فهرس تفسير الطبري للسور

7 - تفسير الطبري سورة الأعراف

التالي السابق

تفسير سورة الأعراف

تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه المص ( 1 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قول الله تعالى ذكره: ( المص ) .

فقال بعضهم: معناه: أنا الله أفضل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن عطاء بن السائب, عن أبي الضحى, عن ابن عباس: ( المص ) ، أنا الله أفضل.

حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عمار بن محمد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير في قوله: ( المص ) ، أنا الله أفضل.

وقال آخرون: هو هجاء حروف اسم الله تبارك وتعالى الذي هو « المصوّر » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( المص ) ، قال: هي هجاء « المصوّر » .

وقال آخرون: هي اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( المص ) ، قسم أقسمه الله, وهو من أسماء الله.

وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( المص ) ، قال: اسم من أسماء القرآن.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.

وقال آخرون: هي حروف هجاء مقطّعة.

وقال آخرون: هي من حساب الجمَّل.

وقال آخرون: هي حروف تحوي معاني كثيرة، دلّ الله بها خلقه على مراده من ذلك.

وقال آخرون: هي حروف اسم الله الأعظم.

وقد ذكرنا كل ذلك بالرواية فيه, وتعليل كلّ فريق قال فيه قولا. وما الصواب من القول عندنا في ذلك، بشواهده وأدلته فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

القول في تأويل قول الله تعالى ذكره كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: هذا القرآن، يا محمد، كتاب أنـزله الله إليك.

ورفع « الكتاب » بتأويل: هذا كتابٌ.

 

القول في تأويل قوله : فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا يضق صدرك، يا محمد، من الإنذار به مَنْ أرسلتك لإنذاره به, وإبلاغه مَنْ أمرتك بإبلاغه إياه, ولا تشك في أنه من عندي, واصبر للمضيّ لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحملك من عبء أثقال النبوة, كما صبر أولو العزم من الرسل, فإن الله معك.

و « الحرج » ، هو الضيق، في كلام العرب, وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: ضَيِّقًا حَرَجًا [ سورة الأنعام: 125 ] ، بما أغنى عن إعادته.

وقال أهل التأويل في ذلك ما:-

حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ، قال: لا تكن في شك منه.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ، قال: شك.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال، حدثنا معمر, عن قتادة: ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ، شك منه.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، مثله.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ، قال: أما « الحرج » ، فشك.

حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) ، قال: شك من القرآن.

قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل، هو معنى ما قلنا في « الحرج » ، لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به، وقلة الاتساع لتوجيهه وجهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى « الضيق » ، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب, كما قد بيناه قبل.

 

القول في تأويل قوله : لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنـزلناه إليك، يا محمد، لتنذر به من أمرتك بإنذاره, ( وذكرى للمؤمنين ) وهو من المؤخر الذي معناه التقديم. ومعناه: « كتاب أنـزل إليك لتنذر به » , و « ذكرى للمؤمنين » , فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ .

وإذا كان ذلك معناه، كان موضع قوله: ( وذكرى ) نصبًا، بمعنى: أنـزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به, وتذكر به المؤمنين.

ولو قيل معنى ذلك: هذا كتاب أنـزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، أن تنذر به، وتذكّر به المؤمنين كان قولا غير مدفوعة صحته.

وإذا وُجِّه معنى الكلام إلى هذا الوجه، كان في قوله: ( وذكرى ) من الإعراب وجهان:

أحدهما: النصب بالردّ على موضع « لتنذر به » .

والآخر: الرفع، عطفًا على « الكتاب » , كأنه قيل: المص * كِتَابٌ أُنْـزِلَ إِلَيْكَ ، و « ذكرى للمؤمنين » .

 

القول في تأويل قوله : اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ( 3 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا، أيها الناس، ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى, واعملوا بما أمركم به ربكم, ولا تتبعوا شيئًا من دونه يعني: شيئًا غير ما أنـزل إليكم ربكم. يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان, فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.

فإن قال قائل: وكيف قلت: « معنى الكلام: قل اتبعوا » , وليس في الكلام موجودًا ذكرُ القول؟

قيل: إنه وإن لم يكن مذكورًا صريحًا, فإن في الكلام دلالة عليه, وذلك قوله: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ , ففي قوله: « لتنذر به » ، الأمر بالإنذار, وفي الأمر بالإنذار، الأمرُ بالقول، لأن الإنذار قول. فكأن معنى الكلام: أنذر القومَ وقل لهم: اتبعوا ما أنـزل إليكم من ربكم.

ولو قيل معناه: لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم: اتبعوا ما أنـزل إليكم كان غير مدفوع.

وقد كان بعض أهل العربية يقول: قوله: ( اتبعوا ) ، خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم , ومعناه: كتاب أنـزل إليك, فلا يكن في صدرك حرج منه, اتبع ما أنـزل إليك من ربك ويرى أن ذلك نظير قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ سورة الطلاق: 1 ] ، إذ ابتدأ خطابَ النبي صلى الله عليه وسلم , ثم جعل الفعل للجميع, إذ كان أمر الله نبيه بأمرٍ، أمرًا منه لجميع أمته, كما يقال للرجل يُفْرَد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته: « أما تتقون الله، أما تستحيون من الله! » ، ونحو ذلك من الكلام.

وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع, فالقولُ الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام، لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.

وقوله: ( قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ) ، يقول: قليلا ما تتعظون وتعتبرون فتراجعون الحق.

 

القول في تأويل قوله : وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ( 4 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: حذّر هؤلاء العابدين غيري، والعادلين بي الآلهة والأوثان، سَخَطي لا أُحِلّ بهم عقوبتي فأهلكهم، كما أهلكت من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم, فكثيرًا ما أهلكت قبلهم من أهل قرى عصوني وكذَّبوا رسلي وعبدوا غيري ( فجاءها بأسنا بياتًا ) ، يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلا قبل أن يصبحوا أو جاءتهم « قائلين » , يعني: نهارًا في وقت القائلة.

وقيل: « وكم » لأن المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المَثُلاث، بتكذيبهم رسلَه وخلافهم عليه. وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد, كما قال الفرزدق:

كَـمْ عَمـةٍ لَـكَ يـا جَـرِيرُ وَخَالَـةٍ فَدْعَـاءَ قَـدْ حَـلَبَتْ عَـلَيَّ عِشَـارِي

فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه « أهلك قرًى » , فما في خبره عن إهلاكه « القرى » من الدليل على إهلاكه أهلها؟

قيل: إن « القرى » لا تسمى « قرى » ولا « القرية » « قرية » ، إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم, ففي إهلاكها إهلاك مَنْ فيها من أهلها.

وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن « القرية » , والمراد به أهلها.

قال أبو جعفر: والذي قلنا في ذلك أولى بالحق، لموافقته ظاهر التنـزيل المتلوّ.

فإن قال قائل: وكيف قيل: ( وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون ) ؟ وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسَخَطه بها؟ فكيف قيل: « أهلكناها فجاءها » ؟ وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها، فما وجه مجيء ذلك قومًا قد هلكوا وبادوا، ولا يشعرون بما ينـزل بهم ولا بمساكنهم؟

قيل: إن لذلك من التأويل وجهين، كلاهما صحيح واضح منهجه:

أحدهما: أن يكون معناه: « وكم من قرية أهلكناها » ، بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنـزلنا إليها من البينات والهدى، واختيارها اتباع أمر أوليائها المُغْوِيتِهَا عن طاعة ربها « فجاءها بأسنا » إذ فعلت ذلك « بياتا أو هم قائلون » ، فيكون « إهلاك الله إياها » ، خذلانه لها عن طاعته, ويكون « مجيء بأس الله إياهم » ، جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم.

والآخر منهما: أن يكون « الإهلاك » هو « البأس » بعينه، فيكون في ذكر « الإهلاك » الدلالةُ على ذكر « مجيء البأس » , وفي ذكر « مجيء البأس » الدلالة على ذكر « الإهلاك » .

وإذا كان ذلك كذلك, كان سواء عند العرب، بُدئ بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس, أو بدئ بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك. وذلك كقولهم: « زرتني فأكرمتني » ، إذ كانت « الزيارة » هي « الكرامة » , فسواء عندهم قدم « الزيارة » وأخر « الكرامة » , أو قدم « الكرامة » وأخر « الزيارة » فقال: « أكرمتني فزرتني » .

وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفًا, لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحًا وأن معنى ذلك: وكم من قرية أهلكناها, فكان مجيء بأسنا إياها قبل إهلاكنا. وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنـزيل، ولا من خبر يجب التسليم له. وإذا خلا القولُ من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجبُ التسليم لها، كان بيّنًا فساده.

وقال آخر منهم أيضًا: معنى « الفاء » في هذا الموضع معنى « الواو » . وقال: تأويل الكلام: وكم من قرية أهلكناها، وجاءها بأسنا بياتًا. وهذا قول لا معنى له, إذ كان لـ « الفاء » عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام, فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم، ما وجد إلى ذلك سبيل، أولى من صرفها إلى غيره.

فإن قال: وكيف قيل: ( فجاءها بأسنا بياتًا أو هم قائلون ) , وقد علمت أن الأغلب من شأن « أو » في الكلام، اجتلابُ الشك, وغير جائز أن يكون في خبر الله شك؟

قيل: إن تأويل ذلك خلافُ ما إليه ذهبتَ. وإنما معنى الكلام: وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتًا, وبعضها وهم قائلون. ولو جعل مكان « أو » في هذا الموضع « الواو » ، لكان الكلام كالمحال, ولصار الأغلب من معنى الكلام: أن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتًا وفي وقت القائلة . وذلك خبرٌ عن البأس أنه أهلك من قد هلك، وأفنى من قد فني. وذلك من الكلام خَلْفٌ . ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التنـزيل, إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتًا، من القرى التي جاءها ذلك قائلةً. ولو فُصلت، لم يخبر عنها إلا بالواو.

وقيل: « فجاءها بأسنا » خبرًا عن « القرية » أن البأس أتاها, وأجرى الكلام على ما ابتدئ به في أول الآية . ولو قيل: « فجاءهم بأسنا بياتًا » ، لكان صحيحًا فصيحًا، ردًّا للكلام إلى معناه, إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها, وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب، نحوٌ من الذي نال سكانها. وقد رجع في قوله: ( أو هم قائلون ) ، إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها، لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان، وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها.

ولو قيل: « أو هي قائلة » ، كان صحيحًا، إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام.

فإن قال قائل: أو ليس قوله: ( أو هم قائلون ) ، خبرًا عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار؟

قيل: بلى!

فإن قال: أو ليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدالِّ على الوقت؟

قيل: إن ذلك، وإن كان كذلك, فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع، استثقالا للجمع بين حرفي عطف, إذ كان « أو » عندهم من حروف العطف, وكذلك « الواو » , فيقولون: « لقيتني مملقًا أو أنا مسافر » , بمعنى: أو وأنا مسافر, فيحذفون « الواو » وهم مريدوها في الكلام، لما وصفت.

 

القول في تأويل قوله : فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 5 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها، إذ جاءهم بأسنا وسطوتُنا بياتًا أو هم قائلون, إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين، وبربهم آثمين، ولأمره ونهيه مخالفين.

وعنى بقوله جل ثناؤه: ( دعواهم ) ، في هذا الموضع دعاءَهم.

ولـ « الدعوى » ، في كلام العرب، وجهان: أحدهما: الدعاء ، والآخر: الادعاء للحق.

ومن « الدعوى » التي معناها الدعاء، قول الله تبارك وتعالى: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ [ سورة الأنبياء: 15 ] ، ومنه قول الشاعر:

وَإِنْ مَـذِلَتْ رِجْـلِي دَعَـوْتُكِ أَشْـتَفِي بِدَعْــوَاكِ مِـنْ مَـذْلٍ بِهَـا فَيَهُـونُ

وقد بينا فيما مضى قبل أن « البأس » و « البأساء » الشدة, بشواهد ذلك الدالة على صحته, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وفي هذه الآية الدلالةُ الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: « ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم » .

وقد تأوّل ذلك كذلك بعضهم.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن أبي سنان, عن عبد الملك بن ميسرة الزرَّاد قال، قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله: ما هلك قوم حتى يُعْذِروا من أنفسهم - قال قلت لعبد الملك: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا ) ، الآية .

فإن قال قائل: وكيف قيل: ( فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ) ؟ وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك، وقد جاءهم بأس الله بالهلاك؟ أقالوا ذلك قبل الهلاك؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك, فإنهم قالوا قبل مجيء البأس, والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم، لا قبل ذلك؟ أو قالوه بعد ما جاءهم، فتلك حالة قد هلكوا فيها, فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله، وحقيقة ما كانت الرسل تَعِدهم من سطوة الله؟.

قيل: ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوّله وآخره مَهَلٌ, بل كان منهم من غرق بالطوفان. فكان بين أوّل ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون، وبين آخره الذي عمَّ جميعهم هلاكُه، المدة التي لا خفاء بها على ذي عقل . ومنهم من مُتِّع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أيامًا ثلاثة, كقوم صالح وأشباههم. فحينئذ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به، وأيقنوا حقيقة نـزول سطوة الله بهم, دعوا: يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ، فلم يك ينفعهم إيمانهم مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم. فحذّر ربنا جل ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله, ما حلَّ بمن كان قبلهم من الأمم إذ عصوا رُسله، واتبعوا أمر كل جبار عنيد.

 

القول في تأويل قوله : فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي: ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي؟ هل عملوا بما أمرتهم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه، وأطاعوا أمري, أم عصوني فخالفوا ذلك؟ ( ولنسألن المرسلين ) ، يقول: ولنسألن الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم: هل بلغتهم رسالاتي، وأدَّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليهم, أم قصّروا في ذلك ففرَّطوا ولم يبلغوهم؟.

وكذلك كان أهل التأويل يتأولونه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) ، قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين, ويسأل المرسلين عما بلغوا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) إلى قوله: ( غائبين ) ، قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) ، يقول فلنسألن الأمم: ما عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به؟

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، قال مجاهد: ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) ، الأمم ولنسألن الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه: هل بلغوا؟

 

القول في تأويل قوله : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ( 7 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلنخبرن الرسل ومَنْ أرسلتهم إليه بيقين علمٍ بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به, وما كنت نهيتهم عنه « وما كنا غائبين » ، عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها.

فإن قال قائل: وكيف يسأل الرسلَ، والمرسل إليهم, وهو يخبر أنه يقصّ عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم في ذلك؟

قيل: إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألة استرشاد، ولا مسألة تعرّف منهم ما هو به غير عالم, وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر, كما يقول الرجل للرجل: « ألم أحسن إليك فأسأت؟ » ، و « ألم أصلك فقطعت؟ » . فكذلك مسألة الله المرسلَ إليهم، بأن يقول لهم: « ألم يأتكم رسلي بالبينات؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابي وعقابي في هذا اليوم من كفر بي وعبد غيري » ؟ كما أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [ سورة يس: 60- 61 ] .

ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة, ومعناه الخبر والقصص، وهو بعدُ توبيخ وتقرير.

وأما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر, فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ؟ أنكر ذلك كثير منهم وقالوا: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فقيل للرسل: « هل بلغتم ما أرسلتم به » ؟ أو قيل لهم: « ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به؟ » ، كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكما قال جل ثناؤه لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ، [ سورة البقرة: 143 ] . فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسَل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ, وكل ذلك بمعنى القصص والخبر.

فأما الذي هو عن الله منفيٌّ من مسألته خلقه, فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول, ليعلم السائل علم ذلك من قِبَله، فذلك غير جائز أن يوصف الله به ، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها, وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ، [ سورة الرحمن: 39 ] ، وبقوله: وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ، [ سورة القصص: 78 ] ، يعني: لا يسأل عن ذلك أحدًا منهم مستثبت, ليعلم علم ذلك من قبل مَنْ سأل منه, لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره.

وقد ذكرنا ما روي في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضع, فكرهنا إعادته.

وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول في معنى قوله: ( فلنقصن عليهم بعلم ) ، أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم.

هذا قولٌ غيرُ بعيد من الحق, غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه تَرْجُمان, فيقول له: « أتذكر يوم فعلت كذا وفعلت كذا » ؟ حتى يذكره ما فعل في الدنيا والتسليم لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من التسليم لغيره.

 

القول في تأويل قوله : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 )

قال أبو جعفر: « الوزن » مصدر من قول القائل: « وزنت كذا وكذا أزِنه وَزْنًا وزِنَةً » , مثل: « وَعدته أعده وعدًا وعدة » .

وهو مرفوع بـ « الحق » , و « الحق » به.

ومعنى الكلام: والوزن يوم نسأل الذين أرسل إليهم والمرسلين, الحق ويعني بـ « الحق » ، العدلَ.

وكان مجاهد يقول: « الوزن » ، في هذا الموضع، القضاء.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « والوزن يومئذ » ، القضاء.

وكان يقول أيضًا: معنى « الحق » ، هاهنا، العدل.

* ذكر الرواية بذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن مجاهد: ( والوزن يومئذ الحق ) ، قال: العدل.

وقال آخرون: معنى قوله: ( والوزن يومئذ الحق ) ، وزن الأعمال.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: ( والوزن يومئذ الحق ) ، توزن الأعمال.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( والوزن يومئذ الحق ) ، قال: قال عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشَّروب, فلا يزن جناح بَعُوضة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( والوزن يومئذ الحق ) ، قال: قال عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل الطويل العظيم فلا يزن جناح بعوضة.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يوسف بن صهيب, عن موسى, عن بلال بن يحيى, عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، قال: يا جبريل، زِن بينهم! فردَّ من بعضٍ على بعض. قال: وليس ثم ذهبٌ ولا فضة. قال: فإن كان للظالم حسنات، أخذ من حسناته فترد على المظلوم, وإن لم يكن له حسنات حُمِل عليه من سيئات صاحبه ، فيرجع الرجل عليه مثل الجبال, فذلك قوله: ( والوزن يومئذ الحق ) .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( فمن ثقلت موازينه ) .

فقال بعضهم: معناه: فمن كثرت حسناته.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن مجاهد: ( فمن ثقلت موازينه ) ، قال: حسناته.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن ثقلت موازينه التي توزن بها حسناته وسيئاته. قالوا: وذلك هو « الميزان » الذي يعرفه الناس, له لسان وكِفَّتان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال لي عمرو بن دينار قوله: ( والوزن يومئذ الحق ) ، قال: إنا نرى ميزانًا وكفتين, سمعت عبيد بن عمير يقول: يُجْعَل الرجل العظيم الطويل في الميزان, ثم لا يقوم بجناح ذباب.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار، من أن ذلك هو « الميزان » المعروف الذي يوزن به, وأن الله جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات, كما قال جل ثناؤه: ( فمن ثقلت موازينه ) ، موازين عمله الصالح ( فأولئك هم المفلحون ) ، يقول: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح، وأدركوا الفوز بالطلبات, والخلود والبقاء في الجنات, لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: « ما وُضِع في الميزان شيء أثقل من حسن الخُلق » , ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزانٌ يوزن به الأعمال، على ما وصفت.

فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنه، وِجْهَته, وقال: أوَ بالله حاجة إلى وزن الأشياء، وهو العالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده، وفي كل حال ؟ أو قال: وكيف توزن الأعمال, والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة, وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها، وكثرتها من قلتها, وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة، والكثرة والقلة؟

قيل له في قوله: « وما وجه وزن الله الأعمالَ، وهو العالم بمقاديرها قبل كونها » : وزن ذلك، نظيرُ إثباته إياه في أمِّ الكتاب واستنساخه ذلك في الكتب، من غير حاجة به إليه، ومن غير خوف من نسيانه, وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده, بل ليكون ذلك حجة على خلقه, كما قال جل ثناؤه في تنـزيله: ( كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [ سورة الجاثية: 28- 29 ] الآية فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان، حجة عليهم ولهم, إما بالتقصير في طاعته والتضييع، وإما بالتكميل والتتميم

وأمّا وجه جواز ذلك, فإنه كما:

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي, عن عبد الله بن يزيد, عن عبد الله بن عمرو، قال: يُؤْتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان, فيوضع في الكِفّة, فيخرج له تسعة وتسعون سِجِلا فيها خطاياه وذنوبه. قال: ثم يخرج له كتاب مثل الأنْمُلة, فيها شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . قال: فتوضع في الكِفّة، فترجح بخطاياه وذنوبه.

فكذلك وزن الله أعمال خلقه، بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان, وكتب سيئاته في الكفة الأخرى, ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلا وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى، احتجاجًا من الله بذلك على خلقه، كفعله بكثير منهم: من استنطاق أيديهم وأرجلهم, استشهادًا بذلك عليهم, وما أشبه ذلك من حججه.

ويُسأل مَن أنكر ذلك فيقال له: إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة، ويخفف موازين آخرين, وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك, فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته، الذي يتعارفه الناس؟ أحجة عقل تُبْعِد أن يُنال وجه صحته من جهة العقل؟ وليس في وزن الله جل ثناؤه خلقَه وكتبَ أعمالهم لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان، خروجٌ من حكمة, ولا دخول في جور في قضية, فما الذي أحال ذلك عندك من حجةِ عقلٍ أو خبر؟ إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرتُ، ولا سبيل إلى ذلك. وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين، وضوحُ فساد قوله، وصحة ما قاله أهل الحق في ذلك.

وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته, إذ كان قصدُنا في هذا الكتاب: البيانَ عن تأويل القرآن دون غيره. ولولا ذلك لقرنَّا إلى ما ذكرنا نظائره, وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وُفِّق لفهمه إن شاء الله.

 

القول في تأويل قوله : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ( 9 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباع أمره ونهيه, فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته ( بما كانوا بآياتنا يظلمون ) ، يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون, فلا يقرّون بصحتها, ولا يوقنون بحقيقتها، كالذي:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن مجاهد: ( ومن خفت موازينه ) ، قال: حسناته.

وقيل: « فأولئك » ، و « من » في لفظ الواحد, لأن معناه الجمع. ولو جاء موحَدًا كان صوابًا فصيحًا.

 

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ ( 10 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد وطَّأْنا لكم، أيها الناس، في الأرض, وجعلناها لكم قرارًا تستقرُّون فيها, ومهادًا تمتهدونها, وفراشًا تفترشونها ( وجعلنا لكم فيها معايش ) ، تعيشون بها أيام حياتكم, من مطاعم ومشارب, نعمة مني عليكم، وإحسانًا مني إليكم ( قليلا ما تشكرون ) ، يقول: وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري, واتخاذكم إلهًا سواي.

* *

والمعايش: جمع « معيشة » .

واختلفت القرأة في قراءتها.

فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ( مَعَايِشَ ) بغير همز.

وقرأه عبد الرحمن الأعرج: « مَعَائِشَ » بالهمز.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: ( مَعَايِشَ ) بغير همز, لأنها « مفاعل » من قول القائل « عشتَ تعيش » , فالميم فيها زائدة، والياء في الحكم متحركة, لأن واحدها « مَفْعلة » ، « مَعْيشة » ، متحركة الياء, نقلت حركة الياء منها إلى « العين » في واحدها . فلما جُمعت، رُدّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها. وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا، في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال « مفاعل » , وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال « فعائل » التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل. فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال، فالعرب تهمزه، كقولهم: « هذه مدائن » و « صحائف » ونظائرهما, لأن « مدائن » جمع « مدينة » , و « المدينة » ، « فعيلة » من قولهم: « مدنت المدينة » , وكذلك، « صحائف » جمع « صحيفة » , و « الصحيفة » ، « فعيلة » من قولك: « صحفت الصحيفة » , فالياء في واحدها زائدة ساكنة, فإذا جمعت همزت، لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها, وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة, وهي في الجمع متحركة. ولو جعلت « مدينة » « مَفْعلة » من: « دان يدين » , وجمعت على « مفاعل » , كان الفصيح ترك الهمز فيها. وتحريك الياء. وربما همزت العرب جمع « مفعلة » في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها. إذا جاءت على « مفاعل » تشبيهًا منهم جمعها بجمع « فعيلة » , كما تشبه « مَفْعلا » « بفعيل » فتقول: « مَسِيل الماء » , من: « سال يسيل » , ثم تجمعها جمع « فعيل » , فتقول: « هي أمسلة » ، في الجمع، تشبيهًا منهم لها بجمع « بعير » وهو « فعيل » , إذ تجمعه « أبعرة » . وكذلك يجمع « المصير » وهو « مَفْعل » ، « مُصْران » تشبيهًا له بجمع: « بعير » وهو « فعيل » , إذ تجمعه « بُعْران » , وعلى هذا همز الأعرج « معايش » . وذلك ليس بالفصيح في كلامها، وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن أفصحها وأعرفها، دون أنكرها وأشذِّها.

 

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 11 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويل ذلك: ( ولقد خلقناكم ) ، في ظهر آدم، أيها الناس ( ثم صورناكم ) ، في أرحام النساء. خلقًا مخلوقًا ومثالا ممثلا في صورة آدم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) , قوله: ( خلقناكم ) ، يعني آدم وأما « صورناكم » ، فذريّته.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) الآية, قال: أمّا « خلقناكم » ، فآدم. وأمّا « صورناكم » ، فذرية آدم من بعده.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن أبي جعفر, عن الربيع: ( ولقد خلقناكم ) ، يعني: آدم ( ثم صورناكم ) ، يعني: في الأرحام.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس في قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، يقول: خلقناكم خلق آدم, ثم صَوَّرناكم في بطون أمهاتكم.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، يقول: خلقنا آدم، ثم صورنا الذرية في الأرحام.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: خلق الله آدم من طين « ثم صورناكم » ، في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق: علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا, ثم كسا العظام لحمًا, ثم أنشأناه خلقًا آخر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: خلق الله آدم، ثم صوّر ذريته من بعده.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمر بن هارون, عن نصر بن مُشارس, عن الضحاك: ( خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: ذريته.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك, قوله: ( ولقد خلقناكم ) ، يعني آدم ( ثم صورناكم ) , يعني: ذريته.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: « ولقد خلقناكم » ، في أصلاب آبائكم « ثم صورناكم » ، في بطون أمهاتكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن سماك, عن عكرمة: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: خلقناكم في أصلاب الرجال, وصوّرناكم في أرحام النساء.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحمانى قال، حدثنا شريك, عن سماك, عن عكرمة, مثله.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان قال، سمعت الأعمش يقرأ: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: خلقناكم في أصلاب الرجال, ثم صورناكم في أرحام النساء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ( خلقناكم ) ، يعني آدم ( ثم صورناكم ) ، يعني في ظهره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( ولقد خلقناكم ) ، قال: آدم ( ثم صورناكم ) ، قال: في ظهر آدم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، في ظهر آدم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: صورناكم في ظهر آدم.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: في ظهر آدم، لما تصيرون إليه من الثواب في الآخرة.

وقال آخرون: معنى ذلك: « ولقد خلقناكم » ، في بطون أمهاتكم « ثم صورناكم » ، فيها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عمن ذكره قال: ( خلقناكم ثم صورناكم ) ، قال: خلق الله الإنسان في الرحم, ثم صوّره، فشقَّ سمعه وبصره وأصابعه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: ( ولقد خلقناكم ) ، ولقد خلقنا آدم ( ثم صورناكم ) ، بتصويرنا آدم, كما قد بينا فيما مضى من خطاب العرب الرجلَ بالأفعال تضيفها إليه, والمعنيُّ في ذلك سلفه, وكما قال جل ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ، [ سورة البقرة: 63 ] . وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود، والمراد به السلف المعدوم, فكذلك ذلك في قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناه.

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب, لأن الذي يتلو ذلك قوله: ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) ، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم، قبل أن يصوِّر ذريته في بطون أمهاتهم, بل قبل أن يخلُق أمهاتهم.

و « ثم » في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها, وذلك كقول القائل: « قمت ثم قعدت » , لا يكون « القعود » إذ عطف به بـ « ثم » على قوله: « قمت » إلا بعد القيام, وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو، جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها, وذلك كقول القائل: « قمت وقعدت » , فجائز أن يكون « القعود » في هذا الكلام قد كان قبل « القيام » , لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفًا، لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها، من غير دلالة منها بنفسها على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين, أو إن كانا في وقتين، أيهما المتقدم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إنّ قوله: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) ، لا يصح تأويله إلا على ما ذكرنا.

فإن ظن ظانّ أن العربَ، إذ كانت ربما نطقت بـ « ثم » في موضع « الواو » في ضرورة شعره، كما قال بعضهم:

سَــأَلْتُ رَبِيعَــةَ: مَــنْ خَيْرُهَــا أَبًــا ثُــمَّ أُمًّــا? فَقَـالَتْ: لِمَـهْ?

بمعنى: أبًا وأمًّا, فإن ذلك جائز أن يكون نظيره فإن ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أن كتاب الله جل ثناؤه نـزل بأفصح لغات العرب, وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهومٌ ووجه معروف.

وقد وجَّه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم, وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم, ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم, ثم صورناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب, لأنها لا تدخل « ثم » في الكلام وهي مرادٌ بها التقديم على ما قبلها من الخبر, وإن كانوا قد يقدِّمونها في الكلام, إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير, وذلك كقولهم: « قام ثم عبد الله عمرو » ، فأما إذا قيل: « قام عبد الله ثم قعد عمرو » , فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله, إذا كان الخبر صدقًا, فقول الله تبارك وتعالى: ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ) ، نظير قول القائل: « قام عبد الله ثم قعد عمرو » ، في أنه غير جائز أن يكون أمرُ الله الملائكةَ بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير، لما وصفنا قبل.

وأما قوله للملائكة: ( اسجدوا لآدم ) ، فإنه يقول جل ثناؤه: فلما صوّرنا آدم وجعلناه خلقًا سويًّا, ونفخنا فيه من روحنا, قلنا للملائكة: « اسجدوا لآدم » , ابتلاء منا واختبارًا لهم بالأمر, ليعلم الطائع منهم من العاصي ، ( فسجدوا ) ، يقول: فسجد الملائكة، إلا إبليس فإنه لم يكن من الساجدين لآدم، حين أمره الله مع مَنْ أمرَ من سائر الملائكة غيره بالسجود.

وقد بينا فيما مضى، المعنى الذي من أجله امتحن جَلّ جلاله ملائكته بالسجود لآدم, وأمْرَ إبليس وقصصه, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس، إذ عصاه فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له. يقول: قال الله لإبليس: ( ما منعك ) ، أيّ شيء منعك ( ألا تسجد ) ، أن تدع السجود لآدم ( إذ أمرتك ) ، أن تسجد « قال أنا خير منه » ، يقول: قال إبليس: أنا خير من آدم « خلقتني من نار وخلقته من طين » .

فإن قال قائل: أخبرنا عن إبليس, ألحقته الملامة على السجود، أم على ترك السجود؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود, فكيف قيل له: ( ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ) ؟ وإن كان النكير على السجود, فذلك خلافُ ما جاء به التنـزيل في سائر القرآن, وخلاف ما يعرفه المسلمون!

قيل: إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له.

غير أن في تأويل قوله: ( ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ) ، بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافًا، أبدأ بذكر ما قالوا, ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب .

فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد و « لا » ها هنا زائدة, كما قال الشاعر:

أبَـى جُـودُهُ لا البُخْـلَ, وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَـمْ, مِـنْ فَتًـى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلهْ

وقال: فسرته العرب: « أبى جوده البخل » , وجعلوا « لا » زائدةً حشوًا ها هنا، وصلوا بها الكلام. قال: وزعم يونس أن أبا عمرو كان يجر « البخل » , ويجعل « لا » مضافة إليه, أراد: أبى جوده « لا » التي هي للبخل, ويجعل « لا » مضافة, لأن « لا » قد تكون للجود والبخل, لأنه لو قال له: « امنع الحق ولا تعط المسكين » فقال: « لا » كان هذا جودًا منه.

وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله, غير أنه زعم أن العلة في دخول « لا » في قوله: ( أن لا تسجد ) ، أن في أول الكلام جحدا يعني بذلك قوله: لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد، الجحدَ, كالاستيثاق والتوكيد له . قال: وذلك كقولهم:

مَــا إنْ رَأَيْنَــا مِثْلَهُــنَّ لِمَعْشَـرٍ سُــودِ الــرُّؤُوسِ, فَـوَالِجٌ وَفُيُـولُ

فأعاد على الجحد الذي هو « ما » جحدًا, وهو قوله « إن » ، فجمعهما للتوكيد.

وقال آخر منهم: ليست « لا » ، بحشو في هذا الموضع ولا صلة, ولكن « المنع » هاهنا بمعنى « القول » ، وإنما تأويل الكلام: مَنْ قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود ولكن دخل في الكلام « أن » ، إذ كان « المنع » بمعنى « القول » ، لا في لفظه, كما يُفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول, وهو له في اللفظ مخالف، كقولهم: « ناديت أن لا تقم » , و « حلفت أن لا تجلس » , وما أشبه ذلك من الكلام. وقال: خفض « البخل » من روى: « أبى جوده لا البخل » ، بمعنى: كلمة البخل, لأن « لا » هي كلمة البخل, فكأنه قال: كلمة البخل.

وقال بعضهم: معنى « المنع » ، الحول بين المرء وما يريده. قال: والممنوع مضطّر به إلى خلاف ما منع منه, كالممنوع من القيام وهو يريده, فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافًا للقيام, إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه, فيوثر أحدهما على الآخر فيفعله . قال: فلما كانت صفة « المنع » ذلك, فخوطب إبليس بالمنع فقيل له: ( ما منعك ألا تسجد ) ، كان معناه كأنه قيل له: أيّ شيء اضطرك إلى أن لا تسجد؟

قال أبو جعفر: والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال: إن في الكلام محذوفًا قد كفى دليلُ الظاهر منه, وهو أن معناه: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد فترك ذكر « أحوجك » ، استغناء بمعرفة السامعين قوله: إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ، أن ذلك معنى الكلام، من ذكره. ثم عمل قوله: ( ما منعك ) ، في « أن » ما كان عاملا فيه قبل « أحوجك » لو ظهر، إذ كان قد ناب عنه.

وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب، لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له, وأن لكل كلمة معنًى صحيحًا, فتبين بذلك فسادُ قول من قال: « لا » في الكلام حشو لا معنى لها.

وأما قول من قال: معنى « المنع » ههنا « القول » , فلذلك دخلت « لا » مع « أن » فإن « المنعَ » وإن كان قد يكون قولا وفعلا فليس المعروف في الناس استعمالُ « المنع » ، في الأمر بترك الشيء, لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادرًا على فعله وتركه ففعله، لا يقال: « فعله » ، وهو ممنوع من فعله، إلا على استكراه للكلام . وذلك أن المنع من الفعل حَوْلٌ بينه وبينه, فغير جائز أن يكون وهو مَحُولٌ بينه وبينه فاعلا له, لأنه إن جاز ذلك، وجب أن يكون مَحُولا بينه وبينه لا محولا وممنوعًا لا ممنوعًا.

وبعدُ, فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى ذكره بالسجود لآدم كبرًا, فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم, فيجوز أن يقال له: « أي شيء قال لك: لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟ » ولكن معناه إن شاء الله ما قلت: « ما منعك من السجود له فأحوجك, أو: فأخرجك, أو: فاضطرك إلى أن لا تسجد له » ، على ما بيَّنت.

وأما قوله: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ، فإنه خبرٌ من الله جل ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم, فأحوجه إلى أن لا يسجد له, واضطره إلى خلافه أمرَه به، وتركه طاعته أنّ المانعَ كان له من السجود، والداعيَ له إلى خلافه أمر ربه في ذلك: أنه أشد منه أيْدًا، وأقوى منه قوة، وأفضل منه فضلا لفضل الجنس الذي منه خلق، وهو النارُ, على الذي خلق منه آدم، وهو الطين . فجهل عدوّ الله وجه الحق, وأخطأ سبيل الصواب. إذ كان معلومًا أن من جوهر النار الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوًّا, والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حملَ الخبيث بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق، على الاستكبار عن السجود لآدم، والاستخفاف بأمر ربه, فأورثه العطبَ والهلاكَ. وكان معلومًا أن من جوهر الطين الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبُّت, وذلك الذي هو في جوهره من ذلك، كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق، إلى التوبة من خطيئته, ومسألته ربَّه العفوَ عنه والمغفرة . ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: « أول مَنْ قاسَ إبليس » , يعنيان بذلك: القياسَ الخطأ, وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله، وبعده من إصابة الحق، في الفضل الذي خص الله به آدم على سائر خلقه: من خلقه إياه بيده, ونفخه فيه من روحه, وإسجاده له الملائكة, وتعليمه أسماء كلِّ شيء، مع سائر ما خصه به من كرامته . فضرب عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا, وقصد إلى الاحتجاج بأنه خُلق من نار وخلق آدم من طين!! وهو في ذلك أيضًا له غير كفء, لو لم يكن لآدم من الله جل ذكره تكرمة شيء غيره, فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده، ويملّ إحصاؤه؟

حدثني عمرو بن مالك قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي, عن هشام, عن ابن سيرين قال: أوّل من قاس إبليس, وما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا محمد بن كثير, عن ابن شوذب, عن مطر الورّاق, عن الحسن قوله: ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) ، قال: قاس إبليس وهو أول من قاس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة، دون الملائكة الذين في السموات: اسْجُدُوا لآدَمَ ، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر, لما كان حدَّث نفسه، من كبره واغتراره, فقال: « لا أسجد له, وأنا خير منه, وأكبر سنًّا, وأقوى خلقًا, خلقتني من نار وخلقته من طين! » يقول: إنّ النار أقوى من الطين.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: ( خلقتني من نار ) ، قال: ثم جعل ذريته من ماء.

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله عدوّ الله ليس لما سأله عنه بجواب. وذلك أن الله تعالى ذكره قال له: ما منعك من السجود؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود أنه خُلِقَ من نار وخلق آدم من طين, ولكنه ابتدأ خبرًا عن نفسه, فيه دليل على موضع الجواب فقال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )

 

القول في تأويل قوله : قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قال الله لإبليس عند ذلك: ( فاهبط منها ) .

وقد بيَّنا معنى « الهبوط » فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

( فما يكون لك أن تتكبر فيها ) ، يقول تعالى ذكره: فقال الله له: « اهبط منها » ، يعني: من الجنة « فما يكون لك » , يقول: فليس لك أن تستكبر في الجنة عن طاعتي وأمري.

فإن قال قائل: هل لأحد أن يتكبر في الجنة؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ, وإنما معنى ذلك: فاهبط من الجنة, فإنه لا يسكن الجنة متكبر عن أمر الله, فأما غيرها، فإنه قد يسكنها المستكبر عن أمر الله، والمستكين لطاعته.

وقوله: ( فاخرج إنك من الصاغرين ) ، يقول: فاخرج من الجنة، إنك من الذين قد نالهم من الله الصَّغَار والذلّ والمَهانة.

يقال منه: « صَغِرَ يَصْغَرُ صَغَرًا وصَغارًا وصُغْرَانًا » ، وقد قيل: « صغُرَ يَصْغُرُ صَغارًا وصَغارَة » .

وبنحو ذلك قال السدي.

حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( فاخرج إنك من الصاغرين ) ، و « الصغار » ، هو الذل.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 )

قال أبو جعفر: وهذه أيضًا جَهْلة أخرى من جَهَلاته الخبيثة. سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه . وذلك أنه سأل النَّظِرة إلى قيام الساعة, وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق. ولو أعطي ما سأل من النَّظِرة، كان قد أعطي الخلودَ وبقاءً لا فناء معه, وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ سورة الحجر: 37- 38 / سورة ص: 80 ، 81 ] ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء، لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى، غير ربِّنا الحيِّ الذي لا يموت. يقول الله تعالى ذكره: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، [ سورة آل عمران: 185 / سورة الأنبياء: 35 / سورة العنكبوت: 57 ] .

و « الإنظار » في كلام العرب، التأخير. يقال منه: « أنظرته بحقي عليه أنظره به إنظارًا » .

فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: ( إنك من المنظرين ) في هذا الموضع, فقد أجابه إلى ما سأل؟

قيل له: ليس الأمر كذلك, وإنما كان مجيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له: « إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت أو: إلى يوم البعث أو إلى يوم يبعثون » , أو ما أشبه ذلك، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة. وأما قوله: ( إنك من المنظرين ) ، فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها, وذلك قوله: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ، [ سورة الحجر: 37 ، 38 / سورة ص: 80 ، 81 ] ، كم المدة التي أنظره إليها, لأنه إذا أنظره يومًا واحدًا أو أقل منه أو أكثر, فقد دخل في عداد المنظرين، وتمَّ فيه وعد الله الصادق, ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه, فعلم بذلك الوقت الذي أُنظِر إليه.

وبنحو ذلك كان السدي يقول.

حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [ سورة الحجر: 36- 38 / سورة ص: 80 ، 81 ] ، فلم ينظره إلى يوم البعث, ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم, وهو يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى, فصعق مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض, فمات.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: قال إبليس لربه: « أنظرني » ، أي أخّرني وأجّلني, وأنسئْ في أجلي, ولا تمتني إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ , يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: ( إنك من المنظرين ) ، إلى يوم ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله.

فإن قال قائل: فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له: « إنك منهم » ؟

قيل: نعم, مَنْ لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم، ممن تقوم عليه الساعة, فهم من المنظرين بآجالهم إليه . ولذلك قيل لإبليس: ( إنك من المنظرين ) ، بمعنى: إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: ( فبما أغويتني ) ، يقول: فبما أضللتني، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( فبما أغويتني ) ، يقول: أضللتني.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( فبما أغويتني ) ، قال: فبما أضللتني.

وكان بعضهم يتأول قوله: ( فبما أغويتني ) ، بما أهلكتني, من قولهم: « غَوِيَ الفصيل يَغوَى غَوًى » , وذلك إذا فقد اللبن فمات, من قول الشاعر:

مُعَطَّفَــةُ الأَثْنَــاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَــا بِرَازِئِهَــا دَرًّا وَلا مَيِّــتٍ غَــوَى

وأصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسّنه عنده، غارًّا له.

وقد حكي عن بعض قبائل طيئ، أنها تقول: « أصبح فلان غاويًا » ، أي: أصبح مريضًا.

وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم, كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم صراطك المستقيم, كما يقال: « بالله لأفعلن كذا » .

وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة, كأن معناه عنده: فلأنك أغويتني أو: فبأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم.

قال أبو جعفر: وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية، من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسبابَ ذلك إليه, وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان، هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر . وذلك أنّ ذلك لو كان كما قالوا: لكان الخبيث قد قال بقوله: ( فبما أغويتني ) ، « فبما أصلحتني » , إذ كان سبب « الإغواء » هو سبب « الإصلاح » , وكان في إخباره عن الإغواء إخبارٌ عن الإصلاح, ولكن لما كان سبباهما مختلفين، وكان السبب الذي به غوَى وهلك من عند الله. أضاف ذلك إليه فقال: ( فبما أغويتني ) .

وكذلك قال محمد بن كعب القرظي, فيما:-

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثنا أبو مودود, سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: قاتل الله القدريّة, لإبليس أعلمُ بالله منهم !

وأما قوله: ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) ، فإنه يقول: لأجلسن لبني آدم « صراطك المستقيم » , يعني: طريقك القويم, وذلك دين الله الحق, وهو الإسلام وشرائعه. وإنما معنى الكلام: لأصدَّن بني آدم عن عبادتك وطاعتك, ولأغوينهم كما أغويتني, ولأضلنهم كما أضللتني.

وذلك كما روي عن سبرة بن أبي الفاكه:-

أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرِقَةٍ، فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذرُ دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك, وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل؟ فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد, وهو جَهْدُ النفس والمال, فقال: أتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟ قال: فعصاه فجاهد.

وروي عن عون بن عبد الله في ذلك ما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حَبّويه أبو يزيد, عن عبد الله بن بكير, عن محمد بن سوقة, عن عون بن عبد الله: ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) ، قال: طريق مكة.

والذي قاله عون، وإن كان من صراط الله المستقيم، فليس هو الصراط كله. وإنما أخبر عدوّ الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم، ولم يخصص منه شيئًا دون شيء. فالذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبهُ بظاهر التنـزيل، وأولى بالتأويل, لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصدَّ عن كل ما كان لهم قربة إلى الله.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل في معنى « المستقيم » ، في هذا الموضع.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( صراطك المستقيم ) ، قال: الحق.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا يقول: ( لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم ) ، قال: سبيل الحق, فلأضلنَّهم إلا قليلا.

قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: معناه: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم, كما يقال: « توجَّه مكة » ، أي إلى مكة, وكما قال الشاعر:

كَــأَنِّي إذْ أَسْــعَى لأظْفَـرَ طَـائِرًا مَـعَ النَّجْـمِ مِـنْ جَـوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ

بمعنى: لأظفر بطائر, فألقى « الباء » ، وكما قال: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ، [ سورة الأعراف: 150 ] ، بمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم.

وقال بعض نحويي الكوفة، المعنى، والله أعلم: لأقعدن لهم على طريقهم, وفي طريقهم . قال: وإلقاء الصفة من هذا جائز, كما تقول: « قعدت لك وجهَ الطريق » و « على وجه الطريق » ، لأن الطريق صفة في المعنى، فاحتمل ما يحتمله « اليوم » و « الليلة » و « العام » , إذا قيل: « آتيك غدًا » , و « آتيك في غد » .

قال أبو جعفر: وهذا القول هو أولى القولين في ذلك عندي بالصواب, لأن « القعود » مقتضٍ مكانًا يقعد فيه, فكما يقال: « قعدت في مكانك » , يقال: « قعدت على صراطك » , و « في صراطك » , كما قال الشاعر:

لَــدْنٌ بِهَــزِّ الْكَـفِّ يَعْسِـلُ مَتْنُـهُ فِيـهِ, كَمَـا عَسَـلَ الطَّـرِيقَ الثَّعْلَـبُ

فلا تكاد العرب تقول ذلك في أسماء البلدان, لا يكادون يقولون: « جلست مكة » ، و « قمت بغداد » .

 

القول في تأويل قوله : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ( 17 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى قوله: ( لآتينهم من بين أيديهم ) ، من قبل الآخرة ( ومن خلفهم ) ، من قبل الدنيا ( وعن أيمانهم ) ، من قِبَل الحق ( وعن شمائلهم ) ، من قبل الباطل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) ، يقول: أشككهم في آخرتهم ( ومن خلفهم ) ، أرغبهم في دنياهم ( وعن أيمانهم ) ، أشبِّه عليهم أمرَ دينهم ( وعن شمائلهم ) ، أشَهِّي لهم المعاصي.

وقد روي عن ابن عباس بهذا الإسناد في تأويل ذلك خلاف هذا التأويل, وذلك ما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) ، يعني من الدنيا ( ومن خلفهم ) ، من الآخرة ( وعن أيمانهم ) ، من قبل حسناتهم ( وعن شمائلهم ) ، من قبل سيئاتهم.

وتحقق هذه الرواية، الأخرى التي:

حدثني بها محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ، قال: أما بين « أيديهم » ، فمن قبلهم ، وأما « من خلفهم » ، فأمر آخرتهم ، وأما « عن أيمانهم » ، فمن قبل حسناتهم ، وأما « عن شمائلهم » ، فمن قبل سيئاتهم.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) الآية, أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار « ومن خلفهم » ، من أمر الدنيا, فزيَّنها لهم ودعاهم إليها « وعن أيمانهم » ، من قبل حسناتهم بطَّأهم عنها « وعن شمائلهم » ، زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها. أتاك يابن آدم من كل وجه, غير أنه لم يأتك من فوقك, لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله!

وقال آخرون: بل معنى قوله: ( من بين أيديهم ) ، من قبل دنياهم ( ومن خلفهم ) ، من قبل آخرتهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن إبراهيم في قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ) ، قال: ( من بين أيديهم ) ، من قبل دنياهم ( ومن خلفهم ) ، من قبل آخرتهم ( وعن أيمانهم ) من قبل حسناتهم ( وعن شمائلهم ) ، من قبل سيئاتهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن الحكم: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ، قال: ( من بين أيديهم ) ، من دنياهم ( ومن خلفهم ) ، من آخرتهم ( وعن أيمانهم ) ، من حسناتهم ( وعن شمائلهم ) ، من قِبَل سيئاتهم.

حدثنا سفيان قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن الحكم: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) ، قال: من قبل الدنيا يزيِّنها لهم ( ومن خلفهم ) من قبل الآخرة يبطّئهم عنها ( وعن أيمانهم ) ، من قبل الحق يصدّهم عنه ( وعن شمائلهم ) ، من قبل الباطل يرغّبهم فيه ويزينه لهم.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ، أما ( من بين أيديهم ) ، فالدنيا، أدعوهم إليها وأرغبهم فيها ( ومن خلفهم ) ، فمن الآخرة أشككهم فيها وأباعدها عليهم ( وعن أيمانهم ) ، يعني الحق فأشككهم فيه ( وعن شمائلهم ) ، يعني الباطل أخفّفه عليهم وأرغّبهم فيه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: ( من بين أيديهم ) ، من دنياهم، أرغّبهم فيها ( ومن خلفهم ) ، آخرتهم، أكفّرهم بها وأزهِّدهم فيها ( وعن أيمانهم ) ، حسناتهم أزهدهم فيها ( وعن شمائلهم ) ، مساوئ أعمالهم، أحسِّنها إليهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قول الله: ( من بين أيديهم وعن أيمانهم ) ، قال: حيث يبصرون ( ومن خلفهم ) ( وعن شمائلهم ) ، حيث لا يبصرون.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير, عن منصور قال، تذاكرنا عند مجاهد قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ، فقال مجاهد: هو كما قال، يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم زاد ابن حميد, قال: « يأتيهم من ثَمَّ » .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، قال مجاهد، فذكر نحو حديث محمد بن عمرو, عن أبي عاصم.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم لآتينهم من جميع وجوه الحقّ والباطل, فأصدّهم عن الحق، وأحسِّن لهم الباطل . وذلك أن ذلك عَقِيب قوله: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، فاخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرَهم الله أن يسلكوه, وهو ما وصفنا من دين الله دينِ الحق، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه، من الوجه الذي أمرهم الله به, فيصدّهم عنه, وذلك « من بين أيديهم وعن أيمانهم » ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه, فيزيّنه لهم ويدعوهم إليه, وذلك « من خلفهم وعن شمائلهم » .

وقيل: ولم يقل: « من فوقهم » ، لأن رحمة الله تنـزل على عباده من فوقهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) ، ولم يقل: « من فوقهم » , لأن الرحمة تنـزل من فوقهم.

وأما قوله: ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) . فإنه يقول: ولا تجد، ربِّ، أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتَك التي أنعمت عليهم، كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به, من إسجادك له ملائكتك, وتفضيلك إياه عليَّ و « شكرهم إياه » ، طاعتهم له بالإقرار بتوحيده, واتّباع أمره ونهيه.

وكان ابن عباس يقول في ذلك بما:-

حدثني به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) ، يقول: موحِّدين.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إحلاله بالخبيث عدوِّ الله ما أحلّ به من نقمته ولعنته, وطرده إياه عن جنته, إذ عصاه وخالف أمره, وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به . يقول: قال الله له عند ذلك: ( اخرج منها ) ، أي من الجنة ( مذؤُومًا مدحورًا ) ، يقول: مَعِيبًا.

و « الذأم » ، العيب. يقال منه: « ذأمَه يذأمه ذأمًا فهو مذؤوم » , ويتركون الهمز فيقولون: « ذِمْته أذيمه ذيمًا وذامًا » , و « الذأم » و « الذيم » ، أبلغ في العيب من « الذمّ » ، وقد أنشد بعضهم هذا البيت:

صَحِـبْتُكَ إذْ عَيْنِـي عَلَيْهَـا غِشَـاوَةٌ فَلَمَّـا انْجَـلَتْ قَطَّعْـتُ نَفْسِـي أَذِيمُهَا

وأكثر الرواة على إنشاده « ألومها » .

وأما المدحور: فهو المُقْصَى, يقال: « دحره يدحَرُه دَحْرًا ودُحُورًا » ، إذا أقصاه وأخرجه، ومنه قولهم: « ادحَرْ عنكَ الشيطان » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( اخرج منها مذؤومًا مدحورًا ) ، يقول: اخرج منها لعينًا منفيًّا.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « مذؤومًا » ممقوتًا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبى قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( قال اخرج منها مذؤومًا ) ، يقول: صغيرًا منفيًّا.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: ( اخرج منها مذؤومًا مدحورًا ) ، أما « مذؤومًا » ، فمنفيًّا, وأما « مدحورا » ، فمطرودًا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( مذؤومًا ) ، قال: منفيًّا ( مدحورًا ) ، قال: مطرودًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: ( اخرج منها مذؤومًا ) ، قال: منفيًّا. و « المدحور » , قال: المصغَّر.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال:، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن يونس وإسرائيل, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس: ( اخرج منها مذؤومًا ) ، قال: منفيًّا.

حدثني أبو عمرو القرقساني عثمان بن يحيى قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن التميمي, سأل ابن عباس: ما ( اخرج منها مذؤومًا مدحورًا ) ، قال: مقيتًا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( اخرج منها مذؤومًا مدحورًا ) ، فقال: ما نعرف « المذؤوم » و « المذموم » إلا واحدًا, ولكن تكون حروف منتقصة, وقد قال الشاعر لعامر: يا « عام » , ولحارث: « يا حار » , وإنما أنـزل القرآن على كلام العرب.

 

القول في تأويل قوله : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 )

قال أبو جعفر: وهذا قسم من الله جل ثناؤه. أقسم أن مَنْ اتبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس وأطاعه وصَدَّق ظنه عليه، أن يملأ من جميعهم يعني: من كفرة بني آدم تُبّاع إبليس، ومن إبليس وذريته جهنم. فرحم الله امرأً كذّب ظن عدوِّ الله في نفسه, وخيَّب فيها أمله وأمنيته, ولم يمكّن من طمعَ طمعٍ فيها عدوَّه, واستغشَّه ولم يستنصحه، فإن الله تعالى ذكره إنما نبّه بهذه الآيات عباده على قِدَم عداوة عدوِّه وعدوهم إبليس لهم, وسالف ما سلف من حسده لأبيهم, وبغيه عليه وعليهم, وعرّفهم مواقع نعمه عليهم قديمًا في أنفسهم ووالدهم ليدّبروا آياته, وليتذكر أولو الألباب, فينـزجروا عن طاعة عدوه وعدوهم إلى طاعته ويُنيبوا إليها.

 

القول في تأويل قوله : وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 19 )

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره: وقال الله لآدم: ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ) . فأسكن جل ثناؤه آدم وزوجته الجنة بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه منها, وأباح لهما أن يأكلا من ثمارها من أيّ مكان شاءا منها, ونهاهما أن يقربا ثمر شجرة بعينها.

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك، وما نرى من القول فيه صوابًا، في غير هذا الموضع, فكرهنا إعادته.

( فتكونا من الظالمين ) ، يقول: فتكونا ممن خالف أمر ربِّه، وفعل ما ليس له فعله.

 

القول في تأويل قوله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( فوسوس لهما ) ، فوسوس إليهما, وتلك « الوسوسة » كانت قوله لهما: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ، وإقسامه لهما على ذلك.

وقيل: « وسوس لهما » , والمعنى ما ذكرت, كما قيل: « غَرِضت إليه » , بمعنى: اشتقْتُ إليه, وإنما تعني: غَرضت من هؤلاء إليه. فكذلك معنى ذلك.

فوسوس من نفسه إليهما الشيطان بالكذب من القيل، ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوءاتهما، كما قال رؤبة:

* وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ *

ومعنى الكلام: فجذب إبليس إلى آدم حوّاء, وألقى إليهما: ما نهاكما ربكما عن أكل ثمر هذه الشجرة، إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ليبدي لهما ما واراه الله عنهما من عوراتهما فغطاه بستره الذي ستره عليهما.

وكان وهب بن منبه يقول في الستر الذي كان الله سترهما به، ما:-

حدثني به حوثرة بن محمد المنقري قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن عمرو, عن ابن منبه, في قوله: فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا قال: كان عليهما نور، لا ترى سوءاتهما.

 

القول في تأويل قوله : وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ( 20 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقال الشيطان لآدم وزوجته حواء: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة أن تأكلا ثمرَها، إلا لئلا تكونا ملكين.

وأسقطت « لا » من الكلام، لدلالة ما ظهر عليها, كما أسقطت من قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [ سورة النساء: 176 ] . والمعنى: يبين الله لكم أن لا تضلوا.

وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يزعم أن معنى الكلام: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين, كما يقال: « إياك أن تفعل » كراهيةَ أن تفعل.

« أو تكونا من الخالدين » ، في الجنة، الماكثين فيها أبدًا، فلا تموتا.

والقراءة على فتح « اللام » ، بمعنى: ملكين من الملائكة.

وروي عن ابن عباس، ما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي حماد قال، حدثنا عيسى الأعمى, عن السدّي قال: كان ابن عباس يقرأ: « إلا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ » ، بكسر « اللام » .

وعن يحيى بن أبي كثير، ما:-

حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثني القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج, عن هارون قال، حدثنا يعلى بن حكيم, عن يحيى بن أبي كثير أنه قرأها: « مَلِكَيْنِ » ، بكسر « اللام » .

وكأنَّ ابن عباس ويحيى وجَّها تأويل الكلام إلى أن الشيطان قال لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين من الملوك وأنهما تأوّلا في ذلك قول الله في موضع آخر: قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى ، [ سورة طه: 120 ] .

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة في ذلك بغيرها, القراءةُ التي عليها قرأة الأمصار وهي، فتح « اللام » من: « مَلَكَيْنِ » , بمعنى: ملكين، من الملائكة ، لما قد تقدم من بياننا في أن كل ما كان مستفيضًا في قرأة الإسلام من القراءة, فهو الصواب الذي لا يجوزُ خلافه.

 

القول في تأويل قوله : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( وقاسمهما ) ، وحلف لهما, كما قال في موضع آخر: تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ ، [ سورة النمل: 49 ] ، بمعنى تحالفوا بالله ، وكما قال خالد بن زهير [ ابن ] عمّ أبي ذويب:

وَقَاسَــمَهَا بِاللــهِ جَــهْدًا لأَنْتُــمُ ألَـذُّ مِـنَ السَّـلْوَى إِذَا مَـا نَشُـورُهَا

بمعنى: وحالفهما بالله ، وكما قال أعشى بني ثعلبة:

رَضِيعَــيْ لِبَـانٍ, ثَـدْيَ أُمٍّ تَقَاسَـمَا بِأَسْــحَمَ دَاجٍ عَــوْضُ لا نَتَفَــرَّقُ

بمعنى تحالفا.

وقوله: ( إني لكما لمن الناصحين ) أي: لممن ينصح لكما في مشورته لكما, وأمره إياكما بأكل ثمر الشجرة التي نهيتما عن أكل ثمرها، وفي خبري إياكما بما أخبركما به، من أنكما إن أكلتماه كنتما ملكين أو كنتما من الخالدين، كما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) ، فحلف لهما بالله حتى خدعهما, وقد يُخْدع المؤمن بالله, فقال: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما, فاتبعاني أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول: « من خادَعنا بالله خُدِعْنا » .

 

القول في تأويل قوله : فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( فدلاهما بغرور ) ، فخدعهما بغرور.

يقال منه: « ما زال فلان يدلّي فلانًا بغرور » , بمعنى: ما زال يخدعه بغرور، ويكلمه بزخرف من القول باطل.

( فلما ذاقا الشجرة ) ، يقول: فلما ذاق آدم وحواء ثمر الشجرة, يقول: طعماه ( بدت لهما سوآتهما ) يقول: انكشفت لهما سوءاتهما, لأن الله أعراهما من الكسوة التي كان كساهما قبل الذنب والخطيئة, فسلبهما ذلك بالخطيئة التي أخطآ والمعصية التي ركبا ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) ، يقول: أقبلا وجعلا يشدَّان عليهما من ورق الجنة، ليواريا سوءاتهما، كما:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس: ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) ، قال: جعلا يأخذان من ورق الجنة، فيجعلان على سوءاتهما.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي بكر, عن الحسن, عن أبي بن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان آدم كأنه نخلةٌ سَحُوق، كثيرُ شعر الرأس, فلما وقع بالخطيئة بدت له عورته، وكان لا يراها, فانطلق فارًّا, فتعرضت له شجرة فحبسته بشعره, فقال لها: أرسليني! فقالت: لست بمرسلتك! فناداه ربه: يا آدم, أمنِّي تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان بن عيينة وابن مبارك, عن الحسن, عن عمارة, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال، كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته، السنبلة . فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما, وكان الذي وَارى عنهما من سوءاتهما أظفارُهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ورق التين، يلصقان بعضها إلى بعض. فانطلق آدم مولّيًا في الجنة, فأخذت برأسه شجرة من الجنة, فناداه: أي آدم أمني تفرّ؟ قال: لا ولكني استحييتك يا رب ! قال: أما كان لك فيما منحتُك من الجنة وأبحتُك منها مندوحةٌ عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب, ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا. قال: وهو قول الله: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ . قال: فبعزّتي لأهبطنك إلى الأرض, ثم لا تنال العيش إلا كدًّا. قال: فأهبط من الجنة, وكانا يأكلان فيها رغدًا, فأهبطا في غير رغد من طعام وشراب, فعُلّم صنعة الحديد, وأُمر بالحرث, فحرث وزرع ثم سقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم داسَه, ثم ذرّاه, ثم طحنه, ثم عجنه, ثم خبزه, ثم أكله, فلم يبلعْه حتى بُلِّعَ منه ما شاء الله أن يبلعَ.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( يخصفان ) ، قال: يرقعان، كهيئة الثوب.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: يخصفان عليهما من الورق كهيئة الثوب.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما ) وكانا قبل ذلك لا يريانها ( وطفقا يخصفان ) ، الآية.

. . . . قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، حدثنا الحسن, عن أبي بن كعب: أن آدم عليه السلام كان رجلا طُوالا كأنه نخلة سَحُوق, كثير شعر الرأس . فلما وقع بما وقع به من الخطيئة, بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها. فانطلق هاربًا في الجنة, فعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة, فقال لها: أرسليني ! قالت: إني غير مرسلتك! فناداه ربه: يا آدم, أمنّي تفرّ؟ قال: رب إني استحييتك.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون, عن سفيان الثوري, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) ، قال: ورق التين.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن ابن أبي ليلى, عن المنهال, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) ، قال: ورق التين.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن حسام بن مِصَكّ، عن قتادة وأبي بكر، عن غير قتادة قال: كان لباس آدم في الجنة ظُفُرًا كله, فلما وقع بالذنب، كُشِط عنه وبدت سوءته قال أبو بكر: قال غير قتادة: ( فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) ، قال: ورق التين.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, في قوله: ( بدت لهما سوءاتهما ) ، قال: كانا لا يريان سوءاتهما.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو قال، سمعت وهب بن منبه يقول: يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا ، [ سورة الأعراف: 27 ] . قال: كان لباس آدم وحواء عليهما السلام نورًا على فروجهما, لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا. فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوءاتهما.

 

القول في تأويل قوله : وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونادى آدمَ وحواءَ ربُّهما: ألم أنهكما عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها, وأعلمكما أن إبليس لكما عدو مبين يقول: قد أبان عداوته لكما، بترك السجود لآدم حسدًا وبغيًا، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن قيس قوله: ( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ) ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب، أطعمتني حواء ! قال لحواء: لم أطعمته؟ قالت: أمرتني الحية! قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس! قال: ملعون مدحور ! أما أنت يا حواء فكما دمَّيت الشجرة تَدْمَيْن كل شهر. وأما أنت يا حية، فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك, وسيشدخُ رأسك من لقيك ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا عباد بن العوّام, عن سفيان بن حسين, عن يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني! قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كَرْهًا، ولا تضع إلا كرها. قال: فرنَّت حواء عند ذلك, فقيل لها: الرنّة عليك وعلى ولدك.

 

القول في تأويل قوله : قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 )

قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن آدم وحواء فيما أجاباه به, واعترافِهما على أنفسهما بالذنب, ومسألتهما إياه المغفرة منه والرحمة, خلاف جواب اللعين إبليس إياه.

ومعنى قوله: ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ) ، قال: آدم وحواء لربهما: يا ربنا، فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمعصيتك وخلاف أمرك، وبطاعتنا عدوَّنا وعدوَّك, فيما لم يكن لنا أن نطيعه فيه، من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها ( وإن لم تغفر لنا ) ، يقول: وإن أنت لم تستر علينا ذنبنا فتغطيه علينا، وتترك فضيحتنا به بعقوبتك إيانا عليه « وترحمنا » ، بتعطفك علينا, وتركك أخذنا به ( لنكونن من الخاسرين ) ، يعني: لنكونن من الهالكين.

وقد بيَّنا معنى « الخاسر » فيما مضى بشواهده، والرواية فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: قال آدم عليه السلام: يا رب, أرأيتَ إن تبتُ واستغفرتك؟ قال: إذًا أدخلك الجنة . وأما إبليس فلم يسأله التوبة, وسأل النَّظِرة, فأعطى كلَّ واحد منهما ما سأل.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ) ، الآية, قال: هي الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربه.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 24 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن فعله بإبليس وذريته، وآدم وولده، والحية.

يقول تعالى ذكره لآدم وحواء وإبليس والحية: اهبطوا من السماء إلى الأرض، بعضكم لبعض عدوّ، كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن طلحة, عن أسباط, عن السدي: ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) ، قال: فلعنَ الحية, وقطع قوائمها, وتركها تمشي على بطنها, وجعل رزقها من التراب, وأهبطوا إلى الأرض: آدم، وحواء، وإبليس، والحية.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن أبي عوانة, عن إسماعيل بن سالم, عن أبي صالح: ( اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) ، قال: آدم، وحواء، والحية.

وقوله: ( ولكم في الأرض مستقر ) ، يقول: ولكم، يا آدم وحواء، وإبليس والحية في الأرض قرارٌ تستقرونه، وفراش تمتهدونه، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: ( ولكم في الأرض مستقر ) ، قال: هو قوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا ، [ سورة البقرة: 22 ] .

وروي عن ابن عباس في ذلك، ما:-

حدثت عن عبيد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عمن حدثه, عن ابن عباس قوله: ( ولكم في الأرض مستقر ) ، قال: القبور.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ آدم وحواءَ وإبليس والحية، إذ أهبطوا إلى الأرض: أنهم عدوٌّ بعضهم لبعض, وأن لهم فيها مستقرًّا يستقرون فيه, ولم يخصصها بأن لهم فيها مستقرًّا في حال حياتهم دون حال موتهم, بل عمَّ الخبرَ عنها بأن لهم فيها مستقرًّا, فذلك على عمومه، كما عمّ خبرُ الله, ولهم فيها مستقر في حياتهم على ظهرها، وبعد وفاتهم في بطنها, كما قال جل ثناؤه: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، [ سورة المرسلات: 25- 26 ] .

وأما قوله: ( ومتاع إلى حين ) ، فإنه يقول جل ثناؤه: « ولكم فيها متاع » ، تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا, وذلك هو الحين الذي ذكره، كما:-

حدثت عن عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا إسرائيل, عن السدي, عمن حدثه, عن ابن عباس: ( ومتاع إلى حين ) ، قال: إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا.

و « الحين » نفسه: الوقت, غير أنه مجهول القدر ، يدل على ذلك قول الشاعر:

وَمَـا مِرَاحُـكَ بَعْـدَ الْحِـلْمِ وَالـدِّينِ وَقَـدْ عَـلاكَ مَشِـيبٌ حِـينَ لا حِـينِ

أي وقت لا وقت.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ( 25 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال الله للذين أهبطهم من سمواته إلى أرضه: ( فيها تحيون ) ، يقول: في الأرض تحيون, يقول: تكونون فيها أيام حياتكم ( وفيها تموتون ) ، يقول في الأرض تكون وفاتكم, ( ومنها تخرجون ) ، يقول: ومن الأرض يخرجكم ربكم ويحشركم إليه لبعث القيامة أحياء.

 

القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه للجهلة من العرب الذين كانوا يتعرَّون للطواف، اتباعًا منهم أمرَ الشيطان، وتركًا منهم طاعةَ الله, فعرفهم انخداعهم بغروره لهم، حتى تمكن منهم فسلبهم من ستر الله الذي أنعمَ به عليهم, حتى أبدى سوءاتهم وأظهرها من بعضهم لبعض, مع تفضل الله عليهم بتمكينهم مما يسترونها به, وأنهم قد سار بهم سيرته في أبويهم آدم وحواء اللذين دلاهما بغرور حتى سلبهما ستر الله الذي كان أنعم به عليهما حتى أبدى لهما سوءاتهما فعرّاهما منه: ( يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا ) ، يعني بإنـزاله عليهم ذلك، خلقَه لهم, ورزقه إياهم و « اللباس » ما يلبسون من الثياب ( يواري سوآتكم ) يقول: يستر عوراتكم عن أعينكم وكنى بـ « السوءات » ، عن العورات.

واحدتها « سوءة » , وهي « فعلة » من « السوء » , وإنما سميت « سوءة » ، لأنه يسوء صاحبها انكشافُها من جسده, كما قال الشاعر:

خَــــرَقُوا جَـــيْبَ فَتَـــاتِهِمُ لَـــمْ يُبَــالُوا سَــوْءَةَ الرَّجُلَــهْ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( لباسًا يواري سوآتكم ) قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراةً, ولا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ( يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ) ، قال: أربع آيات نـزلت في قريش. كانوا في الجاهلية لا يطوفون بالبيت إلا عراة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عوف قال: سمعت معبدًا الجهني يقول في قوله: ( يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ) ، قال: اللباس الذي تلبسون.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: ( يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم ) قال: كانت قريش تطوف عراة, لا يلبس أحدهم ثوبًا طاف فيه. وقد كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف, عن عوف, عن معبد الجهني: ( يا بني آدم قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم ) قال: اللباس الذي يواري سوءاتكم: وهو لَبُوسكم هذه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( لباسًا يواري سوآتكم ) قال: هي الثياب.

حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، حدثني مَنْ سمع عروة بن الزبير يقول، اللباس: الثياب.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم ) قال: يعني ثيابَ الرجل التي يلبسها.

 

القول في تأويل قوله : وَرِيشًا

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( وَرِيشًا ) ، بغير « ألف » .

وذكر عن زر بن حبيش والحسن البصري: أنهما كانا يقرآنه: « وَرِياشًا » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, عن أبان العطار قال، حدثنا عاصم: أن زر بن حبيش قرأها: « وَرِياشًا » .

قال أبو جعفر: والصوابُ من القراءة في ذلك، قراءة من قرأ: ( وَرِيشًا ) بغير « ألف » ، لإجماع الحجة من القرأة عليها.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ في إسناده نظر: أنه قرأه: « وَرِياشًا » .

فمن قرأ ذلك: « وَرِياشًا » فإنه محتمل أن يكون أراد به جمع « الريش » , كما تجمع « الذئب » ، « ذئابًا » ، و « البئر » « بئارًا » .

ويحتمل أن يكون أراد به مصدرًا، من قول القائل: « راشه الله يَريشه رياشًا ورِيشًا » , كما يقال: « لَبِسه يلبسه لباسًا ولِبْسًا » ، وقد أنشد بعضهم:

فَلَمــا كَشَـفْنَ اللِّبْسَ عَنْـهُ مَسَـحْنَهُ بِـأَطْرَافِ طَفْـلٍ زَانَ غَيْـلا مُوَشَّـمَا

بكسر « اللام » من « اللبس » .

و « الرياش » ، في كلام العرب، الأثاث، وما ظهر من الثياب من المتاع مما يلبس أو يُحْشى من فراش أو دِثَار.

و « الريش » إنما هو المتاع والأموال عندهم. وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال. يقولون: « أعطاه سرجًا بريشه » , و « رحْلا بريشه » ، أي بكسوته وجهازه. ويقولون: « إنه لحسن ريش الثياب » ، وقد يستعمل « الرياش » في الخصب ورَفاهة العيش.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال: « الرياش » ، المال:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( وريشًا ) ، يقول: مالا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وريشًا ) ، قال: المال.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ورياشًا » ، قال: أما « رياشًا » ، فرياش المال.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول: « الرياش » ، المال.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قوله: « ورياشًا » ، يعني، المال.

* ذكر من قال: هو اللباس ورفاهة العيش.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ورياشًا » ، قال: « الرياش » ، اللباس والعيش والنَّعيم.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف, عن عوف, عن معبد الجهني: « ورياشًا » ، قال: « الرياش » ، المعاش.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني: « ورياشًا » ، قال: هو المعاش.

وقال آخرون: « الريش » ، الجمال.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ورياشًا » ، قال: « الريش » ، الجمال.

 

القول في تأويل قوله : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: « لباس التقوى » ، هو الإيمان.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( ولباس التقوى ) ، هو الإيمان.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ولباس التقوى ) ، الإيمان.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرني حجاج, عن ابن جريج: ( ولباس التقوى ) ، الإيمان.

وقال آخرون: هو الحياء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر وسهل بن يوسف, عن عوف, عن معبد الجهني في قوله: ( ولباس التقوى ) ، الذي ذكر الله في القرآن، هو الحياء.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا عوف قال، قال معبد الجهني, فذكر مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن عوف, عن معبد، بنحوه.

وقال آخرون: هو العمل الصالح.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( ولباس التقوى ذلك خير ) ، قال: لباس التقوى: العمل الصالح.

وقال آخرون: بل ذلك هو السَّمْت الحسن.

ذكر من قال ذلك:

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا عبد الله بن داود, عن محمد بن موسى, عن . . . . بن عمرو, عن ابن عباس: ( ولباس التقوى ) ، قال: السمت الحسن في الوجه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن سليمان بن أرقم, عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليه قميصٌ قُوهيّ محلول الزرّ, وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام, ثم قال: يا أيها الناس، اتقوا الله في هذه السرائر, فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفس محمد بيده، ما عمل أحدٌ قط سرًّا إلا ألبسه الله رداءَ علانيةٍ, إن خيرًا فخيرًا, وإن شرًّا فشرًا » ، ثم تلا هذه الآية: « وَرِيَاشًا » ولم يقرأها: وَرِيشًا

( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) ، قال: السمتُ الحسن.

وقال آخرون: هو خشية الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدنى قال، حدثني من سمع عروة بن الزبير يقول: ( لباس التقوى ) ، خشية الله.

وقال آخرون: ( لباس التقوى ) ، في هذه المواضع، ستر العورة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ولباس التقوى ) ، يتقي الله، فيواري عورته, ذلك « لباس التقوى » .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة المكيين والكوفيين والبصريين: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) ، برفع « ولباس » .

وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: « وَلِبَاسَ التَّقْوَى » ، بنصب « اللباس » , وهي قراءة بعض قرأة الكوفيين.

فمن نصب: « ولباس » ، فإنه نصبه عطفًا على « الريش » ، بمعنى: قد أنـزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا, وأنـزلنا لباسَ التقوى.

وأما الرفع, فإن أهل العربية مختلفون في المعنى الذي ارتفع به « اللباس » .

فكان بعض نحويي البصرة يقول: هو مرفوع على الابتداء, وخبره في قوله: ( ذلك خير ) . وقد استخطأه بعض أهل العربية في ذلك وقال: هذا غلط, لأنه لم يعد على « اللباس » في الجملة عائد, فيكون « اللباس » إذا رفع على الابتداء وجعل « ذلك خير » خبرًا.

وقال بعض نحويي الكوفة: ( ولباس ) ، يرفع بقوله: ولباس التقوى خير، ويجعل « ذلك » من نعته.

قال أبو جعفر: وهذا القول عندي أولى بالصواب في رافع « اللباس » ، لأنه لا وجه للرفع إلا أن يكون مرفوعًا بـ « خير » ، وإذا رفع بـ « خير » لم يكن في ذلك وجه إلا أن يجعل « اللباس » نعتًا, لا أنه عائد على « اللباس » من ذكره في قوله: ( ذلك خير ) ، فيكون خير مرفوعًا بـ « ذلك » ، و « ذلك » ، به.

فإذ، كان ذلك كذلك, فتأويل الكلام إذا رفع « لباس التقوى » : ولباس التقوى ذلك الذي قد علمتموه، خير لكم يا بني آدم، من لباس الثياب التي تواري سوءاتكم, ومن الرياش التي أنـزلناها إليكم، هكذا فالبَسوه.

وأما تأويل مَنْ قرأه نصبًا, فإنه: « يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى » ، هذا الذي أنـزلنا عليكم من اللباس الذي يواري سوءاتكم, والريش, ولباس التقوى خير لكم من التعرِّي والتجرد من الثياب في طوافكم بالبيت, فاتقوا الله والبسوا ما رزقكم الله من الرياش, ولا تطيعوا الشيطان بالتجرد والتعرِّي من الثياب, فإن ذلك سخرية منه بكم وخدعة, كما فعل بأبويكم آدم وحواء، فخدعهما حتى جرّدهما من لباس الله الذي كان ألبسهما بطاعتهما له، في أكل ما كان الله نهاهما عن أكله من ثمر الشجرة التي عصَياه بأكلها.

قال أبو جعفر: وهذه القراءة أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب, أعني نصب قوله: « وَلِبَاسَ التَّقْوَى » ، لصحة معناه في التأويل على ما بيّنت, وأن الله إنما ابتدأ الخبر عن إنـزاله اللباس الذي يواري سوءاتنا والرياش، توبيخًا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت, ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كل حال، مع الإيمان به واتباع طاعته ويعلمهم أن كلّ ذلك خير من كلّ ما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله، وتعرِّيهم, لا أنه أعلمهم أن بعض ما أنـزل إليهم خيرٌ من بعض.

وما يدل على صحة ما قلنا في ذلك، الآيات التي بعد هذه الآية, وذلك قوله: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا وما بعد ذلك من الآيات إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ، فإنه جل ثناؤه يأمر في كل ذلك بأخذ الزينة من الثياب، واستعمال اللباس وترك التجرّد والتعرّي، وبالإيمان به، واتباع أمره والعمل بطاعته, وينهى عن الشرك به واتباع أمر الشيطان ، مؤكدًا في كل ذلك ما قد أجمله في قوله: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: « ولباس التقوى » ، استشعار النفوس تقوى الله، في الانتهاء عما نهى الله عنه من معاصيه، والعمل بما أمر به من طاعته ، وذلك يجمع الإيمان، والعمل الصالح، والحياء، وخشية الله، والسمتَ الحسن, لأن مَنْ اتقى الله كان به مؤمنًا، وبما أمره به عاملا ومنه خائفًا، وله مراقبًا, ومن أن يُرَى عند ما يكرهه من عباده مستحييًا. ومَنْ كان كذلك ظهرت آثار الخير فيه, فحسن سَمْته وهَدْيه، ورُئِيَتْ عليه بهجة الإيمان ونوره.

وإنما قلنا: عنى بـ « لباس التقوى » ، استشعارَ النفس والقلب ذلك لأن « اللباس » ، إنما هو ادِّراع ما يلبس، واجتياب ما يكتسى, أو تغطية بدنه أو بعضه به. فكل من ادَّرع شيئًا واجتابهُ حتى يُرَى عَيْنه أو أثرُه عليه, فهو له « لابس » . ولذلك جعل جل ثناؤه الرجال للنساء لباسًا، وهن لهم لباسًا, وجعل الليل لعباده لباسًا.

* ذكر من تأول ذلك بالمعنى الذي ذكرنا من تأويله، إذا قرئ قوله: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ) ، رفعًا.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( ولباس التقوى ) ، الإيمان ( ذلك خير ) ، يقول: ذلك خير من الرياش واللباس يواري سوءاتكم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( ولباس التقوى ) ، قال: لباس التقوى خير, وهو الإيمان.

 

القول في تأويل قوله : ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ذلك الذي ذكرت لكم أنّي أنـزلته إليكم، أيها الناس، من اللباس والرياش، من حجج الله وأدلته التي يعلم بها مَنْ كفر صحة توحيد الله, وخطأ ما هم عليه مقيمون من الضلالة ( لعلهم يذكرون ) ، يقول جل ثناؤه: جعلت ذلك لهم دليلا على ما وصفت، ليذكروا فيعتبروا وينيبوا إلى الحق وترك الباطل, رحمة مني بعبادي.

 

القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: يا بني آدم، لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوءاتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم, كما فعل بأبويكم آدم وحواء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما، فأخرجهما بما سبَّب لهما من مكره وخدعه، من الجنة, ونـزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس، ليريهما سوءاتهما بكشف عورتهما، وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترةً.

وقد بينا فيما مضى أن معنى « الفتنة » ، الاختبار والابتلاء، بما أغنى عن إعادته.

وقد اختلف أهل التأويل في صفة « اللباس » الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه نـزعه عن أبوينا، وما كان.

فقال بعضهم: كان ذلك أظفارًا.

* ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن عكرمة: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، قال: لباس كل دابة منها, ولباس الإنسان الظُّفر, فأدركت آدم التوبة عند ظُفُره أو قال: أظفاره.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الحميد الحماني, عن نضر أبي عمر, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: تركت أظفاره عليه زينة ومنافع، في قوله: ( ينـزع عنهما لباسهما ) .

حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير قال، أخبرنا مخلد بن الحسين, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس في قوله: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، قال: كان لباسهما الظفر ، فلما أصابا الخطيئة نـزع عنهما, وتركت الأظفار تذكرة وزينة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سماك, عن عكرمة في قوله: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، قال: كان لباسه الظفر, فانتهت توبته إلى أظفاره.

وقال آخرون: كان لباسهما نورًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن وهب بن منبه: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، النور.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا عمرو قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: ( ينـزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) قال: كان لباس آدم وحواء نورًا على فروجهما, لا يرى هذا عورة هذه, ولا هذه عورة هذا.

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، يسلبهما تقوى الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا مطلب بن زياد, عن ليث, عن مجاهد: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، قال: التقوى.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن ليث, عن مجاهد: ( ينـزع عنهما لباسهما ) ، قال: التقوى.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى حذر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحواء, وأن يجرِّدهم من لباس الله الذي أنـزله إليهم, كما نـزع عن أبويهم لباسهما. « اللباس » المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس, وهو ما اجتابَ فيه اللابس من أنواع الكُسي, أو غطى بدنه أو بعضه.

وإذ كان ذلك كذلك, فالحق أن يقال: إن الذي أخبر الله عن آدم وحواء من لباسهما الذي نـزعه عنهما الشيطان، هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعوْرَتهما . وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظفرًا ويجوز أن يكون كان ذلك نورًا ويجوز أن يكون غير ذلك ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك تثبت به الحجة, فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: ( ينـزع عنهما لباسهما ) .

وأضاف جل ثناؤه إلى إبليس إخراجَ آدم وحواء من الجنة, ونـزعَ ما كان عليهما من اللباس عنهما، وإن كان الله جل ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه, إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تسْنيةِ ذلك لهما بمكره وخداعه, فأضيف إليه أحيانًا بذلك المعنى, وإلى الله أحيانًا بفعله ذلك بهما.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: إن الشيطان يراكم هو و « الهاء » في « إنه » عائدة على الشيطان و « قبيله » ، يعني: وصنفه وجنسه الذي هو منه واحدٌ جمع جيلا وهم الجن، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, قوله: ( إنه يراكم هو وقبيله ) ، قال: الجن والشياطين.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( إنه يراكم هو وقبيله ) ، قال: « قبيله » ، نسله.

وقوله: ( من حيث لا ترونهم ) ، يقول: من حيث لا ترون أنتم، أيها الناس، الشيطان وقبيله ( إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) ، يقول: جعلنا الشياطين نُصراء الكفار الذين لا يوحِّدون الله ولا يصدقون رسله.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 28 )

قال أبو جعفر: ذكر أن معنى « الفاحشة » ، في هذا الموضع, ما:-

حدثني علي بن سعيد بن مسروق الكندي قال، حدثنا أبو محياة، عن منصور, عن مجاهد: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, يقولون: « نطوف كما ولدتنا أمهاتنا » , فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة أو الشيء، فتقول:

الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد في قوله: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ) ، فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن مفضل, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير والشعبي: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ) ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ) ، قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة, فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا, والله أمرنا بها.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: ( وإذا فعلوا فاحشة ) ، قال: طوافهم بالبيت عراة.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد, عن مجاهد ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ) ، قال: في طواف الحُمْس في الثياب، وغيرهم عراة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, قوله: ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ) ، قال: كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة, فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم: ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) ، الآية.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء، قبيحًا من الفعل، وهو « الفاحشة » , وذلك تعرِّيهم للطواف بالبيت وتجردهم له, فعُذِلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه, قالوا: « وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا, فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون, ونقتدي بهديهم، ونستنّ بسنتهم, والله أمرنا به, فنحن نتبع أمره فيه » .

يقول الله جل ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد، لهم: « إن الله لا يأمر بالفحشاء » , يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومساويها « أتقولون » ، أيها الناس، « على الله ما لا تعلمون » ، يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرِّي والتجرد من الثياب واللباس للطواف, وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك؟

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: ( قل ) ، يا محمد، لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبًا على الله: ما أمر ربي بما تقولون, بل ( أمر ربي بالقسط ) ، يعني: بالعدل، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( قل أمر ربي بالقسط ) ، بالعدل.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( قل أمر ربي بالقسط ) ، والقسط: العدل.

وأما قوله: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله . فقال بعضهم: معناه: وجِّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، إلى الكعبة حيثما صليتم، في الكنيسة وغيرها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، قال: إذا صليتم فاستقبلوا الكعبة، في كنائسكم وغيرها.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، هو « المسجد » ، الكعبة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن عبد الرحمن, عن عمر بن ذر, عن مجاهد في قوله: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، قال: الكعبة، حيثما كنت.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، قال: أقيموها للقبلة، هذه القبلة التي أمركم الله بها.

وقال آخرون: بل عنى بذلك: واجعلوا سجودكم لله خالصًا، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.

ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) ، قال: في الإخلاص، أن لا تدعوا غيره, وأن تخلصوا له الدين.

قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية، ما قاله الربيع: وهو أن القوم أُمِروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم, لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام, وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا, لا مُكاءً ولا تصدية.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية, لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب، لم يكونوا أهل كنائس وبيع, وإنما كانت الكنائس والبِيَع لأهل الكتابين. فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بِيعة: « وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بِيعةٍ » .

وأما قوله: ( وادعوه مخلصين له الدين ) ، فإنه يقول: واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة, لا تخلطوا ذلك بشرك، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكًا، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: ( وادعوه مخلصين له الدين ) ، قال: أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل, ثم توجِّهون إلى البيت الحرام.

 

القول في تأويل قوله : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) .

فقال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسُعَداء, كذلك تبعثون يوم القيامة.

ذكر من قال ذلك :

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: ( كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة ) ، قال: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا, كما قال جل ثناؤه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ، [ سورة التغابن: 2 ] ، ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم، مؤمنًا وكافرًا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور قال، حدثنا أصحابنا, عن ابن عباس: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: يبعث المؤمن مؤمنًا, والكافر كافرًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يحيى بن الضريس, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن رجل, عن جابر قال: يبعثون على ما كانوا عليه, المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع, عن أبي العالية قال: عادوا إلى علمه فيهم, ألم تسمع إلى قول الله فيهم: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ؟ ألم تسمع قوله: ( فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ ) ؟.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: رُدُّوا إلى علمه فيهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي قال، حدثنا موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب في قوله: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: من ابتدأ الله خلقه على الشِّقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة, كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه. ومن ابتدئ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء, كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئ عليه خلقهم.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن وِقَاء بن إياس أبي يزيد, عن مجاهد: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: يبعث المسلم مسلمًا, والكافر كافرًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو دكين قال، حدثنا سفيان, عن أبي يزيد, عن مجاهد: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: يبعث المسلم مسلمًا, والكافر كافرًا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن أبي الوضاح, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: كما كتب عليكم تكونون.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد, مثله.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة ) ، يقول: كما بدأكم تعودون، كما خلقناكم, فريق مهتدون، وفريق ضال, كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.

حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تُبعث كل نفس على ما كانت عليه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري, عن شريك, عن سالم, عن سعيد بن جبير: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: كما كتب عليكم تكونون.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا حماد بن زيد, عن ليث, عن مجاهد قال، يبعث المؤمن مؤمنًا, والكافر كافرًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، شقيًّا وسعيدًا.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلقكم ولم تكونوا شيئًا، تعودون بعد الفناء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر, عن عوف, عن الحسن: ( كما بدأكم تعودون ) ، قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئًا فأحياكم, كذلك يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن عوف, عن الحسن: ( كما بدأكم تعودون ) ، قال: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئًا, ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( كما بدأكم تعودون فريقًا هدى ) ، يقول: كما خلقناكم أول مرة، كذلك تعودون.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، يحييكم بعد موتكم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) ، قال: كما خلقهم أولا كذلك يعيدهم آخرًا.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب, القولُ الذي قاله من قال: معناه: كما بدأكم الله خلقًا بعد أن لم تكونوا شيئًا، تعودون بعد فنائكم خلقًا مثله, يحشركم إلى يوم القيامة لأن الله تعالى ذكره: أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلم بما في هذه الآية قومًا مشركين أهلَ جاهلية، لا يؤمنون بالمعاد، ولا يصدِّقون بالقيامة. فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأن الله باعثهم يوم القيامة، ومثيبُ مَنْ أطاعه، ومعاقبُ مَنْ عصاه. فقال له: قل لهم: أمرَ ربي بالقسط, وأن أقيموا وجوهكم عند كل مسجد, وأن ادعوه مخلصين له الدين, وأن أقرُّوا بأنْ كما بدأكم تعودون فترك ذكر « وأن أقروا بأن » . كما ترك ذكر « أن » مع « أقيموا » , إذ كان فيما ذكر دلالة على ما حذف منه.

وإذ كان ذلك كذلك, فلا وجه لأن يؤمر بدعاء مَنْ كان جاحدًا النشورَ بعد الممات، إلى الإقرار بالصفة التي عليها ينشر مَنْ نُشِر, وإنما يؤمر بالدعاء إلى ذلك مَنْ كان بالبعث مصدّقًا, فأما مَنْ كان له جاحدًا، فإنما يدعى إلى الإقرار به، ثم يعرَّف كيف شرائط البعث. على أن في الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي:-

حدثناه محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني المغيرة بن النعمان, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يُحْشر الناس عُراة غُرْلا وأوّل مَنْ يكسى إبراهيم صلى الله عليه وسلم . ثم قرأ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ، [ سورة الأنبياء: 104 ]

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا إسحاق بن يوسف قال، حدثنا سفيان, عن المغيرة بن النعمان, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم , بنحوه.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن المغيرة بن النعمان, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة, فقال: يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حُفَاة غُرْلا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ .

ما يبيِّن صحة القول الذي قلنا في ذلك, من أن معناه: أن الخلقَ يعودون إلى الله يوم القيامة خلقًا أحياء، كما بدأهم في الدنيا خلقًا أحياء.

يقال منه: « بدأ الله الخلق يبدؤهم وأبدأَهُم يُبْدِئهم إبداءً » ، بمعنى خلقهم, لغتان فصيحتان.

ثم ابتدأ الخبر جل ثناؤه عما سبق من علمه في خلقه، وجرى به فيهم قضاؤه, فقال: هدى الله منهم فريقًا فوفّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون, وحقَّ على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد, باتخاذهم الشيطان من دون الله وليًّا.

وإذا كان التأويل هذا, كان « الفريق » الأول منصوبًا بإعمال « هدى » فيه, و « الفريق » ، الثاني بوقوع قوله: « حق » على عائد ذكره في « عليهم » , كما قال جل ثناؤه: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ، [ سورة الإنسان: 31 ]

ومن وجه تأويل ذلك إلى أنه: كما بدأكم في الدنيا صنفين: كافرًا, ومؤمنًا, كذلك تعودون في الآخرة فريقين: فريقًا هدى، وفريقًا حق عليهم الضلالة نصب « فريقًا » ، الأول بقوله: « تعودون » , وجعل الثاني عطفًا عليه. وقد بينا الصواب عندنا من القول فيه.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 30 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة، إنما ضلوا عن سبيل الله وجارُوا عن قصد المحجة, باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله، وظُهراء, جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك، بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحق, وأن الصواب ما أتوه وركبوا.

وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعمَ أن الله لا يعذِّب أحدًا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها. لأن ذلك لو كان كذلك, لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسَبُ أنه هادٍ. وفريق الهدى، فَرْقٌ. وقد فرَّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.

 

القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ( 31 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرَّون عند طوافهم ببيته الحرام، ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب, والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرِّمه الله عليهم من حلال رزقه، تبرُّرًا عند نفسه لربه: ( يا بني آدم خذوا زينتكم ) ، من الكساء واللباس ( عند كل مسجد وكلوا ) ، من طيبات ما رزقتكم, وحللته لكم ( واشربوا ) ، من حلال الأشربة, ولا تحرِّموا إلا ما حَرَّمْتُ عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال، حدثنا خالد بن الحارث قال، حدثنا شعبة, عن سلمة, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: أن النساء كنّ يطفن بالبيت عراة وقال في موضع آخر: بغير ثياب إلا أن تجعل المرأة على فرجها خِرقة، فيما وُصِف إن شاء الله, وتقول:

الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ

قال: فنـزلت هذه الآية: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن سلمة بن كهيل, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون عراة, الرجال بالنهار, والنساء بالليل, وكانت المرأة تقول:

الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ

فقال الله: ( خذوا زينتكم ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن ابن عباس: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: الثياب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر ووهب بن جرير, عن شعبة, عن سلمة بن كهيل قال: سمعت مسلمًا البطين يحدث، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة قال غندر: وهي عريانة قال، وهب: كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرَها وما هنالك قال غندر: وتقول: « مَنْ يعيرني تِطْوافًا‍‍ » ، تجعله على فرْجها وتقول:

الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ

فأنـزل الله ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرَّوا.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) « الآية » قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة, فأمرهم الله بالزينة و « الزينة » ، اللباس, وهو ما يواري السوءة, وما سوى ذلك من جيِّد البزِّ والمتاع فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي وابن فضيل, عن عبد الملك, عن عطاء: ( خذوا زينتكم ) ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فأمروا أن يلبسوا ثيابهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن عبد الملك, عن عطاء, بنحوه.

حدثني عمرو قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا عبد الملك, عن عطاء في قوله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، البسوا ثيابكم.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: كان ناس يطوفون بالبيت عراة، فنهوا عن ذلك.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن إبراهيم: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فأمروا أن يلبسوا الثياب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: ما وارى العورة ولو عبَاءة.

حدثنا عمرو قال:حدثنا يحيى بن سعيد, وأبو عاصم, وعبد الله بن داود, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد في قوله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: ما يواري عورتك، ولو عباءة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، في قريش, لتركهم الثياب في الطواف.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان, عن سالم, عن سعيد بن جبير: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: الثياب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب, عن إبراهيم, عن نافع, عن ابن طاوس, عن أبيه: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: الشَّمْلة من الزينة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن طاوس: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: الثياب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد وأبو أسامة, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن سعيد بن جبير قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة, فطافت امرأة بالبيت وهي عريانة فقالت:

الْيَــوْمَ يَبْــدُو بَعْضُــهُ أَوْ كُلُّــهُ فَمَــا بَــدَا مِنْــهُ فَــلا أُحِلُّــهُ

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، قال: كان حي من أهل اليمن، كان أحدهم إذا قدم حاجًّا أو معتمرًا يقول: « لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دَنِسْتُ فيه » , فيقول: من يعيرني مئزرًا؟ فإن قدر على ذلك, وإلا طاف عريانًا, فأنـزل الله فيه ما تسمعون: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: قال الله: ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ) يقول: ما يواري العورة عند كل مسجد.

حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة, إلا الحُمْس، قريش وأحلافهم. فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس, فإنه لا يحل له أن يلبس ثيابه. فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانًا. وإن طاف في ثياب نفسه، ألقاها إذا قضى طوافه، يحرِّمها، فيجعلها حرامًا عليه. فلذلك قال الله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) .

وبه عن معمر قال، قال ابن طاوس, عن أبيه: الشَّملة، من الزينة.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) ، الآية, كان ناسٌ من أهل اليمن والأعراب إذا حجوا البيت يطوفون به عُراة ليلا فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم، ولا يتعرّوا في المسجد.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ( خذوا زينتكم ) ، قال: زينتهم، ثيابهم التي كانوا يطرحونها عند البيت ويتعرّون.

وحدثني به مرة أخرى بإسناده, عن ابن زيد في قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، قال: كانوا إذا جاءوا البيت فطافوا به، حرمت عليهم ثيابهم التي طافوا فيها. فإن وجدوا مَنْ يُعيرهم ثيابًا, وإلا طافوا بالبيت عراة. فقال: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ، قال: ثياب الله التي أخرج لعباده، الآية.

وكالذي قلنا أيضًا قالوا في تأويل قوله: ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب، ما لم يكن سَرَفًا أو مَخِيلة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ، في الطعام والشراب.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرِّمون عليهم الوَدَك ما أقاموا بالموسم, فقال الله لهم: ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ، يقول: لا تسرفوا في التحريم.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ) ، قال: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( ولا تسرفوا ) ، لا تأكلوا حرامًا، ذلك الإسراف.

وقوله ( إنه لا يحب المسرفين ) ، يقول: إن الله لا يحب المتعدِّين حدَّه في حلال أو حرام, الغالين فيما أحلّ الله أو حرم، بإحلال الحرام وبتحريم الحلال, ولكنه يحبّ أن يحلَّل ما أحل ويحرَّم ما حرم, وذلك العدل الذي أمر به.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند طوافهم بالبيت, ويحرمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق: من حرَّم، أيها القوم، عليكم زينة الله التي خلقها لعباده أن تتزيَّنوا بها وتتجملوا بلباسها, والحلال من رزق الله الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم.

واختلف أهل التأويل في المعنيّ: بـ « الطيبات من الرزق » ، بعد إجماعهم على أن « الزينة » ما قلنا.

فقال بعضهم: « الطيبات من الرزق » في هذا الموضع، اللحم. وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم.

ذكر من قال ذلك منهم:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، وهو الودَك.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، الذي حرموا على أنفسهم. قال: كانوا إذا حجُّوا أو اعتمروا، حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها.

وحدثني به يونس مرة أخرى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( قل من حرم زينة الله ) إلى آخر الآية, قال: كان قوم يحرِّمون ما يخرج من الشاة، لبنها وسمنها ولحمها, فقال الله: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، قال: والزينة من الثياب.

حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن رجل, عن الحسن قال: لما بعث محمدًا فقال: « هذا نبيي، هذا خياري, استنّوا به » ، خذوا في سَنَنه وسبيله، لم تغلق دونه الأبواب، ولم تُقَمْ دونه الحَجَبَة, ولم يُغْدَ عليه بالجفان، ولم يُرْجع عليه بها، وكان يجلس بالأرض, ويأكل طعامه بالأرض, ويلعق يده, ويلبس الغليظ, ويركب الحمار, ويُرْدِف بعده, وكان يقول: « مَنْ رغب عن سنتي فليس مني » . قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته، التاركين لها! ثم إنّ عُلُوجًا فُسَّاقًا, أكلة الربا والغُلول, قد سفَّههم ربي ومقتهم, زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا، وزخرفوا هذه البيوت, يتأوّلون هذه الآية: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان, قد جعلها ملاعبَ لبطنه وفرجه من كلام لم يحفظه سفيان.

وقال آخرون: بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرم من البحائر والسوائب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، وهو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة, والسائبة, والوصيلة, والحام.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، قال: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياءَ أحلها الله من الثياب وغيرها, وهو قول الله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا ، [ سورة يونس: 59 ] ، وهو هذا, فأنـزل الله: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )

 

القول في تأويل قوله : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ

قال أبو جعفر: يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، إذ عَيُّوا بالجواب، فلم يدروا ما يجيبونك : زينة الله التي أخرج لعباده, وطيبات رزقه، للذين صدّقوا الله ورسوله, واتبعوا ما أنـزل إليك من ربك، في الدنيا, وقد شركهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه, وهي للذين آمنوا بالله ورسوله خالصة يوم القيامة, لا يشركهم في ذلك يومئذ أحدٌ كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيبات, فأكلوا من طيبات طعامها, ولبسوا من خِيار ثيابها, ونكحوا من صالح نسائها, وخلصوا بها يوم القيامة.

وحدثني به المثنى مرة أخرى بهذا الإسناد بعينه, عن ابن عباس فقال: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) ، يعني: يشارك المسلمون المشركين في الطيبات في الحياة الدنيا, ثم يُخْلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا, وليس للمشركين فيها شيء.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ، يقول: قل هي في الآخرة خالصة لمن آمن بي في الدنيا, لا يشركهم فيها أحدٌ في الآخرة. وذلك أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم, فجعلها الله خالصة لأوليائه في الآخرة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سلمة بن نبيط, عن الضحاك: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، قال: اليهود والنصارى يشركونكم فيها في الدنيا, وهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، خالصةً للمؤمنين في الآخرة، لا يشاركهم فيها الكفار. فأما في الدنيا فقد شاركوهم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، مَنْ عمل بالإيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة, ومَنْ ترك الإيمان في الدنيا قَدِم على ربّه لا عذرَ له.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السديّ: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) ، يشترك فيها معهم المشركون ( خالصة يوم القيامة ) ، للذين آمنوا.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، يقول: المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب, ويوم القيامة يَخْلُص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين, وليس للمشركين في شيء من ذلك نصيبٌ.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: الدنيا يصيب منها المؤمن والكافر, ويخلص خيرُ الآخرة للمؤمنين, وليس للكافر فيها نصيب.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، قال: هذه يوم القيامة للذين آمنوا, لا يشركهم فيها أهل الكفر، ويشركونهم فيها في الدنيا. وإذا كان يوم القيامة، فليس لهم فيها قليل ولا كثير.

وقال سعيد بن جبير في ذلك بما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسماعيل بن أبان، وحبويه الرازي أبو يزيد، عن يعقوب القمي, عن سعيد بن جبير: ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، قال: ينتفعون بها في الدنيا، ولا يتبعهم إثمها.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: « خالصة » .

فقرأ ذلك بعض قرأة المدينة: « خَالِصَةٌ » ، برفعها, بمعنى: قل هي خالصة للذين آمنوا.

وقرأه سائر قرأة الأمصار: ( خَالِصَةً ) ، بنصبها على الحال من « لهم » , وقد ترك ذكرها من الكلام اكتفاءً منها بدلالة الظاهر عليها, على ما قد وصفت في تأويل الكلام أن معنى الكلام: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة, وهي لهم في الآخرة خالصة. ومن قال ذلك بالنصب، جعل خبر « هي » في قوله: ( للذين آمنوا )

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصحة، قراءة من قرأ نصبًا, لإيثار العرب النصبَ في الفعل إذا تأخر بعد الاسم والصفة، وإن كان الرفع جائزًا, غير أن ذلك أكثر في كلامهم.

 

القول في تأويل قوله : كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كما بينت لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة، والحلال من المطاعم والمشارب والحرام منها, وميزت بين ذلك لكم، أيها الناس, كذلك أبيِّن جميع أدلتي وحججي، وأعلامَ حلالي وحرامي وأحكامي، لقوم يعلمون ما يُبَيَّن لهم، ويفقهون ما يُمَيَّز لهم.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يتجرّدون من ثيابهم للطواف بالبيت, ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه: أيها القوم، إن الله لم يحرم ما تحرمونه, بل أحل ذلك لعباده المؤمنين وطيَّبه لهم، وإنما حرم ربِّي القبائح من الأشياء وهي « الفواحش » « ما ظهر منها » ، فكان علانية « وما بطن » ، منها فكان سرًّا في خفاء.

وقد روي عن مجاهد في ذلك ما:-

حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ( ما ظهر منها وما بطن ) ، قال: « ما ظهر منها » ، طوافُ أهل الجاهلية عراة « وما بطن » ، الزنى.

وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك بالروايات فيما مضى، فكرهت إعادته.

وأما « الإثم » ، فإنه المعصية « والبغي » ، الاستطالة على الناس.

يقول تعالى ذكره: إنما حرم ربي الفواحش مع الإثم والبغي على الناس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( والإثم والبغي ) ، أما « الإثم » فالمعصية و « البغي » ، أن يبغي على الناس بغير الحق.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا في قوله: ( ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ) ، قال: نهى عن « الإثم » ، وهي المعاصي كلها وأخبر أن الباغيَ بَغْيُه كائنٌ على نفسه.

 

القول في تأويل قوله : وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ( 33 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: إنما حرم ربي الفواحش والشرك به، أن تعبدوا مع الله إلهًا غيره ( ما لم ينـزل به سلطانًا ) ، يقول: حرم ربكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شِرْكًا لشيء لم يجعل لكم في إشراككم إياه في عبادته حجة ولا برهانًا, وهو « السلطان » ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ، يقول: وأن تقولوا إن الله أمركم بالتعرِّي والتجرُّد للطواف بالبيت, وحرم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرمتموها وسيَّبتموها وجعلتموها وصائل وحوامي, وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرّمه، أو أمر به، أو أباحه, فتضيفوا إلى الله تحريمه وحَظْره والأمر به, فإن ذلك هو الذي حرمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرمه، أو تقولون إن الله أمركم به، جهلا منكم بحقيقة ما تقولون وتضيفونه إلى الله.

 

القول في تأويل قوله : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 34 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره تهدُّدًا للمشركين الذين أخبر جل ثناؤه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشة قالوا: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ووعيدًا منه لهم على كذبهم عليه، وعلى إصرارهم على الشرك به والمقام على كفرهم ومذكرًا لهم ما أحلّ بأمثالهم من الأمم الذين كانوا قبلهم : ( ولكل أمة أجل ) ، يقول: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رُسل الله، وردِّ نصائحهم, والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم « أجل » , يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم, ونـزول المثُلات بهم على شركهم ( فإذا جاء أجلهم ) ، يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقّته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم ( لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ، يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يُمَتَّعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم، ساعة من ساعات الزمان ( ولا يستقدمون ) ، يقول: ولا يتقدّمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك.

 

القول في تأويل قوله : يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 35 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره معرِّفًا خلقه ما أعدَّ لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسوله, وما أعدّ لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله: ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ) ، يقول: إن يجئكم رسلي الذين أرسلهم إليكم بدعائكم إلى طاعتي، والانتهاء إلى أمري ونهيي « منكم » , يعني: من أنفسكم, ومن عشائركم وقبائلكم ( يقصون عليكم آياتي ) ، يقول: يتلون عليكم آيات كتابي, ويعرّفونكم أدلتي وأعلامي على صدق ما جاؤوكم به من عندي, وحقيقة ما دعوكم إليه من توحيدي ( فمن اتقى وأصلح ) ، يقول: فمن آمن منكم بما أتاه به رُسلي مما قص عليه من آياتي وصدَّق، واتقى الله فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه على لسان رسوله ( وأصلح ) ، يقول: وأصلح أعماله التي كان لها مفسدًا قبل ذلك من معاصي الله بالتحوُّب منها ( فلا خوف عليهم ) ، يقول: فلا خوف عليهم يوم القيامة من عقاب الله إذا وردوا عليه ( ولا هم يحزنون ) ، على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها, وشهواتهم التي تجنَّبوها, اتباعًا منهم لنهي الله عنها، إذا عاينوا من كرامة الله ما عاينوا هنالك.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا هشام أبو عبد الله قال، حدثنا هياج قال، حدثنا عبد الرحمن بن زياد, عن أبي سيّار السُّلَمي قال، إن الله جعل آدم وذريته في كفّه فقال: ( يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ، ثم نظر إلى الرسل فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ سورة المؤمنون: 51- 52 ] ، ثم بَثَّهم.

فإن قال قائل: ما جواب قوله: ( إما يأتينكم رسل منكم ) ؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعضهم في ذلك: الجوابُ مضمرٌ, يدل عليه ما ظهر من الكلام, وذلك قوله: ( فمن اتقى وأصلح ) . وذلك لأنه حين قال: ( فمن اتقى وأصلح ) ، كأنه قال: فأطيعوهم.

وقال آخرون منهم: الجواب: « فمن اتقى » , لأن معناه: فمن اتقى منكم وأصلح. قال: ويدل على أنّ ذلك كذلك, تبعيضه الكلام, فكان في التبعيض اكتفاء من ذكر « منكم » .

 

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 36 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وأما من كذّب بإيتاء رسلي التي أرسلتها إليه، وجحد توحيدي، وكفر بما جاء به رسلي، واستكبر عن تصديق حُجَجي وأدلّتي ( فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ، يقول: هم في نار جهنم ماكثون, لا يخرجون منها أبدًا.

 

القول في تأويل قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فمن أخطأ فعلا وأجهلُ قولا وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب ( ممن افترى على الله كذبًا ) ، يقول: ممن اختلق على الله زُورًا من القول, فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرنا بها ( أو كذب بآياته ) ، يقول: أو كذب بأدلته وأعلامه الدّالة على وحدانيته ونبوّة أنبيائه, فجحد حقيقتها ودافع صحتها ( أولئك ) يقول: مَنْ فعل ذلك، فافترى على الله الكذب وكذب بآياته ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، يقول: يصل إليهم حظهم مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة ذلك « النصيب » ، الذي لهم في « الكتاب » ، وما هو؟

فقال بعضهم: هو عذاب الله الذي أعدَّه لأهل الكفر به.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا مروان, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، أي من العذاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن إسماعيل, عن أبي صالح, مثله.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، يقول: ما كتب لهم من العذاب.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن كثير بن زياد, عن الحسن في قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: من العذاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن جويبر, عن أبي سهل, عن الحسن, قال: من العذاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن رجل, عن الحسن, قال: من العذاب.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما سبق لهم من الشقاء والسعادة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سعيد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: من الشِّقوة والسعادة.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، كشقي وسعيد.

حدثنا واصل بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن فضيل, عن الحسن ابن عمرو الفقيمي, عن الحكم قال: سمعت مجاهدًا يقول: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: هو ما سبق.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، ما كتب عليهم من الشقاوة والسعادة, كشقي وسعيد.

. . . . قال، حدثنا ابن المبارك, عن شريك, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، من الشقاوة والسعادة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير وابن إدريس, عن الحسن بن عمرو, عن الحكم, عن مجاهد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما قد سبق من الكتاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما سبق لهم في الكتاب.

. . . . قال، حدثنا سويد بن عمرو ويحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد: ( أولئك ينالهم نصيبهم ) ، قال: من الشقاوة والسعادة.

. . . . قال: حدثنا أبو معاوية, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: ما قُضي أو قُدِّر عليهم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ( ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن إسماعيل بن سميع, عن بكر الطويل, عن مجاهد في قول الله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: قوم يعملون أعمالا لا بُدَّ لهم من أن يعملوها.

وقال آخرون: معنى ذلك، أولئك ينالهم نصيبهم من كتابهم الذي كتب لهم أو عليهم، بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، يقول: نصيبهم من الأعمال, من عمل خيرًا جُزي به, ومن عمل شرًّا جزي به.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) قال: من أحكام الكتاب، على قدر أعمالهم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسْلَفوا.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، أي: أعمالهم, أعمال السوء التي عملوها وأسلفوها.

حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، قال أبي: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، زعم قتادة: من أعمالهم التي عملوا.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، يقول: ينالهم نصيبهم من العمل. يقول: إن عمل من ذلك نصيبَ خير جُزِي خيرًا, وإن عمل شرًّا جُزِي مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ينالهم نصيبهم مما وُعِدوا في الكتاب من خير أو شر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد, عن ابن عباس في هذه الآية: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: من الخير والشر.

. . . قال حدثنا زيد, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد قال: ما وُعدوا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما وعدوا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.

. . . . قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن جابر, عن مجاهد, عن ليث, عن ابن عباس: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما وُعِدوا مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي, عن جويبر, عن الضحاك قال: ما وُعِدوا فيه من خير أو شر.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم، قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما وُعِدوا فيه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد في قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ما وعدوا من خير أو شر.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد قال، حدثنا مروان بن معاوية, عن الحسن بن عمرو, عن الحكم, عن مجاهد في قول الله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: ينالهم ما سبق لهم من الكتاب.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب الذي كتبه الله على من افترى عليه.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، يقول: ينالهم ما كتب عليهم. يقول: قد كتب لمن يفتري على الله أنّ وجهه مسوَدٌّ.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما كتب لهم من الرزق والعمر والعمل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، مما كتب لهم من الرزق.

. . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب, عن ابن لهيعة, عن أبي صخر, عن القرظي: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: عمله ورزقه وعمره.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، قال: من الأعمال والأرزاق والأعمار, فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم، وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب، مما كتب لهم من خير وشر في الدنيا، ورزق وعمل وأجل. وذلك أن الله جل ثناؤه أتبع ذلك قوله: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فأبان بإتباعه ذلك قولَه: ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ، أن الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضيًّا عليهم في الدنيا أن ينالهم, لأنه قد أخبر أن ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسلَه لتقبض أرواحهم. ولو كان ذلك نصيبهم من الكتاب، أو مما قد أعدّ لهم في الآخرة, لم يكن محدودًا بأنه ينالهم إلى مجيء رسل الله لوفاتهم، لأن رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة, وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء، فإن الله قد قضى عليهم بالخلود فيه. فبيِّنٌ بذلك أن معناه ما اخترنا من القول فيه.

 

القول في تأويل قوله : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ( 37 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( حتى إذا جاءتهم رسلنا ) ، إلى أن جاءتهم رسلنا. يقول جل ثناؤه: وهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، أو كذبوا بآيات ربهم, ينالهم حظوظهم التي كتب الله لهم، وسبق في علمه لهم من رزق وعمل وأجل وخير وشر في الدنيا, إلى أن تأتيهم رسلنا لقبض أرواحهم. فإذا جاءتهم رسلنا، يعني ملك الموت وجنده ( يتوفونهم ) ، يقول: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة ( قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله ) ، يقول: قالت الرسل: أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم, لا يدفعون عنكم ما قد جاءكم من أمر الله الذي هو خالقكم وخالقهم، وما قد نـزل بساحتكم من عظيم البلاء؟ وهلا يُغيثونكم من كرب ما أنتم فيه فينقذونكم منه؟ فأجابهم الأشقياء فقالوا: ضَلَّ عنا أولياؤنا الذين كنا ندعو من دون الله. يعني بقوله: ( ضلوا ) ، جاروا وأخذوا غير طريقنا، وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا. يقول الله جل ثناؤه: وشهد القوم حينئذ على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بالله، جاحدين وحدانيته.

 

القول في تأويل قوله : قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قيله لهؤلاء المفترين عليه، المكذبين آياته يوم القيامة. يقول تعالى ذكره: قال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة، ادخلوا، أيها المفترون على ربكم، المكذبون رسله، في جماعات من ضُرَبائكم ( قد خلت من قبلكم ) ، يقول: قد سلفت من قبلكم « من الجن والإنس في النار » ، ومعنى ذلك: ادخلوا في أمم هي في النار، قد خلت من قبلكم من الجن والإنس وإنما يعني بـ « الأمم » ، الأحزابَ وأهلَ الملل الكافرة ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) ، يقول جل ثناؤه: كلما دخلت النارَ جماعةٌ من أهل ملة لعنت أختها, يقول: شتمت الجماعة الأخرى من أهل ملتها، تبرِّيًا منها.

وإنما عنى بـ « الأخت » ، الأخوة في الدين والملة، وقيل: « أختها » ، ولم يقل: « أخاها » , لأنه عنى بها « أمة » وجماعة أخرى, كأنه قيل: كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) ، يقول: كلما دخل أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين, يلعن المشركون المشركين، واليهودُ اليهودَ، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوسُ المجوسَ, تلعن الآخرةُ الأولى.

 

القول في تأويل قوله : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: حتى إذا تداركت الأمم في النار جميعًا, يعني اجتمعت فيها.

يقال: « قد ادَّاركوا » ، و « تداركوا » ، إذا اجتمعوا.

يقول: اجتمع فيها الأوَّلون من أهل الملل الكافرة والآخِرون منهم.

 

القول في تأويل قوله : قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ( 38 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن محاورة الأحزاب من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة. يقول الله تعالى ذكره: فإذا اجتمع أهل الملل الكافرة في النار فادّاركوا, قالت أخرى أهل كل ملة دخلت النار الذين كانوا في الدنيا بعد أولى منهم تَقَدَّمتها وكانت لها سلفًا وإمامًا في الضلالة والكفر لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا: ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك، ودعونا إلى عبادة غيرك، وزيَّنوا لنا طاعة الشيطان, فآتهم اليوم من عذابك الضعفَ على عذابنا، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « قالت أخراهم » ، الذين كانوا في آخر الزمان « لأولاهم » ، الذين شرعوا لهم ذلك الدين ( ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار )

وأما قوله: ( قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) ، فإنه خبر من الله عن جوابه لهم, يقول: قال الله للذين يدعونه فيقولون: « ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار » : لكلكم, أوَّلكم وآخركم، وتابعوكم ومُتَّبَعوكم « ضعف » , يقول: مكرر عليه العذاب.

و « ضعف الشيء » ، مثله مرة.

وكان مجاهد يقول في ذلك ما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: ( عذابًا ضعفًا من النار قال لكل ضعف ) ، مضعّف.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال الله: ( لكل ضعف ) ، للأولى، وللآخرة ضعف.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان قال، حدثني غير واحد, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله: ( ضعفًا من النار ) ، قال: أفاعي.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان, عن السدي, عن مرة, عن عبد الله: ( فآتهم عذابًا ضعفًا من النار ) ، قال: حيّات وأفاعي.

وقيل: إن « المضَعَّف » ، في كلام العرب، ما كان ضعفين، و « المضاعف » ، ما كان أكثر من ذلك.

وقوله: ( ولكن لا تعلمون ) ، يقول: ولكنكم، يا معشر أهل النار, لا تعلمون ما قدْرُ ما أعدّ الله لكم من العذاب, فلذلك تسأل الضعفَ منه الأمةُ الكافرةُ الأخرى لأختها الأولى.

 

القول في تأويل قوله : وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقالت أولى كل أمة وملة سبقت في الدنيا، لأخراها الذين جاؤوا من بعدهم، وحَدَثوا بعد زمانهم فيها, فسلكوا سبيلهم واستنوا سنتهم: ( فما كان لكم علينا من فضل ) ، و قد علمتم ما حل بنا من عقوبة الله جل ثناؤه بمعصيتنا إياه وكفرنا بآياته, بعدما جاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل والنذر, فهل أنَبْتم إلى طاعة الله, وارتدعتم عن غوايتكم وضلالتكم؟ فانقضت حجة القوم وخُصِموا ولم يطيقوا جوابًا بأن يقولوا: « فضِّلنا عليكم إذ اعتبرنا بكم فآمنا بالله وصدقنا رسله » , قال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم، أيها الكفرة، عذابَ جهنم, بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثام والمعاصي, وتجترحون من الذنوب والإجرام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عمران, عن أبي مجلز: ( وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) ، قال: يقول: فما فَضْلكم علينا, وقد بُيِّن لكم ما صنع بنا، وحُذِّرتم؟

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل ) ، فقد ضللتم كما ضللنا.

وكان مجاهد يقول في هذا بما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن أبن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فما كان لكم علينا من فضل ) ، قال: من التخفيف من العذاب.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( فما كان لكم علينا من فضل ) ، قال: من تخفيف.

وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد، قولٌ لا معنى له لأن قول القائلين: « فما كان لكم علينا من فضل » لمن قالوا ذلك، إنما هو توبيخ منهم على ما سلف منهم قبل تلك الحال, يدل على ذلك دخول « كان » في الكلام. ولو كان ذلك منهم توبيخًا لهم على قيلهم الذي قالوا لربهم: « آتهم عذابًا ضعفًا من النار » , لكان التوبيخ أن يقال: « فما لكم علينا من فضل، في تخفيف العذاب عنكم، وقد نالكم من العذاب ما قد نالنا » ، ولم يقل: « فما كان لكم علينا من فضل » .

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين كذبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدقوا بها، ولم يتبعوا رسلنا ( واستكبروا عنها ) ، يقول: وتكبروا عن التصديق بها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبرًا « لا تفتح لهم » ، لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم « أبواب السماء » , ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل, لأن أعمالهم خبيثة، وإنما يُرْفع الكلم الطيبُ والعملُ الصالح, كما قال جل ثناؤه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ سورة فاطر: 10 ] .

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) .

فقال بعضهم: معناه: لا تفتح لأرواح هؤلاء الكفار أبواب السماء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يعلى, عن أبي سنان, عن الضحاك, عن ابن عباس: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: عنى بها الكفار، أنّ السماء لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن أبي سنان, عن الضحاك قال، قال ابن عباس: تُفتح السماء لروح المؤمن, ولا تفتح لروح الكافر.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: إن الكافر إذا أُخِذ روحُه، ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء, فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط, فضربته ملائكة الأرض فارتفع, فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء الدنيا فهبط إلى أسفل الأرضين. وإذا كان مؤمنًا نفخ روحه, وفتحت له أبواب السماء, فلا يمرّ بملك إلا حيَّاه وسلم عليه، حتى ينتهي إلى الله, فيعطيه حاجته, ثم يقول الله: ردّوا روحَ عبدي فيه إلى الأرض, فإني قضيتُ من التراب خلقه, وإلى التراب يعود, ومنه يخرج.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاءٌ إلى الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن سفيان, عن ليث, عن عطاء, عن ابن عباس: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، لا يصعد لهم قولٌ ولا عمل.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، يعني: لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، يقول: لا تفتح لخير يعملون.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: لا يصعد لهم كلامٌ ولا عمل.

حدثنا مطر بن محمد الضبي قال، حدثنا عبد الله بن داود قال، حدثنا شريك, عن منصور, عن إبراهيم, في قوله: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن شريك, عن سالم, عن سعيد: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سعيد: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: لا يرفع لهم عملٌ صالح ولا دعاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم ولا لأعمالهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ) ، قال: لأرواحهم ولا لأعمالهم.

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول، لعموم خبر الله جل ثناؤه أن أبواب السماء لا تفتح لهم. ولم يخصص الخبر بأنه يفتح لهم في شيء, فذلك على ما عمّه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء، مع تأييد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلنا في ذلك، وذلك ما:-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن المنهال, عن زاذان, عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبضَ روح الفاجر, وأنه يصعد بها إلى السماء, قال: فيصعدون بها، فلا يمرّون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: « ما هذا الروح الخبيث » ؟ فيقولون: « فلان » ، بأقبح أسمائه التي كان يُدعى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله: ( لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط )

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن, عن ابن أبي ذئب, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الميت تحضره الملائكة, فإذا كان الرجلَ الصالحَ قالوا: « اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب, اخرجي حميدة, وأبشري برَوْح وريحان، وربّ غير غضبان » ، قال: فيقولون ذلك حتى يُعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها, فيقال: « من هذا » ؟ فيقولون: « فلان » . فيقال: « مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب, ادخلي حميدة, وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان » ، فيقال لها حتى تنتهي إلى السماء التي فيها الله. وإذا كان الرجلَ السَّوْءَ قال: « اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث, اخرجي ذميمة, وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج » ، فيقولون ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها, فيقال: « من هذا » ؟ فيقولون: « فلان » . فيقولون: « لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث, ارجعي ذميمة، فإنه لم تفتح لك أبواب السماء » ، فترسل بين السماء والأرض، فتصير إلى القبر.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني ابن أبي ذئب, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن سعيد بن يسار, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفة: « لا يُفَتَحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّمَاء » ، بالياء من « يفتح » ، وتخفيف « التاء » منها, بمعنى: لا يفتح لهم جميعها بمرة واحدةٍ وفتحةٍ واحدة.

وقرأ ذلك بعض المدنيين وبعض الكوفيين: ( لا تُفَتَّحُ ) ، بالتاء وتشديد التاء الثانية, بمعنى: لا يفتح لهم باب بعد باب، وشيء بعد شيء.

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندي من القول أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى. وذلك أن أرواح الكفار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبوابُ السماء بمرة واحدة، ولا مرة بعد مرة، وباب بعد باب. فكلا المعنيين في ذلك صحيح.

وكذلك « الياء » ، و « التاء » في « يفتح » ، و « تفتح » , لأن « الياء » بناء على فعل الواحد للتوحيد، و « التاء » لأن « الأبواب » جماعة, فيخبر عنها خبر الجماعة.

 

القول في تأويل قوله : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ( 40 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها، الجنة التي أعدّها الله لأوليائه المؤمنين أبدًا, كما لا يلج الجمل في سمِّ الخياط أبدًا, وذلك ثقب الإبرة.

وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك, فإن العرب تسميه « سَمًّا » وتجمعه « سمومًا » ، و « السِّمام » , في جمع « السَّم » القاتل، أشهر وأفصح من « السموم » . وهو في جمع « السَّم » الذي هو بمعنى الثقب أفصح. وكلاهما في العرب مستفيض. وقد يقال لواحد « السموم » التي هي الثقوب « سَمٌّ » و « سُمٌّ » بفتح السين وضمها, ومن « السَّم » الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق:

فَنَفَّسْــتُ عَـنْ سَـمَّيْهِ حَـتَّى تَنَفَّسَـا وَقُلْـتُ لَـهُ: لا تَخْـشَ شَـيْئًا وَرَائِيـا

يعني بسمِّيه، ثقبي أنفه.

وأما « الخياط » فإنه « المخيط » ، وهي الإبرة. قيل لها: « خِيَاط » و « مِخْيَط » , كما قيل: « قِناع » و « مِقْنع » , و « إزار » و « مِئْزر » , و « قِرام » و « مِقْرَم » , و « لحاف » و « مِلْحف » .

وأما القرأة من جميع الأمصار, فإنها قرأت قوله: ( فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ، بفتح « السين » , وأجمعت على قراءة: « الجَمَلُ » بفتح « الجيم » ، و « الميم » وتخفيف ذلك.

وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير, فإنه حكي عنهم أنهم كانوا يقرؤون ذلك: « الجُمَّلُ » ، بضم « الجيم » وتشديد « الميم » , على اختلاف في ذلك عن سعيد وابن عباس.

فأما الذين قرؤوه بالفتح من الحرفين والتخفيف, فإنهم وجهوا تأويله إلى « الجمل » المعروف، وكذلك فسروه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله في قوله: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، قال: الجمل ابن الناقة, أو: زوج الناقة.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي حصين, عن إبراهيم, عن عبد الله: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، قال: « الجمل » ، زوج الناقة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي حصين, عن إبراهيم, عن عبد الله, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي, عن هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله قال: « الجمل » ، زوج الناقة.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم, عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا قرة قال، سمعت الحسن يقول: « الجمل » ، الذي يقوم في المِرْبد.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، قال: حتى يدخل البعير في خُرت الإبرة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي, عن هشيم, عن عباد بن راشد, عن الحسن قال: هو الجمل! فلما أكثروا عليه قال: هو الأشتر.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن عباد بن راشد, عن الحسن, مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن يحيى قال: كان الحسن يقرؤها: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، قال: فذهب بعضهم يستفهمه, قال: أشتر، أشتر.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد, عن شعيب بن الحبحاب, عن أبي العالية: ( حتى يلج الجمل ) ، قال: الجمل الذي له أربع قوائم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن أبي حصين أو: حصين , عن إبراهيم, عن ابن مسعود في قوله: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، قال: زوج الناقة, يعني الجمل.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك أنه كان يقرأ: ( الجمل ) ، وهو الذي له أربع قوائم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد, عن الضحاك: ( حتى يلج الجمل ) ، الذي له أربع قوائم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن الحباب, عن قرة, عن الحسن: ( حتى يلج الجمل ) ، قال: الذي بالمربد.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: « حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ الأَصْفَرُ » .

حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا يحيى بن سليم قال، حدثنا عبد الكريم بن أبي المخارق, عن الحسن في قوله: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، قال: الجمل ابن الناقة أو بَعْلُ الناقة.

وأما الذين خالفوا هذه القراءة فإنهم اختلفوا.

فروي عن ابن عباس في ذلك روايتان: إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل.

* ذكر الرواية بذلك عنه:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، والجمل: ذو القوائم.

وذكر أن ابن مسعود قال ذلك.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) ، وهو الجمل العظيم، لا يدخل في خُرْت الإبرة، من أجل أنه أعظم منها.

والرواية الأخرى ما:-

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال، حدثنا فضيل بن عياض, عن منصور, عن مجاهد, عن ابن عباس في قوله: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » ، قال: هو قَلْس السفينة.

حدثني عبد الأعلى بن واصل قال، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل, عن خالد بن عبد الله الواسطي, عن حنظلة السدوسي, عن عكرمة, عن ابن عباس أنه كان يقرأ: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » ، يعني الحبل الغليظ فذكرت ذلك للحسن فقال: ( حتى يلجَ الجمَل ) ، قال عبد الأعلى: قال أبو غسان, قال خالد: يعني: البعير.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن فضيل, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قرأ: « الجُمَّلُ » ، مثقَّلة, وقال: هو حبل السفينة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي, عن هشيم, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: « الجمَّل » ، حبال السفن.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن ابن مبارك, عن حنظلة, عن عكرمة, عن ابن عباس: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » ، قال: الحبل الغليظ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » قال: هو الحبل الذي يكون على السفينة.

واختُلِف عن سعيد بن جبير أيضًا في ذلك, فروي عنه روايتان إحداهما مثل الذي ذكرنا عن ابن عباس: بضم « الجيم » وتثقيل « الميم » .

* ذكر الرواية بذلك عنه:

حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا حسين المعلم, عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ » ، يعني قُلُوس السفن, يعني: الحبال الغلاظ.

والأخرى منهما بضم « الجيم » وتخفيف « الميم » .

* ذكر الرواية بذلك عنه:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عمرو, عن سالم بن عجلان الأفطس قال، قرأت على أبي: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلَ » فقال: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَلُ » خفيفة، هو حبل السفينة هكذا أقرأنيها سعيد بن جبير.

وأما عكرمة, فإنه كان يقرأ ذلك: « الْجُمَّلُ » ، بضم « الجيم » وتشديد « الميم » , وبتأوّله كما:-

حدثني ابن وكيع قال، حدثنا أبو تميلة, عن عيسى بن عبيد قال: سمعت عكرمة يقرأ: « الْجُمَّلُ » مثقلة, ويقول: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا كعب بن فروخ قال، حدثنا قتادة, عن عكرمة, في قوله: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » ، قال: الحبل الغليظ في خرق الإبرة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « حَتَّى يَلِجَ الْجُمَّلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » ، قال: حبل السفينة في سمّ الخياط.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: سمعت مجاهدًا يقول: الحبل من حبال السفن.

وكأنَّ من قرأ ذلك بتخفيف « الميم » وضم « الجيم » ، على ما ذكرنا عن سعيد بن جبير، على مثال « الصُّرَد » و « الجُعَل » ، وجهه إلى جماع « جملة » من الحبال جمعت « جُمَلا » , كما تجمع « الظلمة » ، « ظُلَمًا » ، و « الخُرْبة » « خُرَبًا » .

وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في « الميم » ويقول: إنما أراد الراوي « الجُمَل » بالتخفيف, فلم يفهم ذلك منه فشدّده.

وحدثت عن الفراء, عن الكسائي أنه قال: الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميًّا.

وأما من شدد « الميم » وضم « الجيم » فإنه وجهه إلى أنه اسم واحد، وهو الحبل، أو الخيط الغليظ.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا، ما عليه قرأة الأمصار، وهو: ( حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ، بفتح « الجيم » و « الميم » من « الجمل » وتخفيفها, وفتح « السين » من « السم » , لأنها القراءة المستفيضة في قرأة الأمصار, وغير جائز مخالفة ما جاءت به الحجة متفقة عليه من القراءة.

وكذلك ذلك في فتح « السين » من قوله: ( سَمِّ الخياط ) .

وإذ كان الصواب من القراءة ذلك, فتأويل الكلام: ولا يدخلون الجنة حتى يلج و « الولوج » الدخول، من قولهم: