فهرس تفسير الطبري للسور

5 - تفسير الطبري سورة المائدة

التالي السابق

تفسير سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

القول في تأويل قوله عز ذكره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا » ، يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية, وسلموا له الألوهة وصدَّقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه « أوفوا بالعقود » ، يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه, وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا, فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها, ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم, ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها .

واختلف أهل التأويل في « العقود » التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية, بعد إجماع جميعهم على أن معنى « العقود » ، العهود.

فقال بعضهم: هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضًا على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءًا, وذلك هو معنى « الحلف » الذي كانوا يتعاقدونه بينهم.

ذكر من قال: معنى « العقود » ، العهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: « أوفوا بالعقود » ، يعني: بالعهود.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: « أوفوا بالعقود » ، قال: العهود.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرّف بن الشخِّير وعنده رجل يحدثهم, فقال: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: هي العهود .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: « أوفوا بالعقود » ، قال: العهود.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: هي العهود.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: « أوفوا بالعقود » ، بالعهود.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: « أوفوا بالعقود » ، قال: بالعهود.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « أوفوا بالعقود » ، قال: هي العهود.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، سمعت الثوري يقول: « أوفوا بالعقود » ، قال: بالعهود.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

قال أبو جعفر: و « العقود » جمع « عَقْدٍ » ، وأصل « العقد » ، عقد الشيء بغيره, وهو وصله به, كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا. يقال منه: « عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده » , ومنه قول الحطيئة:

قَــوْمٌ إذَا عَقَــدُوا عَقْـدًا لِجَـارِهِمُ شَـدُّوا العِنَـاجَ وَشَـدُّوا فَوْقَـهُ الْكَرَبَا

وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه, من أمان وذِمَّة, أو نصرة, أو نكاح, أو بيع, أو شركة, أو غير ذلك من العقود.

ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله: « أوفوا بالعقود » .

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، أي: بعقد الجاهلية. ذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية, ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام. وذكر لنا أن فرات بن حيَّان العِجلي، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟ فقال: نعم، يا نبي الله! قال: لا يزيده الإسلام إلا شدة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: « أوفوا بالعقود » ، قال: عقود الجاهلية: الحلف.

وقال آخرون: بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته، فيما أحل لهم وحرم عليهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، أخبرنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « أوفوا بالعقود » ، يعني: ما أحل وما حرّم, وما فرض, وما حدَّ في القرآن كله, فلا تغدِروا ولا تنكُثوا. ثم شدَّد ذلك فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قوله: سُوءُ الدَّارِ [ سورة الرعد: 25 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « أوفوا بالعقود » ، ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرَّم عليهم.

وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عُقدة الأيمان, وعُقدة النكاح, وعقدة العَهد, وعقدة البيع, وعقدة الحِلْف.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة, نحوه.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: عقد العهد، وعقد اليمين وعَقد الحِلْف, وعقد الشركة, وعقد النكاح. قال: هذه العقود، خمس.

حدثني المثنى قال، حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال، حدثنا أبي في قول الله جل وعز: « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، قال: العقود خمس: عقدة النكاح, وعقدة الشركة, وعقد اليمين, وعقدة العهد, وعقدة الحلف .

وقال آخرون: بل هذه الآية أمرٌ من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « أوفوا بالعقود » ، قال: العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب: أن يعملوا بما جاءهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال، قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم, فيه: « هذا بيان من الله ورسوله » : « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » ، فكتب الآيات منها حتى بلغ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس, وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم, وألزمكم فرضه, وبيَّن لكم حدوده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال, لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه. فكان معلومًا بذلك أن قوله: « أوفوا بالعقود » ، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك, ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه, مع أن قوله: « أوفوا بالعقود » ، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه, فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها. فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا, فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض.

وأما قوله: « أوفوا » فإن للعرب فيه لغتين:

إحداهما: « أوفوا » ، من قول القائل: « أوفيت لفلان بعهده، أوفي له به » .

والأخرى من قولهم: « وفيت له بعهده أفي » .

و « الإيفاء بالعهد » ، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.

 

القول في تأويل قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في « بهيمة الأنعام » التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا.

فقال بعضهم: هي الأنعام كلها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن عوف, عن الحسن قال: بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، قال: الأنعام كلها.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا ابن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، قال: الأنعام كلها.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، قال: الأنعام كلها.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « بهيمة الأنعام » ، هي الأنعام.

وقال آخرون: بل عنى بقوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها - إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري, عن عطية العوفي, عن ابن عمر في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » . قال: ما في بطونها. قال قلت: إن خرج ميتًا آكله؟ قال: نعم.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن إدريس الأودي, عن عطية, عن ابن عمر نحوه وزاد فيه قال: نعم, هو بمنـزلة رئتها وكبدها.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام، فكلوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مسعر وسفيان, عن قابوس عن أبيه, عن ابن عباس: أن بقرة نحرت فوُجد في بطنها جنين, فأخذ ابن عباس بذنَب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: هو من بهيمة الأنعام.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان, عن قابوس, عن أبيه قال: ذبحنا بقرة, فإذا في بطنها جنين, فسألنا ابن عباس فقال: هذه بهيمة الأنعام.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: عنى بقوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » ، الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها . لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك « بهيمة وبهائم » , ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء. فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها.

وأما « النعم » فإنها عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة, كما قال جل ثناؤه: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ، [ سورة النحل: 5 ] ، ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [ سورة النحل: 8 ] ، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان .

وأما « بهائمها » ، فإنها أولادها. وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم « بهيمة » ، كما يلزم الصغار, لأن معنى قول القائل: « بهيمة الأنعام » , نظير قوله: « ولد الأنعام » . فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر, فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.

وقد قال قوم: « بهيمة الأنعام » ، وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر .

 

القول في تأويل قوله : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله: « إلا ما يتلى عليكم » . فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم, إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ، الآية [ سورة المائدة: 3 ] .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، إلا الميتة وما ذكر معها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، أي: من الميتة التي نهى الله عنها، وقدَّم فيها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « إلا ما يتلى عليكم » ، قال: إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « إلا ما يتلى عليكم » ، الميتة والدم ولحم الخنـزير.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، الميتة ولحم الخنـزير.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ » ، هي الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أُهِلَّ لغير الله به.

وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله: « إلا ما يتلى عليكم » ، الخنـزير.

ذكر من قال ذلك.

حدثني عبد الله بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « إلا ما يتلى عليكم » ، قال: الخنـزير.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « إلا ما يتلى عليكم » ، يعني: الخنـزير.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من قال: عنى بذلك: إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرّم عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، الآية. لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها. والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ [ سورة المائدة: 3 ] . وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها. فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء.

 

القول في تأويل قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ فذلك، على قولهم، من المؤخر الذي معناه التقديم. فـ « غير » منصوب على قول قائلي هذه المقالة على الحال مما في قوله: « أوفوا » من ذكر « الذين آمنوا » .

وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه, لا محلّين الصيد وأنتم حرم.

وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر « غير محلي الصيد » ، غير مستحلِّي اصطيادها, وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم « . فـ » غير « ، على قول هؤلاء، منصوب على الحال من » الكاف والميم « اللتين في قوله: لَكُمْ ، بتأويل: أحلت لكم، أيها الذين آمنوا، بهيمة الأنعام, لا مستحلِّي اصطيادها في حال إحرامكم . »

وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم. فكأن من قال ذلك, وجَّه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إلا ما يبين لكم من وحشيها, غيرَ مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم. فتكون « غير » منصوبة، على قولهم، على الحال من « الكاف والميم » في قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخير، وعنده رجل, فحدّثهم فقال: « أحلت لكم بهيمة الأنعام » صيدًا « غير محلي الصيد وأنتم حرم » , فهو عليكم حرام. يعني: بقر الوحش والظباءَ وأشباهه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: « أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم » ، قال: الأنعام كلها حِلٌّ، إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد, فلا يحل إذا كان مُحْرِمًا.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، من أنها الأنعام وأجنَّتها وسخالها, وعلى دلالة ظاهر التنـزيل قولُ من قال: معنى ذلك: أوفوا بالعقود، غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم, فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم, إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم، وما أهل لغير الله به.

وذلك أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، لو كان معناه: « إلا الصيد » , لقيل: « إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه » . وفي ترك الله وَصْلَ قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بما ذكرت, وإظهار ذكر الصيد في قوله: « غير محلي الصيد » ، أوضحُ الدليل على أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، خَبَرٌ متناهية قصته, وأن معنى قوله: « غير محلي الصيد » ، منفصل منه.

وكذلك لو كان قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، مقصودًا به قصد الوحش, لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله: « غير محلي الصيد » وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل, ولقيل: « أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم » . وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله: « غير محلي الصيد » ، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك.

فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟ قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر, وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم. وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نـزل كلامه بلغته، أولى ما وُجد إلى ذلك سبيل من صرفه إلى غير ذلك.

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ, لا محلين الصيد في حرمكم, ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم.

 

القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ( 1 )

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله, وتحريم ما أراد تحريمه, وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم, وغير ذلك من أحكامه وقضاياه فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم, وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها. كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « إن الله يحكم ما يريد » ، إن الله يحكم ما أراد في خلقه, وبيّن لعباده, وفرض فرائضه, وحدَّ حدوده, وأمر بطاعته, ونهى عن معصيته.

 

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله: « لا تحلوا شعائر الله » .

فقال بعضهم معناه: لا تحلوا حُرُمات الله, ولا تتعدَّوا حدوده كأنهم وجهوا « الشعائر » إلى المعالم, وتأولوا « لا تحلوا شعائر الله » ، معالم حدود الله, وأمرَه ونهيَه وفرائضَه.

[ ذكر من قال ذلك ] :

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال، حدثنا حبيب المعلم, عن عطاء: أنه سئل عن « شعائر الله » فقال: حُرُمات الله، اجتناب سَخَطِ الله, واتباع طاعته, فذلك « شعائر الله » .

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلوا حَرَم الله فكأنهم وجهوا معنى قوله: « شعائر الله » ، أي: معالم حرم الله من البلاد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله » ، قال: أما « شعائر الله » ، فحرَم الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلّوا مناسك الحج فتضيعوها وكأنهم وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حدَّها لكم في حجِّكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال ابن عباس قوله: « لا تحلوا شعائر الله » ، قال: مناسك الحج.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: « يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله » ، قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام, ويهدُون الهدايا, ويعظِّمون حرمة المشاعر, ويتَّجرون في حجهم, فأراد المسلمون أن يُغَيِّروا عليهم, فقال الله عز وجل: « لا تحلوا شعائر الله » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « شعائر الله » ، الصفا والمروة, والهَدْي, والبُدْن, كل هذا من « شعائر الله » .

حدثني المثنى قال، حدثني أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلوا ما حرَّم الله عليكم في حال إحرامكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « لا تحلوا شعائر الله » ، قال: « شعائر الله » ، ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرِم.

وكأن الذين قالوا هذه المقالة, وجَّهوا تأويل ذلك إلى: لا تحلوا معالم حدود الله التي حرّمها عليكم في إحرامكم.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بقوله: « لا تحلوا شعائر الله » ، قول عطاء الذي ذكرناه من توجيهه معنى ذلك إلى: لا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه.

لأن « الشعائر » جمع « شعيرة » , « والشعيرة » « فعيلة » من قول القائل: « قد شعر فلان بهذا الأمر » ، إذا علم به. فـ « الشعائر » ، المعالم، من ذلك .

وإذا كان ذلك كذلك, كان معنى الكلام: لا تستحلوا، أيها الذين آمنوا، معالم الله فيدخل في ذلك معالم الله كلها في مناسك الحج: من تحريم ما حرَّم الله إصابته فيها على المحرم, وتضييع ما نهى عن تضييعه فيها, وفيما حرَّم من استحلال حُرمات حَرَمه, وغير ذلك من حدوده وفرائضه، وحلاله وحرامه, لأن كل ذلك من معالمه وشعائره التي جعلها أماراتٍ بين الحق والباطل, يُعْلَم بها حلالُه وحرامه، وأمره ونهيه.

وإنما قلنا ذلك القول أولى بتأويل قوله تعالى: « لا تحلوا شعائر الله » ، لأن الله نهى عن استحلال شعائره ومعالم حدوده وإحلالها نهيًا عامًّا، من غير اختصاص شيء من ذلك دون شيء, فلم يَجُز لأحد أن يوجِّه معنى ذلك إلى الخصوص إلا بحجة يجب التسليم لها, ولا حجة بذلك كذلك.

 

القول في تأويل قوله : وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ولا الشهر الحرام » ، ولا تستحلوا الشهر الحرام بقتالكم فيه أعداءَكم من المشركين وهو كقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ سورة البقرة: 217 ] .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباس وغيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « ولا الشهر الحرام » ، يعني: لا تستحلوا قتالا فيه.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت, فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت.

وأما « الشهر الحرام » الذي عناه الله بقوله: « ولا الشهر الحرام » ، فرجب مُضَر, وهو شهر كانت مضر تحرِّم فيه القتال.

وقد قيل: هو في هذا الموضع « ذو القعدة » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قال: هو ذو القعدة.

وقد بينا الدلالة على صحة ما قلنا في ذلك فيما مضى, وذلك في تأويل قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ .

 

القول في تأويل قوله : وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ

قال أبو جعفر: « أما الهدي » ، فهو ما أهداه المرء من بعيرٍ أو بقرة أو شاة أو غير ذلك، إلى بيت الله, تقرُّبا به إلى الله، وطلبَ ثوابه .

يقول الله عز وجل: فلا تستحلوا ذلك، فتغصبوه أهله غَلَبةً ولا تحولوا بينهم وبين ما أهدوا من ذلك أن يبلُغوا به المحِلَّ الذي جعله الله جل وعزّ مَحِلَّه من كعبته.

وقد روي عن ابن عباس أن « الهدي » إنما يكون هديًا ما لم يُقَلَّد.

حدثني بذلك محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ولا الهدي » ، قال: الهدي ما لم يقلَّد, وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلِّده.

وأما قوله: « ولا القلائد » ، فإنه يعني: ولا تحلوا أيضًا القلائد.

ثم اختلف أهل التأويل في « القلائد » التي نهى الله عز وجل عن إحلالها.

فقال بعضهم: عنى بـ « القلائد » ، قلائدَ الهدي. وقالوا: إنما أراد الله جل وعز بقوله: « ولا الهدي ولا القلائد » ، ولا تحلوا الهدايا المقلَّدات منها وغير المقلَّدات. فقوله: « ولا الهدي » ، ما لم يقلّد من الهدايا « ولا القلائد » ، المقلّد منها. قالوا: ودلّ بقوله: « ولا القلائد » ، على معنى ما أراد من النهي عن استحلال الهدايا المقلّدة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « ولا القلائد » ، القلائد، مقلَّدات الهدي. وإذا قلَّد الرجل هديه فقد أحرم. فإن فعل ذلك وعليه قميصه، فليخلَعْه.

وقال آخرون: يعني بذلك: القلائد التي كان المشركون يتقلدونها إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة، من لِحَاء السَّمُر وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها, من الشَّعَر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، قال: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلَّد من السَّمُر، فلم يعرض له أحد. فإذا رجع تقلَّد قِلادة شَعَر، فلم يعرض له أحد.

وقال آخرون: بل كان الرجل منهم يتقلّد إذا أراد الخروج من الحرم، أو خرج من لحاء شجر الحرم، فيأمن بذلك من سائر قبائل العرب أن يعرضوا له بسوء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مالك بن مغول, عن عطاء: « ولا القلائد » ، قال: كانوا يتقلدون من لحاء شجر الحرم, يأمنون بذلك إذا خرجوا من الحرم, فنـزلت: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ، الآية, « ولا الهدي ولا القلائد » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « ولا القلائد » ، قال: « القلائد » ، اللحاء في رقاب الناس والبهائم، أمْنٌ لهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قوله: « ولا الهدي ولا القلائد » ، قال: إن العرب كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة, فيقيم الرجل بمكانه, حتى إذا انقضت الأشهر الحرم، فأراد أن يرجع إلى أهله، قلَّد نفسه وناقته من لحاء الشجر, فيأمن حتى يأتي أهله.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا القلائد » ، قال: « القلائد » ، كان الرجل يأخذ لحاء شجرة من شجر الحرم، فيتقلدها, ثم يذهب حيث شاء, فيأمن بذلك. فذلك « القلائد » .

وقال آخرون: إنما نهى الله المؤمنين بقوله: « ولا القلائد » ، أن ينـزعوا شيئًا من شجر الحرم فيتقلّدوه، كما كان المشركون يفعلون في جاهليتهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء في قوله: « ولا الهدي ولا القلائد » ، كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لحاء السَّمُر, فيتقلدونها, فيأمنون بها من الناس. فنهى الله أن ينـزع شجرها فَيُتَقَلَّد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مُطرِّف بن الشخير, وعنده رجل فحدّثهم في قوله: « ولا القلائد » ، قال: كان المشركون يأخذون من شجر مكة، من لِحاء السمر، فيتقلدون, فيأمنون بها في الناس. فنهى الله عز ذكره أن يُنـزع شجرها فيتقلَّد.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل قوله: « ولا القلائد » إذ كانت معطوفة على أول الكلام, ولم يكن في الكلام ما يدلّ على انقطاعها عن أوله, ولا أنه عنى بها النهي عن التقلد أو اتخاذ القلائد من شيء أن يكون معناه: ولا تُحِلّوا القلائد.

فإذا كان ذلك بتأويله أولى, فمعلوم أنه نَهْيٌ من الله جل ذكره عن استحلال حرمة المقلَّد، هديًا كان ذلك أو إنسانًا, دون حرمة القلادة. وإن الله عز ذكره، إنما دلّ بتحريمه حرمة القلادة، على ما ذكرنا من حرمة المقلَّد, فاجتزأ بذكره « القلائد » من ذكر « المقلد » , إذ كان مفهومًا عند المخاطبين بذلك معنى ما أريد به.

فمعنى الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله, ولا الشهر الحرام, ولا الهدي, ولا المقلِّد نفسَه بقلائد الحرم.

وقد ذكر بعض الشعراء في شعره ما ذكرنا عمن تأوَّل « القلائد » أنها قلائد لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلَّدونه, فقال وهو يعيب رجلين قتلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك:

أَلَــمْ تَقْتُـلا الْحِرْجَـيْنِ إذْ أَعْوَراكُمَـا يُمِــرَّانِ بِـالأيْدِي اللِّحَـاءَ الْمُضَفَّـرَا

و « الحرجان » ، المقتولان كذلك. ومعنى قوله: « أعوراكما » ، أمكناكما من عورتهما.

 

القول في تأويل قوله : وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا

قال أبو جعفر: يعني بقوله عز ذكره: « ولا آمين البيت الحرام » ، ولا تحلُّوا قاصدي البيت الحرام العامدية .

تقول منه: « أممت كذا » ، إذا قصدته وعمدته, وبعضهم يقول: « يَمَمْته » كما قال الشاعر:

إنِّــي كَـذَاكَ إذَا مَـا سَـاءَنِي بَلَـدٌ يَمَمْـتُ صَـدْرَ بَعِـيرِي غَـيْرَهُ بَلَـدَا

« والبيت الحرام » ، بيت الله الذي بمكة، وقد بينت فيما مضى لم قيل له « الحرام » .

« يبتغون فضلا من ربهم » ، يعني: يلتمسون أرباحًا في تجاراتهم من الله « ورضوانًا » ، يقول: وأن يرضى الله عنهم بنسكهم.

وقد قيل: إن هذه الآية نـزلت في رجل من بني ربيعة يقال له: « الحُطَمُ » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أقبل الحُطم بن هند البكري, ثم أحد بني قيس بن ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وحده, وخَلَّف خيله خارجة من المدينة. فدعاه، فقال: إلام تدعو؟ فأخبره وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة, يتكلم بلسان شيطان! فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم قال: انظر، ولعلّي أسلم ولي من أشاوره. فخرج من عنده, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد دخل بوجه كافر, وخرج بعَقِب غادرٍ! فمرَّ بسَرْح من سَرْح المدينة فساقه, فانطلق به وهو يرتجز

قَــدْ لَفَّهـَا اللَّيْــلُ بِسَوَّاقٍ حـُـطَمْ لَيْــسَ بِرَاعِــي إبِلٍ وَلا غَـنـَـم

وَلا بِجَـــزَّارٍ علــى ظَهْرِ الوَضَـمْ بَــاتُوا نِيَـامًا وَابْنُ هِنْــدٍ لَمْ يَنَـمْ

بَــاتَ يـُقَاسِيهَا غـُلامٌ كَـالــزَّلَـمْ خَــدَلَّجُ السَّاقَــيْنِ مَمْسُوحُ القَـدَمْ

ثم أقبل من عام قابلٍ حاجًّا قد قلَّد وأهدى, فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه, فنـزلت هذه الآية, حتى بلغ: « ولا آمين البيت الحرام » . قال له ناس من أصحابه: يا رسول الله، خلِّ بيننا وبينه, فإنه صاحبنا! قال: إنه قد قلَّد! قالوا: إنما هو شيء كنا نصنعه في الجاهلية! فأبى عليهم, فنـزلت هذه الآية.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قال: قدم الحُطَم، أخو بني ضُبيعة بن ثعلبة البكري، المدينةَ في عِير له يحمل طعامًا, فباعه. ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه وأسلم. فلما ولى خارجًا، نظر إليه فقال لمن عنده: لقد دخل عليّ بوجهٍ فاجرٍ، وولّى بقفا غادرٍ! فلما قدم اليمامة ارتدَّ عن الإسلام, وخرج في عير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة. فلما سمع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, تهيَّأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقتطعوه في عِيره, فأنـزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ، الآية, فانتهى القوم.

قال ابن جريج قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، قال: ينهى عن الحجاج أن تُقطع سبلهم. قال: وذلك أن الحطم قدِم على النبي صلى الله عليه وسلم ليرتاد وينظر, فقال: إني داعية قوم فاعرض عليّ ما تقول. قال له: أدعوك إلى الله أن تعبده ولا تشرك به شيئًا, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم شهر رمضان, وتحج البيت. قال الحطم: في أمرك هذا غلظة, أرجع إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرت, فإن قبلوه أقبلتُ معهم, وإن أدبروا كنت معهم. قال له: ارجع. فلما خرج قال: لقد دخل عليّ بوجه كافرٍ، وخرج من عندي بعَقِبَى غادر, وما الرجل بمسلم! فمرَّ على سَرْح لأهل المدينة فانطلق به، فطلبه أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ففاتهم، وقدم اليمامة, وحضر الحج, فجهّز خارجًا, وكان عظيم التجارة, فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخذوا ما معه, فأنـزل الله عز وجل: « لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا آمين البيت الحرام » الآية, قال: هذا يوم الفتح، جاء ناسٌ يؤمُّون البيت من المشركين يُهِلُّون بعمرة, فقال المسلمون: يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون كمثل هؤلاء فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم. فنـزل القرآن: « ولا آمين البيت الحرام » .

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: « ولا آمين البيت الحرام » ، يقول: من توجَّه حاجًّا.

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، يعني: الحاج.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخّير وعنده رجل, فحدثهم فقال: « ولا آمين البيت الحرام » ، قال: الذين يريدون البيت.

ثم اختلف أهل العلم فيما نسخ من هذه الآية، بعد إجماعهم على أن منها منسوخًا.

فقال بعضهم: نسخ جميعها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن بيان, عن عامر, قال: لم ينسخ من المائدة إلا هذه الآية: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون, عن سفيان بن حسين, عن الحكم, عن مجاهد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ، نسختها، فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [ سورة التوبة: 5 ] .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن بيان, عن الشعبي قال، لم ينسخ من سورة المائدة غير هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ الآية, قال: منسوخ. قال: كان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت, فأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرم، ولا عند البيت, فنسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية, عن جويبر, عن الضحاك: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ إلى قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، قال: نسختها « براءة » : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن الضحاك, مثله.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن منصور, عن حبيب بن أبي ثابت: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ ، قال: هذا شيء نهي عنه, فترك كما هو .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » ، قال: هذا كله منسوخ, نسخ هذا أمرُه بجهادهم كافة .

وقال آخرون: الذي نسخ من هذه الآية قوله: « وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: نسخ من « المائدة » : « آمين البيت الحرام » ، نسختها « براءة » قال الله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ , وقال: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [ سورة التوبة: 17 ] ، وقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [ سورة التوبة: 28 ] ، وهو العام الذي حج فيه أبو بكر, فنادى فيه بالأذان.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ الآية, قال: فنسخ منها: « آمين البيت الحرام » ، نسختها « براءة » , فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ , فذكر نحو حديث عبدة.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: نـزل في شأن الحُطم: « وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » ، ثم نسخه الله فقال: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [ سورة البقرة: 191 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ إلى قوله: « ولا آمين البيت » ، [ فكان المؤمنون والمشركون يحجون إلى البيت ] جميعًا, فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا أن يحجّ البيت أو يعرضوا له، من مؤمن أو كافر, ثم أنـزل الله بعد هذا: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا , وقال: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ , وقال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [ سورة التوبة: 18 ] ، فنفى المشركين من المسجد الحرام.

حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، الآية, قال: منسوخ, كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج, تقلَّد من السَّمُر فلم يعرض له أحد. وإذا رجع، تقلَّد قلادة شَعَرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يُصَدُّ عن البيت. وأمروا أن لا يقاتلوا في الأشهر الحُرُم، ولا عند البيت, فنسخها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .

وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء، إلا القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلَّدونها من لِحَاء الشجر.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، الآية, قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: هذا كله من عمل الجاهلية فِعله وإقامته, فحرَّم الله ذلك كله بالإسلام, إلا لحاء القلائد, فترك ذلك « ولا آمين البيت الحرام » ، فحرم الله على كل أحد إخافتهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة, قول من قال: نسخ الله من هذه الآية قوله: « وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ » ، لإجماع الجميع على أن الله قد أحلّ قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها. وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قَلَّد عنقه أو ذراعيه لحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدَّم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان وقد بينا فيما مضى معنى « القلائد » في غير هذا الموضع .

وأما قوله: « ولا آمين البيت الحرام » ، فإنه محتمل ظاهره: ولا تحلوا حُرْمة آمِّين البيت الحرام من أهل الشرك والإسلام, لعموم جميع من أمَّ البيت. وإذا احتمل ذلك, فكان أهل الشرك داخلين في جملتهم, فلا شك أن قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، ناسخٌ له. لأنه غير جائز اجتماع الأمر بقتلهم وترك قتلهم في حال واحدة ووقت واحد. وفي إجماع الجميع على أن حكم الله في أهل الحرب من المشركين قتلُهم, أمُّوا البيت الحرام أو البيت المقدس، في أشهر الحرم وغيرها ما يُعلم أن المنع من قتلهم إذا أموا البيت الحرام منسوخٌ. ومحتمل أيضًا: ولا آمين البيت الحرام من أهل الشرك.

وأكثر أهل التأويل على ذلك.

وإن كان عُني بذلك المشركون من أهل الحرب, فهو أيضًا لا شك منسوخ.

وإذْ كان ذلك كذلك وكان لا اختلاف في ذلك بينهم ظاهر, وكان ما كان مستفيضًا فيهم ظاهرًا حجةً فالواجب، وإن احتمل ذلك معنى غير الذي قالوا, التسليمُ لما استفاض بصحته نقلهم.

 

القول في تأويل قوله : يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « يبتغون » ، يطلبون ويلتمسون و « الفضل » الأرباح في التجارة و « الرضوان » ، رضَى الله عنهم, فلا يحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحلَّ بغيرهم من الأمم في عاجل دنياهم، بحجّهم بيتَه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، قال: هم المشركون، يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دُنياهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة في قوله: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، والفضل والرضوان اللذان يبتغون: أن يصلح معايشهم في الدنيا, وأن لا يعجَّل لهم العقوبة فيها.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن ابن عباس: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، يعني: أنهم يترضَّون الله بحجهم.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشِّخِّير, وعنده رجل فحدثهم في قوله: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، قال: التجارة في الحج, والرضوان في الحج.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي أميمة قال، قال ابن عمر في الرجل يحج ويحمل معه متاعًا, قال: لا بأس به وتلا هذه الآية: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « يبتغون فضلا من ربهم ورضوانًا » ، قال: يبتغون الأجر والتجارة.

 

القول في تأويل قوله : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذا حللتم فاصطادوا الصيد الذي نهيتكم أن تُحِلُّوه وأنتم حرم. يقول: فلا حرج عليكم في اصطياده، واصطادوا إن شئتم حينئذ, لأن المعنى الذي من أجله كنت حرَّمته عليكم في حال إحرامكم قد زال.

وبما قلنا في ذلك قال جميع أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا حصين, عن مجاهد أنه قال: هي رخصة يعني قوله: « وإذا حللتم فاصطادوا » .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن حجاج, عن القاسم, عن مجاهد قال: خمس في كتاب الله رخصة, وليست بعَزْمة, فذكر: « وإذا حللتم فاصطادوا » ، قال: من شاء فعل, ومن شاء لم يفعل.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد, عن حجاج, عن عطاء, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن حصين, عن مجاهد: « وإذا حللتم فاصطادوا » ، قال: إذا حلّ, فإن شاء صاد, وإن شاء لم يصطد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس, عن ابن جريج, عن رجل, عن مجاهد: أنه كان لا يرى الأكل من هَدْي المتعة واجبًا, وكان يتأول هذه الآية: « وإذا حللتم فاصطادوا » فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [ سورة الجمعة: 10 ] .

 

القول في تأويل قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ولا يجرمنكم » ، ولا يحملنكم، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، يقول: لا يحملنكم شنآن قوم.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، أي: لا يحملنكم.

وأما أهل المعرفة باللغة فإنهم اختلفوا في تأويلها.

فقال بعض البصريين: معنى قوله: « ولا يجرمنكم » ، لا يُحِقَّنَّ لكم، لأن قوله: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [ سورة النحل: 62 ] ، هو: حقٌّ أن لهم النار.

وقال بعض الكوفيين: معناه: لا يحملنَّكم. وقال: يقال: « جرمني فلان على أن صنعت كذا وكذا » ، أي: حملني عليه.

واحتج جميعهم ببيت الشاعر:

وَلَقَــدْ طَعَنْـتَ أَبَـا عُيَيْنَـةَ طَعْنَـةً جَـرَمَتْ فَـزَارَةُ بَعْدَهَـا أَنْ يَغْضَبُـوا

فتأول ذلك كل فريق منهم على المعنى الذي تأوله من القرآن. فقال الذين قالوا: « لا يجرمنكم » ، لا يُحِقَّن لكم معنى قول الشاعر: « جرمت فزارة » ، أحقَّت الطعنةُ لفزارة الغضبَ.

وقال الذين قالوا: معناه: لا يحملنكم معناه في البيت: « جرمت فزارة أن يغضبوا » ، حملت فزارة على أن يغضبوا.

وقال آخر من الكوفيين: معنى قوله: « لا يجرمنكم » ، لا يكسبنكم شنآن قوم.

وتأويل قائل هذا القول قولَ الشاعر في البيت: « جرمت فزارة » ، كسبت فزارة أن يغضبوا. قال: وسمعت العرب تقول: « فلان جريمة أهله » , بمعنى: كاسبهم « وخرج يجرمهم » ، يكسبهم.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، متقاربة المعنى. وذلك أن من حمل رجلا على بغض رجل، فقد أكسبه بغضه. ومن أكسبه بغضه، فقد أحقَّه له.

فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أحسن في الإبانة عن معنى الحرف, ما قاله ابن عباس وقتادة, وذلك توجيههما معنى قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، ولا يحملنكم شنآن قومٍ على العدوان.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) بفتح « الياء » من: « جَرَمْتُه أجْرِمُه » .

وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين وهو يحيى بين وثّاب، والأعمش: ما:-

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن الأعمش أنه قرأ: ( وَلا يُجْرِمَنَّكُمْ ) مرتفعة « الياء » ، من: « أجرمته أجرمه، وهو يُجْرِمني » .

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القراءتين, قراءة من قرأ ذلك: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ ) بفتح « الياء » , لاستفاضة القراءة بذلك في قرأة الأمصار، وشذوذ ما خالفها, وأنها اللغة المعروفة السائرة في العرب, وإن كان مسموعًا من بعضها: « أجرم يُجْرم » على شذوذه. وقراءة القرآن بأفصح اللغات، أولى وأحق منها بغير ذلك. ومن لغة من قال « جَرَمْتُ » ، قول الشاعر:

يَـا أَيُّهَـا المُشْـتَكِي عُكْلا وَمَا جَرَمَتْ إلــى القَبَـائِلِ مِـنْ قَتْـلٍ, وإبْـآسُ

 

القول في تأويل قوله : شَنَآنُ قَوْمٍ

اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: ( شَنَآنُ ) بتحريك « الشين والنون » إلى الفتح, بمعنى: بغض قوم، توجيهًا منهم ذلك إلى المصدر الذي يأتي على « فَعَلان » ، نظير « الطيران » و « النَّسَلان » و « العَسَلان » و « الرَّمَلان » .

وقرأ ذلك آخرون: ( شَنْآنُ قَوْمٍ ) بتسكين « النون » وفتح « الشين » بمعنى: الاسم، توجيهًا منهم معناه إلى: لا يحملنكم بَغِيض قوم فيخرج « شَنْآن » على تقدير « فَعْلان » , لأن « فَعَل » منه على « فَعِلَ » كما يقال: « سكران » من « سكر » , و « عطشان » من « عطش » , وما أشبه ذلك من الأسماء.

قال أبو جعفر: والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصواب, قراءة من قرأ: ( شَنَآنُ قَومٍ ) بفتح « النون » محركة, لشائع تأويل أهل التأويل على أن معناه: بغض قوم وتوجيههم ذلك إلى معنى المصدر دون معنى الاسم.

وإذْ كان ذلك موجَّهًا إلى معنى المصدر, فالفصيح من كلام العرب فيما جاء من المصادر على « الفَعلان » بفتح « الفاء » ، تحريك ثانيه دون تسكينه, كما وصفت من قولهم: « الدَّرَجَان » و « الرَّمَلان » ، من « درج » و « رمل » , فكذلك « الشنآن » من « شنئته أشنَؤُه شنآنًا » ، ومن العرب من يقول: « شَنَانٌ » على تقدير « فعال » , ولا أعلم قارئًا قرأ ذلك كذلك, ومن ذلك قول الشاعر:

وَمَــا العَيْشُ إلا مَـا تَلَـذُّ وتَشْـتَهِي وَإنْ لامَ فِيــهِ ذُو الشَّــنَانِ وَفَنَّــدَا

وهذا في لغة من ترك الهمز من « الشنآن » , فصار على تقدير « فعال » وهو في الأصل « فَعَلان » .

ذكر من قال من أهل التأويل: « شنآن قوم » ، بغض قوم.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، لا يحملنكم بغض قوم.

وحدثني به المثنى مرة أخرى بإسناده, عن ابن عباس فقال: لا يحملنكم عداوة قوم أن تعتدوا.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، لا يجرمنكم بغض قوم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ » ، قال: بغضاؤهم، أن تعتدوا.

 

القول في تأويل قوله : أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا

قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض أهل المدينة وعامة قرأة الكوفيين: ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) بفتح « الألف » من « أن » ، بمعنى: لا يجرمنكم بغض قوم بصدِّهم إياكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.

وكان بعض قرأة الحجاز والبصرة يقرأ ذلك: ( ولا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم ) ، بكسر « الألف » من « إن » ، بمعنى: ولا يجرمنكم شنآن قوم إن هم أحدثوا لكم صدًّا عن المسجد الحرام أن تعتدوا فزعموا أنها في قراءة ابن مسعود: ( إن يصدوكم ) ، فقرأوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءته.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي, أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قرأة الأمصار, صحيح معنى كل واحدة منهما.

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صُدَّ عن البيت هو وأصحابه يوم الحديبية, وأنـزلت عليه « سورة المائدة » بعد ذلك، فمن قرأ ( أَنْ صَدُّوكُمْ ) بفتح « الألف » من « أن » ، فمعناه: لا يحملنكم بغض قوم، أيها الناس، من أجل أن صدوكم يوم الحديبية عن المسجد الحرام, أن تعتدوا عليهم.

ومن قرأ: ( إن صدوكم ) بكسر « الألف » , فمعناه: لا يجرمنكم شنآن قوم إن صدوكم عن المسجد الحرام إذا أردتم دخوله. لأن الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريش يوم فتح مكة، قد حاولوا صَدَّهم عن المسجد الحرام. فتقدم الله إلى المؤمنين في قول من قرأ ذلك بكسر « إن » بالنهي عن الاعتداء عليهم، إن هم صدوهم عن المسجد الحرام، قبل أن يكون ذلك من الصادِّين.

غير أن الأمر، وإن كان كما وصفت, فإن قراءة ذلك بفتح « الألف » ، أبينُ معنى. لأن هذه السورة لا تَدَافُعَ بين أهل العلم في أنها نـزلت بعد يوم الحديبية. وإذْ كان ذلك كذلك, فالصدُّ قد كان تقدم من المشركين, فنهى الله المؤمنين عن الاعتداء على الصادِّين من أجل صدِّهم إياهم عن المسجد الحرام.

وأما قوله: « أن تعتدوا » ، فإنه يعني: أن تجاوزوا الحدَّ الذي حدَّه الله لكم في أمرهم.

فتأويل الآية إذًا: ولا يحملنكم بغض قوم، لأن صدوكم عن المسجد الحرام، أيها المؤمنون، أن تعتدوا حكم الله فيهم، فتجاوزوه إلى ما نهاكم عنه, ولكن الزموا طاعة الله فيما أحببتم وكرهتم.

وذكر أنها نـزلت في النهي عن الطلب بذُحول الجاهلية.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « أن تعتدوا » ، رجل مؤمن من حلفاء محمد, قتل حليفًا لأبي سفيان من هذيل يوم الفتح بعرفة, لأنه كان يقتل حلفاء محمد, فقال محمد صلى الله عليه وسلم: لعن الله من قتل بذَحْل الجاهلية.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: هذا منسوخ

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا » ، قال: بغضاؤهم, حتى تأتوا ما لا يحل لكم. وقرأ: « أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا » , وقال: هذا كله قد نسخ, نسخه الجهاد.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول مجاهد أنه غير منسوخ، لاحتماله: أن تعتدوا الحقَّ فيما أمرتكم به. وإذا احتمل ذلك, لم يجز أن يقال: « هو منسوخ » , إلا بحجة يجب التسليم لها.

 

القول في تأويل قوله : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وتعاونوا على البر والتقوى » ، وليعن بعضكم، أيها المؤمنون، بعضًا « على البر » , وهو العمل بما أمر الله بالعمل به « والتقوى » ، هو اتقاء ما أمر الله باتقائه واجتنابه من معاصيه.

وقوله: « ولا تعاونوا على الإثم والعدوان » ، يعني: ولا يعن بعضكم بعضًا « على الإثم » , يعني: على ترك ما أمركم الله بفعله « والعدوان » ، يقول: ولا على أن تتجاوزوا ما حدَّ الله لكم في دينكم, وفرض لكم في أنفسكم وفي غيركم.

وإنما معنى الكلام: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا, ولكن ليعن بعضكم بعضًا بالأمر بالانتهاء إلى ما حدَّه الله لكم في القوم الذين صدُّوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم, والانتهاء عما نهاكم الله أن تَأتوا فيهم وفي غيرهم، وفي سائر ما نهاكم عنه, ولا يعن بعضكم بعضًا على خلاف ذلك.

وبما قلنا في « البر والتقوى » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وتعاونوا على البر والتقوى » ، « البر » ما أمرت به, و « التقوى » ما نهيت عنه.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: « وتعاونوا على البر والتقوى » قال: « البر » ما أمرت به, و « التقوى » ما نهيت عنه.

 

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( 2 )

قال أبو جعفر: وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهدُّدٌ لمن اعتدى حدّه وتجاوز أمره يقول عز ذكره: « واتقوا الله » ، يعني: واحذروا الله، أيها المؤمنون، أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالفتم أمره فيما أمركم به، أو نهيه فيما نهاكم عنه, فتستوجبوا عقابه، وتستحقوا أليم عذابه. ثم وصف عقابه بالشدة فقال عز ذكره: إن الله شديدٌ عقابه لمن عاقبه من خلقه, لأنها نار لا يطفأ حَرُّها, ولا يخمد جمرها, ولا يسكن لهبها، نعوذ بالله منها ومن عمل يقرِّبنا منها.

 

القول في تأويل قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: حرَّم الله عليكم، أيها المؤمنون، الميتة.

و « الميتة » : كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره, مما أباح الله أكلها, أهليَّها ووحشيَّها, فارقتها روحها بغير تذكية .

وقد قال بعضهم: « الميتة » ، هو كل ما فارقته الحياة من دوابِّ البر وطيره بغير تذكية، مما أحل الله أكله .

وقد بيّنا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك، في كتابنا ( كتاب لطيف القول في الأحكام ) .

وأما « الدم » ، فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح, لأن الله جل ثناؤه قال: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ [ سورة الأنعام: 145 ] ، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال, وما كان في اللحم غير منسفح, فإن ذلك غير حرام, لإجماع الجميع على ذلك.

وأما قوله: « ولحم الخنـزير » ، فإنه يعني: وحُرِّم عليكم لحم الخنـزير, أهليُّه وبَرِّيّه.

فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم, والمراد منهما الخصوص. وأما لحم الخنـزير, فإن ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره, حرام جميعه، لم يخصص منه شيء.

وأما قوله: « وما أهلَّ لغير الله به » ، فإنه يعني: وما ذكر عليه غير اسم الله.

وأصله من « استهلال الصبي » ، وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه. ومنه « إهلال المحرم بالحج » ، إذا لبّى به ومنه قول ابن أحمر:

يُهــــلُّ بـــالفَرْقَدِ رُكْبَانُهَـــا كَمَــا يُهِــلُّ الــرَّاكِبُ المُعْتَمِــرْ

وإنما عنى بقوله: « وما أهل لغير الله به » ، وما ذبح للآلهة وللأوثان، يسمى عليه غير اسم الله .

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمُنْخَنِقَةُ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في صفة « الانخناق » الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله: « والمنخنقة » .

فقال بعضهم بما:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والمنخنقة » ، قال: التي تدخل رأسها بين شُعْبتين من شجرة, فتختنق فتموت.

11002م- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك في المنخنقة, قال: التي تختنق فتموت.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: « والمنخنقة » ، التي تموت في خِنَاقها.

وقال آخرون: هي التي توثق فيقتلها بالخناق وَثَاقها.

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « والمنخنقة » ، قال: الشاة توثق, فيقتلها خِنَاقها, فهي حرام.

وقال آخرون: بل هي البهيمة من النَّعم, كان المشركون يخنقونها حتى تموت, فحرَّم الله أكلها.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « والمنخنقة » التي تُخنق فتموت.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والمنخنقة » ، كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة, حتى إذا ماتت أكلوها.

وأولى هذه الأقوال بالصواب, قول من قال: « هي التي تختنق, إما في وثاقها, وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت » .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره, لأن « المنخنقة » ، هي الموصوفة بالانخناق، دون خنق غيرها لها, ولو كان معنيًّا بذلك أنها مفعول بها، لقيل: « والمخنوقة » , حتى يكون معنى الكلام ما قالوا.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمَوْقُوذَةُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « والموقوذة » ، والميتة وقيذًا.

يقال منه: « وقَذَهُ يَقِذُه وقْذًا » ، إذا ضربه حتى أشرف على الهلاك, ومنه قول الفرزدق:

شَــغَّارَةٍ تَقِــذُ الفَصِيــلَ بِرِجْلِهَـا فَطَّــــارَةٍ لِقَـــوَادِمِ الأبْكَـــارِ

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « والموقوذة » ، قال: الموقوذة، التي تضرب بالخشب حتى توقَذَ بها فتموت.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والموقوذة » ، كان أهل الجاهلية يضربونها بالعِصيّ, حتى إذا ماتت أكلوها.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا شعبة, عن قتادة في قوله: « والموقوذة » ، قال: كانوا يضربونها حتى يقذوها, ثم يأكلونها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « والموقوذة » ، التي توقذ فتموت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك قال: « الموقوذة » ، التي تضرب حتى تموت.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والموقوذة » ، قال: هي التي تضرب فتموت.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « والموقوذة » ، كانت الشاة أو غيرها من الأنعام تضرب بالخشب لآلهتهم، حتى يقتلوها فيأكلوها.

حدثنا العباس بن الوليد قال، أخبرني عقبة بن علقمة, حدثني إبراهيم بن أبي عبلة. قال، حدثني نعيم بن سلامة, عن أبي عبد الله الصنابحي قال: ليست « الموقوذة » إلا في مالك, وليس في الصيد وقيذ.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمُتَرَدِّيَةُ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وحرمت عليكم الميتة تردِّيًا من جبل أو في بئر, أو غير ذلك.

و « تردِّيها » ، رميُها بنفسها من مكان عالٍ مشرف إلى سُفْله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « والمتردية » ، قال: التي تتردَّى من الجبل.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والمتردية » ، كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والمتردية » ، قال: التي تردَّت في البئر.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: « والمتردية » ، قال: هي التي تَرَدَّى من الجبل، أو في البئر, فتموت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « والمتردية » ، التي تردَّى من الجبل فتموت.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « والمتردية » ، قال: التي تَخِرُّ في ركيٍّ، أو من رأس جبل، فتموت.

 

القول في تأويل قوله : وَالنَّطِيحَةُ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « النطيحة » ، الشاة التي تنطحها أخرى فتموت من النطاح بغير تذكية. فحرم الله جل ثناؤه ذلك على المؤمنين، إن لم يدركوا ذكاته قبل موته.

وأصل « النطيحة » ، « المنطوحة » , صرفت من « مفعولة » إلى « فعيلة » .

فإن قال قائل: وكيف أثبتت « الهاء » هاء التأنيث فيها, وأنت تعلم أن العرب لا تكاد تثبت « الهاء » في نظائرها إذا صرفوها صرف « النطيحة » من « مفعول » إلى « فعيل » , إنما تقول: « لحية دهين » و « عين كحيل » و « كف خضيب » , ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة؟

قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: أثبتت فيها « الهاء » أعني في « النطيحة » لأنها جعلت كالاسم مثل: « الطويلة » و « الطريقة » .

فكأن قائل هذا القول، وجه « النطيحة » إلى معنى « الناطحة » .

فتأويل الكلام على مذهبه: وحرمت عليكم الميتة نطاحًا, كأنه عنى: وحرمت عليكم الناطحة التي تموت من نِطاحها.

وقال بعض نحويي الكوفة: إنما تحذف العرب « الهاء » من « الفعيلة » المصروفة عن « المفعول » ، إذا جعلتها صفة لاسم قد تقدَّمها, فتقول: « رأينا كفًّا خضيبًا، وعينًا كحيلا » ، فأما إذا حذفت « الكف » و « العين » والاسم الذي يكون « فعيل » نعتًا لها، واجتزأوا بـ « فعيل » منها, أثبتوا فيه هاء التأنيث, ليعلم بثبوتها فيه أنها صفة للمؤنث دون المذكر, فتقول: « رأينا كحيلةً وخضيبة » و « أكيلة السبع » . قالوا: ولذلك أدخلت « الهاء » في « النطيحة » , لأنها صفة المؤنث, ولو أسقطت منها لم يُدْرَ أهي صفة مؤنث أو مذكر.

وهذا القول هو أولى القولين في ذلك بالصواب، لشائع أقوال أهل التأويل بأن معنى: « النطيحة » ، المنطوحة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن أبي عباس قوله: « والنطيحة » ، قال: الشاة تنطح الشاة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن قيس, عن أبي إسحاق, عن أبي ميسرة قال: كان يقرأ: ( وَالمَنْطُوحَةُ ) .

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « والنطيحة » ، الشاتان ينتطحان فيموتان.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والنطيحة » ، هي التي تنطحها الغنم والبقر فتموت. يقول: هذا حرام, لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والنطيحة » ، كان الكبشان ينتطحان, فيموت أحدهما, فيأكلونه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا روح قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « والنطيحة » ، الكبشان ينتطحان، فيقتل أحدهما الآخر, فيأكلونه.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله: « والنطيحة » ، قال: الشاة تنطح الشاة فتموت.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « وما أكل السبع » ، وحرّم عليكم ما أكل السبع غير المعَلَّم من الصوائد.

وكذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « وما أكل السبع » ، يقول: ما أخذ السبع.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: « وما أكل السبع » ، يقول: ما أخذ السبع.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وما أكل السبع » ، قال: كان أهل الجاهلية إذا قتل السبع شيئًا من هذا أو أكل منه, أكلوا ما بقي.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن قيس, عن عطاء بن السائب, عن أبي الربيع, عن ابن عباس أنه قرأ: ( وأكيل السبع ) .

 

القول في تأويل قوله : إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « إلا ما ذكَّيتم » ، إلا ما طهرتموه بالذبح الذي جعله الله طهورًا.

ثم اختلف أهل التأويل فيما استثنى الله بقوله: « إلا ما ذكيتم » .

فقال بعضهم: استثنى من جميع ما سمى الله تحريمه من قوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « إلا ما ذكيتم » ، يقول: ما أدركتَ ذكاته من هذا كله, يتحرّك له ذنب، أو تطرِف له عين, فاذبح واذكر اسم الله عليه، فهو حلال.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث, عن الحسن: « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ » ، قال الحسن: أيَّ هذا أدركتَ ذكاته فذكِّه وكُلْ. فقلت: يا أبا سعيد، كيف أعرف؟ قال: إذا طرَفت بعينها، أو ضربت بذَنبها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « إلا ما ذكيتم » ، قال: فكلُّ هذا الذي سماه الله عز وجل ههنا، ما خلا لحم الخنـزير، إذا أدركتَ منه عينًا تطرف، أو ذنبًا يتحرك، أو قائمة تركض فذكّيته, فقد أحلّ الله لك ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « إلا ما ذكيتم » ، من هذا كله. فإذا وجدتها تطرف عينها, أو تحرك أذنها من هذا كله, فهي لك حلال.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم وعباد قالا أخبرنا حجاج, عن حصين, عن الشعبي, عن الحارث, عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلا فكلها.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا معمر, عن إبراهيم قال: إذا أكل السبع من الصيد، أو الوقيذة أو النطيحة أو المتردية، فأدركت ذكاته, فكُل.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا مصعب بن سلام التميمي قال، حدثنا جعفر بن محمد, عن أبيه, عن علي بن أبي طالب قال: إذا ركضت برجلها، أو طرفت بعينها، وحركت ذنبها, فقد أجزأ.

حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن طاوس, عن أبيه قال: إذ ذبحت فَمَصَعَت بذنبها، أو تحركت، فقد حلَّت لك أو قال: فَحَسْبه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن حميد, عن الحسن قال: إذا كانت الموقوذة تطرف ببصرها, أو تركض برجلها, أو تمصَع بذنبها, فاذبح وكُل.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن قتادة, بمثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن ابن جريج, عن أبي الزبير, أنه سمع عبيد بن عمير يقول: إذا طرفت بعينها, أو مصعت بذنبها, أو تحركت, فقد حلَّت لك.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا, فحرَّم الله في الإسلام إلا ما ذُكِّي منه, فما أُدرك فتحرّك منه رجل أو ذنب أو طَرف، فذكِّي, فهو حلال.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ ، وقوله: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ ، الآية « وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ » ، قال: هذا كله محرّم, إلا ما ذكيّ من هذا.

فتأويل الآية على قول هؤلاء: حرمت الموقوذة والمتردِّية، إن ماتت من التردِّي والوقذ والنطح وفَرْس السبع, إلا أن تدركوا ذكاتها, فتدركوها قبل موتها, فتكون حينئذ حلالا أكلُها.

وقال آخرون: هو استثناء من التحريم, وليس باستثناء من المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، لأن الميتة لا ذكاة لها، ولا للخنـزير. قالوا: وإنما معنى الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما سمينا مع ذلك, إلا ما ذكيتم مما أحلَّه الله لكم بالتذكية, فإنه لكم حلال. وممن قال ذلك جماعة من أهل المدينة.

ذكر بعض من قال ذلك:

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك، وسئل عن الشاة التي يخرِق جوفها السبع حتى تخرجَ أمعاؤها, فقال مالك: لا أرى أن تذكَّى، ولا يؤكل أي شيء يذكَّى منها.

حدثني يونس, عن أشهب قال: سئل مالك عن السبع يَعْدُو على الكبش فيدقُّ ظهره, أترى أن يذكَّى قبل أن يموت فيؤكل؟ قال: إن كان بلغ السَّحْر فلا أرى أن يؤكل. وإن كان إنما أصاب أطرافه, فلا أرى بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدقَّ ظهره؟ قال: لا يعجبني أن يؤكل, هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ قال: إذا شق بطنها، فلا أرى أن تؤكل.

وعلى هذا القول يجب أن يكون قوله: « إلا ما ذكيتم » ، استثناء منقطعًا.

فيكون تأويل الآية: حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما ذكرنا, ولكن ما ذكيتم من الحيوانات التي أحللتها لكم بالتذكية حلال.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب، القول الأول, وهو أن قوله: « إلا ما ذكيتم » استثناء من قوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، لأن كل ذلك مستحق الصفة التي هو بها قبل حال موته فيقال لما قرَّب المشركون لآلهتهم فسموه لهم: « هو ما أهل لغير الله به » ، بمعنى سمى قربانًا لغير الله. وكذلك « المنخنقة » ، إذا انخنقت وإن لم تمت، فهي منخنقة. وكذلك سائر ما حرمه الله جل وعز بعد قوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، إلا بالتذكية، فإنه يوصف بالصفة التي هو بها قبل موته, فحرمه الله على عباده إلا بالتذكية المحللة، دون الموت بالسبب الذي كان به موصوفًا. فإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الآية: وحرم عليكم ما أهل لغير الله به والمنخنقة وكذا وكذا وكذا, إلا ما ذكيتم من ذلك.

فـ « ما » إذ كان ذلك تأويله في موضع نصب بالاستثناء مما قبلها. وقد يجوز فيه الرفع.

وإذ كان الأمر على ما وصفنا, فكل ما أدركت ذكاتُه من طائر أو بهيمة قبل خروج نفسه، ومفارقة روحه جسدَه, فحلال أكله، إذا كان مما أحلَّه الله لعباده.

فإن قال لنا قائل: فإذ كان ذلك معناه عندك, فما وجه تكريره ما كرّر بقوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ، وسائر ما عدَّد تحريمه في هذه الآية, وقد افتتح الآية بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ؟ وقد علمت أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، شامل كل ميتة، كان موته حتف أنفه من علة به من غير جناية أحد عليه, أو كان موته من ضرب ضاربٍ إياه, أو انخناق منه، أو انتطاح، أو فَرْس سبع؟ وهلا كان قوله إن كان الأمر على ما وصفت في ذلك، من أنه معنيٌّ بالتحريم في كل ذلك: الميتة بالانخناق والنطاح والوقذ وأكل السبع أو غير ذلك, دون أن يكون معنيًّا به تحريمه إذا تردّى أو انخنق أو فرسه السبع, فبلغ ذلك منه ما يعلم أنه لا يعيش مما أصابه منه إلا باليسير من الحياة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، مغنيًا من تكرير ما كرر بقوله: وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ ، وسائر ما ذكر مع ذلك، وتَعْدادِه ما عدَّد؟

قيل: وجه تكراره ذلك وإن كان تحريم ذلك إذا مات من الأسباب التي هو بها موصوف, وقد تقدم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أن الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا لا يعدُّون « الميتة » من الحيوان, إلا ما مات من علة عارضة به غير الانخناق والتردِّي والانتطاح وفرس السبع. فأعلمهم الله أن حكم ذلك، حكم ما مات من العلل العارضة وأن العلة الموجبة تحريم الميتة، ليست موتها من علة مرض أو أذى كان بها قبل هلاكها, ولكن العلة في ذلك أنها لم يذبحها من أجل ذبيحته بالمعنى الذي أحلها به كالذي:-

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: « وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ » ، يقول: هذا حرام, لأن ناسًا من العرب كانوا يأكلونه ولا يعدّونه ميتًا, إنما يعدون الميت الذي يموت من الوجع. فحرمه الله عليهم, إلا ما ذكروا اسم الله عليه، وأدركوا ذكاته وفيه الروح.

 

القول في تأويل قوله : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « وما ذبح على النصب » ، وحرم عليكم أيضًا الذي ذبح على النُّصُب.

فـ « ما » في قوله: « وما ذبح » ، رفْعٌ، عطفًا على « ما » التي في قوله: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ .

و « النصب » ، الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض, فكان المشركون يقرِّبون لها, وليست بأصنام.

وكان ابن جريج يقول في صفته ما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: « النصب » ليست بأصنام, « الصنم » يصوَّر وينقش, وهذه حجارة تنصب، ثلثمئة وستون حجرًا منهم من يقول ثلثمئة منها لخزاعة فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: يا رسول الله, كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم, فنحن أحقُّ أن نعظمه! فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك, فأنـزل الله: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا [ سورة الحج: 37 ] .

ومما يحقق قول ابن جريج في أن « الأنصاب » غير « الأصنام » ، ما:-

حدثنا به ابن وكيع قال: حدثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وما ذبح على النصب » ، قال: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « النصب » ، قال: حجارة حول الكعبة, يذبح عليها أهل الجاهلية, ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وما ذبح على النصب » ، و « النصب » : حجارة كان أهل الجاهلية يعبدونها, ويذبحون لها, فنهى الله عن ذلك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وما ذبح على النصب » ، يعني: أنصابَ الجاهلية.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « وما ذبح على النصب » ، و « النصب » ، أنصاب كانوا يذبحون ويُهِلُّون عليها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قوله: « وما ذبح على النصب » ، قال: كان حول الكعبة حجارة كان يَذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجر هو أحبّ إليهم منها.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: « الأنصاب » ، حجارة كانوا يهلّون لها, ويذبحون عليها.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « وما ذبح على النُّصب » ، قال: « ما ذبح على النصب » و « ما أهل لغير الله به » , وهو واحد.

 

القول في تأويل قوله : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، وأن تطلبوا علم ما قُسِم لكم أو لم يقسم, بالأزلام.

وهو « استفعلت » من « القَسْم » قَسْم الرزق والحاجات. وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفرًا أو غزوًا أو نحو ذلك, أَجال القداح وهي « الأزلام » وكانت قِداحًا مكتوبًا على بعضها: « نهاني ربّي » , وعلى بعضها: « أمرني ربّي » فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه: « أمرني ربي » ، مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك. وإن خرج الذي عليه مكتوب: « نهاني ربي » , كفّ عن المضي لذلك وأمسك، فقيل: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمن لهم، ومنه قول الشاعر مفتخرًا بترك الاستقسام بها:

وَلَمْ أَقْسِمْ فَتَرْبُثَنِي القُسُومُ

وأما « الأزلام » , فإن واحدها « زَلَم » , ويقال: « زُلَم » , وهي القداح التي وصفنا أمرها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, عن سفيان, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: القداح, كانوا إذا أرادوا أن يخرجوا في سفر جعلوا قداحًا للجلوس والخروج. فإن وقع الخروج خرجوا, وإن وقع الجلوس جلسوا.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: حصًى بيضٌ كانوا يضربون بها.

قال أبو جعفر: قال لنا سفيان بن وكيع: هو الشطرنج.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عباد بن راشد البزّار, عن الحسن في قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كانوا إذا أرادوا أمرًا أو سفرًا, يعمَدون إلى قداح ثلاثة، على واحد منها مكتوب: « أؤمرني » , وعلى الآخر: « انهني » , ويتركون الآخر محلَّلا بينهما ليس عليه شيء. ثم يجيلونها, فإن خرج الذي عليه « أؤمرني » مضوا لأمرهم. وإن خرج الذي عليه « انهني » كفُّوا, وإن خرج الذي ليس عليه شيء أعادوها.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، حجارة كانوا يكتبون عليها، يسمونها « القِداح » .

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: « بالأزلام » ، قال: القداح، يضربون لكل سفر وغزوٍ وتجارة.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن زهير, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كِعابُ فارس التي يقمُرون بها, وسهام العرب.

حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا زهير, عن إبراهيم بن مهاجر, عن مجاهد: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كان الرجل إذا أراد أن يخرج مسافرًا, كتب في قدح: « هذا يأمرني بالمكث » و « هذا يأمرني بالخروج » , وجعل معهما منيحة. شيء لم يكتب فيه شيئًا, ثم استقسم بها حين يريد أن يخرج. فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث, وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج, وإن خرج الآخر أجالها ثانية حتى يخرج أحد القِدْحين.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، وكان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم خروجًا, أخذ قدحًا فقال: « هذا يأمر بالخروج » , فإن خرج فهو مصيب في سفره خيرًا، ويأخذ قِدحًا آخر فيقول: « هذا يأمر بالمكوث » , فليس يصيب في سفره خيرًا، و « المنيح » بينهما. فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: كانوا يستقسمون بها في الأمور.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « الأزلام » ، قداح لهم. كان أحدهم إذا أراد شيئًا من تلك الأمور كتب في تلك القداح ما أراد, فيضرب بها, فأي قدح خرج وإن كان أبغض تلك ارتكبه وعمل به.

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل, قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، قال: « الأزلام » ، قداح كانت في الجاهلية عند الكهنة, فإذا أراد الرجل أن يسافر، أو يتزوج، أو يحدث أمرًا, أتى الكاهن فأعطاه شيئًا, فضرب له بها. فإن خرج منها شيء يعجبه، أمره ففعل. وإن خرج منها شيء يكرهه، نهاه فانتهى, كما ضرب عبد المطلب على زمزم، وعلى عبد الله والإبل.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير قال: سمعنا أنّ أهل الجاهلية كانوا يضربون بالقداح في الظَّعْن والإقامة أو الشيء يريدونه, فيخرج سهم الظعن فيظعنون, والإقامة فيقيمون.

وقال ابن إسحاق في « الأزلام » ، ما:-

حدثني به ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: كانت هُبَل أعظم أصنام قريش بمكة, وكانت على بئر في جوف الكعبة, وكانت تلك البئْر هي التي يجمع فيها ما يُهدي للكعبة. وكانت عند هبل سبعة أقْدُح كل قِدْح منها فيه كتاب. قدح فيه: « العقل » إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، [ فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله ] وقدح فيه: « نعم » للأمر إذا أرادوه، يضرب به, فإن خرج قدح « نعم » عملوا به. وقدح فيه: « لا » , فإذا أرادوا أمرًا ضربوا به في القداح, فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقِدْح فيه: « منكم » . وقدح فيه: « مُلْصَق » . وقدح فيه: « من غيركم » . وقدح فيه: « المياه » , إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح, فحيثما خرج عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلامًا أو أن ينكحوا مَنكحًا, أو أن يدفنوا ميتًا, أو شكوا في نسب واحد منهم ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم، وبجَزور, فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها, ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون, ثم قالوا: « يا إلهنا, هذا فلان بن فلان, قد أردنا به كذا وكذا, فأخرج الحق فيه » . ثم يقولون لصاحب القداح: « اضرب » , فيضرب, فإن - [ خرج عليه « منكم » كان وسيطًا. وإن ] خرج عليه: « من غيركم » , كان حليفًا وإن خرج « ملصق » كان على منـزلته منهم, لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء سوى هذا مما يعملون به « نعم » ، عملوا به. وإن خرج « لا » , أخّروه عامهم ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى. ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وأن تستقسموا بالأزلام » ، يعني: القداح, كانوا يستقسمون بها في الأمور.

 

القول في تأويل قوله : ذَلِكُمْ فِسْقٌ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « ذلكم » ، هذه الأمور التي ذكرها, وذلك: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنـزير، وسائر ما ذكر في هذه الآية مما حرم أكله، والاستقسام بالأزلام، « فسق » ، يعني: خروج عن أمر الله عز ذكره وطاعته، إلى ما نهى عنه وزجر, إلى معصيته. كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: « ذلكم فسق » ، يعني: من أكل من ذلك كله فهو فسق.

 

القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود، أيها المؤمنون، « من دينكم » , يقول: من دينكم أن تتركوه فترتدُّوا عنه راجعين إلى الشرك، كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، يعني: أن ترجعوا إلى دينهم أبدًا.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، قال: أظنُّ، يئسوا أن ترجعوا عن دينكم.

فإن قال قائل: وأيُّ يوم هذا اليوم الذي أخبرَ الله أن الذين كفروا يئسوا فيه من دين المؤمنين؟

قيل: ذكر أن ذلك كان يوم عرفة, عام حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع, وذلك بعد دخول العرب في الإسلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال مجاهد: « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، هذا حين فعلت. قال ابن جريج: وقال آخرون ذلك يوم عرفة، في يوم جمعة، لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير إلا موحِّدًا، ولم ير مشركًا، حمد الله, فنـزل عليه جبريل عليه السلام: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، أن يعودوا كما كانوا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: « اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » ، قال: هذا يوم عرفة.

 

القول في تأويل قوله : فَلا تَخْشَوْهُمْ

قال أبو جعفر: يعني بذلك: فلا تخشوا، أيها المؤمنون، هؤلاء الذين قد يئسوا من دينكم أن ترجعوا عنه من الكفار, ولا تخافوهم أن يظهروا عليكم، فيقهروكم ويردُّوكم عن دينكم وَاخْشَوْنِ ، يقول: ولكن خافونِ، إن أنتم خالفتم أمري واجترأتم على معصيتي، وتعدَّيتم حدودي, أن أُحِلَّ بكم عقابي، وأنـزل بكم عذابي. كما:-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: « فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ » ، فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم.

 

القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: يعني جل ثناؤه بقوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، اليوم أكملت لكم، أيها المؤمنون، فرائضي عليكم وحدودي, وأمري إياكم ونهيي, وحلالي وحرامي, وتنـزيلي من ذلك ما أنـزلت منه في كتابي, وتبياني ما بيَّنت لكم منه بوحيي على لسان رسولي, والأدلة التي نصبتُها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم, فأتممت لكم جميع ذلك, فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم. قالوا: وكان ذلك في يوم عرفة, عام حجَّ النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوَدَاع. وقالوا: لم ينـزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه, وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نـزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، وهو الإسلام. قال: أخبر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا, وقد أتمه الله عز ذكره فلا ينقصه أبدًا, وقد رضيه الله فلا يَسْخَطه أبدًا.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، هذا نـزل يوم عرفة, فلم ينـزل بعدها حلال ولا حرام. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات. فقالت أسماء بنت عُمَيس: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الحجة, فبينما نحن نسير، إذ تجلّى له جبريل صلى الله عليه وسلم على الرَّاحلة, فلم تطق الراحلة من ثِقْل ما عليها من القرآن, فبركت, فأتيته فسجَّيت عليه برداء كان علي.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نـزلت هذه الآية، إحدى وثمانين ليلة, قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » .

حدثنا سفيان قال، حدثنا ابن فضيل, عن هارون بن عنترة, عن أبيه قال: لما نـزلت: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، وذلك يوم الحج الأكبر, بكى عمر, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذ كمل، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص! فقال: صدقت.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أحمد بن بشير, عن هارون بن أبي وكيع, عن أبيه, فذكر نحو ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، حجكم, فأفردتم بالبلد الحرام تحُجُّونه، أنتم أيها المؤمنون، دون المشركين، لا يخالطكم في حَجِّكم مشرك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن أبي غَنِيَّة, عن أبيه, عن الحكم: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، قال: أكمل لهم دينهم: أن حجوا ولم يحجَّ معهم مشرك.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، قال: أخلص الله لهم دينهم, ونفى المشركين عن البيت.

حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا قيس, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، قال: تمام الحج, ونفي المشركين عن البيت.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به, أنه أكمل لهم يوم أنـزل هذه الآية على نبيه دينَهم, بإفرادهم بالبلدَ الحرام وإجلائه عنه المشركين, حتى حجَّه المسلمون دونهم لا يخالطهم المشركون.

فأما الفرائض والأحكام, فإنه قد اختلف فيها: هل كانت أكملت ذلك اليوم، أم لا؟ فروي عن ابن عباس والسدّي ما ذكرنا عنهما قبل.

وروي عن البراء بن عازب أن آخر آية نـزلت من القرآن: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [ سورة النساء: 176 ] .

ولا يدفع ذو علم أن الوحي لم ينقطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قُبِض, بل كان الوحي قبل وفاته أكثر ما كان تتابعًا. فإذ كان ذلك كذلك وكان قوله: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ آخرَها نـزولا وكان ذلك من الأحكام والفرائض كان معلومًا أن معنى قوله: « اليوم أكملت لكم دينكم » ، على خلاف الوجه الذي تأوَّله من تأوَّله أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض.

فإن قال قائل: فما جعل قولَ من قال: « قد نـزل بعد ذلك فرض » ، أولى من قول من قال: « لم ينـزل » ؟

قيل: لأن الذي قال: « لم ينـزل » , مخبر أنه لا يعلم نـزول فرض, والنفي لا يكون شهادة, والشهادة قول من قال: « نـزل » . وغير جائز دفع خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا.

 

القول في تأويل قوله : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: وأتممت نعمتي، أيها المؤمنون، بإظهاركم على عدوِّي وعدوكم من المشركين, ونفيِي إياهم عن بلادكم, وقطعي طمعهم من رجوعكم وعودكم إلى ما كنتم عليه من الشرك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: كان المشركون والمسلمون يحجُّون جميعًا, فلما نـزلت « براءة » , فنفى المشركين عن البيت, وحجَّ المسلمون لا يشاركهم في البيت الحرام أحد من المشركين, فكان ذلك من تمام النعمة: « وأتممت عليكم نعمتي » .

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » الآية, ذكر لنا أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، يوم جمعة, حين نفى الله المشركين عن المسجد الحرام, وأخلص للمسلمين حجَّهم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا داود, عن الشعبي قال: نـزلت هذه الآية بعرفات, حيث هدم مَنار الجاهلية واضمحلَّ الشرك, ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر في هذه الآية: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » ، قال، نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفات, وقد أطاف به الناس, وتهدَّمت مَنار الجاهلية ومناسكهم, واضمحلّ الشرك, ولم يَطُف حول البيت عُرْيان, فأنـزل الله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبي, بنحوه.

 

القول في تأويل قوله : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي, على ما شرعت لكم من حدوده وفرائضه ومعالمه « دينًا » ، يعني بذلك: طاعة منكم لي.

فإن قال قائل: أوَ ما كان الله راضيًا الإسلامَ لعباده إلا يوم أنـزل هذه الآية؟

قيل: لم يزل الله راضيًا لخلقه الإسلام دينًا, ولكنه جل ثناؤه لم يزل يصرِّف نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة بعد درجة، ومرتبة بعد مرتبة، وحالا بعد حال, حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه, ثم قال حين أنـزل عليهم هذه الآية: « ورضيت لكم الإسلام » بالصفة التي هو بها اليوم والحال التي أنتم عليها اليوم منه « دينًا » فالزموه ولا تفارقوه.

وكان قتادة يقول في ذلك، ما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يَمْثُل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة, فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله ويعدهم في الخير، حتى يجيء الإسلام فيقول: « رب، أنت السلام وأنا الإسلام » ، فيقول: « إياك اليوم أقبل, وبك اليوم أجزي » .

وأحسب أن قتادة وجّه معنى « الإيمان » بهذا الخبر إلى معنى التصديق والإقرار باللسان, لأن ذلك معنى « الإيمان » عند العرب ووجَّه معنى « الإسلام » إلى استسلام القلب وخضوعه لله بالتوحيد, وانقياد الجسد له بالطاعة فيما أمر ونهى, فلذلك قيل للإسلام: « إياك اليوم أقبل, وبك اليوم أجزي » .

ذكر من قال: نـزلت هذه الآية بعرفة في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال، قالت اليهود لعمر: إنكم تقرأون آية لو أنـزلت فينا لاتخذناها عيدًا! فقال عمر: إني لأعلم حين أنـزلت, وأين أنـزلت, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنـزلت: أنـزلت يوم عرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة قال سفيان: وأشك, كان يوم الجمعة أم لا « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا »

حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبي, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب قال، قال يهودي لعمر: لو علمنا معشر اليهود حين نـزلت هذه الآية: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا » ، لو نعلم ذلك اليوم، اتخذنا ذلك اليوم عيدًا! فقال عمر: قد علمت اليوم الذي نـزلت فيه، والساعة, وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نـزلت: نـزلت ليلة الجمعة، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات لفظ الحديث لأبي كريب, وحديث ابن وكيع نحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جعفر بن عون, عن أبي العميس, عن قيس بن مسلم, عن طارق, عن عمر, نحوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن حماد بن سلمة, عن عمار مولى بني هاشم قال: قرأ ابن عباس: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وعنده رجل من أهل الكتاب فقال: لو علمنا أيَّ يوم نـزلت هذه الآية، لاتخذناه عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نـزلت يوم عرفة، يوم جمعة.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا حماد بن سلمة, عن عمار: أن ابن عباس قرأ: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا » ، فقال يهودي: لو نـزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدًا! فقال ابن عباس: فإنها نـزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد, ويوم جمعة.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد, عن عمار بن أبي عمار, عن ابن عباس، نحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا رجاء بن أبي سلمة قال، أخبرنا عبادة بن نسيّ قال، حدثنا أميرنا إسحاق قال أبو جعفر: إسحاق، هو ابن خَرَشة عن قبيصة قال، قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نـزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنـزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه! فقال عمر: أيُّ آية يا كعب؟ فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنـزلت فيه, والمكان الذي أنـزلت فيه: يوم جمعة, ويوم عرفة, وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن عيسى بن جارية الأنصاري قال: كنا جلوسًا في الديوان, فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام، لقد نـزلت عليكم آية لو نـزلت علينا، لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعة عيدًا ما بقي منا اثنان: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ! فلم يجبه أحد منا, فلقيت محمد بن كعب القرظي, فسألته عن ذلك فقال: ألا رددتم عليه؟ فقال: قال عمر بن الخطاب: أنـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على الجبل يوم عرفة, فلا يزال ذلك اليوم عيدًا للمسلمين ما بقي منهم أحد.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود, عن عامر قال: أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا » ، عشيَّة عرفة، وهو في الموقف.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود قال: قلت لعامر: إن اليهود تقول: كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي أكمل الله لها دينها فيه؟ فقال عامر: أو ما حفظته؟ قلت له: فأيّ يوم؟ قال: يوم عرفة, أنـزل الله في يوم عرفة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال: بلغنا أنها نـزلت يوم عرفة, ووافق يوم الجمعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن حبيب, عن ابن أبي نجيح, عن عكرمة: أن عمر بن الخطاب قال: نـزلت « سورة المائدة » يوم عرفة, ووافق يوم الجمعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن ليث, عن شهر بن حوشب قال: نـزلت « سورة المائدة » على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة على راحلته, فتنوَّخَتْ لأن يُدَقَّ ذراعها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد قالت: نـزلت « سورة المائدة » جميعًا وأنا آخذة بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء. قالت: فكادت من ثقلها أن يُدَقَّ عضد الناقة.

حدثني أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني قال، حدثنا هشام بن عمار قال، حدثنا ابن عياش قال، حدثنا عمرو بن قيس السكوني: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، حتى ختمها, فقال: نـزلت في يوم عرفة, في يوم جمعة.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية أعني قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يوم الاثنين. وقالوا: أنـزلت « سورة المائدة » بالمدينة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة, عن خالد بن أبي عمران, عن حنش, عن ابن عباس: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين, وخرج من مكة يوم الاثنين, ودخل المدينة يوم الاثنين, وأنـزلت: « سورة المائدة » يوم الاثنين: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، ورفع الذكر يوم الاثنين.

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا همام, عن قتادة قال: « المائدة » مدنيّة.

وقال آخرون: نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره في حجة الوداع.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: نـزلت « سورة المائدة » على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسير في حجة الوداع, وهو راكب راحلته, فبركت به راحلته من ثقلها.

وقال آخرون: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس, وإنما معناه: اليوم الذي أعلمه أنا دون خلقي, أكملت لكم دينكم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، يقول: ليس بيوم معلوم يعلمه الناس.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في وقت نـزول الآية, القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نـزلت يوم عرفة يوم جمعة, لصحة سنده، وَوَهْيِ أسانيد غيره.

 

القول في تأويل قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقول: « فمن اضطر » ، فمن أصابه ضُرٌّ « في مخمصة » , يعني: في مجاعة.

وهي « مفعلة » ، مثل « المجبنة » و « المبخلة » و « المنجبة » , من « خَمَصِ البطنِ » , وهو اضطماره, وأظنه هو في هذا الموضع معنيٌّ به: اضطماره من الجوع وشدة السَّغَب. وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسَّغب, ولكن من خلقة, كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخَمَص البطن:

وَالبَطـنُ ذُو عُكَــنٍ خَمِيـصٌ لَيِّـنٌ وَالنَّحْـرُ تَنْفُــجُهُ بثَدْيٍ مُقْــعَدِ

فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله: « خميص » بالهزال والضرّ من الجوع, ولكنه أراد وصفها بلطافة طيِّ ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها, لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك, قول أعشى بني ثعلبة:

تَبِيتُونَ فِــي المَشْتَـى مِلاءً بُطُونُكُمْ وَجَارَاتُكُــمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَــائِصَا

يعني بذلك: يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضرّ. فمن هذا المعنى قوله: « في مخمصة » .

وكان بعض نحويي البصرة يقول: « المخمصة » ، المصدر من « خَمَصَه الجوع » .

وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم للمصدر، وليست بمصدر، ولذلك تقع « المفعلة » اسمًا في المصادر للتأنيث والتذكير.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن عباس: « فمن اضطر في مخمصة » ، يعني: في مجاعة.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « فمن اضطر في مخمصة » ، أي: في مجاعة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فمن اضطر في مخمصة » ، قال: ذكر الميتة وما فيها، فأحلها في الاضطرار « في مخمصة » ، يقول: في مجاعة.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: « فمن اضطر في مخمصة » ، قال، المخمصة، الجوع.

 

القول في تأويل قوله : غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فمن اضطر في مخمصة إلى أكل ما حَرَّمتُ عليه منكم، أيها المؤمنون، من الميتة، والدم ولحم الخنـزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية « غير متجانف لإثم » ، يقول: لا متجانفًا لإثم.

فلذلك نصب « غير » لخروجها من الاسم الذي في قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ وهي بمعنى: « لا » , فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبًا « المتجانف » ، لو جاء الكلام: « لا متجانفًا » .

وأما « المتجانف لإثم » ، فإنه المتمايل له, المنحرف إليه. وهو في هذا الموضع مراد به المتعمِّد له، القاصد إليه, من « جَنَف القوم عليّ » ، إذا مالوا. وكل أعوج فهو « أجنف » ، عند العرب.

وقد بينا معنى « الجنف » بشواهده في قوله: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا [ سورة البقرة: 182 ] ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وأما تجانف آكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين بهذه الآية، للإثم في حال أكله فهو: تعمده أكل ذلك لغير دفع الضرورة النازلة به ولكن لمعصية الله، وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ » ، يعني: إلى ما حُرِّم، مما سمَّى في صدر هذه الآية « غير متجانف لإثم » ، يقول: غير متعمد لإثم.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « غير متجانف لإثم » ، غير متعمد لإثم. قال: إلى حِرْم الله، ما حَرّم رخّص للمضطر إذا كان غير متعمد لإثم، أن يأكله من جهد. فمن بَغَى، أو عدا، أو خرج في معصيةٍ لله, فإنه محرم عليه أن يأكله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « غير متجانف لإثم » ، أي: غير متعرِّض لمعصية.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: « غير متجانف لإثم » ، غير متعمد لإثم, غير متعرِّض.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « غير متجانف لإثم » ، يقول: غير متعرض لإثم، أي: يبتغي فيه شهوة, أو يعتدي في أكله.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: « غير متجانف لإثم » ، لا يأكل ذلك ابتغاءَ الإثم, ولا جراءة عليه.

 

القول في تأويل قوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 3 )

قال أبو جعفر: وفي هذا الكلام متروك، اكتفى بدلالة ما ذكر عليه منه. وذلك أن معنى الكلام: فمن اضطر في مخمصة إلى ما حرمت عليه مما ذكرت في هذه الآية, غير متجانف لإثم فأكله, فإن الله غفور رحيم فترك ذكر « فأكله » ، وذكر « له » لدلالة سائر ما ذكر من الكلام عليهما.

وأما قوله: « فإن الله غفور رحيم » ، فإن معناه: فإن الله لمن أكل ما حرمت عليه بهذه الآية أكله، في مخمصة, غير متجانف لإثم « غفور رحيم » , يقول: يستر له عن أكله ما أكل من ذلك، بعفوه عن مؤاخذته إياه, وصفحه عنه وعن عقوبته عليه « رحيم » ، يقول: وهو به رفيق. ومن رحمته ورفقه به أباح له أكل ما أباح له أكله من الميتة وسائر ما ذكر معها في هذه الآية, في حال خوفه على نفسه من كَلَب الجوع وضُرِّ الحاجة العارضة ببدنه.

فإن قال قائل: وما الأكل الذي وعد الله المضطر إلى الميتة وسائر المحرَّمات معها بهذه الآية، غفرانَهُ إذا أكل منها؟

قيل: ما:-

حدثني عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال، حدثنا محمد بن القاسم الأسدي, عن الأوزاعي, عن حسان بن عطية, عن أبي واقد الليثي قال: قلنا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا فيها مخمصة, فما يصلح لنا من الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا, أو تغتبقوا, أو تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم, عن الخصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلى متى يحلُّ لي الحرام؟ قال فقال: إلى أن يروَى أهلك من اللبن, أو تجيء مِيرَتُهم « . »

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا خصيب بن زيد التميمي قال، حدثنا الحسن: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر مثله إلا أنه قال: أو تُجْبَى ميرتهم .

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير, عمن حدثه: أن رجلا من الأعراب أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تحل لك الطيبات, وتحرُم عليك الخبائث, إلا أن تفتقر إلى طعام [ لا يحل لك ] ، فتأكل منه حتى تستغني عنه. فقال الرجل: وما فقري الذي يُحِلّ لي؟ وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نِتاجك, أو كنت ترجو غنًى تطلبه، فتبلَّغ من ذلك شيئًا، فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه. فقال الأعرابي: ما غِناي الذي أدعه إذا وجدته؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أرويت أهلك غَبُوقًا من الليل. فاجتنب ما حرَّم الله عليك من طعام. [ وأمّا ] مالُك فإنه ميسور كله, ليس فيه حرام. « »

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال،حدثنا ابن علية, عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة, فقرأته عليه, وكان فيه: ويُجْزي من الاضطرار غَبُوق أو صَبُوح.

حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا يحيى بن أبي زائدة, عن ابن عون قال: قرأت في كتاب سَمُرة بن جندب: يكفي من الاضطرار أو: من الضرورة غبوقٌ أو صبوح.

حدثني علي بن سعيد الكندي وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن إدريس, عن هشام بن حسان, عن الحسن قال: إذا اضطر الرجل إلى الميتة، أكل منها قوتَه يعني: مُسْكَتَه.

حدثنا هنّاد بن السري قال، حدثنا ابن مبارك, عن الأوزاعي, عن حسان بن عطية قال: قال رجل: يا رسول الله، إنا بأرض مَخْمصة, فما يحلّ لنا من الميتة؟ ومتى تحلّ لنا الميتة؟ قال: إذا لم تصطبحوا، أو تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنَكم بها.

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن الأوزاعي, عن حسان بن عطية, عن رجل قد سمي لنا: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا نكون بأرض مخمصة, فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: إذا لم تغتبقوا، ولم تصطبحوا، ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها.

قال أبو جعفر: يروى هذا على أربعة أوجه: « تحتفئوا » بالهمزة « وتحتفيوا » بتخفيف « الياء » و « الحاء » و « تحتفّوا » ، بتشديد الفاء و « تحتفوا » بالحاء، والتخفيف, ويحتمل الهمز .

 

القول في تأويل قوله : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك، يا محمد، أصحابك: ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل؟ فقل لهم: أحِل لكم منها « الطيبات » , وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح وأحل لكم أيضًا مع ذلك، صيدُ ما علّمتم من « الجوارح » , وهن الكَواسب من سباع البهائم.

والطير سميت « جوارح » ، لجرحها لأربابها، وكسبها إيّاهم أقواتَهم من الصيد. يقال منه: « جرح فلان لأهله خيرًا » ، إذا أكسبهم خيرًا, و « فلان جارِحَة أهله » ، يعني بذلك: كاسبهم, و « لا جارحة لفلانة » ، إذا لم يكن لها كاسب ومنه قول أعشى بني ثعلبة.

ذاتَ حَـدٍّ مُنْضِــجٍ مِيسَمُهَــا تُذْكِــرَ الجَــارِحَ مَـا كَانَ اجْتَرَحْ

يعني: اكتسب.

وترك من قوله: « وما علمتم » ، « وصيد » ما علمتم من الجوارح، اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما تُرِك ذكره.

وذلك أن القوم، فيما بلغنا، كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بقتل الكلاب، عما يحلّ لهم اتخاذه منها وصَيْده, فأنـزل الله عز ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية. فاستثنى مما كان حرّم اتخاذه منها, وأمر بقُنْيَة كلاب الصيد وكلاب الماشية، وكلاب الحرث, وأذن لهم باتخاذ ذلك.

ذكر الخبر بذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا زيد بن حباب العكلي قال، حدثنا موسى بن عبيدة قال، أخبرنا أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم, عن سلمى أم رافع, عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه, فأذن له فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله! قال: أجل, ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب! قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة, فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها, فتركته رحمة لها, ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته, فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته. فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنـزل الله: « يسألونك ماذا أحِل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علَّمتم من الجوارح مكلبين » .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب, فقتل حتى بلغ العَوالي فدخل عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة, فقالوا: ماذا أحلَّ لنا يا رسول الله؟ فنـزلت: « يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلِّبين » .

حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير قال، حدثونا عن محمد بن كعب القرظي قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب, قالوا: يا رسول الله, فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنـزلت: « يسألونك ماذا أحل لهم » ، الآية.

ثم اختلف أهل التأويل في « الجوارح » التي عنى الله بقوله: « وما علمتم من الجوارح » .

فقال بعضهم: هو كل ما عُلِّم الصيدَ فتعلّمه، من بهيمة أو طائر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن إسماعيل بن مسلم, عن الحسن في قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: كل ما عُلِّم فصادَ، من كلب أو صقر أو فهدٍ أو غيره.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن إسماعيل بن مسلم, عن الحسن: « مكلبين » ، قال: كل ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن معمر, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في صيد الفهد قال: هو من الجوارح.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: الطير والكلاب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن الحجاج, عن عطاء, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن حميد, عن مجاهد: « مكلِّبين » ، قال: من الكلاب والطير.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: « من الجوارح مكلبين » ، قال: من الطير والكلاب.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة ح، وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن شعبة , عن الهيثم, عن طلحة بن مصرف قال، قال خيثمة بن عبد الرحمن: هذا ما قد بيَّنت لك: أن الصقر والبازي من الجوارح.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت الهيثم يحدث، عن طلحة الإيامي, عن خيثمة قال: بيّنت لك: أن الصقر والباز والكلب من الجوارح.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا عبد الله بن عمر, عن نافع, عن علي بن حسين قال: الباز والصقر من الجوارح.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن شريك, عن جابر, عن أبي جعفر قال: الباز والصقر من « الجوارح المكلِّبين » . .

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، يعني بـ « الجوارح » ، الكلابَ الضواريَ والفهود والصقور وأشباهها.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبيه: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: من الكلاب، وغيرها من الصقور والبِيزان وأشباهِ ذلك مما يعلّم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، الجوارح: الكلاب والصقور المعلَّمة.

حدثني سعيد بن الربيع الرازيّ قال، حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار، سمع عبيد بن عمير يقول في قوله: « من الجوارح مكلبين » ، قال: الكلاب والطير.

وقال آخرون: إنما عنى الله جل ثناؤه بقوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، الكلابَ دون غيرها من السِّباع.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا عبيد, عن الضحاك: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، قال: هي الكلاب.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، يقول: أحل لكم صيد الكلاب التي علَّمتوهن.

حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج, عن نافع, عن ابن عمر, قال: أمَّا ما صاد من الطير والبُزاةُ من الطير فما أدركت فهو لك, وإلا فلا تطعمه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية قول من قال: « كل ما صاد من الطير والسباع فمن الجوارح, وأنّ صيد جميع ذلك حلال إذا صادَ بعد التعليم » , لأن الله جل ثناؤه عم بقوله: « وما علمتم من الجوارح مكلبين » ، كلَّ جارحة, ولم يخصص منها شيئًا. فكل « جارحة » ، كانت بالصفة التي وصف الله من كل طائر وسبع، فحلال أكل صيدها.

وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحو ما قلنا في ذلك خبَرٌ, مع ما في الآية من الدلالة التي ذكرنا على صحة ما قلنا في ذلك, وهو ما:-

حدثنا به هناد قال، حدثنا عيسى بن يونس, عن مجالد, عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فَكُل.

فأباح صلى الله عليه وسلم صيد البازي وجعله من الجوارح. ففي ذلك دِلالة بيِّنة على فساد قول من قال: « عنى الله بقوله: » وما علمتم من الجوارح « ، ما علمنا من الكلاب خاصة، دون غيرها من سائر الجوارح » .

فإن ظن ظانّ أن في قوله: « مكلبين » ، دلالةً على أن الجوارح التي ذكرت في قوله: « وما علمتم من الجوارح » ، هي الكلاب خاصة, فقد ظن غير الصواب.

وذلك أن معنى الآية: قل أحِلَّ لكم، أيها الناس، في حال مصيركم أصحابَ كلاب الطيباتُ، وصيدُ ما علمتوه الصيد من كواسب السباع والطير. فقوله: « مكلبين » ، صفة للقانص, وإن صاد بغير الكلاب في بعض أحيانه. وهو نظير قول القائل يخاطب قومًا: « أحلّ لكم الطيباتُ وما علمتم من الجوارح مكلبين مؤمنين » . فمعلوم أنه إنما عنى قائل ذلك، إخبارَ القوم أنّ الله جل ذكره أحل لهم، في حال كونهم أهلَ إيمان، الطيبات وصيد الجوارح التي أعلَمهم أنه لا يحل لهم منه إلا ما صادوه به فكذلك قوله: « أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين » لذلك نظيره، في أن التكليب للقانص بالكلاب كان صيده أو بغيرها لا أنه إعلام من الله عز ذكره أنه لا يحل من الصيد إلا ما صادته الكلاب.

 

القول في تأويل قوله : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « تعلمونهن » ، تؤدِّبون الجوارح فتعلمونهن طلب الصيد لكم « مما علمكم الله » , يعني بذلك: من التأديب الذي أدَّبكم الله، والعلم الذي علمكم.

وقد قال بعض أهل التأويل: معنى قوله: « مما علمكم الله » ، كما علمكم الله.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « تعلمونهن مما علمكم الله » ، يقول: تعلمونهن من الطَّلب كما علمكم الله.

ولسنا نعرف في كلام العرب « من » بمعنى « الكاف » , لأن « من » تدخل في كلامهم بمعنى التبعيض, و « الكاف » بمعنى التشبيه. وإنما يوضع الحرف مكان آخر غيره، إذا تقارب معنياهما. فأما إذا اختلفت معانيهما، فغير موجود في كلامهم وضع أحدهما عَقِيب الآخر. وكتاب الله وتنـزيله أحرَى الكلام أن يجنَّب ما خرج عن المفهوم والغاية في الفصاحة من كلام من نـزل بلسانه ........... .

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا إسماعيل بن صُبيح قال، حدثنا أبو هانئ عمر بن بشير قال، حدثنا عامر: أن عدي بن حاتم الطائي قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن صيد الكلاب, فلم يدر ما يقول له, حتى نـزلت هذه الآية: « تعلمونهن مما علمكم الله » .

قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم : هو أن يَسْتَشْلِي لطلب الصيد إذا أرسله صاحبه ويمسك عليه إذا أخذه فلا يأكل منه, ويستجيب له إذا دعاه, ولا يفرُّ منه إذا أراده. فإذا تتابع ذلك منه مرارًا كان « معلَّمًا » . وهذا قول جماعة من أهل الحجاز وبعض أهل العراق.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: كل شيء قتله صائدك قبل أن يعلَّم ويُمسك ويصيد، فهو ميتة. ولا يكون قتله إياه ذكاة، حتى يعلَّم ويُمسك ويصيد. فإن كان ذلك ثم قتل، فهو ذكاته.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: إن المعلم من الكلاب: أن يمسك صيدَه فلا يأكل منه حتى يأتيه صاحبه. فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته, فلا يأكل من صيده.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو, عن طاوس, عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل, فإنما أمسك على نفسه.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال، حدثنا أبو المعلى, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: إذا أرسل الرجل الكلبَ فأكل من صيده فقد أفسده, وإن كان ذكر اسم الله حين أرسله فزعم أنه إنما أمسك على نفسه والله يقول: « مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ » ، فزعم أنه إذا أكل من صيده قبل أن يأتيه صاحبه أنه ليس بمعلَّم, وأنه ينبغي أن يُضرب ويعلَّم حتى يترك ذلك الخُلُق.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معمر الرقي, عن حجاج, عن عطاء, عن ابن عباس قال: إذا أخذ الكلب فقَتل فأكل, فهو سَبُع.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر, عن ابن عباس قال: لا يأكل منه, فإنه لو كان معلَّمًا لم يأكل منه، ولم يتعلم ما علَّمتَه. إنما أمسك على نفسه، ولم يُمسك عليك.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا داود, عن الشعبي, عن ابن عباس, بنحوه.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حماد, عن إبراهيم, عن ابن عباس قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن الشعبي, عن ابن عباس, بمثله.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا ابن عون قال: قلت لعامر الشعبي: الرجل يرسل كلبَه فيأكل منه, أنأكل منه؟ قال: لا لم يتعلَّم الذي علَّمته.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد, عن ابن عمر قال: إذا أكل الكلب من صيده فاضربه, فإنه ليس بمعلَّم.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن جريج, عن ابن طاوس, عن أبيه قال: إذا أكل الكلب فهو ميتة, فلا تأكله.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا هشيم, عن أبي بشر, عن سعيد بن جبير وسَيَّار, عن الشعبي ومغيرة, عن إبراهيم أنهم قالوا في الكلب إذا أكل من صيده: فلا تأكل, فإنما أمسك على نفسه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: إن وجدت الكلب قد أكل من الصيد, فما وجدتَه ميتًا فدعه, فإنه مما لم يمسك عليك صيدًا. إنما هو سبع أمسك على نفسه ولم يمسك عليك, وإن كان قد عُلِّم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي، بنحوه.

وقال آخرون نحو هذه المقالة, غير أنهم حَدُّوا لمعرفة الكلاب بأن كلبه قد قَبِل التعليم وصار من الجوارح الحلال صيدها أن يفعل ذلك كلبه مرات ثلاثًا. وهذا قول محكيٌّ عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن.

وقال آخرون ممن قال هذه المقالة: لا حدَّ لعلم الكلاب بذلك من كلبه، أكثر من أن يفعل كلبه ما وصفنا أنه له تعليم. قالوا: فإذا فعل ذلك فقد صار معلَّمًا حلالا صيده. وهذا قول بعض المتأخرين.

وفرَّق بعض قائلي هذه المقالة بين تعليم البازي وسائر الطيور الجارحة وتعليم الكلب وضاري السبِّاع الجارحة, فقال: جائز أكل ما أكل منه البازي من الصيد. قالوا: وإنما تعليم البازي أن يطير إذا استُشْلِي, ويجيب إذا دُعِي, ولا ينفر من صاحبه إذا أراد أخذَه. قالوا: وليس من شروط تعليمه أن لا يأكل من الصيد.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم وحجاج, عن عطاء قال: لا بأس بصيد البازي وإن أكل منه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط قال، حدثنا أبو إسحاق الشيباني, عن حماد, عن إبراهيم, عن ابن عباس أنه قال في الطير: إذا أرسلتَه فقتل، فكُل. فإن الكلبَ إذا ضربته لم يَعُدْ. وإن تعليم الطير أن يرجع إلى صاحبه, وليس يضرب إذا أكل من الصيد ونتف من الريش.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا أبو حمزة, عن جابر, عن الشعبي قال: ليس البازي والصقر كالكلب, فإذا أرسلتهما فأمسكا فأكلا فدعوتهما فأتياك, فكل منه.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو زُبَيْد, عن مطرف, عن حماد, قال إبراهيم: كُلْ صيد البازي وإن أكل منه.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن حماد, عن إبراهيم وجابر، عن الشعبي, قالا كُلْ من صيد البازِ وإن أكل.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن حماد, عن إبراهيم: إذا أكل البازي والصقر من الصيد, فكُل, فإنه لا يعلَّم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حماد, عن إبراهيم قال: لا بأس بما أكل منه البازي.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن حماد: أنه قال في البازي إذا أكل منه، قال: كُلْ.

وقال آخرون منهم: سواء تعليم الطير والبهائم والسباع, لا يكون نوع من ذلك معلَّمًا إلا بما يكون به سائر الأنواع معلَّمًا. وقالوا: لا يحل أكل شيء من الصيد الذي صادته جارحة فأكلت منه كائنة ما كانت تلك الجارحة، بهيمةً، أو طائرًا. قالوا: لأن من شروط تعليمها الذي يحل به صيدها: أن تمسك ما صادت على صاحبها، فلا تأكل منه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد وأبو كريب قالا حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا محمد بن سالم, عن عامر قال: قال علي: إذا أكل البازي من صيده فلا تأكل.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن جعفر, عن شعبة, عن مجاهد بن سعيد, عن الشعبي قال: إذا أكل البازي منه فلا تأكل.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن سالم, عن سعيد بن جبير قال: إذا أكل البازي فلا تأكل.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع، عن عمر بن الوليد الشنيّ قال: سمعت عكرمة قال: إذا أكل البازي فلا تأكل.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال عطاء: الكلب والبازي كلُّه واحد, لا تأكل ما أكل منه من الصيد، إلا أن تدرك ذَكاته فتذكِّيه. قال: قلت لعطاء: البازي ينتف الريش؟ قال: فما أدركته ولم يأكل فكل. قال ذلك غير مرَّة.

وقال آخرون: تعليم كل جارحة من البهائم والطير واحد. قالوا: وتعليمه الذي يحلُّ به صيده: أن يُشْلَى على الصيد فيَسْتَشلي ويأخذ الصيد ويدعوه صاحبه فيجيب, ولا يفرّ منه إذا أخذه. قالوا: فإذا فعل الجارح ذلك كان « معلمًا » داخلا في المعنى الذي قال الله: « وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ » . قالوا: وليس من شرط تعليم ذلك أن لا يأكل من الصيد. قالوا: وكيف يجوز أن يكون ذلك من شرطه، وهو يؤدَّب بأكله؟

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, عن سعيد أو سعد , عن سلمان قال: إذا أرسلت كلبك على صيد, وذكرتَ اسم الله، فأكل ثلثيه وبقي ثلثه, فكل ما بقي.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا حميد قال، حدثني القاسم بن ربيعة, عمن حدثه, عن سلمان وبكر بن عبد الله, عمن حدثه, عن سلمان : أن الكلب يأخذ الصيد فيأكل منه, قال: كل، وإن أكل ثلثيه، إذا أرسلته وذكرت اسم الله، وكان معلمًا.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب قال، قال سلمان: كل وإن أكل ثلثيه يعني: الصيدَ إذا أكل منه الكلب.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن شعبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن سلمان, نحوه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد العزيز بن عبد الصمد, عن شعبة ح وحدثنا هناد قال، حدثنا عبدة جميعًا, عن سعيد, عن قتادة: عن سعيد بن المسيب قال، قال سلمان: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسمَ الله، فأكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل. .

حدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد, عن سلمان, نحوه.

حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد, عن بكر بن عبد الله المزني والقاسم: أن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل, وإن أكل ثلثيه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن داود بن أبي الفرات, عن محمد بن زيد, عن سعيد بن المسيب قال: قال سلمان: إذا أرسلت كلبك المعلَّم أو بازَك, فسميَّت فأكل نصفه أو ثلثيه, فكل بقيَّته.

حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مخرمة بن بكير, عن أبيه, عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي: أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب, فقال: كل، وإن لم يبق منه إلا حِذْية - يعني: بَضْعة.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني عبد الصمد قال، حدثنا شعبة, عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج يحدّث، عن سعد قال: كُل، وإن أكل ثلثيه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سعيد بن الربيع قال، حدثنا شعبة, عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج, عن سعيد بن المسيب قال شعبة: قلت: سمعته من سعيد؟ قال: لا قال: كل وإن أكل ثلثيه قال: ثم إن شعبة قال في حديثه: عن سعد. قال: كل، وإن أكل نصفه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر, عن أبي هريرة قال: إذا أرسلت كلبك فأكل منه, فإن أكل ثلثيه وبقي ثلثه، فكل.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن أبي هريرة, بنحوه.

حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن أبي هريرة, نحوه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني سالم بن نوح العطار, عن عمر يعني: ابن عامر عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن سلمان قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم فأخذ فقتل, فكل، وإن أكل ثلثيه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت عبيد الله ح وحدثنا هناد قال، حدثنا عبدة, عن عبيد الله بن عمر عن نافع, عن عبد الله بن عمر قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك, أكل أو لم يأكل.

حدثنا ابن المثنى, قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله, عن نافع, عن ابن عمر, بنحوه.

حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن أبي ذئب: أن نافعًا حدَّثهم: أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأكل الصيد بأسًا, إذا قتله الكلب أكل منه.

حدثني يونس به مرة أخرى فقال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمرو، ابن أبي ذئب، وغير واحد: أن نافعًا حدَّثهم، عن عبد الله بن عمر, فذكر نحوه.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن أبي ذئب, عن نافع, عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأسًا بما أكل الكلبُ الضاري.

حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن ابن أبي ذئب, عن بكير بن عبد الله بن الأشج, عن حميد بن عبد الله, عن سعد قال: قلت لنا: كلاب ضوارٍ يأكلن ويبقين؟ قال: كل، وإن لم يبق إلا بَضْعة.

حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن ابن أبي ذئب, عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج, عن حميد قال: سألت سعدًا, فذكر نحوه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا في تأويل قوله: « تعلمونهن مما علمكم الله » : أن « التعليم » الذي ذكره الله في هذه الآية للجوارح, إنما هو أن يعلِّم الرجل جارحَه الاستشلاء إذا أُشلي على الصيد وطلبه إياه إذا أغرى, أو إمساكه عليه، إذا أخذه من غير أن يأكل منه شيئًا, وألا يفرّ منه إذا أراده, وأن يجيبه إذا دعاه. فذلك، هو تعليم جميع الجوارح، طيرها وبهائمها. فإن أكل من الصيد جارحةُ صائد فجارحه حينئذ غير معلَّم. فإن أدرك صيده صاحبُه حيًّا فذكّاه، حلَّ له أكله. وإن أدركه ميتًا، لم يحلَّ له أكله، لأنه مما أكله السَّبُع الذي حرمه الله تعالى بقوله: وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، ولم يدرك ذكاته.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, بما:-

حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك, عن عاصم بن سليمان الأحول, عن الشعبي, عن عدي بن حاتم: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال: إذا أرسلتَ كلبك فاذكر اسم الله عليه, فإن أدركته وقد قتل وأكل منه فلا تأكل منه شيئًا, فإنما أمسكَ على نفسه « . »

حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي قالا حدثنا محمد بن فضيل, عن بيان بن بشر, عن عامر, عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا قوم نتصيَّد بهذه الكلاب؟ فقال: إذا أرسلت كلابَك المعلَّمة وذكرت اسم الله عليها, فكل ما أمسكن عليك وإن قتلن, إلا أن يأكل الكلبُ, فإن أكل فلا تأكل, فإني أخاف أن يكون إنما حَبَسه على نفسه. « »

فإن قال قائل: فما أنت قائل فيما حدثك به:-

قال عمران بن بكّار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى قال، حدثنا محمد بن دينار, عن أبي إياس, عن سعيد بن المسيب, عن سلمان الفارسي, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه, فليأكل ما بقي.

قيل: هذا خبر في إسناده نظر, فإن « سعيدًا » غير معلوم له سماع من « سلمان » , والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان، ويروونه عنه من قِبَله غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والحفَّاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفردٌ ليس له حفظهم, كانت الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم.

قال أبو جعفر: وإذا كان الأمر في الكلب على ما ذكرتُ: من أنه إذا أكل من الصيد فغيرُ معلَّم, فكذلك حكم كل جارحة: في أن ما أكل منها من الصيد فغير معلَّم, لا يحل له أكل صيده إلا أن يدرك ذكاته.

 

القول في تأويل قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ

قال أبو جعفر: يعني بقوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، فكلوا، أيها الناس، مما أمسكت عليكم جوارحكم.

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: ذلك على الظاهر والعموم كما عممه الله، حلال أكل كلِّ ما أمسكت علينا الكلاب والجوارح المعلَّمة من الصيد الحلال أكله, أكل منه الجارح والكلاب أو لم يأكل منه, أدركتْ ذكاته فذُكِّي أو لم تدرَك ذكاته حتى قتلته الجوارح بجرحها إياه أو بغير جَرْح.

وهذا قول الذين قالوا: « تعليم الجوارح الذي يحلّ به صيدها أن تعلَّم الاستشلاء على الصيد، وطلبه إذا أشْليت عليه، وأخذه, وترك الهرب من صاحبها، دون ترك الأكل من صيدها إذا صادته » . وقد ذكرنا قول قائلي هذه المقالة والرواية عنهم بأسانيدها الواردة آنفًا.

وقال آخرون: بل ذلك على الخصوص دون العموم. قالوا: ومعناه: فكلوا مما أمسكن عليكم من الصيد جميعه دون بعضه. قالوا: فإن أكلت الجوارح منه بعضًا وأمسكت بعضًا, فالذي أمسكت منه غير جائز أكلُه وقد أكلت بعضه، لأنها إنما أمسكت ما أمسكت من ذلك الصيد بعد الذي أكلت منه، على أنفسها لا علينا, والله تعالى ذكره إنما أباح لنا كلَ ما أمسكته جوارحنا المعلمة علينا بقوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، دون ما أمسكته على أنفسها. وهذا قول من قال: « تعليم الجوارح الذي يحلُّ به صيدها: أن تَستشلى للصيد إذا أشليت، فتطلبه وتأخذه, فتمسكه على صاحبها فلا تأكل منه شيئًا, ولا تفر من صاحبها » . وقد ذكرنا ممن قال ذلك فيما مضى منهم جماعة كثيرة ونذكر منهم جماعة أخَر في هذا الموضع.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، يقول: كلوا مما قتلن قال علي: وكان ابن عباس يقول: إن قتل وأكل فلا تأكل, وإن أمسك فأدركته حيًّا فذكِّه.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: إن أكل المعلَّم من الكلاب من صيده قبل أن يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته, فلا يأكل من صيده.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، إذا صادَ الكلب فأمسكه وقد قتله ولم يأكل منه, فهو حِلٌّ. فإن أكل منه, فيقال: إنما أمسك على نفسه. فلا تأكل منه شيئًا, إنه ليس بمعلَّم.

حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ إلى قوله: « فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ » ، قال: إذا أرسلت كلبك المعلَّم أو طيرك أو سهمك, فذكرت اسم الله, فأخذ أو قتل, فكل.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: إذا أرسلت كلبك المعلّم فذكرت اسم الله حين ترسله، فأمسك أو قتل، فهو حلال. فإذا أكل منه فلا تأكله, فإنما أمسكه على نفسه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو معاوية, عن عاصم, عن الشعبي, عن عديّ قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، قال: قلت يا رسول الله، إن أرضي أرضُ صيد؟ قال: « إذا أرسلت كلبك وسميت، فكل مما أمسك عليك كلبُك وإن قتل. فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه. »

وقد بينا أولى القولين في ذلك بالصواب قبلُ, فأغنى ذلك عن إعادته وتكراره.

فإن قال قائل: وما وجه دخول « من » ، في قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » , وقد أحل الله لنا صيد جوارحنا الحلالِ, و « من » إنما تدخل في الكلام مبعِّضَة لما دخلت فيه؟

قيل: قد اختلف في معنى دخولها في هذا الموضع أهل العربية.

فقال بعض نحويي البصرة: دخلت « من » في هذا الموضع لغير معنًى, كما تدخله العرب في قولهم: « كان من مطر » و « كان من حديث » . قال: ومن ذلك قوله: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [ سورة البقرة: 271 ] , وقوله: وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ [ سورة النور: 43 ] ، قال: وهو فيما فسِّر: وينـزل من السماء جبالا فيها برد. قال: وقال بعضهم: و « ينـزل من السماء من جبال فيها من برد » ، أي: من السماء من برد, بجعل « الجبال من برد » في السماء, وبجعل الإنـزال منها.

وكان غيره من أهل العربية ينكر ذلك ويقول: لم تدخل « من » إلا لمعنى مفهوم، لا يجوز الكلام ولا يصلح إلا به. وذلك أنها دالة على التبعيض. وكان يقول: معنى قولهم « قد كان من مطر » و « كان من حديث » ؛ هل كان من مَطَرِ مَطَرَ عندكم؟ وهل من حديث حُدِّث عندكم؟ ويقول: معنى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ، أي: ويكفر عنكم من سيِّئاتكم ما يشاء ويريد وفي قوله: وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ ، فيجيز حذف « من » من « من برد » ولا يجيز حذفها من « الجبال » , ويتأول معنى ذلك: وينـزل من السماء أمثالَ جبالٍ بردٍ, ثم أدخلت « من » في « البرد » , لأن « البرد » مفسَّر عنده من « الأمثال » أعني: « أمثال الجبال » , وقد أقيمت « الجبال » مقام « الأمثال » , و « الجبال » وهي « جبال برد » فلا يجيز حذف « من » من « الجبال » , لأنها دالة على أن الذي في السماء الذي أنـزل منه البرد، أمثالُ جبال بردٍ. وأجاز حذف « من » من « البرد » , لأن « البرد » مفسَّر عن « الأمثال » , كما تقول: « عندي رطلان زيتًا » و « عندي رطلان من زيت » , وليس عندك « الرطل » ، وإنما عندك المقدار. فـ « من » تدخل في المفسِّر وتخرج منه. وكذلك عند قائل هذا القول: من السماء, من أمثال جبال, وليس بجبال. وقال: وإن كان: « أنـزل من جبال في السماء من برد جبالا » , ثم حذف « الجبال » الثانية، و « الجبال » الأول في السماء، جاز. تقول: « أكلت من الطعام » , تريد: أكلت من الطعام طعامًا, ثم تحذف « الطعام » ولا تسقط « من » .

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك: أن « من » لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم, وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة، لدلالة ما يظهر من الكلام عليها. فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها, فذلك قد بيَّنا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صحّ من الكلام.

ومعنى دخولها في قوله: « فكلوا مما أمسكن عليكم » ، للتبعيض، إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه، وحرَّم عليهم فَرْثه ودمَه, فقال جل ثناؤه: « فكلوا » مما أمسكتْ عليكم جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها، دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك، مما لم أطيبه لكم. فذلك معنى دخول « من » في ذلك.

وأما قوله: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ، فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

وأما دخولها في قوله: وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ ، فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله. .

 

القول في تأويل قوله : وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ( واذكروا اسم الله عليه ) على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد. كما:-

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « واذكروا اسم الله عليه » ، يقول: إذا أرسلت جوارحك فقل: « بسم الله » , وإن نسيت فلا حَرَج.

حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: « واذكروا اسم الله عليه » ، قال: إذا أرسلته فسَمِّ عليه حين ترسله على الصيد.

 

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( 4 )

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: واتقوا الله، أيها الناس، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه, فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه, وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلَّمة، أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها, أو تطعَمُوا ما لم يسمَّ الله عليه من الصيد والذبائح مما صادَه أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوحِّد الله من خلقه, أو ذبحوه, فإن الله قد حرَّم ذلك عليكم فاجتنبوه.

ثم خوَّفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره. فقال: اعلموا أن الله سريعٌ حسابه لمن حاسبه على نِعَمه عليه منكم وشكرِ الشاكر منكم ربَّه على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى, لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم، فيحيط به, لا يخفى عليه منه شيء, فيجازي المطيعَ منكم بطاعته، والعاصيَ بمعصيته, وقد بيَّن لكم جزاء الفريقين.

 

القول في تأويل قوله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « اليوم أحل لكم الطيبات » ، اليوم أحل لكم، أيها المؤمنون، الحلالُ من الذبائح والمطاعم دون الخبائث منها.

وقوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم » ، وذبائحُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل وأنـزل عليهم, فدانُوا بهما أو بأحدهما « حل لكم » يقول: حلالٌ لكم، أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام. فإن من لم يكن منهم مِمَّن أقرَّ بتوحيد الله عزَّ ذكره ودان دين أهل الكتاب, فحرام عليكم ذبائحهم.

ثم اختلف فيمن عنى الله عز ذكره بقوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب » ، من أهل الكتاب.

فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنـزل عليه التوراة والإنجيل, أو ممن دخل في مِلَّتهم فدان دينهم، وحرَّم ما حرَّموا، وحلَّل ما حللوا، منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا خصيف قال، حدثنا عكرمة قال، سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب, فقرأ هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ إلى قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، الآية [ سورة المائدة: 51 ] .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان: عن عاصم الأحول, عن عكرمة, عن ابن عباس, مثله.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن عثمة قال، حدثنا سعيد بن بشر, عن قتادة, عن الحسن وعكرمة: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب، وبتزوُّج نسائهم, ويتلوان: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن الحسن وسعيد بن المسيب: أنهما كانا لا يريان بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن أبي حصين, عن الشعبي: أنه كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب, وقرأ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ، [ سورة مريم: 64 ] .

حدثني ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني ابن شهاب عن ذبيحة نصارى العرب, قال. تؤكل من أجل أنهم في الدين أهلُ كتاب, ويذكرون اسمَ الله.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: إنما يقرُّون بدين ذلك الكتاب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن ذبائح نصارى بني تغلب, فقالوا: لا بأس بها. قال: وقرأ الحكم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ ، [ سورة البقرة: 78 ] .

حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد, عن عطاء بن السائب, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: كلوا من ذبائح بني تغلب, وتزوَّجوا من نسائهم, فإن الله قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [ سورة المائدة: 51 ] ، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية، لكانوا منهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال، حدثنا ابن علية, عن ابن أبي عروبة, عن قتادة: أن الحسن كان لا يرى بأسًا بذبائح نصارى بني تغلب, وكان يقول: انتحلوا دينًا، فذاك دينهم.

وقال آخرون: إنما عنى بالذين أوتوا الكتاب في هذه الآية, الذين أنـزل عليهم التوراة والإنجيل من بني إسرائيل وأبنائهم, فأما من كان دخيلا فيهم من سائر الأمم ممن دان بدينهم وهم من غير بني إسرائيل, فلم يعن بهذه الآية، وليس هو ممن يحل أكل ذبائحه، لأنه ليس ممن أوتي الكتاب من قَبْل المسلمين. وهذا قول كان محمد بن إدريس الشافعي يقوله حدثنا بذلك عنه الربيع ويتأول في ذلك قول من كره ذبائح نصارى العرب من الصحابة والتابعين.

ذكر من حرَّم ذبائح نصارى العرب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن محمد, عن عبيدة قال، قال علي رضوان الله عليه: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب, فإنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام, عن ابن سيرين, عن عبيدة, عن علي قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب, فإنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا عبد الله بن بكر قال، حدثنا هشام, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة قال: سألت عليًّا عن ذبائح نصارى العرب, فقال: لا تؤكل ذبائحهم, فإنهم لم يتعلَّقوا من دينهم إلا بشرب الخمر.

حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا علي بن عابس, عن عطاء بن السائب, عن أبي البختري قال: نهانا عليٌّ عن ذبائح نصارى العرب.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن أبي حمزة القصاب قال: سمعت محمد بن علي يحدث، عن علي: أنه كان يكره ذبائح نصارى بني تغلب.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال، لا تأكلوا ذبائح نصارى العرب، وذبائح نصارى أرْمينية.

قال أبو جعفر: وهذه الأخبار عن عليّ رضوان الله عليه, إنما تدل على أنه كان ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب، من أجل أنهم ليسوا على النصرانية, لتركهم تحليل ما تحلِّل النصارى، وتحريم ما تُحَرّم، غير الخمر. ومن كان منتحلا ملّة هو غير متمسك منها بشيء فهو إلى البراءة منها أقرب منه إلى اللحاق بها وبأهلها. فلذلك نهى عليٌّ عن أكل ذبائح نصارى بني تغلب, لا من أجل أنهم ليسوا من بني إسرائيل.

فإذ كان ذلك كذلك, وكان إجماعًا من الحجة أن لا بأس بذبيحة كل نصرانيّ ويهوديّ دان دين النصرانيّ أو اليهودي فأحل ما أحلُّوا, وحرَّم ما حرموا، من بني إسرائيل كان أو من غيرهم فبيِّنٌ خطأ ما قال الشافعي في ذلك، وتأويله الذي تأوّله في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلٌّ لكم » ، أنه ذبائح الذين أوتوا الكتابَ التوراةَ والإنجيلَ من بني إسرائيل وصوابُ ما خالف تأويله ذلك, وقولِ من قال: إن كل يهودي ونصراني فحلال ذبيحتُه، من أيِّ أجناس بني آدم كان.

وأمَّا « الطعام » الذي قال الله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب » ، فإنه الذبائح.

وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم » ، قال: الذبائح.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبائحهم.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي, عن أبي سنان, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبيحة أهل الكتاب.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم, عن مغيرة, عن إبراهيم في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبائحهم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة, عن إبراهيم, بمثله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري, عن مغيرة, عن إبراهيم, مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا حدثنا سفيان, عن مغيرة, عن إبراهيم، مثله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: ذبائحهم.

حدثني المثنى قال، حدثنا المعلى بن أسد قال، حدثنا خالد, عن يونس, عن الحسن, مثله.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، أي: ذبائحهم.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، أما طعامهم، فهو الذبائح.

حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، قال: أحل الله لنا طعامهم ونساءَهم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: أما قوله: « وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم » ، فإنه أحلَّ لنا طعامهم ونساءهم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألته يعني ابن زيد عما ذبح للكنائس وسُمِّي عليها، فقال: أحل الله لنا طعام أهل الكتاب, ولم يستثن منه شيئًا.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني معاوية, عن أبي الزاهرية حدير بن كريب, عن أبي الأسود, عن عُمَير بن الأسود: أنه سأل أبا الدرداء عن كبش ذُبح لكنيسة يقال لها « جرجس » ، أهدوه لها, أنأكل منه؟ فقال أبو الدرداء: اللهم عفوًا! إنما هم أهل كتاب, طعامهم حلٌّ لنا، وطعامنا حل لهم! وأمره بأكله.

وأما قوله: « وطعامكم حل لهم » ، فإنه يعني: ذبائحكم، أيها المؤمنون، حِلٌّ لأهل الكتاب.

 

القول في تأويل قوله : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: « والمحصنات من المؤمنات » ، أحل لكم، أيها المؤمنون، المحصنات من المؤمنات وهن الحرائر منهن أن تنكحوهن « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، يعني: والحرائر من الذين أعطوا الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين دانوا بما في التوراة والإنجيل من قبلكم، أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم من العرب وسائر الناس, أن تنكحوهن أيضًا « إذا آتيتموهن أجورهن » ، يعني: إذا أعطيتم من نكحتم من محصناتِكم ومحصناتهم « أجورهن » ، وهي مهورُهن.

واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي عناهن الله عز ذكره بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » .

فقال بعضهم: عنى بذلك الحرائر خَاصة, فاجرةً كانت أو عفيفةً. وأجاز قائلو هذه المقالة نكاح الحرة، مؤمنة كانت أو كتابية من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس الناس كانت بعد أن تكون كتابية، فاجرة كانت أو عفيفةً. وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يُتَزَوَّجن بكل حال لأن الله جل ثناؤه شرطَ من نكاح الإماء الإيمانَ بقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ، [ سورة النساء: 25 ] .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب » ، قال: من الحرائر.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: من الحرائر.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب: أن رجلا طلَّق امرأته وخُطِبَت إليه أخته, وكانت قد أحدثت, فأتى عمر فذكر ذلك له منها, فقال عمر: ما رأيت منها؟ قال: ما رأيت منها إلا خيرًا! فقال: زوِّجها ولا تُخْبِر.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا عبد الواحد قال، حدثنا سليمان الشيباني قال، حدثنا عامر قال: زنت امرأة منَّا من همدان, قال: فجلدها مُصَدِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم الحدَّ ثم تابت. فأتوا عمر فقالوا: نـزوّجها، وبئسَ ما كان من أمرها! قال عمر: لئن بلغني أنكم ذكرتم شيئًا من ذلك، لأعاقبنكم عقوبةً شديدة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قيس بن مسلم, عن طارق بن شهاب: أن رجلا أراد أن يزوِّج أخته, فقالت: إني أخشى أن أفضَح أبي, فقد بَغَيْتُ! فأتى عمر، فقال: أليس قد تابت؟ قال: بلى! قال: فزوّجها.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبي: أن نُبَيْشة، امرأةً من همدان، بغتْ, فأرادت أن تذبح نفسها, قال: فأدركوها، فداووها فبرئت, فذكروا ذلك لعمر, فقال: انكحوها نكاحَ العفيفة المسلمة.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود, عن عامر: أن رجلا من أهل اليمن أصابت أختُه فاحشة, فأمرَّت الشَّفرة على أوداجها, فَأُدْرِكت, فدُووِي جُرْحها حتى برئت. ثم إن عمها انتقل بأهله حتى قدم المدينة, فقرأت القرآن ونَسَكت, حتى كانت من أنسك نسائهم. فخطبت إلى عمها, وكان يكره أن يدلِّسها, ويكره أن يفشي على ابنة أخيه, فأتى عمر فذكر ذلك له, فقال عمر: لو أفشيت عليها لعاقبتك! إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوّجها إيّاه.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عامر: أن جارية باليمن يقال لها: « نبيشة » , أصابت فاحشة, فذكر نحوه.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا إسماعيل، عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية, فاستخرجتها قبل أن تموت, فأدركت الإسلام, فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله, فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها, فأدركتها وقد قطعت بعض أوداجها, فداويتها حتى برئت, ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة, فهي تخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين, فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة.

حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا مروان, عن إسماعيل, عن الشعبي قال: جاء رجل إلى عمر، فذكر نحوه.

حدثنا مجاهد قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا يحيى بن سعيد, عن أبي الزبير: أن رجلا خطب من رجل أخته, فأخبره أنها قد أحدثتْ. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب, فضرب الرجل وقال: ما لك والخبر! أنكح واسكُت.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا أبو هلال, عن قتادة, عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصابَ فاحشة في الإسلام أن يتزوج مُحْصنة! فقال له أبيّ بن كعب: يا أمير المؤمنين, الشرك أعظم من ذلك, وقد يقبل منه إذا تاب!

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، العفائفَ من الفريقين, إماءً كنَّ أو حرائر. فأجاز قائلو هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية, وحرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن ليث, عن مجاهد في قوله: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: العفائف.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير, عن ليث, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مطرف, عن عامر: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتَسِل من الجنابة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل, عن مطرف, عن عامر: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن تغتسل من الجنابة, وأن تحصن فرجَها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن مطرف, عن رجل, عن الشعبي في قوله: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني, وأن تغتسل من الجنابة.

حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم, عن مطرف, عن الشعبي في قوله: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: إحصانها: أن تغتسل من الجنابة, وأن تحصن فرجها من الزنا.

حدثني المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال، حدثنا خالد, قال، أخبرنا مطرف، عن عامر, بنحوه.

حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول في قوله: المحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) ، قال: العفائف.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، قال: أما « المحصنات » ، فهنّ العفائف.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: أن امرأة اتخذت مملوكها وقالت: تأوّلت كتابَ الله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ، قال: فأتى بها عمر بن الخطاب, فقال له ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: تأوّلت آية من كتاب الله على غير وجهها. قال فغَرَّب العبد وجزَّ رأسه. وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن إبراهيم أنه قال: في التي تزني قبل أن يُدْخل بها قال: ليس لها صداق، ويفرَّق بينهما.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث, عن الشعبي، في البكر تفجُر قال: تضرب مئة سوط, وتنفى سنة, وترُدّ على زوجها ما أخذت منه.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا أشعث, عن أبي الزبير, عن جابر, مثل ذلك.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث عن الحسن, مثل ذلك.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس: أن الحسن كان يقول: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فاستيقن، فإنه لا يمسكها.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أبي ميسرة قال: مملوكات أهل الكتاب بمنـزلة حرائرهم.

ثم اختلف أهل التأويل في حكم قوله عز ذكره: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، أعام أم خاصٌّ؟

فقال بعضهم: هو عامٌّ في العفائف منهن, لأن « المحصنات » ، العفائف. وللمسلم أن يتزوج كل حرة وأمة كتابيةٍ، حربيةً كانت أو ذميَّةً.

واعتلُّوا في ذلك بظاهر قوله تعالى: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، وأن المعنيَّ بهن العفائف، كائنة من كانت منهن. وهذا قول من قال: عني بـ « المحصنات » في هذا الموضع: العفائف.

وقال آخرون: بل اللواتي عنى بقوله جل ثناؤه: « والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، الحرائرَ منهن, والآية عامة في جميعهن. فنكاح جميع الحرائر اليهود والنصارى جائز, حربيّات كنّ أو ذميات, من أيِّ أجناس اليهود والنصارى كنَّ. وهذا قول جماعة من المتقدمين والمتأخرين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي, عن سعيد, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان بأسًا بنكاح نساء اليهود والنصارى, وقالا أحلَّه الله على علم.

وقال آخرون منهم: بل عنى بذلك نكاحَ بني إسرائيل الكتابياتِ منهن خاصة، دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية. وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله.

وقال آخرون: بل ذلك معنىٌّ به نساءُ أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذمَّة وعهدٌ. فأما أهل الحرب، فإن نساءهم حرام على المسلمين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن عقبة, قال، حدثنا الفزاري, عن سفيان بن حسين, عن الحكم, عن مقسم, عن ابن عباس قال: من نساء أهل الكتاب من يحلُّ لنا, ومنهم من لا يحلُّ لنا, ثم قرأ: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، [ سورة التوبة: 29 ] . فمن أعطى الجزية حلَّ لنا نساؤه, ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه قال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم، فأعجبه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: عنى بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » ، حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب. لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرارِ في الحال التي أباحهن لهم، إلا أن يكنَّ مؤمنات, فقال عز ذكره: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [ سورة النساء: 25 ] ، فلم يبح منهن إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب » ، العفائفَ, لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة, وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات, وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله: وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [ سورة النور: 32 ] . وقد دللنا على فساد قول من قال: « لا يحلُّ نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين » ، في موضع غير هذا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين, كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة, ذميةً كانت أو حربيّةً, بعد أن تكون بموضع لا يخافُ الناكح فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر, بظاهر قول الله جل وعز: « والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » .

فأما قول الذي قال: « عنى بذلك نساء بني إسرائيل، الكتابيّات منهن خاصة » فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى. وقد دللنا على فساد قول قائل هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية، فكرهنا إعادته.

وأما قوله: « إذا آتيتموهن أجورهن » ، فإن « الأجر » : العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها, وهو المهر. كما:-

حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس في قوله: « آتيتموهن أجورهن » ، يعني: مهورهن.

 

القول في تأويل قوله : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أحل لكم المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم, وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان.

ويعني بقوله جل ثناؤه: « محصنين » ، أعفَّاء « غير مسافحين » ، يعني: لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة، وهو الفجور « ولا متخذي أخدان » ، يقول: ولا منفردين ببغيّة واحدة، قد خادنها وخادنته، واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها.

وقد بينا معنى « الإحصان » ووجوهه ومعنى « السفاح » و « الخدن » في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وهو كما:-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « محصنين غير مسافحين » ، يعني: ينكحوهن بالمهر والبينة غير مسافحين متعالنين بالزنا « ولا متخذي أخدان » ، يعني: يسرُّون بالزنا.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: أحل الله لنا محصنتين: محصنة مؤمنة, ومحصنة من أهل الكتاب « ولا متخذي أخدان » : ذات الخدان، ذات الخليل الواحد.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سليمان بن المغيرة, عن الحسن قال: سأله رجل: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ما له ولأهل الكتاب، وقد أكثر الله المسلمات! فإن كان لا بد فاعلا فليعمد إليها حَصانًا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة؟ قال: هي التي إذا لَمَح الرجل، إليها بعينه اتّبعته.

 

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 5 )

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: « ومن يكفر بالإيمان » ، ومن يجحد ما أمر الله بالتصديق به، من توحيد الله ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله وهو « الإيمان » ، الذي قال الله جل ثناؤه: « ومن يكفر بالإيمان فقد حَبِطَ عمله » يقول: فقد بَطل ثواب عمله الذي كان يعمله في الدنيا, يرجو أن يدرك به منـزلة عند الله. « وهو في الآخرة من الخاسرين » ، يقول: وهو في الآخرة من الهالكين، الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظها من ثواب الله بكفرهم بمحمد، وعملهم بغير طاعة الله.

وقد ذكر أن قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، عنى به أهل الكتاب، وأنه أنـزل على رسول الله صلى عليه وسلم من أجل قوم تحرَّجوا نكاح نساءِ أهل الكتاب لما قيل لهم: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال, حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نتزوّج نساءهم يعني: نساء أهل الكتاب وهم على غير ديننا؟ فأنـزل الله عز ذكره: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين » ، فأحل الله تزويجهن على علم.

وبنحو الذي قلنا في تأويل « الإيمان » قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك.

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ، قال: « الله » ، الإيمان.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان, عن واصل, عن عطاء: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: « الإيمان » ، التوحيد.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن ابن جريج, عن مجاهد: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: بالله.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى, عن سفيان, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد في قوله: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ، قال: من يكفر بالله.

حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: من يكفر بالله.

حدثنا محمد قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، قال: الكفر بالله.

حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة. قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ، قال: أخبر الله سبحانه أن « الإيمان » هو العروة الوثقى, وأنه لا يقبل عملا إلا به, ولا يحرِّم الجنة إلا على من تركه.

فإن قال لنا قائل: وما وجه تأويل مَنْ وجَّه قوله: « ومن يكفر بالإيمان » ، إلى معنى: ومن يكفر بالله؟

قيل: وجه تأويله ذلك كذلك، أن « الإيمان » هو التصديق بالله وبرسله وما ابتعثهم به من دينه، و « الكفر » جحود ذلك. قالوا: فمعنى « الكفر بالإيمان » ، هو جحود الله وجحود توحيده. ففسروا معنى الكلمة بما أريد بها, وأعرضوا عن تفسير الكلمة على حقيقة ألفاظها وظاهرها في التلاوة.

فإن قال قائل: فما تأويلها على ظاهرها وحقيقة ألفاظها؟

قيل: تأويلها: ومن يأبَ الإيمان بالله، ويمتنع من توحيده والطاعة له فيما أمره به ونهاه عنه, فقد حبط عمله. وذلك أن « الكفر » هو الجحود في كلام العرب, و « الإيمان » التصديق والإقرار. ومن أبى التصديق بتوحيد الله والإقرار به، فهو من الكافرين فذلك تأويل الكلام على وجهه.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر الصلاة، فاغسلوا وجوهكم بالماء، وأيديكم إلى المرافق.

ثم اختلف أهل التأويل في قوله: « إذا قمتم إلى الصلاة » ، أمرادٌ به كلَّ حال قام إليها، أو بعضها؟ وأيّ أحوال القيام إليها؟

فقال بعضهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، من أنه معنيٌّ به بعضُ أحوال القيام إليها دون كل الأحوال، وأنّ الحال التي عُني بها، حالُ القيام إليها على غير طُهْر.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا عبيد الله قال: سئل عكرمة عن قول الله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » ، فكلَّ ساعة يتوضأ؟ فقال: قال ابن عباس: لا وضوء إلا من حَدَثٍ.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت مسعود بن علي الشيباني قال، سمعت عكرمة قال: كان سعد بن أبي وقاص يُصلِّي الصلوات بوضوءٍ واحد.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي، عن عكرمة قال: كان سعد بن أبي وقاص يقول: صلّ بطهورك ما لم تحدث.

حدثنا أحمد بن عبدة الضبي قال: أخبرنا سليم بن أخضر قال، أخبرنا ابن عون، عن محمد قال: قلت لعبيدة السلماني: ما يوجب الوضوء؟ قال: الحدَث.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن يزيد بن طريف أو: طريف بن يزيد: أنهم كانوا مع أبي موسى على شاطئ دجلة، فتوضأوا فصلوا الظهر، فلما نودي بالعصر، قام رجال يتوضأون من دجلة، فقال: إنه لا وضوء إلا على من أحدث.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن طريف بن زياد أو: زياد بن طريف عن واقع بن سحبان: أنه شهد أبا موسى صلى بأصحابه الظهر، ثم جلسوا حِلَقًا على شاطئ دجلة، فنودي بالعصر، فقام رجال يتوضأون، فقال أبو موسى: لا وضوء إلا على من أحدث.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت قتادة يحدث، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو: يزيد بن طريف قال: كنت مع أبي موسى بشاطئ دجلة، فذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن واقع بن سحبان، عن طريف بن يزيد أو: يزيد بن طريف، عن أبي موسى، مثله.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا أبو خالد قال، توضأت عند أبي العالية الظهرَ أو العصر، فقلت: أصلي بوضوئي هذا، فإني لا أرجع إلى أهلي إلى العَتَمة؟ قال أبو العالية: لا حرج. وعلّمنا: إذا توضأ الإنسان فهو في وضوئه حتى يحدث حدثا.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا ابن هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: الوضوء من غير حدث اعتداء.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود، قال حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن سعيد، مثله.

حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش قال: رأيت إبراهيم صلَّى بوضوء واحد، الظهرَ والعصرَ والمغربَ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام قال، حدثنا الأعمش قال: كنت مع يحيى، فأصلّي الصلوات بوضوء واحد. قال: وإبراهيم مثل ذلك.

حدثنا سوّار بن عبد الله قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا يزيد بن إبراهيم قال: سمعت الحسن سئل عن الرجل يتوضأ فيصلي الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال: لا بأس به ما لم يُحْدث.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك، قال: يصلِّي الصلوات بالوضوء الواحد ما لم يحدث.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن عمارة قال: كان الأسود يصلي الصلوات بوضوء واحد.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: « يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة » يقول: قمتم وأنتم على غير طهر.

حدثنا أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن الأسود: أنه كان له قَعبٌ قدرَ رِيِّ رجل ، فكان يتوضأ ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.

حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال، أخبرنا زياد بن عبد الله بن الطفيل البكائي قال، حدثنا الفضل بن المبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإذا بال أو أحدثَ، توضأ ومسح بفضل طَهوره الخفين. فقلت: أبا عبد الله، أشيء تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه، فأنا أصنعه كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع.

وقال آخرون: معنى ذلك: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني من سمع مالك بن أنس، يحدث عن زيد بن أسلم، قوله: « يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة » قال: يعني: إذا قمتم من النوم.

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب: أن مالك بن أنس أخبره عن زيد بن أسلم، بمثله.

حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » قال فقال، قمتم إلى الصلاة من النوم.

وقال آخرون: بل ذلك معنيٌّ به كل حال قيام المرء إلى صلاته، أن يجدِّد لها طُهرًا.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن مسعود بن علي قال، سألت عكرمة، قال قلت: يا أبا عبد الله، أتوضأ لصلاة الغداة، ثم آتي السوق فتحضر صلاة الظهر، فأصلي؟ قال: كان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » .

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة قال، سمعت مسعود بن علي الشيباني قال، سمعت عكرمة يقول: كان علي رضي الله عنه يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » ... الآية.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة قال، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين: أن الخلفاء كانوا يتوضأون لكل صلاة.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال، توضأ عمر بن الخطاب وضوءًا فيه تجوٌّز خفيفًا، فقال، هذا وضوء من لم يحدث.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النـزال، قال، رأيت عليًّا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرَّحْبة، ثم أتِيَ بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مَسَح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدِث.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: أن عليًّا اكتالَ من حُبٍّ فتوضأ وضوءًا فيه تجوُّزٌ، فقال: هذا وضوء من لم يحدث.

وقال آخرون: بل كان هذا أمرًا من الله عز ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به: أن يتوضَّأوا لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك بالتخفيف.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني، قال، حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني، مازن بني النجار فقال لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة، طاهرا كان أو غير طاهر، عمَّن هو؟ قال: حدثتنيه أسماء ابنة زيد بن الخطاب: أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، الغسيل حدَّثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه، فأمِر بالسواك، ورفع عنه الوضوء إلا من حدّث. فكان عبد الله يرى أنّ به قوة عليه، فكان يتوضأ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال، حدثني محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري قال: قلت لعبيد الله بن عبد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة ، ثم ذكر نحوه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة. فلما كان عام الفتح، صلَّى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله! قال، « عمدا فعلته. »

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة. فلما كان يوم فتح مكة، صلى الصلوات كلها بوضوء واحد.

حدثنا ابن بشار، قال، حدثنا عبد الرحمن، قال، حدثنا سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ، فذكر نحوه.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات كلها بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله، صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال، « عمدا فعلته يا عمر. »

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما فتح مكة، صلى الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاء بوضوء واحد.

حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا الحكم بن ظُهَير، عن مِسْعر، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: إن الله عنى بقوله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا » جميعَ أحوال قيام القائم إلى الصلاة، غير أنه أمرُ فرضٍ بغسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه، ولم يكن منه بعده حدث ينقض طهارته. ولذلك كان عليه السلام يتوضأ لكل صلاة قبل فتح مكة، ثم صلىّ يومئذ الصلوات كلها بوضوء واحد، ليعلّم أمته أن ما كان يفعل عليه السلام من تجديد الطهر لكل صلاة، إنما كان منه أخذا بالفضل، وإيثارا منه لأحب الأمرين إلى الله، ومسارعةً منه إلى ما ندبه إليه ربّه لا على أن ذلك كان عليه فرضًا واجبًا.

فإن ظنّ ظانٌّ أن في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة دلالةً على خلاف ما قلنا من أن ذلك كان ندبا للنبي عليه السلام وأصحابه، وخُيِّل إليه أن ذلك كان على الوجوب فقد ظنّ غير الصواب.

وذلك أن قول القائل: « أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا » ، محتملٌ من وجوه لأمر الإيجاب، والإرشاد والندب والإباحة والإطلاق. وإذ كان محتملا ما ذكرنا من الأوجه، كان أولى وجوهه به ما على صحته الحجة مجمعة، دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقيقة مدَّعيه. .

وقد أجمعت الحجة على أن الله عز وجل لم يوجب على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا على عباده فرضَ الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك، الدلالةُ الواضحةُ على صحة ما قلنا: من أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفعل من ذلك، كان على ما وصفنا، من إيثاره فعلَ ما ندبه الله عز ذكره إلى فعله وندبَ إليه عباده المؤمنين بقوله: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ » ... الآية، وأن تركه في ذلك الحال الذي تركه، كان ترخيصا لأمته، وإعلاما منه لهم أن ذلك غير واجب ولا لازم له ولا لهم، إلا من حدَثٍ يوجب نقضَ الطهر.

وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أخبار:

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقَعْبٍ صغير فتوضأ. قال: قلت لأنس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم! قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد. .

حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقّي، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن أبي غطيف، قال: صليت مع ابن عمر الظهر، فأتى مجلسا في داره فجلس وجلست معه. فلما نُودي بالعصر دعا بوضوء فتوضأ، ثم خرج إلى الصلاة، ثم رجع إلى مجلسه. فلما نودي بالمغرب دعا بوضوء فتوضأ، فقلت: أسنة ما أراك تَصنع؟ قال، لا وإن كان وَضوئي لصلاة الصبح كافيَّ للصلوات كلها ما لم أحدِث،

ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « من توضأ على طهرٍ كتب له عشر حسنات » ،

، فأنا رغبت في ذلك.

حدثني أبو سعيد البغدادي، قال، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هريم، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي غطيف، عن ابن عمر، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات.

وقد قال قوم: إن هذه الآية أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إعلاما من الله له بها أن لا وضوء عليه، إلا إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال كلها، وذلك أنه كان إذا أحدث امتنع من الأعمال كلِّها حتى يتوضأ، فأذن الله بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث عَدَا الصلاة توضأ أو لم يتوضأ، وأمره بالوضوء إذا قام إلى الصلاة قبل الدخول فيها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى يأتي منـزله فيتوضأ كوضوئه للصلاة. فقلنا: يا رسول الله، نكلمك فلا تكلمنا، ونسلم عليك فلا ترد علينا؟ قال: حتى نـزلت آية الرخصة: « يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة » ، الآية.

 

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في حدّ « الوجه » الذي أمر الله بغسله، القائمَ إلى الصلاة بقوله: « إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ » .

فقال بعضهم: هو ما ظهر من بَشرة الإنسان من قُصَاص شعر رأسه، منحدرا إلى منقطع ذَقَنه طولا وما بين الأذنين عرضا. قالوا: فأما الأذن وما بطن من داخل الفم والأنف والعين، فليس من الوجه وغير واجب غسلُ ذلك ولا غسل شيء منه في الوضوء. قالوا: وأما ما غطاه الشعر منه كالذقن الذي غطاه شعر اللحية، والصدغين اللذين قد غطاهما عِذَار اللحية، فإن إمرار الماء على ما على ذلك من الشعر، مجزئ من غسل ما بطن منه من بشرة الوجه،

لأن « الوجه » عندهم: هو ما عَنَّ لعين الناظر من ذلك فقابلها دون غيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عمر بن عبيد، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال، يجزئ اللحية ما سال عليها من الماء.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا المغيرة، عن إبراهيم قال: يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته.

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، بنحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا أبو داود، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، بنحوه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مغيرة في تخليل اللحية، قال: يجزيك ما مرَّ على لحيتك.

حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال، حدثنا مصعب بن المقدام، قال، حدثنا زائدة، عن منصور، قال: رأيت إبراهيم يتوضأ، فلم يخلِّل لحيته.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن إدريس، عن سعيد الزبيدي، عن إبراهيم، قال: يجزيك ما سال عليها من أن تخللها.

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن يونس، قال: كان الحسن إذا توضأ مسح لحيته مع وجهه.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن إدريس، قال، حدثنا هشام، عن الحسن، أنه كان لا يخلِّل لحيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا ابن المبارك، عن هشام، عن الحسن أنه كان لا يخلل لحيته إذا توضأ.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن إسماعيل، عن الحسن، مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال، ليس غسلُ اللحية من السنة.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن عيسى بن يزيد، عن عمرو، عن الحسن: أنه كان إذا توضأ لم يبلِّغ الماء في أصول لحيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن أبي شيبة سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي، قال: سألت إبراهيم: أخلِّل لحيتي عند الوضوء بالماء؟ فقال، لا إنما يكفيك ما مرَّت عليه يدك.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء، فقال: قال المغيرة، قال إبراهيم: يكفيه ما سال من الماء من وجهه على لحيته.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال، حدثنا حجاج بن رشدين قال، حدثنا عبد الجبار بن عمر: أن ابن شهاب وربيعة توضآ فأمرا الماء على لحاهما، ولم أر واحدا منهما خلّل لحيته.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت سعيد بن عبد العزيز، عن عَرْك العارضين في الوضوء، فقال: ليس ذلك بواجب، رأيت مكحولا يتوضأ فلا يفعل ذلك.

حدثنا أبو الوليد أحمد بن عبد الرحمن القرشي، قال، حدثنا الوليد، قال، أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، قال، ليس عَرْك العارضين في الوضوء بواجب.

حدثنا أبو الوليد، قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني إبراهيم بن محمد، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: يكفيه ما مرَّ من الماء على لحيته.

حدثنا أبو الوليد القرشي، قال، حدثنا الوليد، قال، أخبرني ابن لهيعة، عن سليمان بن أبي زينب، قال، سألت القاسم بن محمد: كيف أصنع بلحيتي إذا توضأت؟ قال: لستُ من الذين يغسلون لحاهم.

حدثنا أبو الوليد، قال، حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو: ليس عَرْك العارضين وتشبيك اللحية بواجب في الوضوء.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بَطَن من الفم والأنف.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لولا التلمُّظ في الصلاة ما مضمضتُ.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت عبد الملك يقول: سئل عطاء عن رجل صلى ولم يتمضمض، قال: ما لم يسَّم في الكتاب يجزئه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ليس المضمضة والاستنشاق من واجب الوضوء.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الصباح، عن أبي سنان قال: كان الضحاك ينهانا عن المضمضة والاستنشاق في الوضوء في رمضان.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت هشامًا، عن الحسن قال: إذا نسى المضمضة والاستنشاق، قال: إن ذكر وقد دخل في الصلاة فليمض في صلاته. وإن كان لم يدخل تمضمض واستنشق.

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن شعبة قال: سألت الحكم وقتادة عن رجل ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض ولم يستنشق، فقال: يمضي في صلاته.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة: من أن الأذنين ليستا من الوجه.

حدثني يزيد بن مخلد الواسطي قال، حدثنا هشيم، عن غيلان قال: سمعت ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس.

حدثنا عبد الكريم بن أبي عمي، قال، حدثنا أبو مطرف [ .... ] قال، حدثنا غيلان مولى بني مخزوم، قال: سمعت ابن عمر يقول: الأذنان من الرأس.

حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا محمد بن يزيد، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس، فإذا مسحت الرأس فامسحهما.

حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرني غيلان بن عبد الله مولى قريش، قال: سمعت ابن عمر سأله سائل قال: إنه توضأ ونسي أن يمسح أذنيه، قال فقال ابن عمر: الأذنان من الرأس. ولم ير عليه بأسا.

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أيوب بن سويد ح، وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن جميعا، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن سعيد بن مرجانة، عن ابن عمر، أنه قال: الأذنان من الرأس.

حدثني ابن المثنى قال، حدثني وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن رجل، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا الأذنان من الرأس.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة قال: الأذنان من الرأس عن الحسن وسعيد.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني أبو عمرو، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن عمر قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي النضر، عن ابن عمر، مثله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عيسى بن يزيد، عن عمرو، عن الحسن قال، الأذنان من الرأس.

حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع قال، حدثنا حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة أو: عن أبي هريرة، شك ابن بزيع: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معلى بن منصور، عن حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: الأذنان من الرأس قال حماد: لا أدري هذا عن أبي أمامة أو: عن النبي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة قال، حدثني حماد بن زيد قال، حدثني سنان بن ربيعة أبو ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا أبو الوليد الدمشقي قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرني ابن جريج وغيره، عن سليمان بن موسى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأذنان من الرأس.

حدثنا الحسن بن شبيب، قال، حدثنا علي بن هاشم بن البريد قال، حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأذنان من الرأس.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن يونس: أن الحسن قال: الأذنان من الرأس.

وقال آخرون: « الوجه » كل ما دون منابت شعر الرأس إلى منقطع الذَّقَن طولا ومن الأذن إلى الأذن عرضا، ما ظهر من ذلك لعين الناظر، وما بَطَن منه من منابت شعر اللحية النابت على الذَّقَن وعلى العارضين، وما كان منه داخل الفم والأنف، وما أقبل من الأذنين على الوجه. كل ذلك عندهم من « الوجه » الذي أمر الله بغسله بقوله: « فاغسلوا وجوهكم » . وقالوا: إن ترك شيئا من ذلك المتوضِّئ فلم يغسله لم تُجْزِه صلاته بوضوئه ذلك.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني محمد بن بكر وأبو عاصم قالا أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني نافع: أن ابن عمر كان يبُلّ أصول شعر لحيته، ويغلغِل بيده في أصول شعرها حتى يَكثر القَطَرانُ منها.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج قال، أخبرني نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر كان يغلغل يديه في لحيته حتى يَكثر منها القَطَران.

حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث، عن سعيد قال، حدثنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر: كان إذا توضأ خلَّل لحيته حتى يبلغ أصول الشعر.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا معلى بن جابر اللقيطي قال، أخبرني الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر توضأ فخلَّل لحيته.

حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ليث، عن نافع: أن ابن عمر كان يخلّل لحيته بالماء حتى يبلغ أصول الشعر.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن بكر قال، حدثنا ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير: أن أباه عبيد بن عمير كان إذا توضأ غَلغل أصابعه في أصول شعر الوجه يغلغلها بين الشعر في أصوله، يدلك بأصابعه البشرة فأشار لي عبد الله كما أخبره الرجل، كما وصف عنه.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا أبو عمرو، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا توضأ عرَك عَارضيه بعض العرك، وشبَّك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانًا.

حدثنا أبو الوليد وعلي بن سهل قالا حدثنا الوليد قال، قال أبو عمرو، وأخبرني عبدة، عن أبي موسى الأشعري، نحو ذلك.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن مسلم قال: رأيت ابن أبي ليلى توضأ فغسل لحيته، وقال: من استطاع منكم أن يُبْلغ الماء أصولَ الشعر فليفعل.

حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا سفيان بن حبيب، عن ابن جريج، عن عطاء قال: حقٌّ عليه أن يبل أصول الشعر.

حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: كان مجاهد يخلِّل لحيته.

حدثنا حميد قال، حدثنا سفيان، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: أنه كان يخلِّل لحيته إذا توضأ.

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن شبرمة، عن سعيد بن جبير قال: ما بال اللحية تغسل قبل أن تنبت فإذا نبتت لم تغسَل؟

حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يخلل لحيته إذا توضأ.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن عنبسة، عن ليث، عن طاوس: أنه كان يخلِّل لحيته.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون، عن إسماعيل، عن ابن سيرين: أنه كان يخلل لحيته.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا ابن المبارك، عن هشام، عن ابن سيرين، مثله.

حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، سألت شعبة عن تخليل اللحية في الوضوء، فذكر عن الحكم بن عتيبة: أن مجاهدا كان يخلل لحيته.

حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا هارون، عن عمرو عن معروف، قال، رأيت ابن سيرين توضأ فخلل لحيته.

حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن الزبير بن عدي، عن الضحاك قال: رأيته يخلل لحيته.

حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن أبي الأشهب، عن موسى بن أبي عائشة، عن زيد الخدري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فخلَّل لحيته، فقلت: لم تفعل هذا يا نبي الله؟ قال: « أمرني بذلك ربيِّ » .

حدثنا تميم قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن سلام بن سَلْم، عن زيد العمي، عن معاوية بن قرة أو: يزيد الرقاشي عن أنس، قال: وضّأت النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخل أصابعه من تحت حَنَكه، فخلَّل لحيته، وقال: « بهذا أمرني ربي جل وعز » .

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال، حدثنا المحاربي، عن سلام بن سَلْم المديني، قال، حدثنا زيد العمي، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا أبو عبيدة الحداد، قال حدثنا موسى بن ثروان، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « هكذا أمرني ربي » ! وأدخل أصابعه في لحيته، فخلَّلها

حدثنا أبو كريب، قال، حدثنا معاوية بن هشام وعبيد الله بن موسى، عن خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فخلّل لحيته.

حدثنا علي بن الحسين بن الحر، قال، حدثنا محمد بن ربيعة، عن واصل بن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: رأينا النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وخلّل لحيته.

حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عمر بن سليمان، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: « أن النبي صلى الله عليه وسلم خلّل لحيته » .

حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني قال، حدثنا سفيان، عن عبد الكريم أبي أمية: أن حسان بن بلال المزني رأى عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته، فقيل له: أتفعل هذا، فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، حدثنا أبو عمرو قال، أخبرني عبد الواحد بن قيس، عن يزيد الرقاشي وقتادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا توضأ عَرك عارضيه، وشبك لحيته بأصابعه.

حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا الوليد قال، أخبرني أبو مهدي سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي أبو عبد الله قال، حدثني واصل الرقاشي، عن أبي سودة هكذا قال الأحمسي عن أبي أيوب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ تمضمض ومسح لحيته من تحتها بالماء.

ذكر من قال ما حكينا عنه من أهل هذه المقالة في غسل ما بَطن من الأنف والفم.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح قال، سمعت مجاهدا يقول: الاستنشاق شَطْر الوضوء.