فيستعملوا بهما أبدانهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( إن شر الدواب عند الله ) ، قال: « الدواب » ، الخلق.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, عن عكرمة قال: وكانوا يقولون: « إنا صم بكم عما يدعو إليه محمد, لا نسمعه منه, ولا نجيبه به بتصديق! » فقتلوا جميعًا بأحد, وكانوا أصحاب اللواء.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « الصم البكم الذين لا يعقلون » , قال: الذين لا يتّبعون الحق.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) ، وليس بالأصم في الدنيا ولا بالأبكم, ولكن صمّ القلوب وبُكمها وعُميها! وقرأ: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ سورة الحج: 46 ] .

واختلف فيمن عني بهذه الآية.

فقال بعضهم: عُني بها نفرٌ من المشركين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال، قال ابن عباس: « الصم البكم الذين لا يعقلون » ، نفرٌ من بني عبد الدار, لا يتبعون الحق.

. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( الصم البكم الذين لا يعقلون ) ، قال: لا يتبعون الحق قال، قال ابن عباس: هم نَفرٌ من بني عبد الدار.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.

وقال آخرون: عُني بها المنافقون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) ، [ أي المنافقون الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم، بُكمٌ عن الخير، صم عن الحق، لا يعقلون ] ، لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتِّباعة.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال بقول ابن عباس: وأنه عُني بهذه الآية مشركو قريش, لأنها في سياق الخبر عنهم.

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عني بهذه الآية، وفي معناها.

فقال بعضهم: عني بها المشركون. وقال: معناه: أنهم لو رزقهم الله الفهم لما أنـزله على نبيه صلى الله عليه وسلم، لم يؤمنوا به, لأن الله قد حكم عليهم أنهم لا يؤمنون.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ( ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم ) ، لقالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا ، [ سورة يونس: 15 ] ، ولقالوا: لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا [ سورة الأعراف: 203 ] ، ولو جاءهم بقرآن غيره ( لتولوا وهم معرضون ) .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) ، قال: لو أسمعهم بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما انتفعوا بذلك, ولتولوا وهم معرضون.

وحدثني به مرة أخرى فقال: « لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم » ، بعد أن يعلم أن لا خير فيهم، ما نفعهم بعد أن نفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به.

وقال آخرون: بل عني بها المنافقون. قالوا: ومعناه ما:-

حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ) ، لأنفذ لهم قولهم الذي قالوه بألسنتهم, ولكن القلوب خالفت ذلك منهم, ولو خرجوا معكم لتولوا وهم معرضون, ما وفَوا لكم بشيء مما خرجوا عليه.

قال أبو جعفر: وأولى القول في تأويل ذلك بالصواب عندي ما قاله ابن جريج وابن زيد، لما قد ذكرنا قبل من العلة, وأن ذلك ليس من صفة المنافقين.

قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره, حتى يعقلوا عن الله عز وجل حججه منه, ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون. ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله, وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله وعبره وحججه، معاندون للحق بعد العلم به.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( إذا دعاكم لما يحييكم ) .

فقال بعضهم: معناه: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم للإيمان.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط عن السدي: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال: أمّا « ما يحييكم » ، فهو الإسلام, أحياهم بعد موتهم, بعد كفرهم.

وقال آخرون: للحق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نحيح, عن مجاهد في قول الله: ( لما يحييكم ) ، قال: الحق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال: الحق.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال: للحق.

وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى ما في القرآن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، قال: هو هذا القرآن، فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة.

وقال آخرون: معناه: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل, وقوّاكم بعد الضعف, ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب, قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد, والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن, وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا, فبقاء الذكر الجميل, وذلك له فيه حياة. وأما في الآخرة, فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها.

وأما قول من قال: معناه الإسلام, فقول لا معنى له. لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ، فلا وجه لأن يقال للمؤمن: استجب لله وللرسول إذا دعا إلى الإسلام والإيمان.

وبَعْدُ، ففيما:-

حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا روح بن القاسم, عن العلاء بن عبد الرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيٍّ وهو يصلي, فدعاه: أيْ أُبَيّ ! فالتفت إليه أبيّ ولم يجبه. ثم إن أبيًّا خفف الصلاة, ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك، أي رسول الله! قال: وعليك، ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي! قال: أفلم تجد فيما أوحي إليّ: « استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم » ؟ قال: بلى، يا رسول الله! لا أعود.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد, عن محمد بن جعفر, عن العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبيّ وهو قائم يصلي, فصرخ به [ فلم يجبه, ثم جاء ] ، فقال: يا أبيّ، ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ؟ قال أبيّ: لا جَرَم يا رسول الله, لا تدعوني إلا أجبتُ وإن كنت أصلي!

ما يُبِين عن أن المعنيَّ بالآية، هم الذين يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم, لأن أبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا في هذين الخبرين.

 

القول في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي, عن سعيد بن جبير: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: بين الكافر أن يؤمن, وبين المؤمن أن يكفر.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد قالا حدثنا سفيان وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا الثوري, عن الأعمش, عن عبد الله بن عبد الله الرازي, عن سعيد بن جبير, بنحوه.

حدثني أبو زائدة زكريا بن أبي زائدة قال، حدثنا أبو عاصم, عن سفيان, عن الأعمش, عن عبد الله بن عبد الله, عن سعيد بن جبير, مثله.

حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية, عن المنهال, عن سعيد بن جبير: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر, وبين الكافر وبين الإيمان.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن فضيل, عن الأعمش, عن عبد الله بن عبد الله الرازي, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، يحول بين الكافر والإيمان وطاعة الله.

. . . . قال، حدثنا حفص, عن الأعمش, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين المؤمن والكفر, وبين الكافر والإيمان.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان, وعبد العزيز بن أبي رواد, عن الضحاك في قوله: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين الكافر وطاعته, وبين المؤمن ومعصيته.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبى روق, عن الضحاك بن مزاحم, بنحوه.

. . . . قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: يحول بين المرء وبين أن يكفر, وبين الكافر وبين أن يؤمن.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد, عن الضحاك بن مزاحم: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين الكافر وبين طاعة الله, وبين المؤمن ومعصية الله.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا ابن أبي رواد, عن الضحاك, نحوه.

وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول، فذكر نحوه.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت عبد العزيز بن أبي رواد يحدث، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين المؤمن ومعصيته.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، يقول: يحول بين المؤمن وبين الكفر, ويحول بين الكافر وبين الإيمان.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته, ويحول بين المؤمن وبين معصيته.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن ليث, عن مجاهد: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر, وبين الكافر وبين الإيمان.

. . . . قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي رواد, عن الضحاك: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، يقول: يحول بين الكافر وبين طاعته, وبين المؤمن وبين معصيته.

. . . . قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب القمي, عن جعفر, عن سعيد بن جبير: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، يحول بين المؤمن والمعاصي, وبين الكافر والإيمان.

. . . . قال، حدثنا عبيدة, عن إسماعيل, عن أبي صالح: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بينه وبين المعاصي.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يحول بين المرء وعقله, فلا يدري ما يَعمل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي قال، حدثنا عبد المجيد, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين المرء وعقله.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، حتى تركه لا يعقل.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: هو كقوله « حال » ، حتى تركه لا يعقل.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا معقل بن عبيد الله, عن حميد, عن مجاهد: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: إذا حال بينك وبين قلبك، كيف تعمل.

قال: حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن مجاهد: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين قلب الكافر, وأن يعمل خيرًا.

وقال آخرون: معناه: يحول بين المرء وقلبه، أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: يحول بين الإنسان وقلبه, فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه قريب من قلبه، لا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: ( يحول بين المرء وقلبه ) ، قال: هي كقوله: أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ، [ سورة ق: 16 ] .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندي في ذلك أن يقال: إن ذلك خبرٌ من الله عز وجل أنه أملك لقلوب عباده منهم, وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء, حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر, أو أن يَعِي به شيئًا, أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته. وذلك أن « الحول بين الشيء والشيء » ، إنما هو الحجز بينهما, وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه, لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبَه إدراكَه سبيلٌ.

وإذا كان ذلك معناه, دخل في ذلك قول من قال: « يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان » , وقول من قال: « يحول بينه وبين عقله » , وقول من قال: « يحول بينه وبين قلبه حتى لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه » ، لأن الله عز وجل إذا حال بين عبد وقلبه, لم يفهم العبد بقلبه الذي قد حيل بينه وبينه ما مُنِع إدراكه به على ما بيَّنتُ.

غير أنه ينبغي أن يقال: إن الله عم بقوله: ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) ، الخبرَ عن أنه يحول بين العبد وقلبه, ولم يخصص من المعاني التي ذكرنا شيئًا دون شيء, والكلام محتمل كل هذه المعاني, فالخبر على العموم حتى يخصه ما يجب التسليم له.

وأما قوله: ( وأنه إليه تحشرون ) ، فإن معناه: واعلموا، أيها المؤمنون، أيضًا، مع العلم بأن الله يحول بين المرء وقلبه: أنّ الله الذي يقدر على قلوبكم, وهو أملك بها منكم, إليه مصيركم ومرجعكم في القيامة, فيوفّيكم جزاء أعمالكم, المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته, فاتقوه وراقبوه فيما أمركم ونهاكم هو ورسوله أن تضيعوه, وأن لا تستجيبوا لرسوله إذا دعاكم لما يحييكم, فيوجب ذلك سَخَطَه, وتستحقوا به أليم عذابه حين تحشرون إليه.

 

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 25 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: « اتقوا » ، أيها المؤمنون « فتنة » , يقول: اختبارًا من الله يختبركم, وبلاء يبتليكم « لا تصيبن » ، هذه الفتنة التي حذرتكموها « الذين ظلموا » , وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله, إما أجْرام أصابوها، وذنوب بينهم وبين الله ركبوها. يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية، أو يأتوا مأثمًا يستحقون بذلك منه عقوبة.

وقيل: إن هذه الآية نـزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين عُنوا بها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن إبراهيم قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال، حدثنا داود بن أبي هند, عن الحسن في قوله: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال: نـزلت في علي، وعثمان، وطلحة، والزبير, رحمة الله عليهم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال قتادة: قال الزبير بن العوام: لقد نـزلت وما نرى أحدًا منا يقع بها. ثم خُلِّفْنا في إصابتنا خاصة.

حدثني المثنى قال، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال، حدثنا حماد, عن حميد, عن الحسن: أن الزبير بن العوام قال: نـزلت هذه الآية: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، وما نظننا أهلها, ونحن عُنِينا بها.

. . . . قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن الصلت بن دينار, عن ابن صبهان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها, فإذا نحن المعنيون بها: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال: هذه نـزلت في أهل بدر خاصة, وأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي خالد, عن السدي: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ، قال: أصحاب الجمل.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب.

. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال: هى أيضًا لكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) ، قال: « الفتنة » ، الضلالة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن المسعودي, عن القاسم قال: قال عبد الله: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة, إن الله يقول: أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ سورة الأنفال: 28 ] ، فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة, عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خُوِّفنا بها يعني قوله: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) .

واختلف أهل العربية في تأويل ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: ( اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ) ، قوله: « لا تصيبن » , ليس بجواب, ولكنه نهي بعد أمر, ولو كان جوابًا ما دخلت « النون » .

وقال بعض نحويي الكوفة قوله: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ) ، أمرهم ثم نهاهم. وفيه طرَفٌ من الجزاء، وإن كان نهيًا. قال: ومثله قوله: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ ، [ سورة النمل: 18 ] ، أمرهم ثم نهاهم, وفيه تأويل الجزاء.

وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة، إن لم تتقوها أصابتكم.

وأما قوله: ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) ، فإنه تحذير من الله، ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله: ( واتقوا فتنة ) , يقول: اعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم شديد عقابه لمن افتُتن بظلم نفسه، وخالف أمره, فأثم به.

 

القول في تأويل قوله : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 26 )

قال أبو جعفر: وهذا تذكيرٌ من الله عز وجل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناصحة. يقول: أطيعوا الله ورسوله، أيها المؤمنون, واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم، ولا تخالفوا أمرَه وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة, فإن الله يهوِّنه عليكم بطاعتكم إياه، ويعجِّل لكم منه ما تحبون, كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليلٌ يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم، وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم، تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا جميعكم ( فآواكم ) ، يقول: فجعل لكم مأوى تأوون إليه منهم ( وأيدكم بنصره ) ، يقول: وقواكم بنصره عليهم حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر ( ورزقكم من الطيبات ) ، يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبًا ( لعلكم تشكرون ) ، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم.

واختلف أهل التأويل في « الناس » الذين عنوا بقوله: ( أن يتخطفكم الناس ) .

فقال بعضهم: كفار قريش.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ) ، قال: يعني بمكة، مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الكلبي أو قتادة أو كلاهما ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون ) أنها نـزلت في يوم بدر, كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس, فآواهم الله وأيدهم بنصره.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, بنحوه.

وقال آخرون: بل عُني به غيرُ قريش.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرني أبي قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله عز وجل: ( تخافون أن يتخطفكم الناس ) ، قال: فارس.

. . . . قال ، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول, وقرأ: ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس ) ، و « الناس » إذ ذاك، فارس والروم.

. . . . قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ) ، قال: كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلا وأشقاهُ عيشًا, وأجوعَه بطونًا, وأعراه جلودًا, وأبينَه ضلالا [ مكعومين، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه ] . من عاش منهم عاش شقيًّا, ومن مات منهم رُدِّي في النار, يوكلون ولا يأكلون, والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منـزلا حتى جاء الله بالإسلام, فمكن به في البلاد, ووسَّع به في الرزق, وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم, فاشكروا الله على نعمه, فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: « عُني بذلك مشركو قريش » ، لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم, لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم, وأشدَّهم عليهم يومئذ، مع كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين.

وأما قوله: ( فآواكم ) ، فإنه يعني: آواكم المدينة,

وكذلك قوله: ( وأيدكم بنصره ) ، بالأنصار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( فآواكم ) ، قال: إلى الأنصار بالمدينة ( وأيدكم بنصره ) ، وهؤلاء أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم، أيدهم بنصره يوم بدر.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: ( فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ) ، يعني بالمدينة.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ( لا تخونوا الله ) ، وخيانتهم الله ورسوله، كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الإيمانَ في الظاهر والنصيحةَ, وهو يستسرُّ الكفر والغش لهم في الباطن, يدلُّون المشركين على عورتهم, ويخبرونهم بما خفى عنهم من خبرهم.

وقد اختلف أهل التأويل فيمن نـزلت هذه الآية, وفي السبب الذي نـزلت فيه.

فقال بعضهم: نـزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سرِّ المسلمين.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا شبابة بن سوار قال، حدثنا محمد بن المُحْرِم قال، لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال، حدثني جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة, فأتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا! « قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: » إن محمدًا يريدكم, فخذوا حذركم « ! فأنـزل الله عز وحل: ( لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) . »

وقال آخرون: بل نـزلت في أبي لبابة، في الذي كان من أمره وأمر بني قريظة.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو سفيان, عن معمر, عن الزهري, قوله: « لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم » ، قال: نـزلت في أبي لبابة, بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى حلقه: إنه الذَّبح قال الزهري: فقال، أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوب الله عليَّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خر مغشيًّا عليه, ثم تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تِيبَ عليك! قال: والله لا أحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يَحُلّني. فجاءه فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت بها الذنب، وأن أنخلع من مالي! قال: « يجزيك الثلث أن تصدَّق به. »

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة يقول: نـزلت: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون » في أبي لبابة.

وقال آخرون: بل نـزلت في شأن عثمان رحمة الله عليه.

ذكر من قال ذلك.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي قال، حدثنا محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي, عن المغيرة بن شعبة قال: نـزلت هذه الآية في قتل عثمان رحمة الله عليه: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول » الآية.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله نهى المؤمنين عن خيانته وخيانة رسوله، وخيانة أمانته وجائز أن تكون نـزلت في أبي لبابة وجائز أن تكون نـزلت في غيره, ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك كان يجب التسليم له بصحته.

فمعنى الآية وتأويلها ما قدمنا ذكره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول » قال: نهاكم أن تخونوا الله والرسول, كما صنع المنافقون.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط. عن السدي: « لا تخونوا الله والرسول » الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين.

واختلفوا في تأويل قوله: « وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون » .

فقال بعضهم: لا تخونوا الله والرسول, فإن ذلك خيانة لأمانتكم وهلاك لها.

ذكر من قال ذلك.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم » ، فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون » ، أي لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السرِّ إلى غيره, فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم.

قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل قوله: « وتخونوا أماناتكم » ، في موضع نصب على الصرف

كما قال الشاعر:

لا تَنْــهَ عَـنْ خُـلُقٍ وَتَـأْتِيَ مِثْلَـهُ عــارٌ عَلَيْــكَ إِذَا فَعَلْــتَ عَظِيـمُ

ويروى: « وتأتي مثله » .

وقال آخرون: معناه: لا تخونوا الله والرسول, ولا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم » ، يقول: « لا تخونوا » : يعني لا تنقصُوها.

قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويلُ: لا تخونوا الله والرسول, ولا تخونوا أماناتكم.

واختلف أهل التأويل في معنى: الأمانة، التي ذكرها الله في قوله: « وتخونوا أماناتكم » .

فقال بعضهم: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: « وتخونوا أماناتكم » ، و « الأمانة » : الأعمال التي أمِن الله عليها العباد يعني: الفريضة. يقول: « لا تخونوا » ، يعني: لا تنقصوها.

حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله » ، يقول: بترك فرائضه « والرسول » ، يقول: بترك سننه، وارتكاب معصيته قال: وقال مرة أخرى: « لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم » ، والأمانة: الأعمال، ثم ذكر نحو حديث المثنى.

وقال آخرون: معنى « الأمانات » ، ههنا، الدِّين.

ذكر من قال ذلك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: « وتخونوا أماناتكم » دينكم « وأنتم تعلمون » ، قال: قد فعل ذلك المنافقون، وهم يعلمون أنهم كفار, يظهرون الإيمان. وقرأ: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [ سورة النساء: 142 ] . قال: هؤلاء المنافقون، أمنهم الله ورسوله على دينه، فخانوا, أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا، لا تنقصوا الله حقوقه عليكم من فرائضه، ولا رسوله من واجب طاعته عليكم, ولكن أطيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه, لا تنقصوهما « وتخونوا أماناتكم » , وتنقصوا أديانكم, وواجب أعمالكم, ولازمَها لكم « وأنتم تعلمون » ، أنها لازمة عليكم، وواجبة بالحجج التي قد ثبتت لله عليكم.

 

القول في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين: واعلموا، أيها المؤمنون، أنما أموالكم التي خوَّلكموها الله، وأولادكم التي وهبها الله لكم، اختبارٌ وبلاء، أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها، والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها. « وأن الله عنده أجر عظيم » ، يقول: واعلموا أن الله عنده خيرٌ وثواب عظيم، على طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، في أمولكم وأولادكم التي اختبركم بها في الدنيا . وأطيعوا الله فيما كلفكم فيها، تنالوا به الجزيل من ثوابه في معادكم.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المسعودي, عن القاسم, عن عبد الرحمن, عن ابن مسعود, في قوله: « إنما أموالكم وأولادكم فتنة » ، قال: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة, فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: « واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة » ، قال: « فتنة » ، الاختبار, اختبارُهم. وقرأ: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [ سورة الأنبياء: 35 ] .

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، إن تتقوا الله بطاعته وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه, وترك خيانته وخيانة رسوله وخيانة أماناتكم يجعل لكم فرقانًا « ، يقول: يجعل لكم فصلا وفرْقا بين حقكم وباطل من يبغيكم السوء من أعدائكم المشركين، بنصره إياكم عليهم, وإعطائكم الظفر بهم » ويكفر عنكم سيئاتكم « ، يقول: ويمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم بينكم وبينه » ويغفر لكم « ، يقول: ويغطيها فيسترها عليكم, فلا يؤاخذكم بها » والله ذو الفضل العظيم « ، يقول: والله الذي يفعل ذلك بكم, له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه بفعله ذلك وفعل أمثاله. وإنّ فعله جزاءٌ منه لعبده على طاعته إياه, لأنه الموفق عبده لطاعته التي اكتسبها، حتى استحقّ من ربه الجزاء الذي وعدَه عليها. »

وقد اختلف أهل التأويل في العبارة عن تأويل قوله: « يجعل لكم فرقانا » .

فقال بعضهم: مخرجًا.

وقال بعضهم: نجاة.

وقال بعضهم: فصلا.

وكل ذلك متقارب المعنى، وإن اختلف العبارات عنها, وقد بينت صحة ذلك فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته.

ذكر من قال: معناه: المخرج.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور، عن مجاهد: « إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا » قال: مخرجًا.

......... قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: « إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا » ، قال: مخرجًا.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام عن عنبسة, عن جابر, عن مجاهد: « فرقانا » ، مخرجًا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد « فرقانا » ، قال: مخرجًا في الدنيا والآخرة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « فرقانًا » ، قال: « الفرقان » المخرج.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: « فرقانا » ، يقول: مخرجًا.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن منصور, عن مجاهد: « فرقانا » ، مخرجًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن رجاء البصري قال، حدثنا زائدة, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك: « فرقانا » ، قال: مخرجًا.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيدا يقول، سمعت الضحاك يقول: « فرقانًا » ، مخرجًا.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد, عن زهير, عن جابر، عن عكرمة، قال: « الفرقان » ، المخرج.

* ذكر من قال: معناه النجاة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن جابر, عن عكرمة: « إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا » ، قال: نجاة.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن رجل, عن عكرمة ومجاهد, في قوله: « يجعل لكم فرقانًا » ، قال عكرمة: المخرج وقال مجاهد: النجاة.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يجعل لكم فرقانًا » ، قال: نجاة.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « يجعل لكم فرقانًا » ، يقول: يجعل لكم نجاة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « يجعل لكم فرقانًا » ، أي: نجاة.

* ذكر من قال فصلا.

15954 - ...................................... « يا أيها الذين آمنوا إذ تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا » ، قال: فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل, حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: « يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا » ، أي: فصلا بين الحق والباطل, ليظهر به حقكم، ويخفي به باطل من خالفكم.

و « الفرقان » في كلام العرب، مصدرٌ من قولهم: « فرقت بين الشيء والشيء أفرُق بينهما فَرْقًا وفُرْقانًا. »

 

القول في تأويل قوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( 30 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مذكِّرَه نعمه عليه: واذكر، يا محمد, إذ يمكر بك الذين كفروا من مشركي قومك كي يثبتوك.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « ليثبتوك » .

فقال بعضهم: معناه ليقيِّدوك.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك » ، يعني: ليوثقوك.

............ قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ليثبتوك » ، ليوثِقوك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك » ، الآية, يقول: ليشدُّوك وَثاقًا. وأرادوا بذلك نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ومقسم قالا قالوا: « أوثقوه بالوثاق » .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ليثبتوك » ، قال: الإثبات، هو الحبس والوَثَاق.

وقال آخرون: بل معناه الحبس.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: « ليثبتوك » ، قال: يسجنوك وقالها عبد الله بن كثير.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قالوا: « اسجنوه » .

وقال آخرون: بل معناه: ليسحروك.

ذكر من قال ذلك.

حدثني محمد بن إسماعيل البصري المعروف بالوساوسي قال، حدثنا عبد المجيد بن أبي روّاد, عن ابن جريج, عن عطاء, عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وَداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يأتمر به قومك؟ قال: يريدون أن يسحروني ويقتلوني ويخرجوني! فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك, فاستوص به خيرًا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أستوصي به! بل هو يستوصي بي خيرًا « ! فنـزلت: » وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك « ، الآية. »

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه، قال له أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: نعم! قال: فأخبره، قال: من أخبرك؟ قال: ربي! قال: نعم الرب ربك, استوص به خيرًا! قال: « أنا أستوصي به, أو هو يستوصي بي؟ »

وكأنّ معنى مكر قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم به ليثبتوه، كما:-

حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس قال وحدثني الكلبي, عن زاذان مولى أم هانئ, عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة, اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة, فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من نجد, سمعت أنكم اجتمعتم, فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ. قالوا: أجل، ادخل! فدخل معهم, فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل, والله ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره. قال: فقال قائل: احبسوه في وَثاق, ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء, زهير والنابغة, إنما هو كأحدهم! قال: فصرخ عدوُّ الله الشيخ النجدي فقال: والله، ما هذا لكم برأي ! والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم, فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم! قالوا: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه, فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي, ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب, لتجتمعن عليكم, ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم! قالوا: صدق والله! فانظروا رأيًا غير هذا ! قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا, ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا, ثم يضربوه ضربة رجل واحد, فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها, فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها, فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القولُ ما قال الفتى, لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة, وأذِن الله له عند ذلك بالخروج, وأنـزل عليه بعد قدومه المدينة « الأنفال » ، يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين » ، وأنـزل في قولهم: « تربصوا به ريبَ المنون » حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ، [ سورة الطور: 30 ] . وكان يسمى ذلك اليوم: « يوم الزحمة » للذي اجتمعوا عليه من الرأي.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ومقسم, في قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك » قالا تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة, فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه . فلما أصبحوا رأوا عليًّا رحمة الله عليه , فردَّ الله مكرهم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عيد الرزاق قال، أخبرني أبي, عن عكرمة قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار, أمر عليَّ بن أبي طالب, فنام في مضجعه, فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هم بعليّ, فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! قال: فركبوا الصعب والذَّلول في طلبه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر قال، أخبرني عثمان الجزريّ: أن مقسمًا مولى ابن عباس أخبره، عن ابن عباس في قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك » ، قال: تشاورت قريش ليلة بمكة, فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه على ذلك, فبات على رحمه الله على فراش النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة, وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار, وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم . فلما أصبحوا ثاروا إليه, فلما رأوا عليًّا رحمة الله عليه , ردّ الله مكرهم, فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري! فاقتصُّوا أثره، فلما بلغوا الجبل ومرُّوا بالغار, رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل ههنا لم يكن نَسْجٌ على بابه! فمكث فيه ثلاثا.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين » ، قال: اجتمعت مشيخة قريش يتشاورون في النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلمت الأنصار، وفَرِقوا أن يتعالى أمره إذا وجد ملجأ لجأ إليه. فجاء إبليس في صورة رجل من أهل نجد, فدخل معهم في دار الندوة، فلما أنكروه قالوا: من أنت؟ فوالله ما كل قومنا أعلمناهم مجلسنا هذا! قال: أنا رجل من أهل نجد، أسمع من حديثكم وأشير عليكم! فاستحيَوْا، فخلَّوا عنه. فقال بعضهم: خذوا محمدًا إذا اضطجع على فراشه, فاجعلوه في بيت نتربص به ريبَ المنون و « الريب » ، هو الموت, و « المنون » ، هو الدهر قال إبليس: بئسما قلت! تجعلونه في بيت، فيأتي أصحابه فيخرجونه، فيكون بينكم قتال! قالوا: صدق الشيخ! قال: أخرجوه من قريتكم! قال إبليس: بئسما قلت! تخرجونه من قريتكم، وقد أفسد سفهاءكم، فيأتي قرية أخرى فيفسد سفهاءهم، فيأتيكم بالخيل والرجال! قالوا: صدق الشيخ! قال أبو جهل وكان أولاهم بطاعة إبليس: بل نعمد إلى كل بطن من بطون قريش, فنخرج منهم رجلا فنعطيهم السلاح, فيشدُّون على محمد جميعًا فيضربونه ضربة رجل واحد, فلا يستطيع بنو عبد المطلب أن يقتلوا قريشًا, فليس لهم إلا الدية! قال إبليس: صدق, وهذا الفتى هو أجودكم رأيًا! فقاموا على ذلك. وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فنام على الفراش, وجعلوا عليه العيون. فلما كان في بعض الليل, انطلق هو وأبو بكر إلى الغار, ونام علي بن أبي طالب على الفراش, فذلك حين يقول الله: « ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك » و « الإثبات » ،: هو الحبس والوثاق وهو قوله: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا [ سورة الإسراء: 76 ] ، يقول: يهلكهم.

فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، لقيه عمر فقال له: ما فعل القوم؟ وهو يرى أنهم قد أهلكوا حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم, وكذلك كان يُصنع بالأمم, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « أخِّروا بالقتال » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ليثبتوك أو يقتلوك » ، قال: كفار قريش، أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه.

حدثني ابن وكيع قال: حدثنا هانئ بن سعيد, عن حجاج, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد نحوه; إلا أنه قال: فعلوا ذلك بمحمد.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك » ، الآية, هو النبي صلى الله عليه وسلم، مكروا به وهو بمكة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك » ، إلى آخر الآية، قال: اجتمعوا فتشاوروا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اقتلوا هذا الرجل. فقال بعضهم: لا يقتله رجل إلا قُتل به! قالوا: خذوه فاسجنوه، واجعلوا عليه حديدًا. قالوا: فلا يدعكم أهل بيته! قالوا: أخرجوه. قالوا: إذًا يستغوي الناس عليكم.

قال: وإبليس معهم في صورة رجل من أهل نجد، واجتمع رأيهم أنه إذا جاء يطوف البيت ويستلم، أن يجتمعوا عليه فيغمُّوه ويقتلوه, فإنه لا يدري أهله من قتله, فيرضون بالعقل، فنقتله ونستريح ونعقِله! فلما أن جاء يطوف بالبيت، اجتمعوا عليه فغمُّوه، فأتى أبو بكر فقيل له ذاك, فأتى فلم يجد مدخلا. فلما أن لم يجد مدخلا قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ، [ سورة غافر: 28 ] . قال: ثم فرَّجها الله عنه. فلما أن حطّ الليل، أتاه جبريل عليه السلام فقال، من أصحابك؟ فقال: فلان وفلان وفلان. فقال: لا نحن أعلم بهم منك، يا محمد, هو ناموس ليل! قال: وأخِذ أولئك من مضاجعهم وهم نيام، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقدِّم أحدهم إلى جبريل, فكحَله ثم أرسله, فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كُفِيتَه يا نبي الله! ثم قدِّم آخر، فنقر فوق رأسه. بعصًا نقرة ثم أرسله، فقال: ما صورته يا جبريل؟ فقال: كُفِيته يا نبي الله! ثم أتي بآخر فنقر في ركبته, فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته! ثم أتي بآخر فسقاه مَذْقة, فقال: ما صورته يا جبريل؟ قال: كفيته يا نبي الله! وأتي بالخامس، فلما غدا من بيته، مرّ بنبّال فتعلق مِشْقَص بردائه، فالتوى, فقطع الأكحل من رجله. وأما الذي كحلت عيناه، فأصبح وقد عمي. وأما الذي سقي مَذْقةً، فأصبح وقد استسقى بطنه. وأما الذي نقر فوق رأسه، فأخذته النقبة و « النقبة » ، قرحة عظيمة

أخذته في رأسه. وأما الذي طعن في ركبته, فأصبح وقد أقعد. فذلك قول الله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين » .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قوله: « ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين » ، أي: فمكرت لهم بكيدي المتين، حتى خلّصك منهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة, قوله: « وإذ يمكر بك الذين كفروا » ، قال: هذه مكية قال: ابن جريج، قال مجاهد: هذه مكية.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: واذكر، يا محمد، نعمتي عندك، بمكري بمن حاول المكرَ بك من مشركي قومك, بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك, حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم, فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين, وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم, ولا يَرْعَبَنَّك كثرة عددهم, فإن ربّك خيرُ الماكرين بمن كفر به، وعبد غيره، وخالف أمره ونهيه.

وقد بينا معنى « المكر » فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 31 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آياتِ كتاب الله الواضحةَ لمن شرح الله صدره لفهمه ، قالوا جهلا منهم، وعنادًا للحق، وهم يعلمون أنهم كاذبون في قيلهم « لو نشاء لقلنا مثل هذا » ، الذي تُلِي علينا « إن هذا إلا أساطير الأولين » ، يعني: أنهم يقولون: ما هذا القرآن الذي يتلى عليهم إلا أساطير الأولين.

و « الأساطير » جمع « أسطر » , وهو جمع الجمع, لأن واحد « الأسطر » « سطر » , ثم يجمع « السطر » ، « أسطر » و « سطور » , ثم يجمع « الأسطر » « أساطير » و « أساطر » .

وقد كان بعضُ أهل العربية يقول: واحد « الأساطير » ، « أسطورة » .

وإنما عنى المشركون بقولهم: « إن هذا إلا أساطير الأولين » ، إنْ هذا القرآن الذي تتلوه علينا، يا محمد، إلا ما سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم! كأنهم أضافوه إلى أنه أخذ عن بني آدم, وأنه لم يوحِه الله إليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: « وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا » ، قال: كان النضر بن الحارث يختلف تاجرًا إلى فارس, فيمرّ بالعِباد وهم يقرءون الإنجيل ويركعون ويسجدون. فجاء مكة, فوجد محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أنـزل عليه وهو يركع ويسجد, فقال النضر: « قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا! » ، للذي سَمِع من العباد. فنـزلت: « وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا » ، قال: فقص ربُّنا ما كانوا قالوا بمكة, وقص قولهم: إذ قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ، الآية.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان النضر بن الحارث بن علقمة، أخو بني عبد الدار، يختلف إلى الحيرة, فيسمع سَجْع أهلها وكلامهم. فلما قدم مكة, سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن, فقال: « قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين » ، يقول: أساجيع أهل الحيرة.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير قال: قتل النبيُّ من يوم بدر صبرًا: عقبةَ بن أبي معيط, وطعيمة بن عدي, والنضر بن الحارث. وكان المقداد أسر النضر, فلما أمر بقتله ، قال المقداد: يا رسول الله، أسيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول! فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: أسيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « واللهم اغْنِ المقداد من فضلك! » فقال المقداد: هذا الذي أردت! وفيه نـزلت هذه الآية: « وإذا تتلى عليهم آياتنا » ، الآية.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل يوم بدر ثلاثة رهط من قريش صبرًا: المطعم بن عديّ, والنضر بن الحارث, وعقبة بن أبي معيط. قال: فلما أمر بقتل النضر، قال المقداد بن الأسود: أسيري، يا رسول الله! قال: إنه كان يقول في كتاب الله وفي رسوله ما كان يقول! قال: فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم اغْن المقداد من فضلك! » وكان المقداد أسر النضر.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 32 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واذكر، يا محمد، أيضًا ما حلّ بمن قال: « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم » ، إذ مكرت بهم, فأتيتهم بعذاب أليم وكان ذلك العذاب، قتلُهم بالسيف يوم بدر.

وهذه الآية أيضًا ذكر أنها نـزلت في النضر بن الحارث.

ذكر من قال ذلك.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا أبو بشر, عن سعيد بن جبير, في قوله: « وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء » ، قال: نـزلت في النضر بن الحارث.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: « إن كان هذا هو الحق من عندك » ، قال: قول النضر بن الحارث أو: ابن الحارث بن كَلَدة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك » ، قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة، من بني عبد الدار.

......قال، أخبرنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « إن كان هذا هو الحق من عندك » ، قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء قال: قال رجل من بني عبد الدار, يقال له النضر بن كلدة: « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم » ، فقال الله: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ سورة ص: 16 ] ، وقال: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ سورة الأنعام: 94 ] ، وقال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ [ سورة المعارج: 1- 2 ] . قال عطاء: لقد نـزل فيه بضعَ عشرة آية من كتاب الله.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: فقال يعني النضر بن الحارث : اللهم إن كان ما يقول محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم! قال الله: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد في قوله: « إن كان هذا هو الحق من عندك » الآية، قال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك » ، الآية قال: قال ذلك سُفَّهُ هذه الأمة وجهلتها, فعاد الله بعائدته ورحمته على سَفَهة هذه الأمة وجهلتها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: ثم ذكر غِرَّة قريش واستفتاحهم على أنفسهم, إذ قالوا: « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك » ، أي: ما جاء به محمد « فأمطر علينا حجارة من السماء » ، كما أمطرتها على قوم لوط « أو ائتنا بعذاب أليم » ، أي: ببعض ما عذبت به الأمم قبلنا.

واختلف أهل العربية في وجه دخول « هو » في الكلام.

فقال بعض البصريين: نصب « الحق » , لأن « هو » والله أعلم، حُوِّلت زائدة في الكلام صلةَ توكيدٍ، كزيادة « ما » , ولا تزاد إلا في كل فعل لا يستغني عن خبر, وليس هو بصفة، ل « هذا » ، لأنك لو قلت: « رأيت هذا هو » ، لم يكن كلامًا. ولا تكون هذه المضمرة من صفة الظاهرة, ولكنها تكون من صفة المضمرة, نحو قوله: وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [ سورة الزخرف: 76 ] و خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [ سورة المزمل: 20 ] .

لأنك تقول: « وجدته هو وإياي » ، فتكون « هو » صفة.

وقد تكون في هذا المعنى أيضا غير صفة, ولكنها تكون زائدة، كما كان في الأول. وقد تجري في جميع هذا مجرى الاسم, فيرفع ما بعدها، إن كان بعدها ظاهرًا أو مضمرًا في لغة بني تميم, يقولون في قوله: « إن كان هذا هو الحق من عندك » ، « ولكن كانوا هم الظالمون » ، و « تجدوه عند الله هو خيرٌ وأعظم أجرًا » كما تقول: « كانوا آباؤهم الظالمون » , جعلوا هذا المضمر نحو « هو » و « هما » و « أنت » زائدًا في هذا المكان، ولم تجعل مواضع الصفة, لأنه فصْلٌ أراد أن يبين به أنه ليس ما بعده صفةً لما قبله, ولم يحتج إلى هذا في الموضع الذي لا يكون له خبر.

وكان بعض الكوفيين يقول: لم تدخل « هو » التي هى عماد في الكلام، إلا لمعنى صحيح. وقال: كأنه قال: « زيد قائم » ، فقلت أنت: « بل عمرو هو القائم » ف « هو » لمعهود الاسم، و « الألف واللام » لمعهود الفعل، [ « والألف واللام » ] التي هي صلة في الكلام، مخالفة لمعنى « هو » , لأن دخولها وخروجها واحد في الكلام. وليست كذلك « هو » . وأما التي تدخل صلة في الكلام, فتوكيدٌ شبيه بقولهم: « وجدته نفسَه » ، تقول ذلك, وليست بصفة « كالظريف » و « العاقل » .

 

القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 33 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، أي: وأنت مقيم بين أظهرهم. قال: وأنـزلت هذه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة. قال: ثم خرجَ النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم, فاستغفر من بها من المسلمين, فأنـزل بعد خروجه عليه، حين استغفر أولئك بها: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) . قال: ثم خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم, فعذّب الكفار.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن ابن أبزى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة, فأنـزل الله عليه: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, فأنـزل الله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) . قال: فكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها يستغفرون يعني بمكة فلما خرجوا أنـزل الله عليه: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ . قال: فأذن الله له في فتح مكة, فهو العذاب الذي وعدهم.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين, عن أبي مالك, في قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يعني: من بها من المسلمين وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، يعني مكة, وفيهم الكفار.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن حصين, عن أبي مالك, في قول الله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ) ، يعني: أهل مكة ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ ) ، وفيهم المؤمنون, يستغفرون، يُغفر لمن فيهم من المسلمين.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل الرازي، وأبو داود الحفري, عن يعقوب, عن جعفر, عن ابن أبزى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: بقية من بقي من المسلمين منهم. فلما خرجوا قال: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ .

....... قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن أبي مالك: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، قال: أهل مكة.

......وأخبرنا أبي, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: المؤمنون من أهل مكة وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، قال: المشركون من أهل مكة.

......قال: حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك: ) وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( قال: المؤمنون يستغفرون بين ظهرانَيْهم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يقول: الذين آمنوا معك يستغفرون بمكة, حتى أخرجك والذين آمنوا معك.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال: ابن عباس: لم يعذب قريةً حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا معه، ويلحقه بحيث أُمِر ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يعني المؤمنين. ثم أعاد إلى المشركين فقال: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، قال: يعني أهل مكة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين من قريش بمكة وأنت فيهم، يا محمد, حتى أخرجك من بينهم ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ ) ، وهؤلاء المشركون، يقولون: « يا رب غفرانك! » ، وما أشبه ذلك من معاني الاستغفار بالقول. قالوا: وقوله: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، في الآخرة.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا عكرمة, عن أبي زميل, عن ابن عباس: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: « لبيك، لبَّيك، لا شريك لك » , فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: « قَدْ قَدْ! » فيقولون: « إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك » , ويقولون: « غفرانك، غفرانك! » ، فأنـزل الله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) . فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبيّ الله ، والاستغفار. قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ ، قال: فهذا عذاب الآخرة. قال: وذاك عذاب الدنيا.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر, عن يزيد بن رومان، ومحمد بن قيس قالا قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا الآية. فلما أمسوا ندموا على ما قالوا, فقالوا: « غفرانك اللهم! » ، فأنـزل الله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) إلى قوله: لا يَعْلَمُونَ .

حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كانوا يقولون يعني المشركين : والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر, ولا يعذِّب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها! وذلك من قولهم، ورسولُ لله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، يذكر له جَهالتهم وغِرَّتهم واستفتاحهم على أنفسهم, إذ قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ، كما أمطرتها على قوم لوط. وقال حين نَعى عليهم سوء أعمالهم: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، أي: لقولهم: [ « إنا نستغفر ومحمد بين أظهرنا » وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، وإن كنت بين أظهرهم ] ، وإن كانوا يستغفرون كما يقولون وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أي: من آمن بالله وعبده, أي: أنت ومن تبعك.

حدثنا الحسن بن الصباح البزار..................... قال، حدثنا أبو بردة, عن أبي موسى قال: إنه كان قبلُ أمانان، قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) قال: أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى, وأما الاستغفار فهو دائر فيكم إلى يوم القيامة.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق, عن عامر أبي الخطاب الثوري قال: سمعت أبا العلاء يقول: كان لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أمَنَتَان: فذهبت إحداهما وبقيت الأخرى: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، الآية.

وقال آخرون: معنى ذلك: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، يا محمد, وما كان الله معذب المشركين وهم يستغفرون أي: لو استغفروا. قالوا: ولم يكونوا يستغفرون، فقال جل ثناؤه إذ لم يكونوا يستغفرون: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .

ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: إن القوم لم يكونوا يستغفرون, ولو كانوا يستغفرون ما عُذِّبوا. وكان بعض أهل العلم يقول: هما أمانان أنـزلهما الله: فأما أحدهما فمضى، نبيُّ الله. وأما الآخر فأبقاه الله رحمة بين أظهركم, الاستغفارُ والتوبةُ.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال الله لرسوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يقول: ما كنت أعذبهم وهم يستغفرون, ولو استغفروا وأقرُّوا بالذنوب لكانوا مؤمنين, وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون؟ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن محمد وعن المسجد الحرام؟

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال يقول: لو استغفروا لم أعذبهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: وما كان الله ليعذبهم وهم يُسلمون. قالوا: و « استغفارهم » ، كان في هذا الموضع، إسلامَهم.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح قال، حدثنا عمران بن حدير, عن عكرمة, في قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: سألوا العذاب, فقال: لم يكن ليعذبهم وأنت فيهم, ولم يكن ليعذبهم وهم يدخلون في الإسلام.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: ( وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، قال: بين أظهرهم وقوله: ( وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: يُسلمون.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، بين أظهرهم ( مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: وهم يسلمون وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ ، قريش، عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا محمد بن عبيد الله, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، قال: بين أظهرهم ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: دخولهم في الإسلام.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإسلام.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، يقول: ما كان الله سبحانه يعذب قوما وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم. ثم قال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يقول: ومنهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان, وهو الاستغفار. ثم قال: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، فعذبهم يوم بدر بالسيف.

وقال آخرون: بل معناه: وما كان الله معذبهم وهم يصلُّون.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يعني: يصلُّون, يعني بهذا أهل مكة.

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا حسين الجعفي, عن زائدة, عن منصور, عن مجاهد في قول الله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: يصلون.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، يعني: أهل مكة. يقول: لم أكن لأعذبكم وفيكم محمد. ثم قال: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، يعني: يؤمنون ويصلون.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد, في قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، قال: وهم يصلون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كان الله ليعذب المشركين وهم يستغفرون.

قالوا: ثم نسخ ذلك بقوله: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .

ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح, عن الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قالا قال في « الأنفال » : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، فنسختها الآية التي تليها: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ، إلى قوله: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ، فقوتلوا بمكة, وأصابهم فيها الجوع والحَصْر.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب، قولُ من قال: تأويله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، يا محمد، وبين أظهرهم مقيم, حتى أخرجك من بين أظهرهم، لأنّي لا أهلك قرية وفيها نبيها وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون « ، من ذنوبهم وكفرهم, ولكنهم لا يستغفرون من ذلك, بل هم مصرُّون عليه, فهم للعذاب مستحقون كما يقال: » ما كنت لأحسن إليك وأنت تسيء إليّ « , يراد بذلك: لا أحسن إليك، إذا أسأت إليّ، ولو أسأت إليّ لم أحسن إليك, ولكن أحسن إليك لأنك لا تسيء إليّ. وكذلك ذلك ثم قيل: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، بمعنى: وما شأنهم، وما يمنعهم أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فيؤمنوا به, وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام؟ »

وإنما قلنا: « هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب » ، لأن القوم أعني مشركي مكة كانوا استعجلوا العذاب, فقالوا: اللهم إن كان ما جاء به محمد هو الحق, « فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم » فقال الله لنبيه: « ما كنت لأعذبهم وأنت فيهم، وما كنت لأعذبهم لو استغفروا, وكيف لا أعذبهم بعد إخراجك منهم، وهم يصدون عن المسجد الحرام؟ » . فأعلمه جل ثناؤه أن الذي استعجلوا العذاب حائق بهم ونازل, وأعلمهم حال نـزوله بهم, وذلك بعد إخراجه إياه من بين أظهرهم. ولا وجه لإيعادهم العذابَ في الآخرة, وهم مستعجلوه في العاجل, ولا شك أنهم في الآخرة إلى العذاب صائرون. بل في تعجيل الله لهم ذلك يوم بدر، الدليلُ الواضحُ على أن القول في ذلك ما قلنا. وكذلك لا وجه لقول من وجَّه قوله: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ، إلى أنه عُنى به المؤمنين, وهو في سياق الخبر عنهم، وعما الله فاعل بهم. ولا دليل على أن الخبر عنهم قد تقضَّى, وعلى ذلك [ كُنِي ] به عنهم, وأن لا خلاف في تأويله من أهله موجودٌ.

وكذلك أيضًا لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، الآية, لأن قوله جل ثناؤه: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

خبر، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ, وإنما يكون النسخ للأمر والنهي.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

واختلف أهل العربية في وجه دخول « أن » في قوله: « وما لهم ألا يعذبهم الله » .

فقال بعض نحويي البصرة: هي زائدة ههنا, وقد عملت كما عملت « لا » وهي زائدة, وجاء في الشعر:

لَـوْ لَـمْ تَكـنْ غَطَفَـانُ لا ذُنُوبَ لَهَا إلَــيَّ, لامَ ذَوُو أحْسَــابِهَا عُمَــرَا

وقد أنكر ذلك من قوله بعض أهل العربية وقال: لم تدخل « أن » إلا لمعنى صحيح, لأن معنى: « وما لهم » ، ما يمنعهم من أن يعذبوا. قال: فدخلت « أن » لهذا المعنى, وأخرج ب « لا » , ليعلم أنه بمعنى الجحد, لأن المنع جحد. قال: و « لا » في البيت صحيح معناها, لأن الجحد إذا وقع عليه جحد صار خبرًا.

وقال: ألا ترى إلى قولك: « ما زيد ليس قائما » , فقد أوجبت القيام؟ قال: وكذلك « لا » في هذا البيت.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام, ولم يكونوا أولياء الله « إن أولياؤه » ، يقول: ما أولياء الله « إلا المتقون » , يعني: الذين يتقون الله بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه.

« ولكن أكثرهم لا يعلمون » يقول: ولكن أكثر المشركين لا يعلمون أن أولياء الله المتقون، بل يحسبون أنهم أولياء الله .

وبنحو ما قلنا قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: « وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون » ، هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: « إن أولياؤه إلا المتقون » ، مَن كانوا، وحيث كانوا.

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: « وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون » ، الذين يحرمون حرمته, ويقيمون الصلاة عنده, أي: أنت يعني النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن بك يقول: « ولكن أكثرهم لا يعلمون » .

 

القول في تأويل قوله : وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله، وهم يصدون عن المسجد الحرام الذي يصلون لله فيه ويعبدونه, ولم يكونوا لله أولياء, بل أولياؤه الذين يصدونهم عن المسجد الحرام، وهم لا يصلون في المسجد الحرام « وما كان صلاتهم عند البيت » ، يعني: بيت الله العتيق « إلا مُكاء » ، وهو الصفير.

يقال منه: « مكا يمكو مَكوًا ومُكاءً » وقد قيل: إن « المكو » : أن يجمع الرجل يديه، ثم يدخلهما في فيه، ثم يصيح. ويقال منه: « مَكت است الدابة مُكاء » ، إذا نفخت بالريح. ويقال: « إنه لا يمكو إلا استٌ مكشوفة » , ولذلك قيل للاست « المَكْوة » , سميت بذلك، ومن ذلك قول عنترة:

وَحَــلِيلِ غَانِيَــةٍ تَــرَكْتُ مُجَـدَّلا تَمْكُــو فَرِيصَتُــهُ كَشِـدْقِ الأعْلَـمِ

وقول الطِّرِمَّاح:

فَنَحَــا لأُِولاَهــا بِطَعْنَــةِ مُحْـفَظٍ تَمْكُــو جَوَانِبُهَــا مِــنَ الإنْهَـارِ

بمعنى: تصوِّت.

وأما « التصدية » ، فإنها التصفيق, يقال منه: « صدَّى يصدِّي تصديةً » , و « صفَّق » ، و « صفّح » ، بمعنى واحد.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى, عن موسى بن قيس، عن حجر بن عنبس: « إلا مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » ، التصفير و « التصدية » ، التصفيق.

حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، « المكاء » ، التصفير و « التصدية » ، التصفيق.

حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، يقول: كانت صلاة المشركين عند البيت « مكاء » يعني الصفير و « تصدية » ، يقول: التصفيق.

حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل, عن عطية: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: التصفيق والصفير.

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن قرة بن خالد, عن عطية, عن ابن عمر قال: « المكاء » ، التصفيق, و « التصدية » ، الصفير. قال: وأمال ابن عمر خدّه إلى جانب.

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا وكيع, عن قرة بن خالد, عن عطية, عن ابن عمر: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » و « التصدية » ، الصفير والتصفيق.

حدثني الحارث قال: حدثنا القاسم قال: سمعت محمد بن الحسين يحدث، عن قرة بن خالد, عن عطية العوفي, عن ابن عمر قال: « المكاء » ، الصفير, و « التصدية » : التصفيق.

حدثنا ابن بشار قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا قرة, عن عطية, عن ابن عمر في قوله: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » الصفير, و « التصدية » ، التصفيق وقال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر, فصفر، وأمال خده، وصفق بيديه.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني بكر بن مضر, عن جعفر بن ربيعة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول في قول الله: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » قال بكر: فجمع لي جعفر كفيه, ثم نفخ فيهما صفيرًا, كما قال له أبو سلمة.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا إسرائيل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: « المكاء » ، الصفير, و « التصدية » ، التصفيق.

... قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سلمة بن سابور, عن عطية, عن ابن عمر: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: تصفير وتصفيق.

... قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية, عن ابن عمر, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا حبويه أبو يزيد, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفّرون ويصفقون, فأنـزل الله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [ سورة الأعراف: 32 ] ، فأمروا بالثياب.

حدثني المثنى قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد قال: كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف يستهزئون به, يصفرون به ويصفقون, فنـزلت: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » .

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: « إلا مكاء » ، قال: كانوا ينفخون في أيديهم, و « التصدية » ، التصفيق.

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « إلا مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » ، إدخال أصابعهم في أفواههم, و « التصدية » التصفيق, يخلِطون بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم صلاتَه.

حدثنا المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله إلا أنه لم يقل: « صلاته » .

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: « المكاء » ، إدخال أصابعهم في أفواههم, و « التصدية » ، التصفيق. قال نفرٌ من بني عبد الدار، كانوا يخلطون بذلك كله على محمد صلاتَه.

حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن سعيد بن جبير: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: من بين الأصابع قال أحمد: سقط عليَّ حرف ، وما أراه إلا الخَذْف والنفخ والصفير منها، وأراني سعيد بن جبير حيث كانوا يَمْكون من ناحية أبي قُبَيس.

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق بن سليمان قال: أخبرنا طلحة بن عمرو, عن سعيد بن جبير في قوله: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » ، كانوا يشبِّكون بين أصابعهم ويصفرون بها, فذلك « المكاء » . قال: وأراني سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكون فيه نحو أبي قُبَيس.

حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة, عن جعفر بن ربيعة, عن أبي سلمة بن عبد الرحمن في قوله: « مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » النفخ وأشار بكفه قِبَل فيه و « التصدية » ، التصفيق.

حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: « المكاء » ، الصفير, و « التصدية » ، التصفيق.

حدثني المثنى قال: حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك, مثله.

حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية » ، قال: كنا نُحَدَّث أن « المكاء » ، التصفيق بالأيدي, و « التصدية » ، صياح كانوا يعارضون به القرآن.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: « مكاء وتصدية » ، قال: « المكاء » ، التصفير, و « التصدية » ، التصفيق.

حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: « وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتص