فهرس تفسير الطبري للسور

6 - تفسير الطبري سورة الأنعام

التالي السابق

تفسير سورة الأنعام

القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم

رَبِّ يسِّرْ

 

القول في تأويل قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله : « الحمد لله » ، الحمدُ الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأندادِ والآلهة, ودون ما سواه مما تعبده كَفَرةُ خلْقه من الأوثان والأصنام .

وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر يُنْحَى به نحو الأمر. يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خَلَقَكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض, ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا, فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمة عليكم, لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه .

وقد بينا الفصل بين معنى « الحمد والشكر » بشواهده فيما مضى قبل .

 

القول في تأويل قوله : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض, وأظلم الليلَ ، وأنارَ النَّهار، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وجعل الظلمات والنور » ، قال: الظلمات ظلمة الليل, والنور نورُ النهار .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أمّا قوله: « الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور » ، فإنه خلق السَّماوات قبل الأرض, والظلمةَ قبل النور, والجنّة قَبل النار .

فإن قال قائل: فما معنى قوله إذًا: « جعل » .

قيل: إن العرب تجعلها ظرفًا للخبرِ والفِعْل فتقول: « جعلت أفعل كذا » , و « جعلت أقوم وأقعد » , تدل بقولها « جعلت » على اتصال الفعل, كما تقول « علقت أفعل كذا » لا أنها في نفسها فِعْلٌ. يدلُّ على ذلك قول القائل: « جعلت أقوم » , وأنه لا جَعْلَ هناك سوى القيام, وإنما دَلَّ بقوله: « جعلت » على اتّصال الفعل ودوامه،

ومن ذلك قول الشاعر:

وَزَعَمْـتَ أنَّـكَ سَـوْفَ تَسْـلُكُ فَارِدًا وَالمَــوْتُ مُكْــتَنِعٌ طَـرِيقَيْ قَـادِرِ

فَــاجْعَلْ تَحَـلَّلْ مِـنْ يَمِينِـكَ إنَّمَـا حِـنْثٌ اليَمِيـنِ عَـلَى الأثِيـمِ الفَـاجِرِ

يقول: « فاجعل تحلّل » ، بمعنى: تحلل شيئًا بعد شيء لا أن هناك جَعْلا من غير التحليل . فكذلك كل « جَعْلٍ » في الكلام، إنما هو دليل على فعلٍ له اتصال, لا أن له حظًّا في معنى الفعْل.

فقوله: « وجعل الظلمات والنور » ، إنما هو: أظلم ليلَهما، وأنارَ نَهارَهُما.

 

القول في تأويل قوله : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، معجِّبًا خلقَه المؤمنين من كفَرة عباده، ومحتجًّا على الكافرين: إنّ الإله الذي يجبُ عليكم، أيها الناس، حمدُه، هو الذي خلَق السماوات والأرض, الذي جعل منهما معايشَكم وأقواتكم، وأقواتَ أنعامكم التي بها حياتكم. فمن السماوات ينـزل عليكم الغيثُ، وفيها تجري الشمس والقمر باعتِقابٍ واختلاف لمصالحكم. ومن الأرض ينبُتُ الحب الذي به غذاؤكم، والثمارُ التي فيها ملاذُّكم, مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم، أيها الناس « بربهم » ، الذي فعل ذلك وأحدثه « يعدلون » ، يجعلون له شريكًا في عبادتهم إياه, فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثانَ, وليس منها شيء شرِكه في خلق شيءٍ من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم, بل هو المنفرد بذلك كله, وهم يشركون في عبادتهم إيّاه غيره . فسبحان الله ما أبلغها من حجة، وأوجزها من عظة, لمن فكَّر فيها بعقل، وتدبرها بفهم !

ولقد قيل: إنها فاتحة التوراة .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي, عن أبي عمران الجوني, عن عبد الله بن رباح, عن كعب قال: فاتحة التوراة فاتحة « الأنعام » : « الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجَعَل الظلمات والنور ثم الذين كَفَروا بربِّهم يعدلون » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا زيد بن حباب, عن جعفر بن سليمان, عن أبي عمران الجوني, عن عبد الله بن رباح, عن كعب, مثله وزاد فيه: وخاتمة التوراة خاتمة « هود » .

يقالُ من مساواة الشيء بالشيء: « عدلتُ هذا بهذا » , إذا ساويته به، « عَدْلا » . وأما في الحكم إذا أنصفت فيه, فإنك تقول: « عَدَلت فيه أعدلُ عَدْلا » .

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: « يعدلون » ، قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني ابن محمد عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « يعدلون » ، قال: يشركون .

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عُني بذلك:

فقال بعضهم: عُني به أهل الكتاب .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمي, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن ابن أبزى قال: جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية: « الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربِّهم يعدِلون » ، قال له: أليس الذين كفروا بربِّهم يعدلون؟ قال: بلى ! قال: وانصرف عنه الرجل, فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى, إن هذا قد أراد تفسيرَ هذه غير هذا! إنه رجلٌ من الخوارج ! فقال: ردّوه عليّ . فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نـزلت هذه الآية؟ قال: لا! قال: إنها نـزلت في أهل الكتاب, اذهبْ، ولا تضعها على غير حدِّها .

وقال آخرون: بل عُنى بها المشركون من عبدةِ الأوثان .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « ثم الذين كفروا بربهم يعدلون » ، قال: [ هؤلاء: أهل صراحيه ] .

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ثم الذين كفروا بربهم يعدلون » ، قال: هم المشركون .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ثم الذين كفروا بربهم يعدلون » ، قال: الآلهة التي عبَدوها، عدلوها بالله . قال: وليس لله عِدْلٌ ولا نِدٌ, وليس معه آلهة, ولا اتخذ صاحبةً ولا ولدًا .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أخبر أنّ الذين كفروا بربهم يعدلون, فعمّ بذلك جميع الكفّار, ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. فجميعهم داخلون في ذلك: يهودهم, ونصاراهم, ومجوسهم, وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر .

 

القول في تأويل قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « هو الذي خلقكم من طين » ، أن الله الذي خلق السماوات والأرض, وأظلم ليلهما وأنَار نهارهما, ثم كفر به مع إنعامه عليهم الكافرون, وعدلوا به من لا ينفعهم ولا يضرُّهم . هو الذي خلقكم، أيها الناس، من طين. وإنما يعني بذلك تعالى ذكره: أنَّ الناس وَلدُ مَنْ خلقه من طين, فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم, إذ كانوا وَلَده .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « هو الذي خلقكم من طين » ، بدءُ الخلق، خلقَ الله آدم من طين .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « هو الذي خلقكم من طين » ، قال: هو آدم .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أمّا « خلقكم من طين » ، فآدم .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم قال: خلق آدم من طين, وخلق الناس من سُلالةٍ من ماءٍ مَهين .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « خلقكم من طين » ، قال: خلق آدم من طين, ثم خلقنا من آدم حين أخذَنا من ظهره .

 

القول في تأويل قوله : ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى قوله: « ثم قضى أجلا » ، ثم قضى لكم، أيها الناس، « أجلا » . وذلك ما بين أن يُخْلق إلى أن يموت « وأجل مسمى عنده » ، وذلك ما بين أن يموت إلى أن يبعث .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع وهناد بن السري قالا حدثنا وكيع قال، حدثنا أبي, عن أبي بكر الهذلي, عن الحسن في قوله: « قضى أجلا » ، قال: ما بين أن يخلق إلى أن يموت « وأجل مسمى عنده » ، قال: ما بين أن يموت إلى أن يبعث .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عِنده » ، كان يقول: أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة, عن عبيد بن سليمان, عن الضحاك بن مزاحم: « قضى أجلا وأجل مسمى عنده » ، قال: قضى أجل الموت, وكل نفسٍ أجلها الموت . قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها « وأجل مسمى عنده » ، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاءُ إلى الله .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم قضى الدنيا، وعنده الآخرة .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: « أجلا » ، قال: الدنيا « وأجل مسمى عنده » ، الآخرة .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو عاصم, عن زكريا بن إسحاق, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « قضى أجلا » ، قال: الآخرة عنده « وأجل مسمى » ، الدنيا .

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « أجلا » ، قال: الآخرة عنده « وأجل مسمًّى » ، قال: الدنيا .

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « أجلا » ، قال: الآخرة عنده « وأجل مسمى » ، قال: الدنيا .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة والحسن: « ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده » ، قالا قضى أجل الدنيا، من حين خلقك إلى أن تموت « وأجل مسمى عنده » ، يوم القيامة .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: « ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده » ، قال: قَضَى أجل الدنيا « وأجل مسمى عنده » ، قال: هو أجل البعث .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة: « ثم قضى أجلا » ، قال: الموت « وأجل مسمى عنده » ، الآخرة .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة والحسن في قوله: « قضى أجلا وأجل مسمى عنده » ، قالا قضى أجل الدنيا، منذ يوم خلقت إلى أن تموت « وأجل مسمى عنده » ، يوم القيامة .

حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد: « قضى أجلا » ، قال: أجل الدنيا « وأجل مسمى عنده » ، قال: البعث .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « ثم قضى أجلا وأجلٌ مسمى عنده » ، يعني: أجل الموت « والأجل المسمى » ، أجلُ الساعة والوقوفِ عند الله .

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « قضى أجلا » ، قال: أمّا « قضى أجلا » ، فأجل الموت « وأجل مسمى عنده » ، يوم القيامة .

وقال آخرون في ذلك بما:-

حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: « ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده » ، قال: أمّا قوله: « قضى أجلا » ، فهو النومُ، تُقْبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة « وأجل مسمى عنده » ، هو أجل موت الإنسان .

وقال آخرون بما:-

حدثني به يونس قال، أخبرنا ابن وهب في قوله: « هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون » ، قال: خلق آدم من طين, ثم خلقنا من آدم, أخذنا من ظهره, ثم أخذ الأجل والمِيثاق في أجلٍ واحد مسمًّى في هذه الحياة الدنيا .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: معناه: ثم قضى أجلَ الحياة الدنيا « وأجلٌ مسمى عنده » ، وهو أجل البَعْث عنده .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب, لأنه تعالى ذكره نبَّه خلقَه على موضع حُجَّته عليهم من أنفسهم فقال لهم: أيها الناس, إن الذي يعدِلُ به كفارُكم الآلهةَ والأندادَ ، هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين, فجعلكم صورًا أجساًما أحياءً، بعد إذ كنتم طينًا جمادًا, ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم, ليعيدكم ترابًا وطينًا كالذي كنتم قبل أن ينشئكم ويخلقكم وأجل مسمى عندَه لإعادتكم أحياءً وأجسامًا كالذي كنتم قبل مماتكم . وذلك نظير قوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، [ سورة البقرة: 28 ] .

 

القول في تأويل قوله : ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( 2 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم أنتم تَشكُّون في قدرة من قَدَر على خلق السماوات والأرض, وإظلام الليل وإنارة النهار, وخلقكم من طين حتى صيَّركم بالهيئة التي أنتم بها على إنشائه إياكم من بعد مماتكم وفنائكم, وإيجاده إيّاكم بعد عدمكم .

و « المرية » في كلام العرب، هي الشك. وقد بيّنت ذلك بشواهده في غير هذا الموضع فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته.

وقد:-

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « ثم أنتم تمترون » ، قال: الشك . قال: وقرأ قول الله: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [ سورة هود: 17 ] ، قال: في شكٍّ منه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ثم أنتم تمترون » ، بمثله .

 

القول في تأويل قوله : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ( 3 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهةُ التي لا تنبغي لغيره، المستحقَّ عليكم إخلاصَ الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم مَن سواه, هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سِرَّكم وجَهْركم، فلا يخفى عليه شيء. يقول: فربكم الذي يستحقُّ عليكم الحمدَ، ويجب عليكم إخلاصُ العبادة له, هو هذا الذي صفته لا من لا يقدر لكم على ضرّ ولا نفع، ولا يعمل شيئًا، ولا يدفع عن نفسه سُوءًا أريد بها .

وأما قوله: « ويعلم ما تكسبون » ، يقول: ويعلم ما تَعمَلون وتجرَحُون, فيحصي ذلك عليكم ليجازيكم به عند معادكم إليه.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ( 4 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم يعدِلون أوثانَهم وآلهتهم « آية من آيات ربهم » ، يقول: حجّة وعلامة ودلالة من حُجج ربهم ودلالاته وأعلامه على وحدانيته، وحقيقة نبوتك، يا محمد، وصدق ما أتيتهم به من عندي « إلا كانوا عنها معرضين » ، يقول: إلا أعرضوا عنها, يعني عن الآية, فصدّوا عن قَبُولها والإقرار بما شهدت على حقيقته ودلّت على صحته, جهلا منهم بالله، واغترارًا بحلمه عنهم .

 

القول في تأويل قوله : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 5 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فقد كذب هؤلاء العادلون بالله، الحقَّ لما جاءهم, وذلك « الحق » ، هو محمد صلى الله عليه وسلم كذّبوا به, وجحدوا نبوَّته لما جاءهم. قال الله لهم متوعّدًا على تكذيبهم إياه وجحودِهم نبوَّته: سوف يأتي المكذّبين بك، يا محمد، من قومِك وغيرهم « أنْباء ما كانوا به يستهزئون » ، يقول: سوف يأتيهم أخبارُ استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من آياتي وأدلَّتي التي آتيتهم . ثم وفى لهم بوعيده لمّا تمادَوا في غيِّهم، وعَتْوا على ربهم, فقتلتهم يوم بدرٍ بالسَّيف .

 

القول في تأويل قوله : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ( 6 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ألم يرَ هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون نبوّتك, كثرةَ من أهلكت من قبلهم من القُرون وهم الأمم الذين وطَّأت لهم البلادَ والأرض توطئة لم أوطِّئها لهم, وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم؟ كما:-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم » ، يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم .

قال أبو جعفر: أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها, وأعطتهم الأرض رَيْع نَباتها, وجابوا صخورَ جبالها, ودرَّت عليهم السماء بأمطارها, وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني, فغمَطُوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم, وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلي, فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم, وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب .

ومعنى قوله: « وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا » ، المطرَ. ويعني بقوله: « مدرارًا » ، غزيرة دائمةً « وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين » ، يقول: وأحدثنا من بعد الذين أهلكناهم قرنًا آخرين، فابتدأنَا سِواهم .

فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: « مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم » ؟ ومن المخاطب بذلك؟ فقد ابتدأ الخبر في أول الآية عن قوم غَيَبٍ بقوله: « ألم يروا كم أهلكنا من قَبَلهم من قرن » ؟

قيل: إن المخاطب بقوله: « ما لم نمكن لكم » ، هو المخبر عنهم بقوله: « ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن » ، ولكن في الخبر معنى القول ومعناه: قُلْ، يا محمد، لهؤلاء القوم الذين كذبوا بالحقِّ لما جاءهم: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قَرْن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم.

والعرب إذا أخبرت خبرًا عن غائبٍ ، وأدخلت فيه « قولا » ، فعلت ذلك، فوجهت الخبرَ أحيانًا إلى الخبر عن الغائب, وأحيانًا إلى الخطاب, فتقول: « قلت لعبد الله: ما أكرمه » , و « قلت لعبد الله: ما أكرمك » , وتخبر عنه أحيانًا على وجه الخبر عن الغائب، ثم تعود إلى الخطاب. وتخبر على وجه الخطاب له، ثم تعود إلى الخبر عن الغائب. وذلك في كلامها وأشعارها كثيرٌ فاشٍ. وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

وقد كان بعض نحويي البصرة يقول في ذلك: كأنه أخبرَ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خاطبه معهم. وقال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [ سورة يونس: 22 ] ، فجاء بلفظ الغائب، وهو يخاطب, لأنه المخاطَب .

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 )

قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، عن هؤلاء القوم الذين يعدلون بربهم الأوثانَ والآلهة والأصنام. يقول تعالى ذكره: وكيف يتفقهون الآيات, أم كيف يستدِلُّون على بُطْلان ما هم عليه مُقِيمون من الكفر بالله وجحودِ نبوتك، بحجج الله وآياته وأدلته, وهم لعنادهم الحقَّ وبعدِهم من الرشد, لو أنـزلت عليك، يا محمد، الوحيَ الذي أنـزلته عليك مع رسولي، في قِرْطاس يعاينونه ويمسُّونه بأيديهم، وينظرون إليه ويقرءونه منه، معلَّقًا بين السماء والأرض، بحقيقة ما تدعوهم إليه، وصحَّةِ ما تأتيهم به من توحيدي وتنـزيلي, لقال الذين يعدلُون بي غيري فيشركون في توحيدِي سواي: « إنْ هذا إلا سحرٌ مبينٌ » ، أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحرتَ به أعيننا, ليست له حقيقة ولا صحة « مبين » ، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم » ، قال: فمسوه ونظروا إليه، لم يصدِّقوا به .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولو نـزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم » ، يقول: فعاينوه معاينة « لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحرٌ مبين » .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ولو نـزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم » ، يقول: لو نـزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم, لزادهم ذلك تكذيبًا.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ولو نـزلنا عليك كتابًا في قرطاس » ، الصحف.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « في قرطاس » ، يقول: في صحيفة « فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إنْ هذا إلا سحرٌ مبين » .

 

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المكذبون بآياتي، العادلون بي الأندادَ والآلهةَ، يا محمد، لك لو دعوتهم إلى توحيدي والإقرار بربوبيتي, وإذا أتيتهم من الآيات والعبر بما أتيتهم به، واحتججت عليهم بما احتججت عليهم مما قطعتَ به عذرَهم: هَلا نـزل عليك ملك من السماء في صورته، يصدّقكَ على ما جئتنا به, ويشهد لك بحقيقة ما تدَّعي من أنَّ الله أرسلك إلينا! كما قال تعالى ذكره مخبرًا عن المشركين في قِيلهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [ سورة الفرقان: 7 ] ، « ولو أنـزلنا مَلَكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون » ، يقول: ولو أنـزلنا ملكًا على ما سألوا، ثم كفروا ولم يؤمنوا بي وبرسولي, لجاءهم العذابُ عاجلا غيرَ آجل, ولم يُنْظروا فيؤخَّروا بالعقوبة مراجعةَ التوبة, كما فعلت بمن قبلهم من الأمم التي سألت الآيات، ثم كفرت بعد مجيئها، من تعجيل النقمة، وترك الإنظار، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون » ، يقول: لجاءهم العذاب.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون » ، يقول: ولو أنهم أنـزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « لولا أنـزل عليه ملك » في صورته « ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر » ، لقامت الساعة.

حدثنا ابن وكيع, عن أبيه قال، حدثنا أبو أسامة, عن سفيان الثوري, عن عكرمة: « لقضي الأمر » ، قال: لقامت الساعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر » ، قال يقول: لو أنـزل الله ملكًا ثم لم يؤمنوا, لعجل لهم العذاب.

وقال آخرون في ذلك بما :-

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، أخبرنا بشر بن عمارة, عن أبي روق، عن الضحاك, عن ابن عباس قوله: « ولو أنـزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون » ، قالا لو آتاهم ملك في صورته لماتوا, ثم لم يؤخَّرُوا طرفةَ عينٍ .

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء العادلِين بي, القائلين: لولا أنـزل على محمّدٍ ملك بتصديقه- ملكًا ينـزل عليهم من السماء, يشهد بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرهم باتباعه « لجعلناه رجلا » ، يقول: لجعلناه في صورة رجل من البشر, لأنهم لا يقدرون أن يروا الملك في صورته . يقول: وإذا كان ذلك كذلك, فسواء أنـزلت عليهم بذلك ملكًا أو بشرًا, إذ كنت إذا أنـزلت عليهم ملكًا إنما أنـزله بصورة إنسيّ, وحججي في كلتا الحالتين عليهم ثابتة: بأنك صادق، وأنّ ما جئتهم به حق.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: « ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا » ، يقول: ما آتاهم إلا في صورة رجل, لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا » ، في صورة رجل، في خَلْق رجل.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا » ، يقول: لو بعثنا إليهم ملكًا لجعلناه في صورة آدم.

حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: « ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا » ، يقول: في صورة آدمي.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلا » قال: لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل, لم نرسله في صورة الملائكة .

 

القول في تأويل قوله : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ( 9 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وللبسنا عليهم » : ولو أنـزلنا ملكًا من السماء مصدِّقًا لك، يا محمد, شاهدًا لك عند هؤلاء العادلين بي، الجاحدين آياتِك على حقيقة نبوّتك, فجعلناه في صورة رجل من بني آدم، إذ كانوا لا يُطيقون رؤية الملك بصورته التي خلقتُه بها التبس عليهم أمرُه، فلم يدروا أملك هو أمْ إنسيّ! فلم يوقنوا به أنَّه ملك، ولم يصدّقوا به, وقالوا: « ليس هذا ملكًا » ! وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصحة برهانك وشاهدك على نبوّتك.

يقال منه: « لَبَست عليهم الأمر أَلْبِسُه لَبْسًا » ، إذا خلطته عليهم « ولبست الثوبَ ألبَسُه لُبْسًا » . و « اللَّبوس » ، اسم الثياب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « وللبسنا عليهم ما يلبسون » ، يقول: لشبَّهنا عليهم.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وللبسنا عليهم ما يلبسون » ، يقول: ما لبَّس قوم على أنفسهم إلا لَبَّس الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وللبسنا عليهم ما يلبسون » ، يقول: شبَّهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم .

وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول آخر, وهو ما:-

حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « وللبسنا عليهم ما يلبسون » ، فهم أهل الكتاب، فارقوا دينهم، وكذَّبوا رسلهم, وهو تحريفُ الكلام عن مواضعه .

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: « وللبسنا عليهم ما يلبسون » ، يعني: التحريفَ، هم أهل الكتاب, فرقوا كتبهم ودينَهم، وكذَّبوا رسلهم, فلبَّس الله عليهم ما لبَّسوا على أنفسهم .

وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أوّل السورة، بأن تكون في أمر المشركين من عبدة الأوثان، أشبهُ منها بأمرِ أهل الكتاب من اليهود والنصارى, بما أغنى عن إعادته.

 

القول في تأويل قوله : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 10 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، مسليًّا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبةَ ما يلقى منهم من أذىَ الاستهزاء به، والاستخفاف في ذات الله: هَوِّنْ عليك، يا محمد، ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفِّين بحقك فيّ وفي طاعتي, وامضِ لما أمرتك به من الدُّعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي، فإنهم إن تمادوا في غيِّهم، وأصَرُّوا على المقام على كفرهم, نسلك بهم سبيلَ أسلافهم من سائر الأمم من غيرهم، من تعجيل النقمة لهم، وحلول المَثُلاثِ بهم. فقد استهزأت أمم من قبلك برسلٍ أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك, وفعلوا مثل ما فعل قومُك بك « فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون » ، يعني بقوله: « فحاق » ، فنـزل وأحاط بالذين هزئوا من رسلهم « ما كانوا به يستهزئون » ، يقول: العذابُ الذي كانوا يهزءون به، وينكرون أن يكون واقعًا بهم على ما أنذرتهم رسلهم .

يقال منه: « حاق بهم هذا الأمر يَحِيقُ بهم حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقَانًا » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فحاق بالذين سخروا منهم » ، من الرسل « ما كانوا به يستهزئون » ، يقول: وقع بهم العذاب الذي استهزءوا به .

 

القول في تأويل قوله : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: « قل » ، يا محمد لهؤلاء العادلين بيَ الأوثانَ والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي « سيروا في الأرض » ، يقول: جولوا في بلاد المكذِّبين رسلَهم، الجاحدين آياتي مِنْ قبلهم من ضُرَبائهم وأشكالهم من الناس « ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين » ، يقول: ثم انظروا كيف أعقَبَهم تكذيبهم ذلك، الهلاكَ والعطبَ وخزيَ الدنيا وعارَها, وما حَلَّ بهم من سَخَط الله عليهم، من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. فاعتبروا به, إن لم تنهكم حُلُومكم, ولم تزجركم حُجج الله عليكم, عمَّا أنتم [ عليه ] مقيمون من التكذيب, فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحلّ بكم مثلُ الذي حلّ بهم.

وكان قتادة يقول في ذلك بما:-

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين » ، دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيَّرهم إلى النار.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم « لمن ما في السماوات والأرض » ، يقول: لمن ملك ما في السماوات والأرض؟ ثم أخبرهم أن ذلك لله الذي استعبدَ كل شيء، وقهر كل شيء بملكه وسلطانه لا للأوثان والأنداد، ولا لما يعبدونه ويتخذونه إلهًا من الأصنام التي لا تملك لأنفسها نفعًا ولا تدفع عنها ضُرًّا.

وقوله: « كتب على نفسه الرحمة » ، يقول: قضى أنَّه بعباده رحيم, لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة.

وهذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة.

يقول تعالى ذكره: أن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوّتك، يا محمد, إن تابوا وأنابوا قبلت توبتهم, وإني قد قضيت في خَلْقي أنّ رحمتي وسعت كل شيء، كالذي:-

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن ذكوان, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لما فرغ الله من الخلق، كتب كتابًا: » إنّ رحمتي سَبَقَتْ غضبي « . »

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: إنّ الله تعالى ذكره لما خلق السماء والأرض, خلق مئة رحمةٍ, كل رحمة ملء ما بين السماء إلى الأرض. فعنده تسع وتسعون رحمةً, وقسم رحمة بين الخلائق. فبها يتعاطفون، وبها تشرب الوَحْش والطير الماءَ. فإذا كان يوم ذلك، قصرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن أبي عثمان, عن سلمان، نحوه إلا أن ابن أبي عدي لم يذكر في حديثه: « وبها تشرب الوحش والطير الماء » .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن عاصم بن سليمان, عن أبي عثمان, عن سلمان قال: نجد في التوراة عطفتين: أن الله خلق السماوات والأرض, ثم خلق مئة رحمة أو: جعل مئة رحمة قبل أن يخلق الخلق. ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمة واحدة, وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة. قال: فبها يتراحمون, وبها يتباذلون, وبها يتعاطفون, وبها يتزاورون, وبها تحنُّ الناقة, وبها تثُوجُ البقرة, وبها تيعر الشاة, وبها تتَّابع الطير, وبها تتَّابع الحيتان في البحر. فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده. ورحمته أفضل وأوسع.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن عاصم بن سليمان, عن أبي عثمان النهدي, عن سلمان في قوله: « كتب على نفسه الرحمة » ، الآية قال: إنا نجد في التوراة عَطْفتين ثم ذكر نحوه إلا أنه قال: « وبها تَتَابع الطير, وبها تَتَابع الحيتان في البحر » .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، قال ابن طاوس, عن أبيه: إن الله تعالى ذكره لما خلق الخلق, لم يعطف شيء على شيء, حتى خلق مئة رحمة, فوضع بينهم رحمة واحدة, فعطف بعضُ الخلق على بعض.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه، بمثله .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر قال، وأخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة ، حسبته أسنده قال: إذا فرغ الله عز وجلّ من القضاء بين خلقه, أخرج كتابًا من تحت العرش فيه: « إن رحمتي سبقت غضبي, وأنا أرحم الراحمين » ، قال: فيخرج من النار مثل أهل الجنة أو قال: « مِثلا أهل الجنة » , ولا أعلمه إلا قال: « مثلا » , وأما « مثل » فلا أشك مكتوبًا ها هنا, وأشار الحكم إلى نحره, « عتقاء الله » ، فقال رجل لعكرمة: يا أبا عبد الله, فإن الله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [ سورة المائدة: 37 ] ؟ قال: ويلك ! أولئك أهلها الذين هم أهلها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة ، حسبت أنه أسنده قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج الله كتابًا من تحت العرش ثم ذكر نحوه, غير أنه قال: فقال رجل: يا أبا عبد الله, أرأيت قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وسائر الحديث مثل حديث ابن عبد الأعلى .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن همام بن منبه قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: » إنّ رحمتي سبقت غضبي « . »

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن أبي أيوب, عن عبد الله بن عمرو: أنه كان يقول: إن لله مئة رحمة, فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجن والإنس، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابّ الأرض وهوامّها. وما بين الهواء. واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمة, حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمةَ التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا, فحواها إلى ما عنده, فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: قال عبد الله بن عمرو: إن لله مئة رحمة, أهبط منها إلى الأرض رحمة واحدة، يتراحم بها الجنّ والإنس، والطير والبهائم وهوامُّ الأرض.

حدثنا محمد بن عوف قال، أخبرنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج قال، حدثنا صفوان بن عمرو قال، حدثني أبو المخارق زهير بن سالم قال، قال عمر لكعب: ما أوَّل شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابًا لم يكتبه بقلم ولا مداد, ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت « أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت رحمتي غضبي » .

 

القول في تأويل قوله : لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ

قال أبو جعفر: وهذه « اللام » التي في قوله: « ليجمعنكم » ، لام قسم .

ثم اختلف أهل العربية في جالبها, فكان بعض نحويي الكوفة يقول: إن شئت جعلت « الرحمة » غاية كلام، ثم استأنفت بعدها: « ليجمعنكم » . قال: وإن شئت جعلتَه في موضع نصب يعني: كتب ليجمعنكم كما قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [ سورة الأنعام: 54 ] ، يريد: كتب أنه من عمل منكم قال: والعرب تقول في الحروف التي يصلح معها جوابُ كلام الأيمان ب « أن » المفتوحة وب « اللام » , فيقولون: « أرسلت إليه أن يقوم » , « وأرسلت إليه ليقومن » . قال: وكذلك قوله: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، [ سورة يوسف: 35 ] . قال: وهو في القرآن كثير. ألا ترى أنك لو قلت: « بدا لهم أن يسجنوه » , لكان صوابًا؟ وكان بعض نحويي البصرة يقول: نصبت « لام » « ليجمعنكم » ، لأن معنى: « كتب » [ : فرضَ، وأوجب، وهو بمعنى القسم ] ، كأنه قال: والله ليجمعنكم.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي، أن يكون قوله: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، غايةً, وأن يكون قوله: « ليجمعنكم » ، خبرًا مبتدأ ويكون معنى الكلام حينئذ: ليجمعنكم الله، أيها العادلون بالله، ليوم القيامة الذي لا ريب فيه، لينتقم منكم بكفركم به.

وإنما قلت: هذا القول أولى بالصواب من إعمال « كتب » في « ليجمعنكم » ، لأن قوله: « كتب » قد عمل في الرحمة, فغير جائز، وقد عمل في « الرحمة » ، أن يعمل في « ليجمعنكم » ، لأنه لا يتعدَّى إلى اثنين.

فإن قال قائل: فما أنت قائل في قراءة من قرأ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ ، [ سورة الأنعام: 54 ] بفتح « أنّ » ؟

قيل: إن ذلك إذ قرئ كذلك, فإن « أنّ » بيانٌ عن « الرحمة » ، وترجمة عنها. لأن معنى الكلام: كتب على نفسه الرحمة أن يرحم [ من تاب ] من عباده بعد اقتراف السوء بجهالة ويعفو، و « الرحمة » ، يترجم عنها ويبيَّن معناها بصفتها. وليس من صفة الرحمة « ليجمعنكم إلى يوم القيامة » ، فيكون مبينًا به عنها. فإذ كان ذلك كذلك, فلم يبق إلا أن تنصب بنية تكرير « كتب » مرة أخرى معه, ولا ضرورة بالكلام إلى ذلك، فيوجَّه إلى ما ليس بموجود في ظاهره.

وأما تأويل قوله: « لا ريب فيه » ، فإنه لا شك فيه, يقول: في أنّ الله يجمعكم إلى يوم القيامة، فيحشركم إليه جميعًا, ثم يؤتى كلَّ عامل منكم أجرَ ما عمل من حسن أو سيئ .

 

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « الذين خسروا أنفسهم » ، العادلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقول تعالى ذكره: ليجمعن الله « الذين خسروا أنفسهم » , يقول: الذين أهلكوا أنفسهم وغبنوها بادعائهم لله الندَّ والعَدِيل, فأوبقوها باستيجابهم سَخَط الله وأليم عقابه في المعاد.

وأصل « الخسار » ، الغُبْنُ. يقال منه « : خسر الرجل في البيع » ، إذا غبن, كما قال الأعشى:

لا يَــأخُذُ الرِّشْــوَةَ فِــي حُكْمِـهِ وَلا يُبَـــالِي خَسَـــرَ الخَاسِــر

وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته.

وموضوع « الذين » في قوله: « الذين خسروا أنفسهم » ، نصبٌ على الرد على « الكاف والميم » في قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ ، على وجه البيان عنها. وذلك أنّ الذين خسروا أنفسهم, هم الذين خوطبوا بقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ .

وقوله: « فهم لا يؤمنون » ، يقول: « فهم » ، لإهلاكهم أنفسهم وغَبْنهم إياه حظَّها « لا يؤمنون » , أي لا يوحِّدون الله، ولا يصدِّقون بوعده ووعيده، ولا يقرُّون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

القول في تأويل قوله : وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 13 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لا يؤمن هؤلاء العادلون بالله الأوثانَ, فيخلصوا له التوحيد، ويُفْرِدوا له الطاعة، ويقرّوا بالألوهية، جهلا « وله ما سكن في الليل والنهار » ، يقول: وله ملك كل شيء, لأنه لا شيء من خلق الله إلا وهو ساكنٌ في الليل والنهار. فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا « وهو السميع » ، يقول: وهو السميع ما يقول هؤلاء المشركون فيه، من ادّعائهم له شريكًا, وما يقول غيرهم من خلقه « العليم » ، بما يضمرونه في أنفسهم، وما يظهرونه بجوارحهم, لا يخفى عليه شيء من ذلك, فهو يحصيه عليهم, ليوفّي كل إنسان ثوابَ ما اكتسبَ، وجزاء ما عمل .

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: « سكن » ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وله ما سكن في الليل والنهار » ، يقول: ما استقرَّ في الليل والنهار.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثانَ والأصنامَ, والمنكرين عليك إخلاص التوحيد لربك, الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئًا غيرَ الله تعالى ذكره: « أتخذ وليًّا » ، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « قل أغير الله أتخذ وليًّا » ، قال: أما « الولي » ، فالذي يتولَّونه ويقرّون له بالربوبية .

« فاطر السماوات والأرض » ، يقول: أشيئًا غير الله فاطر السماوات والأرض أتخذ وليًّا؟ ف « فاطر السماوات » ، من نعت « الله » وصفته، ولذلك خُفِض.

ويعني بقوله: « فاطر السماوات والأرض » ، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما، كالذي:-

حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان, عن سفيان, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما « فاطر السماوات والأرض » , حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر, فقال أحدهما لصاحبه: « أنا فَطَرتها » , يقول: أنا ابتدأتها.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فاطر السماوات والأرض » ، قال: خالق السماوات والأرض.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فاطر السماوات والأرض » ، قال: خالق السماوات والأرض.

يقال من ذلك: « فطرها الله يَفطُرُها وَيفطِرها فَطرًا وفطورًا » ومنه قوله: هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [ سورة الملك: 3 ] ، يعني: شقوقًا وصدوعًا. يقال: « سيف فُطارٌ » ، إذا كثر فيه التشقق, وهو عيب فيه، ومنه قول عنترة:

وَسَــيْفِي كَالْعَقِيقَــةِ فَهْـوَ كِـمْعِي, سِـــلاحِي, لا أَفَــلَّ وَلا فُطَــارَا

ومنه يقال: « فَطَر ناب الجمل » ، إذا تشقق اللحم فخرج، ومنه قوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [ سورة الشورى: 5 ] ، أي: يتشققن، ويتصدعن.

وأما قوله: « وهو يطعم ولا يطعم » ، فإنه يعني : وهو يرزق خلقه ولا يرزق، كما:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وهو يطعم ولا يطعم » ، قال: يَرْزق, ولا يُرزق.

وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: ( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يَطْعَمُ ) ، أي: أنه يُطعم خلقه, ولا يأكل هو ولا معنى لذلك، لقلة القراءة به.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 14 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد، للذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله، ويحثّونك على عبادتها: أغير الله فاطر السماوات والأرض, وهو يرزقني وغيري ولا يرزقه أحد, أتخذ وليًّا هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟ وقل لهم أيضًا: إني أمرني ربي: « أن أكون أول من أسلم » يقول: أوّل من خضع له بالعبودية، وتذلّل لأمره ونهيه، وانقاد له من أهل دهرِي وزماني « ولا تكوننَّ من المشركين » ، يقول: وقل: وقيل لي: لا تكونن من المشركين بالله، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء.

وجعل قوله: « أمرت » بدلا من: « قيل لي » , لأن قوله « أمرت » معناه: « قيل لي » . فكأنه قيل: قل إني قيل لي: كن أول من أسلم, ولا تكونن من المشركين فاجتزئ بذكر « الأمر » من ذكر « القول » , إذ كان « الأمر » ، معلومًا أنه « قول » .

 

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين العادلين بالله، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم: إنّ ربي نهاني عن عبادة شيء سواه « وإني أخاف إن عصيت ربي » , فعبدتها « عذاب يوم عظيم » , يعني: عذاب يوم القيامة. ووصفه تعالى ب « العظم » لعظم هَوْله، وفظاعة شأنه .

 

القول في تأويل قوله : مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 16 )

قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ ، بضم « الياء » وفتح « الراء » , بمعنى: من يُصرف عنه العذاب يومئذ .

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ( مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ ) ، بفتح « الياء » وكسر « الراء » , بمعنى: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي, قراءة من قرأه: ( يَصْرِفْ عَنْهُ ) ، بفتح « الياء » وكسر « الراء » , لدلالة قوله: « فقد رحمه » على صحة ذلك, وأنّ القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة في قوله: « من يصرف » ، على وجه ما لم يسمَّ فاعله, كان الوجه في قوله: « فقد رحمه » أن يقال : « فقد رُحِم » غير مسمى فاعله. وفي تسمية الفاعل في قوله: « فقد رحمه » ، دليل بيِّن على أن ذلك كذلك في قوله: « من يَصرف عنه » .

وإذا كان ذلك هو الوجه الأولَى بالقراءة, فتأويل الكلام: منْ يصرف عنه من خلقه يومئذ عذابه فقد رحمه « وذلك هو الفوز المبين » ، ويعني بقوله: « وذلك » ، وصرفُ الله عنه العذاب يوم القيامة, ورحمته إياه « الفوز » ، أي: النجاة من الهلكة، والظفر بالطلبة « المبين » ، يعني الذي بيَّن لمن رآه أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطَّلِبة.

وبنحو الذي قلنا في قوله: « من يصرف عنه يومئذ » قال أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله « من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه » ، قال: من يصرف عنه العذاب .

 

القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد, إن يصبك الله « بضر » , يقول: بشدة في دنياك، وشظَف في عيشك وضيق فيه, فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أوّل من أسلم لأمره ونهيه, وأذعن له من أهل زمانك, دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه « وإن يمسسك بخير » ، يقول: وإن يصبك بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك « فهو على كل شيء قدير » ، يقول تعالى ذكره: والله الذي أصابك بذلك، فهو على كل شيء قدير هو القادر على نفعك وضرِّك, وهو على كل شيء يريده قادر, لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه, ليس كالآلهة الذليلة المَهينة التي لا تقدر على اجتلاب نفع على أنفسها ولا غيرها، ولا دفع ضر عنها ولا غيرها. يقول تعالى ذكره: فكيف تعبد من كان هكذا، أم كيف لا تخلص العبادة, وتقرُّ لمن كان بيده الضر والنفع، والثواب والعقاب، وله القدرة الكاملة، والعزة الظاهرة؟

 

القول في تأويل قوله : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 18 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وهو » ، نفسَه، يقول: والله الظاهر فوق عباده ويعني بقوله: « القاهر » ، المذلِّل المستعبد خلقه، العالي عليهم. وإنما قال: « فوق عباده » , لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره إياهم. ومن صفة كلّ قاهر شيئًا أن يكون مستعليًا عليه .

فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عبادَه, المذلِّلهم, العالي عليهم بتذليله لهم، وخلقه إياهم, فهو فوقهم بقهره إياهم, وهم دونه « وهو الحكيم » ، يقول: والله الحكيم في علِّوه على عباده، وقهره إياهم بقدرته، وفي سائر تدبيره « الخبير » ، بمصالح الأشياء ومضارِّها, الذي لا يخفي عليه عواقب الأمور وبواديها, ولا يقع في تدبيره خلل , ولا يدخل حكمه دَخَل.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يكذّبون ويجحدون نبوَّتك من قومك: أيُّ شيء أعظم شهادة وأكبر؟ ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: « الله » ، الذي لا يجوز أن يقع في شهادته ما يجوز أن يقع في [ شهادة ] غيره من خلقه من السهو والخطأ، والغلط والكذب. ثم قل لهم: إن الذي هو أكبر الأشياء شهادة، شهيدٌ بيني وبينكم, بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا في فعله وقوله من السفيه, وقد رضينا به حكمًا بيننا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل:

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « أيّ شيء أكبر شهادة » ، قال: أمر محمد أن يسأل قريشًا, ثم أمر أن يخبرهم فيقول: « الله شهيد بيني وبينكم » .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, نحوه .

 

القول في تأويل قوله : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ « وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به » عقابَه, وأُنذر به من بَلَغه من سائر الناس غيركم إن لم ينته إلى العمل بما فيه، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والإيمان بجميعه نـزولَ نقمة الله به.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « أيّ شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ » ، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: يا أيها الناس، بلِّغوا ولو آية من كتاب الله, فإنه من بَلَغه آيةٌ من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله, أخذه أو تركه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « لأنذركم به ومن بلغ » ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بلِّغوا عن الله, فمن بلغه آيه من كتاب الله, فقد بلغه أمر الله.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي: « لأنذركم به ومن بلغ » ، قال: من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ: « ومن بلغ أئنكم لتشهدون » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن , عن حسن بن صالح قال: سألت ليثًا: هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة ؟ قال: كان مجاهد يقول: حيثما يأتي القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذير. ثم قرأ: « لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ومن بلغ » ، من أسلم من العجم وغيرهم .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا خالد بن يزيد قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب في قوله: « لأنذركم به ومن بلغ » ، قال: من بلغه القرآن, فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به » ، يعني أهل مكة « ومن بلغ » ، يعني: ومن بلغه هذا القرآن، فهو له نذير.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت سفيان الثوري يحدّث, لا أعلمه إلا عن مجاهد: أنه قال في قوله: « وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به » ، العرب « ومن بلغ » ، العجم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « لأنذركم به ومن بلغ » ، أما « من بلغ » ، فمن بلغه القرآن فهو له نذير.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: « وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ » ، قال يقول: من بلغه القرآن فأنا نذيره. وقرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ سورة الأعراف: 158 ] . قال: فمن بلغه القرآن, فرسول الله صلى الله عليه وسلم نذيره .

قال أبو جعفر: فمعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم.

ف « من » في موضع نصب بوقوع « أنذر » عليه, « وبلغ » في صلته, وأسقطت « الهاء » العائدة على « من » في قوله: « بلغ » ، لاستعمال العرب ذلك في صلات « مَن » و « ما » و « الذي » .

 

القول في تأويل قوله : أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 19 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوَّتك, العادلين بالله، ربًّا غيره: « أئنكم » ، أيها المشركون « لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى » , يقول: تشهدون أنّ معه معبودات غيره من الأوثانَ والأصنام.

وقال: « أُخْرَى » ، ولم يقل « أخَر » ، و « الآلهة » جمع, لأن الجموع يلحقها، التأنيث, كما قال تعالى : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى [ سورة طه: 51 ] ، ولم يقل: « الأوَل » ولا « الأوَّلين » .

ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قل » ، يا محمد « لا أشهد » ، بما تشهدون: أن مع الله آلهة أخرى, بل أجحد ذلك وأنكره « قل إنما هو إله واحد » ، يقول: إنما هو معبود واحد, لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة « وإنني بريء مما تشركون » ، يقول: قل: وإنني بريء من كلّ شريك تدعونه لله، وتضيفونه إلى شركته، وتعبدونه معه, لا أعبد سوى الله شيئًا، ولا أدعو غيره إلهًا.

وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم من اليهود بأعيانهم، من وجه لم تثبت صحته، وذلك ما:-

حدثنا به هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال، جاء النحَّام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحريّ بن عمير فقالوا: يا محمد، ما تعلم مع الله إلهًا غيرَه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله، بذلك بعثت, وإلى ذلك أدعو! فأنـزل الله تعالى فيهم وفي قولهم: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إلى قوله: لا يُؤْمِنُونَ .

 

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين « آتيناهم الكتاب » ، التوراة والإنجيل يعرفون أنما هو إله واحد ، لا جماعة الآلهة, وأن محمدًا نبيُّ مبعوث « كما يعرفون أبناءهم » .

وقوله: « الذين خسروا أنفسهم » ، من نعت « الذين » الأولى.

ويعنى بقوله: « خسروا أنفسهم » ، أهلكوها وألقوها في نار جهنم، بإنكارهم محمدًا أنه لله رسول مرسل, وهم بحقيقة ذلك عارفون « فهم لا يؤمنون » ، يقول: فهم بخسارتهم بذلك أنفسهم لا يؤمنون.

وقد قيل: إنّ معنى « خسارتهم أنفسهم » ، أن كل عبد له منـزل في الجنة ومنـزل في النار. فإذا كان يوم القيامة، جعل الله لأهل الجنة منازلَ أهل النار في الجنة, وجعل لأهل النار منازلَ أهل الجنة في النار, فذلك خسران الخاسرين منهم، لبيعهم منازلهم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار, بما فرط منهم في الدنيا من معصيتهم الله، وظلمهم أنفسهم, وذلك معنى قول الله تعالى ذكره: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، [ سورة المؤمنون: 11 ] .

وبنحو ما قلنا في معنى قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله : « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » ، يعرفون أنّ الإسلام دين الله, وأن محمدًا رسول الله, يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » ، النصارى واليهود , يعرفون رسول الله في كتابهم, كما يعرفون أبناءهم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » ، [ يعني: النبي صلى الله عليه وسلم: « كما يعرفون أبناءهم » ، لأن نَعْته معهم في التوراة ] .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: « الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم » ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم . قال: زعم أهل المدينة عن أهل الكتاب ممن أسلم, أنهم قالوا: والله لنحن أعرف به من أبنائنا، من أجل الصفة والنعت الذي نجده في الكتاب، وأما أبناؤنا فلا ندري ما أحدثَ النساء !

 

القول في تأويل قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 21 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أشدُّ اعتداءً، وأخطأ فعلا وأخطأ قولا « ممن افترى على الله كذبًا » , يعني: ممن اختلق على الله قيلَ باطل, واخترق من نفسه عليه كذبًا, فزعم أن له شريكًا من خلقه، وإلهًا يعبد من دونه - كما قاله المشركون من عبدة الأوثان - أو ادعى له ولدًا أو صاحبةً، كما قالته النصارى « أو كذب بآياته » ، يقول: أو كذب بحججه وأعلامه وأدلته التي أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم، كذّبت بها اليهود « إنه لا يفلح الظالمون » ، يقول: إنه لا يفلح القائلون على الله الباطل, ولا يدركون البقاءَ في الجنان, والمفترون عليه الكذب، والجاحدون بنبوة أنبيائه.

 

القول في تأويل قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المفترين على الله كذبًا، والمكذبين بآياته, لا يفلحون اليومَ في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعًا- يعني: ولا في الآخرة.

ففي الكلام محذوف قد استغني بذكر ما ظَهر عما حذف.

وتأويل الكلام: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا، « ويوم نحشرهم جميعًا » ، فقوله: « ويوم نحشرهم » , مردود على المراد في الكلام. لأنه وإن كان محذوفًا منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه « ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم » ، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب، بادِّعائهم له في سلطانه شريكًا، والمكذِّبين بآياته ورسله, فجمعنا جميعهم يوم القيامة « أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون » ، أنهم لكم آلهة من دون الله, افتراء وكذبًا, وتدعونهم من دونه أربابًا؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !

 

القول في تأويل قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: « أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون » ؟ إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم, « إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين » ، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.

ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ ) بالتاء، بالنصب, بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم « والله ربنا ما كنا مشركين » غير أنهم يقرءون « تكن » بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر. وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك, وهو قوله:

فَمَضَــى وَقَدَّمَهَـا , وكـانت عـادةً مِنْــهُ إذا هــيَ عَــرَّدَتْ إقْدَامُهَـا

فقال: « وكانت » بتأنيث « الإقدام » ، لمجاورته قوله: « عادة » .

وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: ( ثُمَّ لَمْ يَكُنْ ) بالياء، ( فِتْنَتَهُمْ ) بالنصب، ( إلا أَنْ قَالُوا ) ، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.

غير أنهم ذكَّروا « يكون » لتذكير « أن » .

قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب, لأن « أنْ » أثبت في المعرفة من « الفتنة » .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « ثم لم تكن فتنتهم » .

فقال بعضهم : معناه: ثم لم يكن قولهم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة في قوله: « ثم لم تكن فتنتهم » ، قال: مقالتهم قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: « ثم لم تكن فتنتهم » ، قال: قولهم .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبى, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا » ، الآية, فهو كلامهم « قالوا والله ربنا ما كنا مشركين » .

حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك: « ثم لم تكن فتنتهم » ، يعني: كلامهم .

وقال آخرون: معنى ذلك: معذرتهم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة: « ثم لم تكن فتنتهم » ، قال: معذرتهم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين » ، يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله « إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين » ، فوضعت « الفتنة » موضع « القول » ، لمعرفة السامعين معنى الكلام. وإنما « الفتنة » ، الاختبار والابتلاء ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار, وضعت « الفتنة » التي هي الاختبار، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم .

واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله: « إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين » .

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللَّهِ رَبِّنَا ، خفضًا، على أن « الرب » نعت لله .

وقرأ ذلك جماعة من التابعين: ( وَاللهِ رَبَّنَا ) ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا. وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: ( وَاللهِ رَبَّنَا ) ، بنصب « الرب » , بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم: « أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون » ؟ وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا. يقول الله تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ .

ويعني بقوله : « ما كنا مشركين » ، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك.

 

القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر، يا محمد، فاعلم، كيف كذَب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثانَ والأصنامَ، في الآخرة عند لقاء الله على أنفسهم بقيلهم: « والله يا ربنا ما كنا مشركين » , واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها يتخلّقون في الدنيا، من الكذب والفرية .

ومعنى « النظر » في هذا الموضع، النظر بالقلب، لا النظر بالبصر. وإنما معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة .

وقال: « كذبوا » , ومعناه: يكذبون, لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها، صار كالشيء الذي قد كانَ ووُجد .

« وضل عنهم ما كانوا يفترون » ، يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها, فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت, [ وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء ] , ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله، وعبادتهم إياها، وإشراكهم إياها في سلطان الله, فضلت عنهم, وعوقب عابدُوها بفريتهم.

وقد بينا فيما مضى أن معنى « الضلال » ، الأخذ على غير الهدى.

وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة الله يومئذ.

ذكر الرواية بذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو, عن مطرّف, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: سمعت الله يقول: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , وقال في آية أخرى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، [ سورة النساء: 42 ] ؟ قال ابن عباس: أما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام: قالوا: « تعالوا نجحد » ، فقالوا: « وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ » ، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم، « وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: قول أهل الشرك، حين رأوا الذنوب تغفر, ولا يغفر الله لمشرك « انظر كيف كذبوا على أنفسهم » ، بتكذيب الله إياهم .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، ثم قال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، [ سورة النساء: 42 ] ، بجوارحهم .

حدثنا ابن وكيع, قال ، حدثنا أبي, عن حمزة الزيات, عن رجل يقال له هشام, عن سعيد بن جبير: « ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين » ، قال : حلفوا واعتذروا, قالوا: « والله ربنا » .

حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان, عن سعيد بن جبير قال، أقسموا واعتذروا: « والله ربنا » .

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن حمزة الزيات, عن رجل يقال له هشام, عن سعيد بن جبير، بنحوه .

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن سفيان بن زياد العُصْفري, عن سعيد بن جبير في قوله: « والله ربنا ما كنا مشركين » والله : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد, قال من فيها من المشركين: « تعالوا نقول: لا إله إلا الله, لعلنا نخرج مع هؤلاء » . قال: فلم يصدَّقوا . قال: فحلفوا: « والله ربنا ما كنا مشركين » . قال: فقال الله: « انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وضل عنهم ما كانوا يفترون » أي: يشركون.

حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المنهال بن عمرو, عن سعيد عن جبير, عن ابن عباس في قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم, قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: « والله ربنا ما كنا مشركين » . فسئلوا, فقالوا ذلك, فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم, فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك: « لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا » .

حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا مسلم بن خلف, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة، لما رأوا أهلُ الشرك أهلَ التوحيد يغفر لهم فيقولون: « والله ربنا ما كنا مشركين » ، قال: « انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون » .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز, قال حدثنا سفيان عن رجل, عن سعيد بن جبير: أنه كان يقول: « والله ربِّنا ما كنا مشركين » ، يخفضها. قال : أقسموا واعتذروا قال الحارث قال، عبد العزيز, قال سفيان مرة أخرى: حدثني هشام, عن سعيد بن جبير .

 

القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ من قومك، يا محمد « من يستمع إليك » , يقول: من يستمع القرآن منك, ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه, ولا يفقه ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه, ولا يتدبره، ولا يصغي له سمعه، ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنـزيله الذي أنـزله عليك, إنما يسمع صوتك وقراءَتك وكلامك, ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه « أكنّة » .

وهي جمع « كنان » ، وهو الغطاء، مثل: « سِنان » ، « وأسنة » . يقال منه: « أكننت الشيءَ في نفسي » ، بالألف, « وكننت الشيء » ، إذا غطيته, ومن ذلك: بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، [ سورة الصافات: 49 ] ، وهو الغطاء, ومنه قول الشاعر:

تَحْــــتَ عَيْــــنٍ, كِنَانُنَـــا ظِــــلُّ بُــــرْدٍ مُرَحَّــــلُ

يعني: غطاؤُهم الذي يكنُهم.

« وفي آذانهم وقرًا » ، يقول تعالى ذكره: وجعل في آذانهم ثِقلا وصممًا عن فهم ما تتلو عليهم، والإصغاء لما تدعوهم إليه.

والعرب تفتح « الواو » من « الوَقْر » في الأذن، وهو الثقل فيها وتكسرها في الحمل فتقول: « هو وِقْرُ الدابة » . ويقال من الحمل: « أوقرْتُ الدَّابة فهي مُوقَرة » ومن السمع: « وَقَرْتُ سمعه فهو موقور » , ومنه قول الشاعر:

وَلِي هَامَةٌ قَدْ وَقَّر الضَّرْبُ سَمْعَهَا

وقد ذكر سماعًا منهم: « وُقِرَتْ أذنه » ، إذا ثقلت « فهي موقورة » « وأوقرتِ النخلةُ، فهي مُوقِر » كما قيل: « امرأة طامث، وحائض » , لأنه لا حظّ فيه للمذكر. فإذا أريد أن الله أوقرها، قيل « مُوقَرةٌ » .

وقال تعالى ذكره: « وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه » ، بمعنى: أن لا يفقهوه, كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [ سورة النساء: 176 ] ، بمعنى: أن لا تضلوا, لأن « الكنّ » إنما جعل على القلب، لئلا يفقهه، لا ليفقهه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا » ، قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا, كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدري ما يُقَال لها.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: « وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا » ، أما « أكنة » ، فالغطاءُ أكنّ قلوبهم، لا يفقهون الحق « وفي آذانهم وقرًا » ، قال: صمم .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « ومنهم من يستمع إليك » ، قال: قريش .

حدثني المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

 

القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( 25 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام, الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك « كل آية » ، يقول: كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجَا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك « لا يؤمنوا بها » ، يقول: لا يصدّقون بها، ولا يقرّون بأنها دالّة على ما هي عليه دالة « حتى إذا جاءوك يجادلونك » ، يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به « يجادلونك » , يقول: يخاصمونك « يقول الذين كفروا » ، يعنى بذلك: الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها, يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم « إن هذا إلا أساطير الأوّلين » ، أي: ما هذا إلا أساطير الأوّلين.

و « الأساطير » جمع « إسْطارة » و « أُسطُورة » مثل « أفكوهة » و « أضحوكة » وجائز أن يكون الواحد « أسطارًا » مثل « أبيات » ، و « أبابيت » ، و « أقوال وأقاويل » , من قول الله تعالى ذكره: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ، [ سورة الطور: 2 ] . من: « سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرا » .

فإذ كان من هذا: فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأوَّلون.

وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأوّلونه بهذا التأويل, ويقولون: معناه: إنْ هذا إلا أحاديث الأوّلين .

حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, أمّا « أساطير الأوّلين » ، فأسَاجيع الأولين.

وكان بعض أهل العلم وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى بكلام العرب يقول: « الإسطارةُ » لغةٌ، ومجازُها مجازُ الترهات.

وكان الأخفش يقول: قال بعضهم : واحده « أسطورة » . وقال بعضهم: « إسطارة » . قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد, نحو « العباديد » و « المَذَاكير » ، و « الأبابيل » . قال : وقال بعضهم: واحد « الأبابيل » ، « إبِّيل » ، وقال بعضهم: « إبَّوْل » مثل « عِجَّوْل » , ولم أجد العرب تعرف له واحدًا, وإنما هو مثل « عباديد » لا واحد لها. وأما « الشَّماطيط » ، فإنهم يزعمون أن واحده « شمطاط » . قال: وكل هذه لها واحد, إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به, لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعًا. قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول: « أرسل خيله أبابيل » , تريد جماعات, فلا تتكلم بها بواحدة. وكانت مجادلتهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في هذه الآية، فيما ذُكِر, ما:-

حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « حتى إذا جاءوك يجادلونك » الآية، قال: هم المشركون، يجادلون المسلمين في الذَّبيحة, يقولون: « أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون, وأما ما قتل الله فلا تأكلون! وأنتم تتَّبعون أمرَ الله تعالى ذكره » !

 

القول في تأويل قوله : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( 26 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » .

فقال بعضهم: معناه: هؤلاء المشركون المكذبون بآيات الله, ينهونَ الناس عن اتباع محمّد صلى الله عليه وسلم والقبول منه « وينأَوْن عنه » ، يتباعدون عنه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث وهانئ بن سعيد، عن حجاج, عن سالم, عن ابن الحنفية: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قال: يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجيبونه, وينهون الناس عنه.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، يعني : ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به « وينأون عنه » ، يعني : يتباعدون عنه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، أن يُتَّبع محمد، ويتباعدون هم منه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، يقول: لا يلقونَه, ولا يَدَعُون أحدًا يأتيه.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول في قوله: « وهم ينهون عنه » ، يقول: عن محمد صلى الله عليه وسلم .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، جمَعُوا النهي والنأي. و « النأي » ، التباعد. وقال بعضهم: بل معناه: « وهم ينهون عنه » عن القرآن، أن يسمع له ويُعمَل بما فيه.

ذكر من قال ذلك :

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وهم ينهون عنه » ، قال: ينهون عن القرآن, وعن النبي صلى الله عليه وسلم « وينأون عنه » ، ويتباعدون عنه.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: « وهم ينهون عنه » ، قال: قريش، عن الذكر « وينأون عنه » ، يقول: يتباعدون .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قريش، عن الذكر. « ينأون عنه » ، يتباعدون.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قال: ينهون عن القرآن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم, ويتباعدون عنه.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ينأون عنه » ، قال: « وينأون عنه » ، يباعدونه.

وقال آخرون: معنى ذلك: وهم ينهون عن أذى محمد صلى الله عليه وسلم « وينأون عنه » ، يتباعدون عن دينه واتّباعه .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع وقبيصة وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عمن سمع ابن عباس يقول: نـزلت في أبي طالب, كان ينهى عن محمد أن يُؤذَى، وينأى عما جاء به أن يؤمن به .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قال: نـزلت في أبي طالب، ينهى عنه أن يؤذى، وينأى عما جاء به.

حدثنا الحسن بن يحيى, قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عمن سمع ابن عباس: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قال: نـزلت في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذُوا محمدًا, وينأى عمّا جاء به.

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن القاسم بن مخيمرة قال: كان أبو طالب ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصدِّقه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ومحمد بن بشر, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن القاسم بن مخيمرة في قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قال: نـزلت في أبي طالب قال ابن وكيع، قال ابن بشر: كان أبو طالب ينهي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذَى ولا يصدّق به.

حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير, عن أبي محمد الأسدي, عن حبيب بن أبي ثابت قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قول الله تعالى ذكره: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، نـزلت في أبي طالب، كان ينهى عن أذى محمد, وينأى عما جاء به أن يتّبعه.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن القاسم بن مخيمرة في قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، قال: نـزلت في أبي طالب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن عبد العزيز بن سياه, عن حبيب قال: ذاك أبو طالب, في قوله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » .

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني سعيد بن أبي أيوب قال، قال عطاء بن دينار في قول الله: « وهم ينهون عنه وينأون عنه » ، أنها نـزلت في أبي طالب, أنه كان ينهى الناسَ عن إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأى عما جاء به من الهدى.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية, قولُ من قال: تأويلُه: « وهم ينهون عنه » ، عن إتباع محمد صلى الله عليه وسلم مَنْ سواهم من الناس, وينأون عن اتباعه.

وذلك أن الآيات قبلَها جرت بذكر جماعة المشركين العادِلين به, والخبرِ عن تكذيبهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، والإعراض عما جاءهم به من تنـزيل الله ووحيه, فالواجب أن يكون قوله: « وهم ينهون عنه » ، خبرًا عنهم, إذ لم يأتنا ما يدُلُّ على انصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. بل ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدلّ على صحة ما قلنا، من أن ذلك خبر عن جماعة مشركي قوم رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يكون خبرًا عن خاصٍّ منهم .

وإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الآية: وإن يرَ هؤلاء المشركون، يا محمد، كلَّ آية لا يؤمنوا بها, حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون: « إن هذا الذي جئتنا به إلا أحاديث الأوَّلين وأخبارهم » ! وهم ينهون عن استماع التنـزيل، وينأون عنك فيبعدون منك ومن اتباعك « وإن يهلكون إلا أنفسهم » ، يقول: وما يهلكونَ بصدّهم عن سبيل الله، وإعراضهم عن تنـزيله، وكفرهم بربهم - إلا أنفسهم لا غيرها, وذلك أنهم يكسِبُونها بفعلهم ذلك، سخط الله وأليم عقابه، وما لا قِبَل لها به « وما يشعرون » ، يقول: وما يدرون ما هُمْ مكسبوها من الهلاك والعطب بفعلهم.

والعرب تقول لكل من بعد عن شيء: « قد نأى عنه, فهو ينأى نَأْيًا » . ومسموع منهم: « نأيتُكَ » ، بمعنى: « نأيت عنك » . وأما إذا أرادوا: أبعدتُك عني, قالوا: « أنأيتك » . ومن « نأيتك » بمعنى: نأيتُ عنك، قول الحطيئة:

نَــــأَتْكَ أُمَامَـــةُ إلا سُـــؤَالا وَأَبْصَــرْتَ مِنْهَــا بِطَيْـفٍ خَيَـالا

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: « ولو ترى » ، يا محمد، هؤلاء العادلين بربهم الأصنامَ والأوثانَ، الجاحدين نبوّتك، الذين وصفت لك صفتهم « إذ وُقفوا » ، يقول: إذ حُبِسوا « على النار » ، يعني: في النار- فوضعت « على » موضع « في » كما قال: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [ سورة البقرة: 102 ] ، بمعنى في ملك سليمان.

وقيل: « ولو ترى إذ وقفوا » ، ومعناه: إذا وقفوا لما وصفنا قبلُ فيما مضى: أن العرب قد تضع « إذ » مكان « إذا » , و « إذا » مكان « إذ » , وإن كان حظّ « إذ » أن تصاحب من الأخبار ما قد وُجد فقضي, وحظ « إذا » أن تصاحب من الأخبار ما لم يوجد, ولكن ذلك كما قال الراجز، وهو أبو النجم:

مَــدَّ لَنَــا فِـي عُمْـرِهِ رَبُّ طَهَـا ثُــمَّ جَــزَاهُ اللـهُ عَنَّـا إذْ جَـزَى

جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي العَلالِيِّ العُلَى

فقال: « ثم جزاه الله عنا إذ جزى » فوضع، « إذ » مكان « إذا » .

وقيل: « وقفوا » ، ولم يُقَل: « أُوقِفوا » , لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب. يقال: « وقَفتُ الدابة وغيرها » ، بغير ألف، إذا حبستها. وكذلك: « وقفت الأرضَ » ، إذا جعلتها صدقةً حَبيسًا, بغير ألف، وقد:-

حدثني الحارث, عن أبي عبيد قال: أخبرني اليزيديّ والأصمعي، كلاهما, عن أبي عمرو قال: ما سمعت أحدًا من العرب يقول: « أوقفت الشيء » بالألف. قال: إلا أني لو رأيت رجلا بمكانٍ فقلت: « ما أوقفك ها هنا؟ » ، بالألف، لرأيته حسنًا.

« فقالوا يا ليتنا نردّ » ، يقول: فقال هؤلاء المشركون بربهم، إذ حُبسوا في النار: « يا ليتنا نردّ » ، إلى الدنيا حتى نتوب ونراجعَ طاعة الله « ولا نكذب بآيات ربنا » ، يقول: ولا نكذّب بحجج ربنا ولا نجحدها « ونكون من المؤمنين » ، يقول: ونكون من المصدّقين بالله وحججه ورسله, متَّبعي أمره ونهيه.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والعراقيين: ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، بمعنى: يا ليتنا نردُّ, ولسنا نكذب بآيات ربنا، ولكنّا نكون من المؤمنين.

وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة : يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بمعنى: يا ليتنا نرد, وأن لا نكذب بآيات ربنا، ونكونَ من المؤمنين. وتأوَّلوا في ذلك شيئًا:-

حدثنيه أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج, عن هارون قال: في حرف ابن مسعود: ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ ) بالفاء .

وذكر عن بعض قرأة أهل الشام، أنه قرأ ذلك: ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ ) بالرفع ( وَنَكُونَ ) بالنصب، كأنه وجَّه تأويله إلى أنهم تمنوا الردَّ، وأن يكونوا من المؤمنين, وأخبروا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إن رُدُّوا إلى الدنيا .

واختلف أهل العربية في معنى ذلك منصوبًا ومرفوعًا.

فقال بعض نحويي البصرة: « ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين » ، نصبٌ، لأنه جواب للتمني, وما بعد « الواو » كما بعد « الفاء » . قال: وإن شئت رفعتَ وجعلته على غير التمني, كأنهم قالوا: ولا نكذِّبُ والله بآيات ربنا, ونكونُ والله من المؤمنين. هذا، إذا كان على ذا الوجه، كان منقطعًا من الأوّل. قال: والرفع وجهُ الكلام , لأنه إذا نصب جعلها « واوَ » عطف. فإذا جعلها « واو » عطف, فكأنهم قد تمنوا أن لا يكذِّبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. قال: وهذا، والله أعلم، لا يكون, لأنهم لم يتمنوا هذا, إنما تمنوا الردّ , وأخبروا أنهم لا يكذبون، ويكونون من المؤمنين.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو نصب « نكذب » و « نكون » على الجواب بالواو، لكان صوابًا. قال: والعرب تجيب ب « الواو » ، و « ثم » , كما تجيب بالفاء. يقولون: « ليت لي مالا فأعطيَك » , « وليت لي مالا وأُعْطيَك » ، « وثم أعطيَك » . قال: وقد تكون نصبًا على الصَّرف, كقولك: « لا يَسَعُنِي شيء ويعجِزَ عَنك. »

وقال آخر منهم: لا أحبُّ النصب في هذا, لأنه ليس بتمنٍّ منهم, إنما هو خبرٌ، أخبروا به عن أنفسهم. ألا ترى أن الله تعالى ذكره قد كذَّبهم فقال: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ؟ وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمنِّي.

وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب « بالواو » , وبحرف غير « الفاء » . وكان يقول: إنما « الواو » موضع حال, لا يسعني شيء ويضيقَ عنك « ، أي: وهو يضيق عنك. قال: وكذلك الصَّرف في جميع العربية. قال: وأما « الفاء » فجواب جزاء: » ما قمت فنأتيَك « ، أي: لو قمت لأتينَاك. قال: فهذا حكم الصرف و « الفاء » . قال: وأمّا قوله: » ولا نكذب « ، و » نكون « فإنما جاز, لأنهم قالوا: » يا ليتنا نرد « ، في غير الحال التي وقفنا فيها على النار. فكان وقفهم في تلك, فتمنَّوا أن لا يكونوا وُقِفُوا في تلك الحال. »

قال أبو جعفر: وكأنّ معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا: ولو ترى إذ وقفوا على النار, فقالوا: قد وقفنا عليها مكذِّبين بآيات ربِّنا كفارًا, فيا ليتنا نردّ إليها فنُوقَف عليها غير مكذبين بآيات ربِّنا ولا كفارًا.

وهذا تأويلٌ يدفعه ظاهر التنـزيل, وذلك قول الله تعالى ذكره: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ، فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة, والتكذيب لا يقع في التمني. ولكن صاحب هذه المقالة أظنُّ به أنَّه لم يتدبر التأويل، ولَزِم سَنَن العربيّة.

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك: ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) بالرفع في كليهما, بمعنى: يا ليتنا نردّ, ولسنا نكذب بآيات ربِّنا إن رددنا, ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردُّوا إلى الدنيا, لا على التمنّي منهم أن لا يكذِّبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين. لأن الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردُّوا لعادوا لما نهوا عنه, وأنهم كذبة في قيلهم ذلك. ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني، لاستحال تكذيبهم فيه, لأن التمني لا يكذَّب, وإنما يكون التصديقُ والتكذيبُ في الأخبار.

وأما النصب في ذلك, فإني أظنّ بقارئه أنه توخَّى تأويل قراءة عبد الله التي ذكرناها عنه, وذلك قراءته ذلك: ( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، على وجه جواب التمني بالفاء. وهو إذا قرئ بالفاء كذلك، لا شك في صحة إعرابه. ومعناه في ذلك: أن تأويله إذا قرئ كذلك: لو أنّا رددنا إلى الدنيا ما كذَّبنا بآيات ربِّنا, ولكُنَّا من المؤمنين. فإن يكن الذي حَكَى من حكى عن العرب من السماع منهم الجوابَ بالواو، و « ثم » كهيئة الجواب بالفاء، صحيحًا, فلا شك في صحّة قراءة من قرأ ذلك: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ نصبًا على جواب التمني بالواو, على تأويل قراءة عبد الله ذلك بالفاء. وإلا فإن القراءة بذلك بعيدةُ المعنى من تأويل التنـزيل. ولستُ أعلم سماعَ ذلك من العرب صحيحًا, بل المعروف من كلامها: الجوابُ بالفاء، والصرفُ بالواو.

 

القول في تأويل قوله : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( 28 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء العادلين بربهم، الجاحدين نبوتك، يا محمد، في قيلهم إذا وقفوا على النار: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الأسَى والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك، لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم, فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد, ففضحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم .

يقول: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها « من قبل ذلك في الدنيا, فظهرت » وَلَوْ رُدُّوا « ، يقول: ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا » لعادوا لما نهوا عنه « ، يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم » وإنهم لكاذبون « ، في قيلهم: » لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين « , لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله. »

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل » ، يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة، التي أخفوها في الدنيا .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل » ، قال: من أعمالهم .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه » ، يقول: ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم, لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء.

 

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 )

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين، العادلين به الأوثان والأصنام، الذين ابتدأ هذه السورة بالخبرعنهم.

يقول تعالى ذكره: « وقالوا إنْ هي إلا حياتنا الدنيا » ، يخبر عنهم أنهم ينكرون أنّ الله يُحيي خلقه بعد أن يُميتهم, ويقولون: « لا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور بعد الفناء » . فهم بجحودهم ذلك، وإنكارهم ثوابَ الله وعقابَه في الدار الآخرة, لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية، لأنهم لا يرجون ثوابًا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعملٍ صالح بعد موت, ولا يخافون عقابًا على كفرهم بالله ورسوله وسيّئٍ من عمل يعملونه.

وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار: أنهم لو ردُّوا إلى الدنيا لقالوا: « ما هي إلا حياتُنا الدنيا وما نحن بمبعوثين » .

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، وقالوا حين يردون: « إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين » .

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: « لو ترى » ، يا محمد، هؤلاء القائلين: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين « إذ وقفوا » ، يوم القيامة، أي: حبسوا, « على ربهم » ، يعني على حكم الله وقضائه فيهم « قال أليس هذا بالحق » ، يقول: فقيل لهم: أليس هذا البعثُ والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونَه في الدنيا، حقًّا ؟ فأجابوا، فقالوا: « بَلَى » والله إنه لحقّ « قال فَذُوقُوا الْعَذَابَ » ، يقول: فقال الله تعالى ذكره لهم: فذوقوا العذاب الذي كنتم به في الدنيا تكذبون « بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » ، يقول: بتكذيبكم به وجحودكموه الذي كان منكم في الدنيا .

 

القول في تأويل قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله » ، قد هلك ووُكس، في بيعهم الإيمان بالكفر « الذين كذبوا بلقاء الله » , يعني: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنةَ والنارَ, من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك « حتى إذا جاءَتهم الساعة » ، يقول: حتى إذا جاءتهم السَّاعة التي يَبْعث الله فيها الموتى من قبورهم.

وإنما أدخلت « الألف واللام » في « الساعة » , لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها, وأنها مقصود بها قصدُ الساعة التي وصفت.

ويعني بقوله: « بغتة » ، فجأةً، من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إيّاه.

يقال منه: « بغتُّه أبغته بَغْتةً » ، إذا أخذته كذلك:

« قالوا يا حَسْرتَنا على ما فرّطنا فيها » ، يقول تعالى ذكره: وُكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة من النار, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا، وتبيَّنوا خسارة صفقة بَيْعهم التي سلفت منهم في الدنيا، تندُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْن الذي غبنوه أنفسهم، وجليلِ الخسران الذي لا خسرانَ أجلَّ منه « يا حسرتنا على ما فرطنا فيها » ، يقول: يا ندامتنا على ما ضيّعنا فيها، يعني: صفقتهم تلك.

و « الهاء والألف » في قوله: « فيها » ، من ذكر « الصفقة » , ولكن اكتفى بدلالة قوله: « قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله » عليها من ذكرها, إذ كان معلومًا أن « الخسران » لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت.

وإنما معنى الكلام: قد وُكس الذين كذبوا بلقاء الله, ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطه وعقوبته, ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ، تندمًا: « يا حسرتنا على ما فرطنا فيها » .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « يا حسرتنا على ما فرطنا فيها » ، أمّا « يا حسرتنا » ، فندامتنا « على ما فرطنا فيها » ، فضيعنا من عمل الجنة .

حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا يزيد بن مهران قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: « يا حسرتنا » ، قال: « يرى أهلُ النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا » .

 

القول في تأويل قوله : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( 31 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاء الله، « يحملون أوزارهم على ظهورهم » . وقوله: « وهم » من ذكرهم « يحملون أوزارهم » ، يقول: آثامهم وذنوبهم.

واحدها « وِزْر » , يقال منه: « وَزَر الرجل يزِر » ، إذا أثم, قال الله: « ألا ساء ما يزرون » . فإن أريد أنهم أُثِّموا، قيل: « قد وُزِر القوم فهم يُوزَرُون، وهم موزورون » .

قد زعم بعضهم أن « الوِزْر » الثقل والحمل. ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد، ولا من رواية ثِقة عن العرب.

وقال تعالى ذكره: « على ظهورهم » ، لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكِب وغير ذلك, فبيَّن موضع حملهم ما يحملون منْ ذلك.

وذكر أنّ حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم، نحو الذي:-

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلْمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبُه ريحًا, فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن صورتك ! فيقول: كذلك كنت في الدنيا, أنا عملك الصالح, طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم! وتلا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، [ سورة مريم: 85 ] . وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنُه ريحًا, فيقول، هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد قَبّح صورتك وأنتن ريحك ! فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا, أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك وتلا « وهم يحملون أوزارهم على ظُهورهم ألا ساء ما يزرون » .

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم » ، فإنه ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلا جاء رجل قبيح الوجه، أسودُ اللون، مُنتن الريح، عليه ثياب دَنِسة, حتى يدخل معه قبره, فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحًا! قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنًا! قال: ما أدْنس ثيابك! قال فيقول: إن عملك كان دنسًا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك! قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذَّات والشهوات, فأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخلَه النار، فذلك قوله: « يحملون أوزارهم على ظهورهم » .

وأما قوله تعالى ذكره: « ألا ساء ما يزرون » ، فإنه يعني: ألا ساء الوزر الذي يزرون - أي: الإثم الذي يأثمونه بربهم، كما:-

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ألا ساء ما يزرون » ، قال: ساء ما يعملون .

 

القول في تأويل قوله : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 32 )

قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من الله تعالى ذكره هؤلاء الكفارَ المنكرين البعثَ بعد الممات في قولهم: إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ , [ سورة الأنعام : 29 ] .

يقول تعالى ذكره، مكذبًا لهم في قبلهم ذلك: « ما الحياة الدنيا » ، أيها الناس « إلا لعب ولهو » ، يقول : ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقرّبت منكم في داركم هذه، ونعيمَها وسرورَها، فيها، والمتلذذُ بها، والمنافسُ عليها, إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذِ فيها بملاذّها, أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه, ثم يعقبه منه ندمًا، ويُورثه منه تَرحًا. يقول: لا تغتروا، أيها الناس، بها, فإن المغتر بها عمّا قليل يندم « وللدار الآخرة خير للذين يتقون » ، يقول: وللعمل بطاعته، والاستعدادُ للدار الآخرة بالصالح من الأعمال التي تَبقى منافعها لأهلها، ويدوم سرورُ أهلها فيها, خيرٌ من الدار التي تفنى وشيكًا، فلا يبقى لعمالها فيها سرور، ولا يدوم لهم فيها نعيم « للذين يتقون » ، يقول: للذين يخشون الله فيتقونه بطاعته واجتناب معاصيه، والمسارعة إلى رضاه « أفلا تعقلون » ، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذّبون بالبعث حقيقةَ ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهوٌ, وهم يرون من يُخْتَرم منهم، ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيءٍ سواه معه .

 

القول في تأويل قوله : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « قد نعلم » ، يا محمد، إنه ليحزنك الذي يقول المشركون, وذلك قولهم له: إنه كذّاب « فإنهم لا يكذبونك » .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك

[ فقرأته جماعة من أهل الكوفة: ( فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ ) بالتخفيف ] ، بمعنى: إنهم لا يُكْذِبونك فيما أتيتهم به من وحي الله, ولا يدفعون أن يكون ذلك صحيحًا، بل يعلمون صحته, ولكنهم يجحَدون حقيقته قولا فلا يؤمنون به.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يحكي عن العرب أنهم يقولون: « أكذبت الرجل » ، إذا أخبرت أنه جاءَ بالكذب ورواه. قال: ويقولون: « كذَّبْتُه » ، إذا أخبرت أنه كاذبٌ.

وقرأته جماعة من قرأة المدينة والعراقيين والكوفة والبصرة: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بمعنى: أنهم لا يكذّبونك علمًا, بل يعلمون أنك صادق ولكنهم يكذبونك قولا عنادًا وحسدًا .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة, ولكل واحدة منهما في الصحة مخرج مفهوم.

وذلك أن المشركين لا شكَّ أنه كان منهم قوم يكذبون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويدفعونه عما كان الله تعالى ذكره خصه به من النبوّة، فكان بعضهم يقول: « هو شاعر » , وبعضهم يقول: « هو كاهن » , وبعضهم يقول: « هو مجنون » ، وينفي جميعُهم أن يكون الذي أتَاهم به من وحي السماء، ومن تنـزيل رب العالمين، قولا. وكان بعضهم قد تبين أمرَه وعلم صحة نبوّته, وهو في ذلك يعاند ويجحد نبوّته حسدًا له وبغيًا.

فالقارئ: ( فَإنَّهُمْ لا يُكْذِبونَكَ ) بمعنى أن الذين كانوا يعرفون حقيقة نبوّتك وصدق قولك فيما تقول, يجحدونَ أن يكون ما تتلوه عليهم من تنـزيل الله ومن عند الله، قولا - وهم يعلمون أن ذلك من عند الله علمًا صحيحًا مصيبٌ، لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم من هذه صفته.

وفي قول الله تعالى في هذه السورة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ [ سورة الأنعام : 20 ] ، أوضح الدليل على أنه قد كان فيهم المعاند في جحود نبوّته صلى الله عليه وسلم, مع علمٍ منهم به وبصحة نبوّته.

وكذلك القارئ: ( فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ) بمعنى: أنهم لا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عنادًا، لا جهلا بنبوّته وصدق لَهْجته مصيب، لما ذكرنا من أنه قد كان فيهم مَنْ هذه صفته.

وقد ذَهب إلى كل واحد من هذين التأويلين جماعة من أهل التأويل .

* ذكر من قال: معنى ذلك: فإنهم لا يكذبونك ولكنهم يجحدون الحقّ على علم منهم بأنك نبيٌّ لله صادق .

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: « قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك » ، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزينٌ, فقال له: ما يُحزنك؟ فقال: كذَّبني هؤلاء! قال فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك، هم يعلمون أنك صادق, « ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن إسماعيل, عن أبي صالح قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين, فقال له: ما يحزنك؟ . فقال: كذَّبني هؤلاء! فقال له جبريل: إنهم لا يكذبونك, إنهم ليعلمون أنك صادق, « ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » ، قال: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط: عن السدي في قوله: « قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » ، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة, إن محمدًا ابن أختكم, فأنتم أحقُّ مَنْ كَفَّ عنه، فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوهُ اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته! قفوا ههنا حتى ألقى أبا الحكم فإن غُلب محمدٌ [ صلى الله عليه وسلم ] رجعتم سالمين, وإن غَلَب محمدٌ فإن قومكم لا يصنعون بكم شيئًا فيومئذ سمّي « الأخنس » , وكان اسمه « أبيّ » فالتقى الأخنس وأبو جهل, فخلا الأخنس بأبي جهل, فقال: يا أبا الحكم, أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: وَيْحك, والله إن محمدًا لصادق, وما كذب محمّد قط, ولكن إذا ذهب بنو قُصَيِّ باللواء والحجابة والسقاية والنبوة, فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: « فإنهم لا يكذّبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » ، « فآيات الله » ، محمدٌ صلى الله عليه وسلم .

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا قيس, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير: « فإنهم لا يكذبونك » ، قال: ليس يكذّبون محمدًا, ولكنهم بآيات الله يجحدون .

* ذكر من قال: ذلك بمعنى: فإنهم لا يكذّبونك، ولكنهم يكذِّبون ما جئت به.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن ناجية قال: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما نتهمك, ولكن نتَّهم الذي جئت به! فأنـزل الله تعالى ذكره: « فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن ناجية بن كعب: أنّ أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّا لا نكذبك, ولكن نكذب الذي جئت به! فأنـزل الله تعالى ذكره: « فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » .

وقال آخرون: معنى ذلك، فإنهم لا يبطلون ما جئتهم به .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: « فإنهم لا يكذبونك » ، قال: لا يبطلون ما في يديك .

وأما قوله: « ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون » ، فإنه يقول: ولكن المشركين بالله، بحجج الله وآي كتابه ورسولِه يجحدون, فينكرون صحَّة ذلك كله.

وكان السدي يقول: « الآيات » في هذا الموضع، معنيٌّ بها محمّد صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه قبلُ.

 

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 )

قال أبو جعفر: وهذا تسلية من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وتعزيةٌ له عما ناله من المساءة بتكذيب قومه إيّاه على ما جاءهم به من الحق من عند الله .

يقول تعالى ذكره: إن يكذبك، يا محمد، هؤلاء المشركون من قومك, فيجحدوا نبوّتك, وينكروا آيات الله أنّها من عنده, فلا يحزنك ذلك, واصبر على تكذيبهم إياك وما تلقى منهم من المكروه في ذات الله, حتى يأتي نصر الله, فقد كُذبت رسلٌ من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه, فصبروا على تكذيب قومهم إياهم، ولم يثنهم ذلك من المضيّ لأمر الله الذي أمرهم به من دعاء قومهم إليه, حتى حكم الله بينهم وبينهم « ولا مبدّل لكلمات الله » ، يقول: ولا مغيِّر لكلمات الله و « كلماته » تعالى ذكره: ما أنـزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، من وعده إياه النصر على من خَالفه وضادّه, والظفرَ على من تولّى عنه وأدبر « ولقد جاءك من نبإ المرسلين » ، يقول: ولقد جاءك يا محمد، من خبر من كان قبلك من الرسل، وخبر أممهم, وما صنعتُ بهم حين جحدوا آياتي وتمادَوا في غيهم وضلالهم أنباء وترك ذكر « أنباء » ، لدلالة « مِنْ » عليها.

يقول تعالى ذكره: فانتظر أنت أيضًا من النصرة والظفر مثل الذي كان منِّي فيمن كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم, واقتد بهم في صبرهم على ما لَقُوا من قومهم.

وبنحو ذلك تأوَّل من تأوَّل هذه الآية من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا » ، يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون, ويخبره أن الرسل قد كُذّبت قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين .

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: « ولقد كذبت رسل من قبلك » ، قال: يعزّي نبيَّه صلى الله عليه وسلم .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « ولقد كذبت رسل من قبلك » ، الآية، قال: يعزِّي نبيّه صلى الله عليه وسلم .

 

القول في تأويل قوله : وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن كان عظم عليك، يا محمد، إعراض هؤلاء المشركين عنك، وانصرافهم عن تصديقك فيما جئتهم به من الحق الذي بعثتُك به, فشقَّ ذلك عليك، ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم « فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض » ، يقول: فإن استطعت أن تتَّخذ سَرَبا في الأرض مثلَ نَافِقاء اليَرْبُوع, وهي أحد جِحَرِته فتذهب فيه « أو سُلمًا في السماء » ، يقول: أو مصعدًا تصعد فيه، كالدَّرَج وما أشبهها, كما قال الشاعر:

لا تُحْـرِزُ الْمَـرْءُ أَحْجَـاءُ البِلادِ, وَلا يُبْنَـى لَـهُ فِـي السَّـمَاوَاتِ السَّـلالِيم

« فتأتيهم بآية » ، منها يعني بعلامةٍ وبرهان على صحة قولك، غير الذي أتيتك فافعل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك: قال بعض أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء » ، و « النفق » السَّرب, فتذهب فيه « فتأتيهم بآية » , أو تجعل لك سلَّمًا في السماء, فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض » ، قال: سَرَبًا « أو سلمًا في السماء » ، قال: يعني الدَّرَج .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء » ، أما « النفق » فالسرب, وأما « السلم » فالمصعد.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: « نفقًا في الأرض » ، قال: سربًا .

وتُرِك جواب الجزاء فلم يذكر، لدلالة الكلام عليه، ومعرفة السامعين بمعناه. وقد تفعل العرب ذلك فيما كان يُفهم معناه عند المخاطبين به, فيقول الرجل منهم للرجل: « إن استطعت أن تنهض معنا في حاجتنا، إن قدرت على مَعُونتنا » , ويحذف الجواب, وهو يريد: إن قدرت على معونتنا فافعل. فأما إذا لم يعرف المخاطب والسامع معنى الكلام إلا بإظهار الجواب، لم يحذفوه. لا يقال: « إن تقم » , فتسكت وتحذف الجواب، لأن المقول ذلك له لا يعرف جوابه إلا بإظهاره, حتى يقال: « إن تقم تصب خيرًا » , أو: « إن تقم فحسن » , وما أشبه ذلك. ونظيرُ ما في الآية مما حذف جَوَابه وهو مراد، لفهم المخاطب لمعنى الكلام قول الشاعر:

فَبِحَـــظٍّ مِمَّـــا نَعِيشُ, وَلا تَــذْ هَـبْ بِـكِ التُّرَّهَـاتُ فِـي الأهْـوَالِ

والمعنى: فبحظٍّ مما نعيش فعيشي.

 

القول في تأويل قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 35 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك, لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدِّين، وصوابٍ من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة, لجمعتهم على ذلك, ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأنّي القادرُ على ذلك بلطفي, ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم، من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم « فلا تكونن » ، يا محمد، « من الجاهلين » ، يقول: فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجَمع على الهدى جميع خلقه بلطفه, وأنَّ من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ من الكافرين به اختيارًا لا إضطرارًا, فإنك إذا علمت صحة ذلك، لم يكبر عليك إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق، وتكذيبُ من كذَّبك منهم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.

قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، الدلالةُ الواضحة على خطإ ما قال أهل التَّفْويض من القدريّة، المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاءَ توفيقه من خلقه, يلطفُ بها له حتى يهتدِيَ للحقّ, فينقاد له، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله. وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية لجميع من كفر به، حتى يجتمعوا على الهدى، فعلَ. ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم، كانوا مهتدين لا ضلالا. وهم لو كانوا مهتدين، كان لا شك أنّ كونهم مهتدين كان خيرًا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى، تركٌ منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه، مما هو قادر على فعله بهم، وقد ترك فعله بهم. وفي تركه فعل ذلك بهم، أوضحُ الدليل أنه لم يعطهم كل الأسباب التي بها يصلون إلى الهداية، ويتسبّبون بها إلى الإيمان.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يكبُرنّ عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربّهم والإقرار بنبوّتك, فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهَّل لهم اتباع الرُّشد, دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها, فهم كما وصفهم به الله تعالى ذكره: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ سورة البقرة: 171 ] « والموتى يبعثهم الله » ، يقول: والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى, فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا إذ كانوا لا يتدبرون حُجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون فينـزجرون عما هم عليه من تكذيب رُسل الله وخلافهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « إنما يستجيب الذين يسمعون » ، المؤمنون، للذكر « والموتى » ، الكفار, حين يبعثهم الله مع الموتى.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إنما يستجيب الذين يسمعون » ، قال: هذا مَثَل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذَّبوا بآياتنا صم وبكم, وهذا مثل الكافر أصم أبكم, لا يبصر هدًى ولا ينتفع به.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن سفيان الثوري, عن محمد بن جحادة, عن الحسن: « إنما يستجيب الذين يسمعون » ، المؤمنون « والموتى » ، قال: الكفار.

حدثني ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن محمد بن جحادة قال: سمعت الحسن يقول في قوله: « إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله » ، قال: الكفار.

وأما قوله: « ثم إليه يرجعون » ، فإنه يقول تعالى ذكره: ثم إلى الله يرجع المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول, والكفارُ الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئًا, فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب, ويعاقب هذا الكافرَ بما أوعدَ أهل الكفر به من العقاب, لا يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة.

 

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم، المعرضون عن آياته: « لولا نزل عليه آية من ربه » ، يقول: قالوا: هلا نـزل على محمد آية من ربه؟ كما قال الشاعر:

تَعُـدُّونَ عَقْـرَ النِّيـبِ أَفْضَـل مَجْدِكُمْ بَنِـي ضَوْطَـرَي, لَـولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا

بمعنى: هلا الكميَّ.

و « الآية » ، العلامة.

وذلك أنهم قالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْـزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [ سورة الفرقان : 7،8 ] . قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لقائلي هذه المقالة لك: « إنّ الله قادر على أن ينزل آية » , يعني: حجة على ما يريدون ويسألون « ولكن أكثرهم لا يعلمون » ، يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية, لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نـزلها من البلاء, ولا يدرون ما وجه ترك إنـزال ذلك عليك, ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنـزلها عليك، لم يقولوا ذلك، ولم يسألوكه, ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله: أيها القوم, لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون, أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون! وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة, تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون, ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها, ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب, ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالها. يقول: فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض، والطير في الهواء، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء, أحرى أن لا يُضيع أعمالكم، ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها، أيها الناس، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها, إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا, إذ كان قد خصكم من نعمه، وبسط عليكم من فضله، ما لم يعمَّ به غيركم في الدنيا, وكنتم بشكره أحقَّ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميِّزون، والفهم الذي لم يعطه البهائم والطيرَ، الذي به بين مصالحكم ومضارِّكم تفرِّقون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, قال ، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « أمم أمثالكم » ، أصناف مصنفة تُعرَف بأسمائها .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد , مثله .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم » ، يقول: الطير أمة, والإنس أمة, والجن أمة.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « إلا أمم أمثالكم » ، يقول: إلا خلق أمثالكم .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج, عن ابن جريج في قوله: « وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم » ، قال: الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب .

وأما قوله: « ما فرطنا في الكتاب من شيء » ، فإن معناه: ما ضيعنا إثبات شيء منه، كالذي:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « ما فرطنا في الكتاب من شيء » ، ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : « ما فرطنا في الكتاب من شيء » ، قال : لم نُغفِل الكتاب, ما من شيء إلا وهو في الكتاب.

وحدثني به يونس مرة أخرى, قال في قوله: « ما فرطنا في الكتاب من شيء » ، قال: كلهم مكتوبٌ في أم الكتاب .

وأما قوله: « ثم إلى ربهم يحشرون » ، فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى « حشرهم » ، الذي عناه الله تعالى ذكره في هذا الموضع.

فقال بعضهم: « حشرها » ، موتها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن سعيد, عن مسروق, عن عكرمة, عن ابن عباس: « وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم » ، قال ابن عباس: موت البهائم حشرها.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « ثم إلى ربهم يحشرون » ، قال: يعني بالحشر، الموت .

حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله : « ثم إلى ربهم يحشرون » ، يعني بالحشر: الموت.

وقال آخرون: « الحشر » في هذا الموضع، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن جعفر بن برقان, عن يزيد بن الأصم, عن أبي هريرة في قوله: « إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون » ، قال: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة, البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء, فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء, ثم يقول: « كوني ترابًا » , فلذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [ سورة النبأ: 40 ] .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الأعمش, عمن ذكره، عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنـزان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون فيما انتطحتا؟ قالوا: لا ندري! قال: « لكن الله يدري, وسيقضي بينهما. »

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن سليم قال، حدثنا فطر بن خليفة, عن منذر الثوري, عن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أبا ذَرّ، أتدري فيم انتطحتا « ؟ قلت: لا! قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما! قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا. »

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه. وجائز أن يكون معنيًّا بذلك حشر القيامة وجائز أن يكون معنيًّا به حشر الموت وجائز أن يكون معنيًّا به الحشران جميعًا ، ولا دلالة في ظاهر التنـزيل، ولا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ ذلك المراد بقوله: « ثم إلى ربهم يحشرون » ، إذ كان « الحشر » ، في كلام العرب الجمع, ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [ سورة ص: 19 ] ، يعني: مجموعة. فإذ كان الجمع هو « الحشر » ، وكان الله تعالى ذكره جامعًا خلقه إليه يوم القيامة، وجامعهم بالموت, كان أصوبُ القول في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها وأن يقال: كل دابة وكل طائر محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة, إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله: « ثم إلى ربهم يحشرون » ، ولم يخصص به حشرًا دون حشر.

فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: « ولا طائر يطير بجناحيه » ؟ وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟ فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟

قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنـزل هذا الكتاب بلسان قوم، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم. فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا: « كلمت فلانًا بفمي » , و « مشيت إليه برجلي » , و « ضربته بيدي » ، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم، ويستعملونه في خطابهم, ومن ذلك قوله تعالى ذكره : ( إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَي ) [ سورة ص: 23 ] .

 

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته « صمٌّ » ، عن سماع الحق « بكم » ، عن القيل به « في الظلمات » ، يعني: في ظلمة الكفر حائرًا فيها, يقول: هو مرتطم في ظلمات الكفر, لا يبصر آيات الله فيعتبر بها, ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبَّره وأحكم تدبيره، وقدَّره أحسن تقدير، وأعطاه القوة، وصحح له آلة جسمه لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه سدًى, ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه، دون معصيته وما يسخطه. فهو لحيرته في ظلمات الكفر، وتردّده في غمراتها, غافلٌ عمَّا الله قد أثبت له في أمّ الكتاب، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر الأمم. ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلالَه من خلقه عن الإيمان إلى الكفر، والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته، فموفّقه بفضله وطَوْله للإيمان به، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه, وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أمّ الكتاب السعادة, ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء, وأنّ بيده الخير كلُّه, وإليه الفضل كله, له الخلق والأمر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة:

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « صم وبكم » ، هذا مثل الكافر، أصم أبكم, لا يبصر هدًى، ولا ينتفع به, صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكِّع فيها.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 40 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في معنى قوله: « أرأيتكم » .

فقال بعض نحويي البصرة: « الكاف » التي بعد « التاء » من قوله: « أرأيتكم » إنما جاءت للمخاطبة, وتركت « التاء » مفتوحة كما كانت للواحد. قال: وهي مثل « كاف » « رويدك زيدًا » , إذا قلت: أرود زيدًا هذه « الكاف » ليس لها موضع مسمى بحرف، لا رفع ولا نصب, وإنما هي في المخاطبة مثل كاف « ذاك » . ومثل ذلك قول العرب: « أبصرَك زيدًا » , يدخلون « الكاف » للمخاطبة.

وقال آخرون منهم: معنى: « أرأيتكم إن أتاكم » ، أرأيتم. قال: وهذه « الكاف » تدخل للمخاطبة مع التوكيد, و « التاء » وحدها هي الاسم, كما أدخلت « الكاف » التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة، كقولهم: « هذا, وذاك, وتلك, وأولئك » ، فتدخل « الكاف » للمخاطبة، وليست باسم, و « التاء » هو الاسم للواحد والجميع, تركت على حال واحدة, ومثل ذلك قولهم: « ليسك ثَمَّ إلا زيد » , يراد: ليس و « لا سِيَّك زيد » , فيراد: ولا سيما زيد و « بلاك » فيراد، « بلى » في معنى: « نعم » و « لبئسك رجلا ولنعمك رجلا » . وقالوا : « انظرك زيدًا ما أصنع به » و « أبصرك ما أصنع به » ، بمعنى: أبصره. وحكى بعضهم: « أبصركُم ما أصنع به » , يراد: أبصروا و « انظركم زيدًا » ، أي انظروا. وحكي عن بعض بني كلاب: « أتعلمك كان أحد أشعرَ من ذي الرمة؟ » فأدخل « الكاف » .

وقال بعض نحويي الكوفة: « أرأيتك عمرًا » أكثر الكلام فيه ترك الهمز. قال: و « الكاف » من « أرأيتك » في موضع نصب, كأن الأصل: أرأيت نفسك على غير هذه الحال؟ قال: فهذا يثني ويجمع ويؤنث, فيقال: « أرأيتما كما » و « أرأيتموكم » . و « وَأَرَأَيْتُنَّكُنَّ » ، أوقع فعله على نفسه, وسأله عنها, ثم كثر به الكلام حتى تركوا « التاء » موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع, فقالوا: « أرأيتكم زيدًا ما صنع » , و « أرأيتكنّ ما صنع » , فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها، فجعلوها بدلا من « التاء » ، كما قال: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [ سورة الحاقة: 19 ] ، و « هاء يا رجل » , و « هاؤما » , ثم قالوا: « هاكم » , اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع. فكأن « الكاف » في موضع رفع، إذ كانت بدلا من « التاء » . وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث, وهي كقول القائل: « عليك زيدًا » , « الكاف » في موضع خفض, والتأويل رفع. فأما ما يُجْلب فأكثر ما يقع على الأسماء, ثم تأتي بالاستفهام فيقال: « أرأيتك زيدًا هل قام » , لأنها صارت بمعنى: أخبرني عن زيد, ثم بيَّن عما يستخبر. فهذا أكثر الكلام. ولم يأت الاستفهام يليها. لم يقل: « أرأيتك هل قمت » , لأنهم أرادوا أن يبيِّنوا عمن يسأل, ثم تُبيّن الحالة التي يسأل عنها. وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم, فقالوا: « أرأيت إن أتيت زيدًا هل يأتينا » و « أرأيتك » أيضًا و « أرأيتُ زيدًا إن أتيته هل يأتينا » ، إذا كانت بمعنى: « أخبرني » , فيقال باللغات الثلاث.

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ: أخبروني، إن جاءكم، أيها القوم، عذاب الله, كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة, وبعضهم بالصاعقة أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم، وتبعثون لموقف القيامة, أغير الله هناك تدعون لكشف ما نـزل بكم من البلاء، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نـزل بكم من عظيم البلاء؟ « إن كنتم صادقين » ، يقول: إن كنتم محقّين في دعواكم وزعمكم أنّ آلهتكم التي تدعونها من دون الله تنفع أو تضر.

 

القول في تأويل قوله : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ( 41 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مكذِّبًا لهؤلاء العادلين به الأوثان: ما أنتم، أيها المشركون بالله الآلهةَ والأندادَ، إن أتاكم عذابُ الله أو أتتكم الساعة، بمستجيرين بشيء غير الله في حال شدة الهول النازل بكم من آلهة ووثن وصنم, بل تدعون هناك ربّكم الذي خلقكم، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون، دون كل شيء غيره « فيكشف ما تدعون إليه » ، يقول: فيفرِّج عنكم عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه، عظيم البلاء النازل بكم إن شاء أن يفرج ذلك عنكم, لأنه القادر على كل شيء، ومالك كل شيء، دون ما تدعونه إلهًا من الأوثان والأصنام « وتنسون ما تشركون » ، يقول: وتنسون حين يأتيكم عذاب الله أو تأتيكم الساعة بأهوالها، ما تشركونه مع الله في عبادتكم إياه, فتجعلونه له ندًّا من وثن وَصنم, وغير ذلك مما تعبدونه من دونه وتدعونه إلهًا.

 

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: متوعدًا لهؤلاء العادلين به الأصنامَ ومحذِّرَهم أن يسلك بهم إن هم تمادَوا في ضلالهم سبيلَ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، في تعجيل الله عقوبته لهم في الدنيا ومخبرًا نبيَّه عن سنته في الذين خلوا قبلهم من الأمم على منهاجهم في تكذيب الرسل : « لقد أرسلنا » ، يا محمد، « إلى أمم » ، يعني: إلى جماعات وقرون « من قبلك فأخذناهم بالبأساء » ، يقول: فأمرناهم ونهيناهم, فكذبوا رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا, فامتحناهم بالابتلاء « بالبأساء » , وهي شدة الفقر والضيق في المعيشة « والضراء » ، وهي الأسقام والعلل العارضة في الأجسام.

وقد بينا ذلك بشواهده ووجوه إعرابه في « سورة البقرة » ، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: « لعلهم يتضرعون » يقول: فعلنا ذلك بهم ليتضرعوا إليّ, ويخلصوا لي العبادة, ويُفْردوا رغبتهم إليَّ دون غيري، بالتذلل منهم لي بالطاعة، والاستكانة منهم إليّ بالإنابة.

وفي الكلام محذوفٌ قد استغني بما دلّ عليه الظاهرمن إظهاره دون قوله: « ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم » ، وإنما كان سبب أخذه إياهم، تكذيبهم الرسل وخلافهم أمرَه لا إرسال الرسل إليهم. وإذ كان ذلك كذلك, فمعلوم أن معنى الكلام: « ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك » رسلا فكذبوهم, « فأخذناهم بالبأساء » .

و « التضرع » : هو « التفعل » من « الضراعة » , وهي الذلة والاستكانة.

 

القول في تأويل قوله : فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 )

قال أبو جعفر: وهذا أيضًا من الكلام الذي فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عن ذكر ما تُرك. وذلك أنه تعالى ذكره أخبرَ عن الأمم التي كذّبت رسلها أنه أخذهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا له, ثم قال: « فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا » , ولم يخبر عما كان منهم من الفعل عند أخذه إياهم بالبأساء والضراء. ومعنى الكلام: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ، فلم يتضرعوا, « فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا » .

ومعنى: « فلولا » ، في هذا الموضع، فهلا. والعرب إذ أوْلَتْ « لولا » اسمًا مرفوعًا، جعلت ما بعدها خبرًا، وتلقتها بالأمر, فقالت: « فلولا أخوك لزرتك » و « لولا أبوك لضربتك » , وإذا أوْلتها فعلا أو لم تُولها اسمًا, جعلوها استفهامًا فقالوا: « لولا جئتنا فنكرمك » , و « لولا زرت أخاك فنـزورك » , بمعنى: « هلا » ، كما قال تعالى ذكره: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ [ سورة المنافقون: 10 ] . وكذلك تفعل ب « لوما » مثل فعلها ب « لولا » .

فتأويل الكلام إذًا: فهلا إذ جاء بأسنا هؤلاء الأمم المكذبة رسلَها، الذين لم يتضرعوا عند أخذِناهم بالبأساء والضراء « تضرعوا » ، فاستكانوا لربهم، وخضعوا لطاعته, فيصرف ربهم عنهم بأسه، وهو عذابه.

وقد بينا معنى « البأس » في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

« ولكن قست قلوبهم » ، يقول: ولكن أقاموا على تكذيبهم رسلهم, وأصرُّوا على ذلك، واستكبروا عن أمر ربهم, استهانةً بعقاب الله، واستخفافًا بعذابه، وقساوةَ قلب منهم. « وزين لهم الشيطانُ ما كانوا يعملون » ، يقول: وحسن لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الأعمال التي يكرهها الله ويسخطها منهم.

 

القول في تأويل قوله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فلما نسوا ما ذكروا به » ، فلما تركوا العمل بما أمرناهم به على ألسن رسلنا، كالذي:-

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « فلما نسوا ما ذكروا به » ، يعني: تركوا ما ذكروا به.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: « نسوا ما ذكروا به » ، قال: ما دعاهم الله إليه ورسله, أبوْه وردُّوه عليهم.

« فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء » ، يقول: بدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في العيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، استدراجًا منَّا لهم، كالذي:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: « فتحنا عليهم أبواب كل شيء » ، قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « فتحنا عليهم أبواب كل شيء » ، قال: يعني الرخاء وسعة الرزق .

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط . عن السدي قوله: « فتحنا عليهم أبواب كل شيء » ، يقول: من الرزق.

فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: « فتحنا عليهم أبوابَ كل شيء » ، وقد علمت أن بابَ الرحمة وباب التوبة [ لم يفتحا لهم ] , لم تفتح لهم أبواب أخر غيرهما كثيرة؟

قيل: إن معنى ذلك على غير الوجه الذي ظننتَ من معناه, وإنما معنى ذلك: فتحنا عليهم، استدراجًا منا لهم، أبوابَ كل ما كنا سددنا عليهم بابه، عند أخذنا إياهم بالبأساء والضراء ليتضرعوا, إذ لم يتضرعوا وتركوا أمر الله تعالى ذكره، لأنّ آخر هذا الكلام مردودٌ على أوله. وذلك كما قال تعالى ذكره في موضع آخر من كتابه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، [ سورة الأعراف: 94- 95 ] ، ففتح الله على القوم الذين ذكر في هذه الآية [ أنهم نسوا ما ] ذكرهم، بقوله: « فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء » ، هو تبديله لهم مكانَ السيئة التي كانوا فيها في حال امتحانه إياهم، من ضيق العيش إلى الرخاء والسعة, ومن الضر في الأجسام إلى الصحة والعافية, وهو « فتح أبواب كل شيء » كان أغلق بابه عليهم، مما جرى ذكره قبل قوله: « فتحنا عليهم أبواب كل شيء » ، فردّ قوله: « فتحنا عليهم أبواب كل شيء » ، عليه.

ويعني تعالى بقوله: « حتى إذا فرحوا بما أوتوا » ، يقول: حتى إذا فرح هؤلاء المكذّبون رسلهم بفتحنا عليهم أبوابَ السَّعة في المعيشة، والصحة في الأجسام، كالذي:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « حتى إذا فرحوا بما أوتوا » ، من الرزق .

حدثنا الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يحدّث، عن حماد بن زيد قال: كان رجل يقول: رَحم الله رجلا تلا هذه الآية، ثم فكر فيها ماذا أريد بها: « حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة » .

حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا ابن أبي رجاء رجل من أهل الشعر, عن عبد الله بن المبارك, عن محمد بن النضر الحارثي في قوله : « أخذناهم بغتة » ، قال: أُمهلوا عشرين سنة.

ويعني تعالى ذكره بقوله: « أخذناهم بغتة » ، أتيناهم بالعذاب فجأة، وهم غارُّون لا يشعرون أن ذلك كائن، ولا هو بهم حالٌّ، كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج , عن ابن جريج: « حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة » ، قال: أعجبَ ما كانت إليهم، وأغَرَّها لهم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي « أخذناهم بغتة » ، يقول: أخذهم العذابُ بغتةً .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « أخذناهم بغتة » ، قال: فجأة آمنين.

وأما قوله: « فإذا هم مبلسون » ، فإنهم هالكون, منقطعة حججهم, نادمون على ما سلف منهم من تكذيبهم رسلَهم، كالذي:-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال : حدثنا أسباط, عن السدي: « فإذا هم مبلسون » ، قال: فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شيخ, عن مجاهد: « فإذا هم مبلسون » ، قال: الاكتئاب.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: « فإذا هم مبلسون » ، قال: « المبلس » الذي قد نـزل به الشرّ الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المستكين, وقرأ: فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ، [ سورة المؤمنون: 76 ] . وكان أول مرة فيه معاتبة وبقيّة. وقرأ قول الله: « أخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون » فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ، حتى بلغ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. وقرأ: « حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون » ، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأوّل، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم .

حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية بن الوليد, عن أبي شريح ضبارة بن مالك, عن أبي الصلت, عن حرملة أبي عبد الرحمن, عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت الله يعطي عبدَه في دنياه, إنما هو استدراج. ثم تلا هذه الآية: « فلما نسوا ما ذكِّروا به » إلى قوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

وحدثت بهذا الحديث عن محمد بن حرب, عن ابن لهيعة, عن عقبة بن مسلم, عن عقبة بن عامر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإذا رأيت الله تعالى ذكره يعطي العبادَ ما يسألون على معاصيهم إياه, فإنما ذلك استدراج منه لهم! ثم تلا « فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء » الآية.

وأصل « الإبلاس » في كلام العرب، عند بعضهم: الحزن على الشيء والندم عليه وعند بعضهم: انقطاع الحجة، والسكوت عند انقطاع الحجة وعند بعضهم: الخشوع وقالوا: هو المخذول المتروك, ومنه قول العجاج:

يَـا صَـاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا ? قَــالَ: نَعَــمْ! أَعْرِفُــه! وَأَبْلَسَـا

فتأويل قوله: « وأبلسا » ، عند الذين زعموا أن « الإبلاس » ، انقطاع الحجة والسكوت عنده, بمعنى: أنه لم يُحِرْ جوابًا.

وتأوَّله الآخرون بمعنى الخشوع, وترك أهله إياه مقيمًا بمكانه.

والآخرون بمعنى الحزن والندم.

يقال منه: « أبلس الرجل إبلاسًا » , ومنه قيل: لإبليس « إبليس » .

 

القول في تأويل قوله : فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 45 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « فقطع دابر القوم الذين ظلموا » ، فاستؤصل القوم الذين عَتَوا على ربهم، وكذّبوا رسله، وخالفوا أمره، عن آخرهم, فلم يترك منهم أحد إلا أهلك بغتةً إذ جاءهم عذاب الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فقطع دابر القوم الذين ظلموا » ، يقول: قُطع أصل الذين ظلموا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « فقطع دابر القوم الذين ظلموا » ، قال: استؤصلوا.

و « دابر القوم » ، الذي يدبرُهم, وهو الذي يكون في أدبارهم وآخرهم. يقال في الكلام: « قد دَبَر القومَ فلانٌ يدبُرُهم دَبْرًا ودبورًا » ، إذا كان آخرهم, ومنه قول أمية:

فَــاُهْلِكُوا بِعَــذَابٍ حَـصَّ دَابِـرَهُمْ فَمَـا اسْتَطَاعُوا لَهُ صَرْفًا وَلا انْتَصَرُوا

« والحمد لله رب العالمين » ، يقول: والثناء الكامل والشكر التام « لله رب العالمين » ، على إنعامه على رسله وأهل طاعته, بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر, وتحقيق عِدَاتِهم ما وَعدوهم على كفرهم بالله وتكذيبهم رسله من نقم الله وعاجل عذابه.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بي الأوثانَ والأصنامَ، المكذبين بك: أرأيتم، أيها المشركون بالله غيرَه، إن أصمَّكم الله فذهب بأسماعكم، وأعماكم فذهب بأبصاركم, وختم على قلوبكم فطبع عليها، حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة، ولا تفهموا مفهومًا, أيّ إله غير الله الذي له عبادة كل عابد « يأتيكم به » ، يقول: يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام، فتعبدوه أو تشركوه في عبادة ربكم الذي يقدر على ذهابه بذلك منكم، وعلى ردّه عليكم إذا شاء ؟

وهذا من الله تعالى ذكره، تعليم نبيَّه الحجة على المشركين به, يقول له: قل لهم: إن الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا, وإنما يستحق العبادةَ عليكم من كان بيده الضر والنفع، والقبض والبسط, القادرُ على كل ما أراد، لا العاجز الذي لا يقدر على شيء.

ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « انظر كيف نصرف الآيات » ، يقول : انظر كيف نتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال والعبر، ليعتبروا ويذكروا فينيبوا، « ثم هم يصدفون » ، يقول: ثم هم مع متابعتنا عليهم الحجج، وتنبيهنا إياهم بالعبر، عن الادّكار والاعتبار يُعْرضون.

يقال منه: « صدف فلانٌ عني بوجهه، فهو يصدِفُ صُدوفًا وصَدفًا » ، أي: عدل وأعرض, ومنه قول ابن الرقاع:

إِذَا ذَكَــرْنَ حَدِيثًــا قُلْـنَ أَحْسَـنَهُ, وَهُـنَّ عَـنْ كُـلِّ سُـوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ

وقال لبيد:

يُـرْوِي قَـوامِحَ قَبْـلَ اللَّيْـلِ صَادِفَـةً أَشْــبَاهَ جِـنّ, عَلَيْهَـا الـرَّيْطُ وَالأزُرُ

فإن قال قائل: وكيف قيل: « من إله غير الله يأتيكم به » ، فوحّد « الهاء » , وقد مضى الذكر قبلُ بالجمع فقال: « أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم » ؟

قيل: جائز أن تكون « الهاء » عائدة على « السمع » , فتكون موحّدة لتوحيد « السمع » وجائز أن تكون معنيًّا بها: من إله غير الله يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار والأفئدة, فتكون موحده لتوحيد « ما » . والعرب تفعل ذلك، إذا كنتْ عن الأفعال وحّدت الكناية، وإن كثر ما يكنى بها عنه من الأفاعيل, كقولهم: « إقبالك وإدبارك يعجبني » .

وقد قيل: إن « الهاء » التي في « به » كناية عن « الهدى » .

وبنحو ما قلنا في تأويل قوله: « يصدفون » ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « يصدفون » ، قال: يعرضون.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد , مثله .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « يصدفون » ، قال: يعدلون.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « نصرف الآيات ثم هم يصدفون » ، قال: يعرضون عنها.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « ثم هم يصدفون » ، قال: يصدُّون .

 

القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثانَ، المكذبين بأنك لي رسول إليهم: أخبروني « إن أتاكم عذاب الله » ، وعقابه على ما تشركون به من الأوثان والأنداد, وتكذيبكم إيايَ بعد الذي قد عاينتم من البرهان على حقيقة قولي « بغتة » ، يقول: فجأة على غرة لا تشعرون « أو جهرة » ، يقول: أو أتاكم عذاب الله وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه « هل يهلك إلا القوم الظالمون » ، يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، وترك عبادة من يستحق علينا العبادة ؟

وقد بينا معنى « الجهرة » في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته، وأنها من « الإجهار » , وهو إظهار الشيء للعين، كما:-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « جهرة » ، قال: وهم ينظرون .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة » ، فجأة آمنين « أو جهرة » ، وهم ينظرون .

 

القول في تأويل قوله : وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة, جزاءً منَّا لهم على طاعتنا وبإنذار من عصَانا وخالف أمرنا, عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة, جزاءً منا على معصيتنا, لنعذر إليه فيهلك إن هلك عن بينة « فمن آمن وأصلح » ، يقول: فمن صدَّق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه, وقبل منهم ما جاؤوه به من عند الله، وعمل صالحًا في الدنيا « فلا خوف عليهم » ، عند قدومهم على ربهم، من عقابه وعذابه الذي أعدَّه الله لأعدائه وأهل معاصيه « ولا هم يحزنون » ، عند ذلك على ما خلَّفوا وراءَهم في الدنيا.

 

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأما الذين كذَّبوا بمن أرسلنا إليه من رسلنا، وخالفوا أمرنا ونهينا، ودافعوا حجتنا, فإنهم يباشرهم عذابُنا وعقابنا، على تكذيبهم ما كذبوا به من حججنا « بما كانوا يفسقون » ، يقول: بما كانوا يكذّبون.

وكان ابن زيد يقول: كل « فسق » في القرآن, فمعناه الكذب.

حدثني بذلك يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عنه.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المنكرين نبوّتك: لستُ أقول لكم إنّي الرب الذي له خزائنُ السماوات والأرض، وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء, فتكذبوني فيما أقول من ذلك، لأنه لا ينبغي أن يكون ربًّا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية, وذلك هو الله الذي لا إله غيره « ولا أقول لكم إني ملك » ، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا, فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك « إن أتبع إلا ما يوحى إليّ » ، يقول: قل لهم: ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، إلا وحي الله الذي يوحيه إليّ، وتنـزيله الذي ينـزله عليّ, فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره, وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك, وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه، بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة, فما وجه إنكاركم ذلك؟

وذلك تنبيه من الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم على موضع حُجته على منكري نبوّته من مشركي قومه.

« قل هل يستوي الأعمى والبصير » ، يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهم: هل يستوي الأعمى عن الحق، والبصير به « والأعمى » ، هو الكافر الذي قد عَمى عن حجج الله فلا يتبيَّنها فيتبعها « والبصير » ، المؤمن الذي قد أبصرَ آيات الله وحججه، فاقتدى بها واستضاء بضيائها « أفلا تتفكرون » ، يقول لهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله: أفلا تتفكرون فيما أحتجّ عليكم به، أيها القوم، من هذه الحجج, فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه، من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربّكم، وتكذيبكم إياي مع ظهور حجج صدقي لأعينكم, فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون، إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون؟

وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : « قل هل يستوي الأعمى والبصير » ، قال: الضال والمهتدي.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « قل هل يستوي الأعمى والبصير » ، الآية، قال: « الأعمى » ، الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه و « البصير » ، العبد المؤمن الذي أبصر بصرًا نافعًا, فوحّد الله وحده, وعمل بطاعة ربه, وانتفع بما آتاه الله.

 

القول في تأويل قوله : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر، يا محمد، بالقرآن الذي أنـزلناه إليك، القومَ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، علمًا منهم بأن ذلك كائن، فهم مصدقون بوعد الله ووعيده, عاملون بما يرضي الله, دائبون في السعي، فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله

« ليس لهم من دونه وليّ » ، أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم ، « وليّ » ، ينصرهم فيستنقذهم منه، « ولا شفيع » ، يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه « لعلهم يتقون » ، يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم, فيطيعوا ربهم، ويعملوا لمعادهم, ويحذروا سَخطه باجتناب معاصيه.

وقيل: « وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا » ، ومعناه: يعلمون أنهم يحشرون, فوضعت « المخافة » موضع « العلم » ، لأنّ خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك.

وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه ما أنـزل الله إليه من وحيه، وتذكيرهم، والإقبال عليهم بالإنذار وصدَّ عنه المشركون به، بعد الإعذار إليهم، وبعد إقامة الحجة عليهم, حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.

 

القول في تأويل قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 )

قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين، قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك!

* ذكر الرواية بذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو زبيد, عن أشعث, عن كردوس الثعلبي, عن ابن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وعمار وبلال وخبّاب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ هؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك! فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك! فنـزلت هذه الآية : « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه » وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، إلى آخر الآية.

.........حدثنا جرير, عن أشعث, عن كردوس الثعلبي, عن عبد الله قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ذكر نحوه .

حدثني أبو السائب قال، حدثنا حفص بن غياث, عن أشعث, عن كردوس, عن ابن عباس قال: مرّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ملأ من قريش, ثم ذكر نحوه.

حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي سعد الأزدي وكان قارئ الأزد ، عن أبي الكنود, عن خبّاب, في قول الله تعالى ذكره: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه » إلى قوله: « فتكون من الظالمين » ، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاريّ, فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب, في أناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حوله حَقَروهم , فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلَنا, فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد, فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا, فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال: نعم! قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فدعا بالصحيفة, ودعا عليًّا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية, إذ نـزل جبريل بهذه الآية: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين » , ثم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ , ثم قال: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفةَ من يده, ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ! فكنا نقعد معه, فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا, فأنـزل الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، [ سورة الكهف: 28 ] . قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد, فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, عن أبي سعيد الأزدي, عن أبي الكنود, عن خباب بن الأرت بنحو حديث الحسين بن عمرو، إلا أنه قال في حديثه: فلما رأوهم حوله نفّروهم, فأتوه فخلَوا به. وقال أيضًا: « فتكون من الظالمين » , ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية. وقال أيضًا: فدعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، فدنونا منه يومئذ حتى وَضعنا ركبنا على ركبتيه وسائر الحديث نحوه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة وحدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة والكلبي: أنّ ناسًا من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرَّك أن نتبعك، فاطرد عنا فلانًا وفلانًا، ناسًا من ضعفاء المسلمين! فقال الله تعالى ذكره: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ » إلى قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية، قال: وقد قال قائلون من الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانًا وفلانًا لأناس كانوا دونهم في الدنيا، ازدراهم المشركون، فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية إلى آخرها.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، بلال وابن أم عبد، كانا يجالسان محمدًا صلى الله عليه وسلم, فقالت قريش محقِّرتهما: لولاهما وأمثالهما لجالسناه! فنُهي عن طردهم, حتى قوله : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، قال: « قل سلام عليكم » ، فيما بين ذلك، في هذا.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا سفيان, عن المقدام بن شريح, عن أبيه قال، قال سعد: نـزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, منهم ابن مسعود، قال: كنا نسبق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وندنو منه ونسمع منه, فقالت قريش: يدني هؤلاء دوننا! فنـزلت: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة في قوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ الآية، قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عديّ، والحارث بن نوفل، وقرظة بن عبد عمرو بن نوفل، في أشراف من بني عبد مناف من الكفار، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، لو أن ابن أخيك يطرد عنه موالينا وحلفاءَنا, فإنما هم عبيدنا وعُسَفاؤنا, كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتّباعنا إياه، وتصديقنا له! قال: فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كلموه به, فقال عمر بن الخطاب: لو فعلتَ ذلك، حتى تنظر ما الذي يريدون، وإلام يصيرون من قولهم؟ فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إلى قوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ، قال: وكانوا: بلال، وعمارُ بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وصبيح مولى أسيد ومن الحلفاء: ابن مسعود, والمقداد بن عمرو, ومسعود بن القاريّ, وواقد بن عبد الله الحنظلي, وعمرو بن عبد عمرو ذو الشمالين, ومرثد بن أبي مرثد وأبو مرثد، من غنيّ، حليفُ حمزة بن عبد المطلب وأشباههم من الحلفاء. ونـزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا الآية. فلما نـزلت، أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مَقالته, فأنـزل الله تعالى ذكره: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، الآية.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أستحيي من الله أن يرَاني مع سلمان وبلال وذَوِيهم, فاطردهم عنك، وجالس فلانًا وفلانًا! قال فنـزل القرآن: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه » فقرأ، حتى بلغ: « فتكون من الظالمين » ، ما بينك وبين أن تكون من الظالمين إلا أن تطردهم . ثم قال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ . ثم قال: وهؤلاء الذين أمروك أن تطردهم، فأبلغهم منّي السلام، وبشرهم وأخبرهم أني قد غفرت لهم! وقرأ: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، فقرأ حتى بلغ: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ، قال: لتعرفها.

واختلف أهل التأويل في الدعاء الذي كان هؤلاء الرَّهط، الذين نهى الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، يدعون ربّهم به.

فقال بعضهم: هي الصلوات الخمس.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ » ، يعني: يعبدون ربّهم « بالغداة والعشيّ » , يعني: الصلوات المكتوبة .

حدثنا المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن أبي حمزة, عن إبراهيم في قوله: « يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه » ، قال: هي الصلوات الخمس الفرائض. ولو كان ما يقول القُصَّاص، هلك من لم يجلس إليهم.

حدثنا هناد بن السري وابن وكيع قالا حدثنا ابن فضيل, عن الأعمش, عن إبراهيم: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه » ، قال: هي الصلاة .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.

حدثني محمد بن موسى بن عبد الرحمن الكندي قال، حدثنا حسين الجعفي قال، أخبرني حمزة بن المغيرة, عن حمزة بن عيسى قال: دخلت على الحسن فسألته فقلت: يا أبا سعيد, أرأيت قول الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [ سورة الكهف: 28 ] ، أهم هؤلاء القُصّاص؟ قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, وحدثني الحارث قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: الصلاة المكتوبة .

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: يعبدون ربّهم « بالغداة والعشي » ، يعني الصلاة المفروضة .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [ سورة الكهف: 28 ] ، هما الصلاتان: صلاة الصبح وصلاة العصر .

حدثني ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب قال، حدثنا محمد بن عجلان , عن نافع, عن عبد الله بن عمر في هذه الآية: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ الآية, أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد وإبراهيم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، قالا الصلوات الخمس.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: المصلين المؤمنين، بلال وابن أم عبد قال ابن جريج، وأخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد قال: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب, فلما سلّم الإمام ابتدر الناس القاصَّ, فقال سعيد: ما أسرعَ بهم إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون ما قال الله تعالى ذكره. قال: وما قال؟ قلت: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: وفي هذا ذَا ؟ إنما ذاك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن, إنما ذاك في الصلاة.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع, عن أبيه, عن منصور, عن عبد الرحمن بن أبي عمرة قال: الصلاة المكتوبة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن عامر قال: هي الصلاة .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن أبيه, عن إسرائيل, عن عامر قال: هي الصلاة .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه » ، يقول: صلاة الصبح وصلاة العصر.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: صلى عبد الرحمن بن أبي عمرة في مسجد الرسول, فلما صلى قامَ فاستند إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم, فانثال الناس عليه, فقال: يا أيها الناس، إليكم! فقيل: يرحمك الله, إنما جاؤوا يريدون هذه الآية : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [ سورة الكهف: 28 ] . فقال: وهذا عُنِي بهذا! إنما هو في الصلاة.

وقال آخرون: هي الصلاة، ولكن القوم لم يسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طردَ هؤلاء الضعفاء عن مجلسه، ولا تأخيرهم عن مجلسه, وإنما سألوه تأخيرهم عن الصفّ الأول، حتى يكونوا وراءهم في الصفّ .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد, حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ الآية, فهم أناس كانوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم من الفقراء, فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك, وإذا صلينا فأخِّر هؤلاء الذين معك فليصلُّوا خلفنا!

وقال آخرون: بل معنى « دعائهم » كان، ذكرُهم الله تعالى ذكره .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع عن سفيان, عن منصور, عن إبراهيم قوله: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: أهل الذكر.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن منصور: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: هم أهل الذكر.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن إبراهيم: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: لا تطردهم عن الذكر.

وقال آخرون: بل كان ذلك، تعلمهم القرآن وقراءته.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن جابر, عن أبي جعفر قوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [ سورة الكهف: 28 ] ، قال: كان يقرئهم القرآن، من الذي يَقُصُّ على النبي صلى الله عليه وسلم؟!

وقال آخرون: بل عنى بدعائهم ربّهم، عبادتهم إياه.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « يدعون ربهم بالغداة والعشي » ، قال: يعني: يعبدون, ألا ترى أنه قال: لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ سورة غافر: 43 ] ، يعني: تعبدون.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يطرُد قومًا كانوا يدعون ربّهم بالغداة والعشي، و « الدعاء لله » ، يكون بذكره وتمجيده والثناء عليه قولا وكلامًا وقد يكون بالعمل له بالجوارح الأعمالَ التي كان عليهم فرضُها، وغيرُها من النوافل التي ترضي عن العامل له عابدَه بما هو عامل له. وقد يجوز أن يكون القوم كانوا جامعين هذه المعاني كلها, فوصفهم الله بذلك بأنهم يدعونه بالغداة والعشي, لأن الله قد سمى « العبادة » ، « دعاء » , فقال تعالى ذكره: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ، [ سورة غافر: 60 ] . وقد يجوز أن يكون ذلك على خاصّ من الدعاء.

ولا قول أولى بذلك بالصحة، من وصف القوم بما وصفهم الله به: من أنهم كانوا يدعون ربهم بالغداة والعشي، فيعمُّون بالصفة التي وصفهم بها ربهم، ولا يخصُّون منها بشيء دون شيء.

فتأويل الكلام إذًا: يا محمد، أنذر القرآن الذي أنـزلته إليك, الذين يعلمون أنهم إلى ربهم محشورون فهم من خوف ورودهم على الله الذي لا شفيع لهم من دونه ولا نصير, في العمل له دائبون إذ أعرض عن إنذارك واستماع ما أنـزل الله عليك المكذبون بالله واليوم الآخر من قومك، استكبارًا على الله ولا تطردهم ولا تُقْصِهم, فتكون ممن وضع الإقصاء في غير موضعه، فأقصى وطرد من لم يكن له طرده وإقصاؤه, وقرّب من لم يكن له تقديمه بقربه وإدناؤه، فإن الذين نهيتُك عن طردهم هم الذين يدعون ربهم فيسألونه عفوه ومغفرته بصالح أعمالهم، وأداء ما ألزمهم من فرائضه، ونوافل تطوّعهم، وذكرهم إياه بألسنتهم بالغداة والعشي, يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنوّ من رضاه « ما عليك من حسابهم من شيء » ، يقول: ما عليك من حساب ما رزقتهم من الرزق من شيء وما عليهم من حساب ما رزقتك من الرزق من شيء « فتطردهم » ، حذارَ محاسبتي إياك بما خوّلتهم في الدنيا من الرزق.

وقوله: « فتطردهم » ، جواب لقوله: « ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء » .

وقوله: « فتكون من الظالمين » جواب لقوله: « ولا تطرد الذين يدعون ربهم » .

 

القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وكذلك فتنا بعضهم ببعض » ، وكذلك اختبرنا وابتلينا، كالذي:-

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر وحدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر عن قتادة: « وكذلك فتنا بعضهم ببعض » ، يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.

وقد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على معنى « الفتنة » , وأنها الاختبار والابتلاء, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وإنما فتنة الله تعالى ذكره بعضَ خلقه ببعضٍ, مخالفتُه بينهم فيما قسم لهم من الأرزاق والأخلاق, فجعل بعضًا غنيًّا وبعضًا فقيرًا، وبعضًا قويًّا، وبعضًا ضعيفًا, فأحوج بعضهم إلى بعض, اختبارًا منه لهم بذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « وكذلك فتنا بعضهم ببعض » ، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء, فقال الأغنياء للفقراء: « أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا » ، يعني: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسُخريًّا.

وأما قوله: « ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا » ، يقول تعالى: اختبرنا الناس بالغنى والفقر، والعزّ والذل، والقوة والضعف، والهدى والضلال, كي يقول من أضلّه الله وأعماه عن سبيل الحق، للذين هداهم الله ووفقهم: « أهؤلاء منّ الله عليهم » ، بالهدى والرشد، وهم فقراء ضعفاء أذلاء « من بيننا » ، ونحن أغنياء أقوياء؟ استهزاءً بهم, ومعاداةً للإسلام وأهله.

يقول تعالى ذكره: « أليس الله بأعلم بالشاكرين » ، وهذا منه تعالى ذكره إجابة لهؤلاء المشركين الذين أنكروا أن يكون الله هدى أهل المسكنة والضعف للحق, وخذلهم عنه وهم أغنياء وتقريرٌ لهم: أنا أعلم بمن كان من خلقي شاكرًا نعمتي، ممن هو لها كافر. فمنِّي على من مَنَنْتُ عليه منهم بالهداية، جزاء شكره إياي على نعمتي, وتخذيلي من خذلت منهم عن سبيل الرشاد، عقوبة كفرانه إياي نعمتي، لا لغنى الغني منهم ولا لفقر الفقير، لأن الثواب والعقاب لا يستحقه أحدٌ إلا جزاءً على عمله الذي اكتسبه، لا على غناه وفقره, لأن الغنى والفقر والعجز والقوة ليس من أفعال خلقي.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 )

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله تعالى ذكره بهذه الآية.

فقال بعضهم: عنى بها الذين نهى الله نبيَّه عن طردهم. وقد مضت الرواية بذلك عن قائليه.

وقال آخرون: عنَى بها قومًا استفتوا النبي صلى الله عليه وسلم في ذنوب أصابوها عظامٍ, فلم يؤيسهم الله من التوبة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان, عن مجمع قال، سمعت ماهان قال: جاء قوم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوبًا عظامًا. قال ماهان: فما إخاله ردّ عليهم شيئًا. قال: فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية: « وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم » الآية.

حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن مجمع, عن ماهان: أنّ قومًا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا! فما إخاله ردّ عليهم شيئًا, فانصرفوا فأنـزل الله تعالى ذكره: « وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة » . قال: فدعاهم فقرأها عليهم.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجمّع التميمي قال، سمعت ماهان يقول: فذكر نحوه.

وقال آخرون: بل عُني بها قومٌ من المؤمنين كانوا أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين نهاه الله عن طردهم , فكان ذلك منهم خطيئة, فغفرها الله لهم وعفا عنهم, وأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم إذا أتوه أن يبشرهم بأن قد غفر لهم خطيئتهم التي سلفت منهم بمشورتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بطرد القوم الذين أشاروا عليه بطردهم. وذلك قول عكرمة وعبد الرحمن بن زيد, وقد ذكرنا الرواية عنهما بذلك قبل.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندي بتأويل الآية, قولُ من قال: المعنيُّون بقوله: « وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم » ، غيرُ الذين نهى الله النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم. لأن قوله: « وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا » ، خبر مستأنَفٌ بعد تقضِّي الخبر عن الذين نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم. ولو كانوا هم، لقيل: « وإذا جاؤوك فقل سلام عليكم » . وفي ابتداء الله الخبرَ عن قصة هؤلاء، وتركه وصلَ الكلام بالخبر عن الأولين، ما ينبئ عن أنهم غيرُهم.

فتأويل الكلام إذًا إذ كان الأمر على ما وصفنا وإذا جاءك، يا محمد، القومُ الذين يصدِّقون بتنـزيلنا وأدلتنا وحججنا، فيقرّون بذلك قولا وعملا مسترشديك عن ذنوبهم التي سلفت منهم بيني وبينهم, هل لهم منها توبة، فلا تؤيسهم منها, وقل لهم: « سلام عليكم » ، أَمَنَةُ الله لكم من ذنوبكم، أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها « كتب ربكم على نفسه الرحمة » ، يقول: قضى ربكم الرحمة بخلقه « أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تابَ من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم » .

واختلفت القرأة في قراءة ذلك:

فقرأته عامة قرأة المدنيين: ( أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا ) ، فيجعلون « أنّ » منصوبةً على الترجمة بها عن « الرحمة » ( ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، على ائتناف « إنه » بعد « الفاء » فيكسرونها، ويجعلونها أداة لا موضع لها, بمعنى: فهو له غفور رحيم أو: فله المغفرة والرحمة.

وقرأهما بعض الكوفيين بفتح « الألف » منهما جميعًا, بمعنى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ثم ترجم بقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ، عن الرحمة، ( فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، فيعطف ب « أنه » الثانية على « أنه » الأولى, ويجعلهما اسمين منصوبين على ما بينت.

وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قرأة أهل العراق من الكوفة والبصرة: بكسر « الألف » من « إنه » و « إنه » على الابتداء, وعلى أنهما أداتان لا موضع لهما.

قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب, قراءة من قرأهما بالكسر: ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ إِنَّهُ ) ، على ابتداء الكلام, وأن الخبر قد انتهى عند قوله: « كتب ربكم على نفسه الرحمة » ، ثم استؤنف الخبر عما هو فاعلٌ تعالى ذكره بمن عمل سوءًا بجهالة ثم تاب وأصلح منه.

ومعنى قوله: « أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة » ، أنه من اقترف منكم ذنبًا, فجهل باقترافه إياه ثم تاب وأصلح « فأنه غفورٌ » ، لذنبه إذا تاب وأناب، وراجع العمل بطاعة الله، وترك العود إلى مثله، مع الندم على ما فرط منه « رحيم » ، بالتائب أن يعاقبه على ذنبه بعد توبته منه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن عثمان, عن مجاهد: « من عمل منكم سوءًا بجهالة » ، قال: من جهل: أنه لا يعلم حلالا من حرام, ومن جهالته ركب الأمر.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن جويبر, عن الضحاك, مثله .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد: « يعملون السوء بجهالة » ، قال: من عمل بمعصية الله, فذاك منه جهل حتى يرجع .

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا بكر بن خنيس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: « من عمل منكم سوءًا بجهالة » ، قال: كل من عمل بخطيئة فهو بها جاهل.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا خالد بن دينار أبو خلدة قال: كنا إذا دخلنا على أبي العالية قال: « وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة » .

 

القول في تأويل قوله : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: « وكذلك نفصل الآيات » ، وكما فصلنا لك في هذه السورة من ابتدائها وفاتحتها، يا محمد، إلى هذا الموضع، حجتَنا على المشركين من عبدة الأوثان، وأدلتَنا, وميَّزناها لك وبيَّناها, كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل غيرهم, فنبينها لك، حتى تبين حقه من باطله، وصحيحهُ من سقيمه.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: « ولتستبين سبيل المجرمين » .

فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: ( وَلِتَسْتَبِينَ ) بالتاء ( سَبِيلَ الْمُجِرمِينَ ) بنصب « السبيل » , على أن « تستبين » ، خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، كأن معناه عندهم: ولتستبين، أنت يا محمد، سبيل المجرمين.

وكان ابن زيد يتأول ذلك: ولتستبين، أنت يا محمد، سبيلَ المجرمين الذين سألوك طردَ النفر الذين سألوه طردهم عنه من أصحابه .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن ريد : « ولتستبين سبيلَ المجرمين » ، قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء .

وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض البصرين: ( وَلِتَسْتَبِينَ ) بالتاء ( سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ ) برفع « السبيل » ، على أن القصد للسبيل, ولكنه يؤنثها وكأن معنى الكلام عندهم: وكذلك نفصل الآيات، ولتتضح لك وللمؤمنين طريقُ المجرمين.

وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ( وَلِيَسْتَبِينَ ) بالياء ( سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ ) برفع « السبيل » على أن الفعل للسبيل، ولكنهم يذكرونه ومعنى هؤلاء في هذا الكلام, ومعنى من قرأ ذلك بالتاء في: « ولتستبين » ورفع « السبيل » ، واحدٌ, وإنما الاختلاف بينهم في تذكير « السبيل » وتأنيثها.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب عندي في « السبيل » الرفع, لأن الله تعالى ذكره فصَّل آياته في كتابه وتنـزيله, ليتبين الحقَّ بها من الباطل جميعُ من خوطب بها, لا بعضٌ دون بعض.

ومن قرأ « السبيل » بالنصب, فإنما جعل تبيين ذلك محصورًا على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما القراءة في قوله: « ولتستبين » ، فسواء قرئت بالتاء أو بالياء, لأن من العرب من يذكر « السبيل » وهم تميم وأهل نجد ومنهم من يؤنث « السبيل » وهم أهل الحجاز. وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ولغتان مشهورتان من لغات العرب, وليس في قراءة ذلك بإحداهما خلافٌ لقراءته بالأخرى، ولا وجه لاختيار إحداهما على الأخرى بعد أن يرفع « السبيل » للعلة التي ذكرنا.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: « نفصل الآيات » قال أهل التأويل.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « وكذلك نفصل الآيات » ، نبين الآيات .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في : « نفصل الآيات » ، نبين.

 

القول في تأويل قوله : قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 56 )