فهرس تفسير الطبري للسور

12 - تفسير الطبري سورة يوسف

التالي السابق

تفسير سورة يوسف

( تفسير السورة التي يذكر فيها يوسف صلى الله عليه وسلم )

( بسم الله الرحمن الرحيم )

( ربِّ يسّر )

 

القول في تأويل قوله تعالى : الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ( 1 )

قال أبو جعفر محمد بن جرير: قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله: ( الر تلك آيات الكتاب ) ، والقول الذي نختاره في تأويل ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته ههنا.

وأما قوله: ( تلك آيات الكتاب المبين ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناه: ( تلك آيات الكتاب المبين ) : بَيَّن حلاله وحرامه ، ورشده وهُداه .

ذكر من قال ذلك:

18768 حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال: حدثنا الوليد بن سلمة الفلسطيني ، قال: أخبرني عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، في قول الله تعالى: ( الر تلك آيات الكتاب المبين ) ، قال: بيَّن حلاله وحرامه.

18769 حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ( الر تلك آيات الكتاب المبين ) ، إي والله، لمبينٌ، بيَّن الله هداه ورشده.

18770 حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: ( الر تلك آيات الكتاب المبين ) ، قال: بين الله رشده وهداه.

وقال آخرون في ذلك ما:

18771 حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، قال: حدثنا الوليد بن سلمة ، قال: حدثنا ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن معاذ أنه قال في قول الله عز وجل: ( الكتاب المبين ) قال بيَّن الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: معناه: هذه آيات الكتاب المبين ، لمن تلاه وتدبَّر ما فيه من حلاله وحرامه ونهيه وسائر ما حواه من صنوف معانيه ; لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه « مبين » ، ولم يخصَّ إبانته عن بعض ما فيه دون جميعه ، فذلك على جميعه ، إذ كان جميعه مبينًا عمَّا فيه .

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 2 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنا أنـزلنا هذا الكتاب المبين، قرآنًا عربيًّا على العرب ، لأن لسانهم وكلامهم عربي ، فأنـزلنا هذا الكتاب بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه ، وذلك قوله: ( لعلكم تعقلون ) .

 

القول في تأويل قوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ( 3 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « نحن نقص عليك » يا محمد، « أحسن القصص » بوحينا إليك هذا القرآن ، فنخبرك فيه عن الأخبار الماضية، وأنباء الأمم السالفة والكتب التي أنـزلناها في العصور الخالية ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ، يقول تعالى ذكره: وإن كنت يا محمد من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك ، لا تعلمه ولا شيئا منه، كما:

18772 حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة: ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) .

وذكر أن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسألة أصحابه إياه أن يقصَّ عليهم .

*ذكر الرواية بذلك:

18773 حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، قال: حدثنا حكام الرازي ، عن أيوب ، عن عمرو الملائي ، عن ابن عباس ، قال: قالوا: يا رسول الله ، لو قصصت علينا؟ قال: فنـزلت: ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) .

18774 حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا حكام ، عن أيوب بن سيار أبي عبد الرحمن ، عن عمرو بن قيس ، قال: قالوا: يا نبي الله ، فذكر مثله .

18775 حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا أبي ، عن المسعودي ، عن عون بن عبد الله ، قال: ملَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملّةً ، فقالوا: يا رسول الله حدثنا ! فأنـزل الله عز وجل: اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [ سورة الزمر:23 ] . ثم ملوا ملَّةً أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن ! يعنون القصَص، فأنـزل الله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْـزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ، فأرادوا الحديث فدَّلهم على أحسن الحديث ، وأرادوا القصصَ فدلهم على أحسن القصص .

18776 حدثنا محمد بن سعيد العطار ، قال: حدثنا عمرو بن محمد ، قال: أخبرنا خلاد الصفار ، عن عمرو بن قيس ، [ عن عمرو بن مرة ] ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد ، قال: أنـزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، قال: فتلاه عليهم زمانًا ، فقالوا: يا رسول الله ، لو قصصت علينا ! فأنـزل الله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ، إلى قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، الآية . قال: ثم تلاه عليهم زمانًا ، فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا ! فأنـزل الله تعالى اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [ سورة الزمر:23 ] ، قال خلاد: وزاد فيه رجل آخر ، قالوا: يا رسول الله أو قال أبو يحيى: ذهبت من كتابي كلمة فأنـزل الله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ سورة الحديد:16 ] .

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ( 4 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإن كنت يا محمد، لمن الغافلين عن نبأ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إذ قال لأبيه يعقوب بن إسحاق: ( يا أبت إني رأيت أحدَ عشر كوكبًا ) ; يقول: إني رأيت في منامي أحد عشر كوكبًا .

وقيل: إن رؤيا الأنبياء كانت وحيًا .

18778 حدثنا ابن بشار ، قال: حدثنا أبو أحمد ، قال: حدثنا سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله: ( إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ) ، قال: كانت رؤيا الأنبياء وحيًا.

18779 وحدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن سفيان ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ( إني رأيت أحد عشر كوكبًا ) ، قال: كانت الرؤيا فيهم وحيًا.

وذكر أن الأحد العشر الكوكب التي رآها في منامه ساجدةً مع الشمس والقمر ، ما:

حدثني علي بن سعيد الكندي ، قال: حدثنا الحكم بن ظهير ، عن السدي ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر ، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من يهود يقال له « بستانة اليهودي » ، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدةً له ، ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يجبه بشيء ، ونـزل عليه جبرئيل وأخبره بأسمائها .

قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم! فقال: جربان والطارق ، والذيال ، وذو الكنفات ، وقابس ، ووثاب وعمودان ، والفليق ، والمصبح ، والضَّروح ، وذو الفرغ ، والضياء ، والنور « . فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها! »

وقوله: ( وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ) يقول: والشمس والقمر رأيتهم في منامي سجودا .

وقال « ساجدين » والكواكب والشمس والقمر إنما يخبر عنها ب « فاعلة » و « فاعلات » لا بالواو والنون ، [ لأن الواو والنون ] إنما هي علامة جمع أسماء ذكور بني آدم، أو الجن، أو الملائكة . وإنما قيل ذلك كذلك ، لأن « السجود » من أفعال من يُجمع أسماء ذكورهم بالياء والنون ، أو الواو والنون ، فأخرج جمع أسمائها مخرج جمع أسماء من يفعل ذلك ، كما قيل: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ ، [ سورة النمل : 18 ] .

وقال: « رأيتهم » وقد قيل « : إني رأيت أحد عشر كوكبًا » ، فكرر الفعل ، وذلك على لغة من قال: « كلمت أخاك كلمته » ، توكيدًا للفعل بالتكرير .

وقد قيل: إن الكواكب الأحد عشر كانت إخوته ، والشمس والقمر أبويه .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : « إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا ) إخوته، أحد عشر كوكبًا » وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ « ، يعني بذلك: أبويه »

حدثني الحارث ، قال: حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا شريك ، عن السدي ، في قوله : « إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر » ... الآية ، قال: رأى أبويه وإخوته سجودا له فإذا قيل له: عمن؟ قال إن كان حقًّا ، فإن ابن عباس فسرَّه.

حدثنا الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله « أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين » قال: الكواكب: إخوته ، والشمس والقمر: أبواه.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين ، قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: « إني رأيت أحد عشر كوكبًا » إخوته « والشمس » ، أمه « والقمر » أبوه.

حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو أحمد ، قال، قال سفيان: كان أبويه وإخوته

حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال: سمعت أبا معاذ ، قال: حدثنا عبيد بن سليمان ، قال: سمعت الضحاك ، قوله: « إني رأيت أحد عشر كوكبًا » هم إخوة يوسف « والشمس والقمر » ، هما أبواه.

حدثني يونس ، قال، أخبرنا ابن وهب ، قال، قال ابن زيد ، في قوله : « يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا » الآية ، قال: أبواه وإخوته . قال: فنعاه إخوته، وكانوا أنبياء ، فقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه! حين بلغهم.

وروي عن ابن عباس أنه قال « : الكواكب » إخوته ، « والشمس والقمر » ، أبوه وخالته من وجه غير محمودٍ ، فكرهت ذكره.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 )

قال أبو جعفر : يقول جل ذكره قال: يعقوب لابنه يوسف: « يا بنيّ لا تقصص رؤياك » ، هذه، « على إخوتك » ، فيحسدوك « فيكيدوا لك كيدًا » ، يقول: فيبغوك الغوائل، ويناصبوك العداوة ، ويطيعوا فيك الشيطان . ( إن الشيطان للإنسان عدو مبين ) ، يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدو ، قد أبان لهم عداوته وأظهرها . يقول: فاحذر الشيطان أن يغريَ إخوتك بك بالحسد منهم لك، إن أنت قصصت عليهم رؤياك .

وإنما قال يعقوب ذلك ، لأنه قد كان تبين له من أخوته قبلَ ذلك حسدًا، كما:-

حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، عن أسباط ، عن السدي ، قال: نـزل يعقوب الشأم ، فكان همُّه يوسف وأخاه ، فحسده إخوته لما رأوا حبَّ أبيه له. ورأى يوسف في المنام كأن أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم له ساجدين ، فحدث بها أباه فقال: ( يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا ) ، الآية.

واختلف أهل العربية في وجه دخول « اللام » في قوله ( فيكيدوا لك كيدا ) .

فقال بعض نحويي البصرة: معناه: فيتخذوا لك كيدا وليست مثل: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [ سورة يوسف : 43 ] تلك أرادوا أن يوصل الفعل إليها باللام، كما يوصل بالباء ، كما تقول: « قدمت له طعامًا » ، تريد قدّمت إليه، وقال: يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ، [ سورة يوسف : 48 ] ومثله قوله: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [ سورة يونس : 35 ] قال: وإن شئت كان: ( فيكيدوا لك كيدا ) ، في معنى: « فيكيدوك » ، وتجعل اللام مثل: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [ سورة الأعراف : 154 ] وقد قال لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ إنما هو بمكان: « ربَّهم يرهبون » .

وقال بعضهم: أدخلت اللام في ذلك ، كما تدخل في قولهم: « حمدت لك » و « شكرت لك » ، و « حمدتك » و « شكرتك » . وقال: هذه لام جلبها الفعل ، فكذلك قوله: ( فيكيدوا لك كيدا ) تقول: فيكيدوك ، أو: يكيدوا لك، فيقصدوك ، ويقصدوا لك ، قال: « وكيدًا » : توكيدٌ .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل يعقوب لابنه يوسف، لما قصّ عليه رؤياه: ( وكذلك يجتبيك ربك ) وهكذا يجتبيك ربك . يقول: كما أراك ربك الكواكب والشمسَ والقمرَ لك سجودًا ، فكذلك يصطفيك ربك، كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو العنقزي ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عكرمة: ( وكذلك يجتبيك ربك ) ، قال: يصطفيك.

حدثنا بشر ، قال: حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ) ، فاجتباه واصطفاه وعلّمه من عَبْر الأحاديث ، وهو « تأويل الأحاديث » .

وقوله: ( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) يقول: ويعلمك ربك من علم ما يؤول إليه أحاديثُ الناس، عما يرونه في منامهم. وذلك تعبير الرؤيا .

حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) قال: عبارة الرؤيا.

حدثني يونس ، قال، أخبرنا ابن وهب ، قال، قال ابن زيد ، في قوله: ( ويعلمك من تأويل الأحاديث ) ، قال: تأويل الكلام: العلم والكلام.

وكان يوسف أعبرَ الناس، وقرأ: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا . [ سورة يوسف : 22 ] .

وقوله: ( ويتم نعمته عليك ) باجتبائه إياك، واخيتاره، وتعليمه إياك تأويل الأحاديث ( وعلى آل يعقوب ) يقول: وعلى أهل دين يعقوب، وملته من ذريته وغيرهم ( كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ) ، باتخاذه هذا خليلا وتنجيته من النار ، وفدية هذا بذبح عظيم، كالذي:-

حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، أخبرنا أبو إسحاق ، عن عكرمة ، في قوله: ( ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ) قال: فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار ، وعلى إسحاق أنْ نجَّاه من الذَّبح.

وقوله: ( إن ربك عليم حكيم ) يقول: ( إن ربك عليم ) بمواضع الفضل ، ومَنْ هو أهلٌ للاجتباء والنعمة « حكيم » في تدبيره خلقه .

 

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ( لقد كان في يوسف وإخوته ) الأحد عشر ( آيات ) يعني عبر وذكر ( للسائلين ) يعني السائلين عن أخبارهم وقصصهم . وإنما أراد جل ثناؤه بذلك نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وذلك أنه يقال: إن الله تبارك وتعالى إنما أنـزل هذه السورة على نبيه، يعلمه فيها ما لقي يوسف من أَدانيه وإخوته من الحسد ، مع تكرمة الله إيَّاه ، تسليةً له بذلك مما يلقى من أدانيه وأقاربه من مشركي قريش . كذلك كان ابن إسحاق يقول:

حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال: إنما قصّ الله تبارك وتعالى على محمد خبر يوسف، وبَغْي إخوته عليه وحسدهم إياه، حين ذكر رؤياه، لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه وحسده حين أكرمه الله عز وجل بنبوته، ليأتسي به.

واختلفت القراء في قراءة قوله: ( آيات للسائلين ) . فقرأته عامة قراء الأمصار « آياتٌ » على الجماع .

وروي عن مجاهد وابن كثير أنهما قرآ ذلك على التوحيد .

والذي هو أولى القراءتين بالصواب، قراءةُ من قرأ ذلك على الجماع ، لإجماع الحجة من القراء عليه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: لقد كان في يوسف وإخوته آيات لمن سأل عن شأنهم حين قال إخوة يوسف ( ليوسف وأخوه ) من أمه ( أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ) ، يقولون: ونحن جماعة ذوُو عدد، أحد عشر رجلا .

و « العصبة » من الناس، هم عشرة فصاعدًا ، قيل: إلى خمسة عشرَ ، ليس لها واحد من لفظها ، كالنَّفر والرهط.

( إن أبانا لفي ضلال مبين ) ، يعنون: إنّ أبانا يعقوب لفي خطأ من فعله، في إيثاره يوسف وأخاه من أمه علينا بالمحبة ويعني ب « المبين » : أنه خطأٌ يبينُ عن نفسه أنه خطأ لمن تأمله ونظر إليه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي ، عن أسباط ، عن السدي: ( إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ) ، قال: يعنون بنيامين . قال: وكانوا عشرة.

.... قال: حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: ( إن أبانا لفي ضلال مبين ) ، قال: في ضلال من أمرنا.

حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد ، في قوله: ( ونحن عصبة ) ، قال: « العصبة » ، الجماعة .

 

القول في تأويل قوله تعالى : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ( 9 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: اقتلوا يوسف أو اطرحوه في أرض من الأرض ، يعنون مكانا من الأرض ( يخلُ لكم وجه أبيكم ) يعنون: يخلُ لكم وجه أبيكم من شغله بيوسف ، فإنه قد شغله عنّا، وصرف وَجهه عنَّا إليه ( وتكونوا من بعده قومًا صالحين ) ، يعنون أنهم يتوبون من قتلهم يوسف، وذنبهم الذي يركبونه فيه ، فيكونون بتوبتهم من قتله من بعد هلاك يوسف قومًا صالحين .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع ، قال: حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قومًا صالحين ) ، قال: تتوبون مما صنعتم ، أو: من صنيعكم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ( 10 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال قائل من إخوة يوسف: ( لا تقتلوا يوسف ) .

وقيل: إن قائل ذلك « روبيل » ، كان ابن خالة يوسف.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد ، قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة: ( لا تقتلوا يوسف ) ذكر لنا أنه روبيل، كان أكبر القوم ، وهو ابن خالة يوسف ، فنهاهم عن قتله.

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق: ( اقتلوا يوسف ) ، إلى قوله: ( إن كنتم فاعلين ) ، قال: ذكر لي، والله أعلم، أن الذي قال ذلك منهم « روبيل » ، الأكبر من بني يعقوب ، وكان أقصدهم فيه رأيًا.

حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق ، قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله: ( لا تقتلوا يوسف ) قال: كان أكبر إخوته ، وكان ابن خالة يوسف ، فنهاهم عن قَتْله .

وقيل: كان قائل ذلك منهم « شمعون » .

ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله: ( قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف ) قال: هو شمعون.

وقوله: ( وألقوه في غيابة الجب ) يقول وألقوه في قَعْرِ الجبّ، حيث يَغيبُ خبره .

واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء أهل المدينة: « غيَابَاتِ الجُبِّ » على الجماع .

وقرأ ذلك عامة قراء سائر الأمصار: ( غَيابَةِ الجُبِّ ) بتوحيد « الغيابة » .

قال أبو جعفر : وقراءة ذلك بالتوحيد أحبُّ إليّ .

و « الجبّ » : بئر .

وقيل: إنه اسم بئر ببيت المقدس .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: في: ( غيابة الجب ) ، يقول: بئر ببيت المقدس.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، قال: أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله: ( غيابة الجب ) قال: بئر ببيت المقدس.

والغيابة: كل شيء غيب شيئًا فهو « غيابة » و « الجب » ، البئر غير المطويَّة .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في : ( غيابة الجب ) ، في بعض نواحيها: في أسفلها.

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( وألقوه في غيابة الجب ) ، يقول: في بعض نواحيها.

حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، مثله

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ( وألقوه في غيابة الجب ) قال: قالها كبيرهم الذي تخلَّف . قال: و « الجب » ، بئر بالشأم.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي ، قال: حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ( وألقوه في غيابة الجب ) يعني: الركيَّة.

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ ، قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: « الجبّ » : البئر.

وقوله: ( يلتقطه بعض السيارة ) يقول: يأخذه بعض مارّة الطريق من المسافرين ( إن كنتم فاعلين ) ، يقول: إن كنتم فاعلين ما أقول لكم . فذكر أنه التقطه بعض الأعراب .

حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ( يلتقطه بعض السيارة ) ، قال: التقطه ناس من الأعراب.

وذكر عن الحسن البصري أنه قرأ: « تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ » بالتاء .

حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال حدثنا القاسم ، قال، حدثني حجاج ، عن هارون ، عن مطر الورّاق ، عن الحسن .

وكانّ الحسن ذهب في تأنيثه « بعض السيارة » إلى أنَّ فعلَ بعضها فعلُها.

والعرب تفعل ذلك في خبر كان عن مُضافٍ إلى مؤنث، يكون الخبرُ عن بعضه خبرًا عن جميعه ، وذلك كقول الشاعر:

أرَى مَــرَّ السِّــنِينَ أخَــذْنَ مِنِّـي كَمَــا أخَـذَ السِّـرَارُ مِـنَ الهِـلالِ

فقال: « أخذن مني » ، وقد ابتدأ الخبر عن « المرّ » ، إذ كان الخبر عن « المرّ » ، خبرًا عن « السنين » ، وكما قال الآخر:

إذَا مَــاتَ مِنْهُــمْ سَـيِّدٌ قَـامَ سَـيِّدٌ فَـدَانَتْ لَـهُ أهْـلُ القُـرَى والكَنـائِسِ

فقال: « دانت له » ، والخبر عن أهل القرى ، لأن الخبر عنهم كالخبر عن القرى . ومن قال ذلك لم يقل: « فدانت له غلام هند » ، لأن « الغلام » لو ألقي من الكلام لم تدلَّ « هند » عليه ، كما يدل الخبر عن « القرية » على أهلها .

وذلك أنه لو قيل « : فدانت له القرى » ، كان معلومًا أنه خبر عن أهلها. وكذلك « بعض السيارة » ، لو ألقي البعض ، فقيل: تلتقطه السيارة ، علم أنه خبر عن البعض أو الكل ، ودلّ عليه الخبر عن « السيارة » .

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ( 11 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف، إذ تآمروا بينهم ، وأجمعوا على الفرقة بينه وبين والده يعقوب، لوالدهم يعقوب: ( يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف ) فتتركه معنا إذا نحن خرجنا خارج المدينة إلى الصحراء ( وإنا له ناصحون ) ، نحوطه ونكلؤه .

 

القول في تأويل قوله تعالى : أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ( 12 )

قال أبو جعفر : واختلفت القراء في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قراء أهل المدينة: « يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ » ، بكسر العين من « يرتع » ، وبالياء في « يرتع ويلعب » ، على معنى: « يفتعل » ، من « الرعي » : « ارتعيت فأنا أرتعي » ، كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلي: أرسله معنا غدًا يرتَع الإبل ويلعب، ( وإنّا له لحافظون ) .

وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: « أرْسِلهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ » ، بالياء في الحرفين جميعًا، وتسكين العين ، من قولهم: « رتع فلانٌ في ماله » ، إذا لَهَا فيه ونَعِم وأنفقه في شهواته. ومن ذلك قولهم في مثل من الأمثال: « القَيْدُ والرَّتَعَة » ، ومنه قول القطامي:

أكُفْــرًا بَعْــدَ رَدِّ المَــوْتِ عَنِّـي وَبَعْــدَ عَطَــائِكَ المِئَــةَ الرِّتَاعَـا

وقرأ بعض أهل البصرة: « تَرْتَعْ » بالنون « ونَلْعَبْ » بالنون فيهما جميعًا ، وسكون العين من « نرتع » .

حدثني أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج ، عن هارون ، قال: كان أبو عمرو يقرأ: « نَرْتَعْ ونَلْعَبْ » بالنون ، قال: فقلت لأبي عمرو: كيف يقولون « نلعب » ، وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.

قال أبو جعفر : وأولى القراءة في ذلك عندي بالصواب ، قراءةُ من قرأه في الحرفين كليهما بالياء، وبجزم العين في « يرتع » ، لأن القوم إنما سألوا أباهم إرسال يوسف معهم ، وخدعوه بالخبر عن مسألتهم إياه ذلك، عما ليوسف في إرساله معهم من الفرح والسرور والنشاط بخروجه إلى الصحراء وفسحتها ولعبه هنالك ، لا بالخبر عن أنفسهم .

وبذلك أيضا جاء تأويل أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي ، قال، حدثني عمي ، قال، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: ( أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب ) ، يقول: يسعى وينشطُ.

حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال، قال ابن عباس: ( يرتع ويلعب ) قال: يلهو ، وينشط ويسعى.

حدثنا بشر ، قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب ) ، قال: ينشط ويلهو.

حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة ، بنحوه .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: ( يرتع ويلعب ) ، قال: يسعى ويلهو.

حدثنا القاسم ، قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قوله: ( يرتع ويلعب ) ، قال: يتلهَّى ويلعب..

حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يرتع ويلعب ) ، قال: يتلهَّى ويلعب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: ( يرتع ويلعب ) قال: ينشط ويلعب.

... قال، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدى: ( أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب ) يلهو.

قال، حدثنا حسين بن علي ، عن شيبان ، عن قتادة: ( أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ) ، قال: ينشط ويلعب.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا نعيم بن ضمضم العامري ، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم ، في قوله: ( أرسله معنا غدًا يرتع ويلعب ) ، قال: يسعى وينشط.

وكأن الذين يقرأون ذلك: « يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ » بكسر العين من يرتع ، يتأوّلونه على الوجه الذي:-

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال، ابن زيد في قوله: « أرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ » قال: يرعى غنمه ، وينظر ويعقل ، فيعرف ما يعرف الرجُل.

وكان مجاهد يقول في ذلك بما:-

حدثنا الحسن بن محمد ، قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله: « نَرْتَعِ » ، بحفظ بعضنا بعضًا ، نتكالأ نتحارس .

حدثني محمد بن عمرو ، قال: حدثنا أبو عاصم ، قال: حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: « نَرْتَعِ » قال: يحفظ بعضنا بعضًا ، نتكالأ

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد

وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، بنحوه .

قال أبو جعفر : فتأويل الكلام: أرسله معنَا غدًا نلهو ونلعب وننعم ، وننشط في الصحراء ، ونحن حافظُوه من أن يناله شيء يكرهه أو يؤذيه .

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ( 13 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لهم: إني ليحزنني أن تذهبوا به معكم إلى الصحراء ، مخافة عليه من الذئب أن يأكله، وأنتم عنه غافلون لا تشعرون .

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ( 14 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئبُ في الصحراء ، ونحن أحد عشر رجلا معه نحفظه وهم العصبة ( إنا إذًا لخاسرون ) ، يقول: إنا إذًا لعجزة هالكون .

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 )

قال أبو جعفر : وفي الكلام متروكٌ حذف ذكره، اكتفاءً بما ظهر عما ترك ، وهو: أَرْسِلْهُ مَعَنَا ، ( فلما ذهبوا به وأجمعوا ) ، يقول: وأجمع رأيهم، وعزموا على ( أن يجعلوه في « غيابة الجب » ) . كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قوله: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ ، الآية ، قال، قال: لن أرسله معكم ، إني أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ، فأرسله معهم ، فأخرجوه وبه عليهم كرامة، فلما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه ، فيستغيث بالآخر فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيمًا ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه! يا يعقوب! لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء ! فلما كادوا يقتلونه، قال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجبّ ليطرحوه ، فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلّق بشَفير البئر.

فربطوا يديه، ونـزعوا قميصه ، فقال: يا إخوتاه! ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجبّ ! فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحد عشر كوكبًا تؤنسك ! قال: إني لم أر شيئًا ، فدلوه في البئر، حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادةَ أن يموت. وكان في البئر ماءٌ فسقط فيه ، ثم أوَى إلى صخرة فيها فقام عليها . قال: فلما ألقوه في البئر، جعل يبكي ، فنادوه ، فظنّ أنها رحمة أدركتهم ، فلبَّاهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه ، فقام يهوذا فمنعهم ، وقال: قد أعطيتموني موثقًا أن لا تقتلوه! وكان يهوذا يأتيه بالطعام.

وقوله: ( فلما ذهبوا به وأجمعوا ) فأدخلت « الواو » في الجواب ، كما قال امرؤ القيس:

فَلَمَّـا أجَزْنَـا سَـاحَةَ الحَـيِّ وانْتَحَـى بِنـا بَطْـنُ خَـبْتٍ ذِي قِفـاف عَقَنْقَل

فأدخل الواو في جواب « لما » ، وإنما الكلام: فلما أجزنا ساحة الحي، انتحى بنا ، وكذلك: ( فلما ذهبوا وأجمعوا ) ، لأن قوله: « أجمعوا » هو الجواب.

وقوله: ( وأوحينا إليه لتنبِّئنهم بأمرهم ) ، يقول: وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك ( بأمرهم هذا ) يقول: بفعلهم هذا الذي فعلوه بك ( وهم لا يشعرون ) يقول: وهم لا . يعلمون ولا يدرُون .

ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله عز وجل بقوله: ( وهم لا يشعرون ) .

فقال بعضهم: عنى بذلك: أن الله أوحى إلى يوسف أنّ يوسف سينبئ إخوته بفعلهم به ما فعلوه: من إلقائه في الجب ، وبيعهم إياه ، وسائر ما صنعوا به من صنيعهم ، وإخوته لا يشعرون بوحي الله إليه بذلك .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( وأوحينا إليه ) إلى يوسف.

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا ) قال: أوحينا إلى يوسف: لتنبئن إخوتك.

...قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله: ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) قال: أوحى إلى يوسف وهو في الجبّ أنْ سينبئهم بما صنعوا ، وهم لا يشعرون بذلك الوحي

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال مجاهد: ( وأوحينا إليه ) ، قال: إلى يوسف.

وقال آخرون: معنى ذلك: وأوحينا إلى يوسف بما إخوته صانعون به ، وإخوته لا يشعرون بإعلام الله إيّاه بذلك .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ، قوله: ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) ، بما أطلع الله عليه يوسف من أمرهم، وهو في البئر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) ، قال: أوحى الله إلى يوسف وهو في الجب أن ينبئهم بما صنعوا به ، وهم لا يشعرون بذلك الوحي.

حدثني المثنى قال، حدثنا سويد ، قال: أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن قتادة، بنحوه إلا أنه قال: أن سينبئهم .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن يوسف سينبئهم بصنيعهم به، وهم لا يشعرون أنه يوسف .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: ( وهم لا يشعرون ) يقول: وهم لا يشعرون أنه يوسف.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف فعرفهم وهم له منكرون ، قال: جيء بالصُّوَاع، فوضعه على يده، ثم نقره فطنَّ، فقال: إنه ليخبرني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب! قال: ثم نقره فطنَّ فأتيتم أباكم فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدَمٍ كذب! قال: فقال بعضهم لبعض: إن هذا الجام ليخبره بخبركم! قال ابن عباس: فلا نرى هذه الآية نـزلت إلا فيهم: ( لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ( 17 )

قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه: وجاء إخوة يوسف أباهم، بعد ما ألقوا يوسف في غيابة الجبّ عشاء يبكون.

وقيل: إن معنى قوله: ( نستبق ) ننتضل من « السباق » كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد قال، حدثنا أسباط ، عن السدي ، قال: أقبلوا على أبيهم عشاء يبكون ، فلما سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنيّ؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا ! قال: فما فعل يوسف؟ قالوا: ( يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ) ! فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته، وقال: أين القميص؟ فجاءوه بالقميص عليه دمٌ كذب ، فأخذ القميص فطرحه على وجهه ، ثم بكى حتى تخضَّب وجهه من دم القميص.

وقوله: ( وما أنت بمؤمن لنا ) ، يقولون: وما أنت بمصدّقنا على قِيلنا: إن يوسف أكله الذئب، ولو كنا صادقين! كما:-

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي: ( وما أنت بمؤمن لنا ) قال: بمصدق لنا!

[ فإن قال قائل : ( ولو كنا صادقين ) وقوله ] : ( ولو كنا صادقين ) ، إما خبرٌ عنهم أنهم غير صادقين ، فذلك تكذيب منهم أنفسَهم أو خبرٌ منهم عن أبيهم أنه لا يصدِّقهم لو صدَقوه، فقد علمت أنهم لو صَدَقوا أباهم الخبرَ صَدَّقهم؟

قيل: ليس معنى ذلك بواحد منهما ، وإنما معنى ذلك: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنا من أهل الصدق الذين لا يُتَّهمون، لسوء ظنك بنا، وتُهمَتك لنا.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ( 18 )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) ، وسماه الله « كذبًا » لأن الذين جاؤوا بالقميص وهو فيه، كذَبوا ، فقالوا ليعقوب: « هو دم يوسف » ، ولم يكن دمه، وإنما كان دم سَخْلةٍ، فيما قيل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، في قوله: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) قال: دم سخلة.

حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) قال: دم سخلة، شاة.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( بدم كذب ) قال: دم سخلة يعني: شاة .

حدثني المثنى ، قال: حدثنا أبو حذيفة ، قال: حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله: ( بدم كذب ) قال: دم سخلةٍ، شاة.

حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله: ( بدم كذب ) قال: كان ذلك الدم كذبًا ، لم يكن دمَ يوسف.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين ، قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ( بدم كذب ) قال: دم سخلة، شاة.

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله: ( بدم كذب ) قال: بدم سخلة.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي ، قال: ذبحوا جديًا من الغنم ، ثم لطَّخوا القميص بدمه ، ثم أقبلوا إلى أبيهم ، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئبُ لرحيما! كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟ يا بني، يا يوسف ما فعل بك بنو الإماء!

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان الثوري، عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) قال: لو أكله السبع لخرق القميص.

حدثنا الحسن بن محمد ، قال، حدثنا أبو خالد ، قال، حدثنا سفيان بإسناده عن ابن عباس، مثله إلا أنه قال: لو أكله الذئب لخرَّق القميص.

حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) ، قال: لو كان الذئب أكله لخرَّقه.

حدثني عبيد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان بن عمرو قال، حدثنا قرة ، عن الحسن ، قال: جيء بقميص يوسف إلى يعقوب ، فجعل ينظر إليه فيرى أثر الدم، ولا يرى فيه خَرْقًا ، قال: يا بني ما كنت أعهدُ الذئب حليمًا؟

حدثنا أحمد بن عبد الصمد الأنصاري ، قال، حدثنا أبو عامر العقدي ، عن قرة ، قال: سمعت الحسن يقول: لما جاؤوا بقميص يوسف ، فلم ير يعقوب شقًّا ، قال: يا بني ، والله ما عهدت الذئب حليمًا؟

حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا حماد بن مسعدة ، عن عمران بن مسلم ، عن الحسن ، قال: لما جاء إخوة يوسف بقميصه إلى أبيهم ، قال: جعل يقلبه فيقول: ما عهدت الذئب حليمًا؟ أكل ابني، وأبقى على قميصه !

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) قال: لما أتوا نبيَّ الله يعقوب بقميصه ، قال: ما أرى أثرَ سبع ولا طعْنٍ، ولا خرْق.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: ( بدم كذب ) الدم الكذب ، لم يكن دم يوسف.

حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال: حدثنا هشيم ، قال: أخبرنا مجالد ، عن الشعبي قال: ذبحوا جديًا ولطخوه من دمه. فلما نظر يعقوب إلى القميص صحيحًا ، عرف أن القوم كذبوه. فقال لهم: إن كان هذا الذئب لحليمًا ، حيث رَحم القميص ولم يرحم ابني ! فعرف أنهم قد كذبوه.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة ، عن سيفان ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس: ( وجاؤوا على قميصه بدم كذب ) قال: لما أتي يعقوب بقميص يوسف ، فلم ير فيه خرقًا ، قال: كذبتم ، لو أكله السبع لخرق قميصه !

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق الأزرق ، ويعلى ، عن زكريا ، عن سماك ، عن عامر قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات :حين جاؤوا على قميصه بدم كذب . قال: وقال يعقوب: لو أكله الذئب لخرقَ قميصه.

حدثنا الحسن بن محمد ، قال: حدثنا محمد قال، حدثنا زكريا ، عن سماك ، عن عامر قال: إنه كان يقول: في قميص يوسف ثلاث آيات: حين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرًا ، وحين قُدَّ منْ دُبُر ، وحين جاؤوا على قميصه بدم كذب.

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عامر قال: كان في قميص يوسف ثلاث آيات: الشقُّ ، والدم ، وألقاه على وجه أبيه فارتدَّ بصيرًا.

حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا قرة ، عن الحسن ، قال: لما جيء بقميص يوسف إلى يعقوب ، فرأى الدم ولم ير الشق قال: ما عهدت الذئب حليمًا؟

..... قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا قرة ، عن الحسن ، بمثله .

* * * *

فإن قال قائل: كيف قيل: ( بدم كذب ) وقد علمت أنه كان دمًا لا شك فيه ، وإن لم يكن كان دم يوسف؟

قيل: في ذلك من القول وجهان:

أحدهما: أن يكون قيل ( بدم كذب ) لأنه كُذِب فيه كما يقال « : الليلة الهلالُ » ، وكما قيل: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ [ سورة البقرة 16 ] . وذلك قولٌ كان بعض نحويي البصرة يقوله.

والوجه الآخر: وهو أن يقال: هو مصدر بمعنى « مفعول » . وتأويله: وجاؤوا على قميصه بدم مكذوب كما يقال: « ما له عقل ولا معقول » ، و « لا له جَلَد ولا له مجْلود » . والعرب تفعل ذلك كثيرًا ، تضع « مفعولا » في موضع المصدر ، والمصدر في موضع مفعول ، كما قال الراعي:

حَــتَّى إذَا لــم يَــتْرُكُوا لِعِظَامِـهِ لَحْمًـــا وَلا لِفـــؤادِهِ مَعْقــول

وذلك كان يقوله بعض نحويي الكوفة .

وقوله: ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا ) يقول تعالى ذكره: قال يعقوب لبنيه الذين أخبروه أن الذئب أكل يوسف مكذبا لهم في خبرهم ذلك: ما الأمر كما تقولون، ( بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا ) يقول: بل زيَّنت لكم أنفسكم أمرًا في يوسف وحسنته، ففعلتموه كما:-

حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: قال ( بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا ) ، قال: يقول: بل زينت لكم أنفسكم أمرًا.

وقوله: ( فصبر جميل ) يقول: فصبري على ما فعلتم بي في أمر يوسف صبرٌ جميل أو فهو صبر جميل.

وقوله ( والله المستعان على ما تصفون ) يقول: واللهَ أستعين على كفايتي شرّ ما تصفون من الكذب .

وقيل « : إن الصبر الجميل » ، هو الصبر الذي لا جزع فيه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( فصبر جميل ) قال: ليس فيه جزع.

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة ، قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم ، قال: حدثنا سفيان ، عن مجاهد: ( فصبر جميل ) في غير جزع.

.... قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

..... قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبي جبلة ، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: ( فصبر جميل ) قال: صبر لا شكوى فيه. قال: من بثّ فلم يصبر.

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن حبان بن أبي جبلة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله: ( فصبر جميل ) قال: صبر لا شكوى فيه.

... قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ( فصبر جميل ) : ليس فيه جزع.

حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد في قوله: ( فصبر جميل ) : قال: في غير جزع.

حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن بعض أصحابه قال: يقال: ثلاث من الصبر: أن لا تحدِّث بوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تزكّي نفسك

قال أخبرنا الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت: أن يعقوب النبيّ صلى الله عليه وسلم كان قد سقط حاجبَاه ، فكان يرفعهما بخرقةٍ ، فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان ، وكثرة الأحزان! فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: يا يعقوب، أتشكوني؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها ، فاغفرها لي.

وقوله: ( والله المستعان على ما تصفون ) .

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ( والله المستعان على ما تصفون ) أي على ما تكذبون.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( 19 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وجاءت مارَّةُ الطريق من المسافرين ( فأرسلوا واردهم ) وهو الذي يرد المنهل والمنـزل , و « وروده إياه » ، مصيره إليه ودخوله . ( فأدلى دلوه ) يقول: أرسل دلوه في البئر.

يقال: « أدليت الدلو في البئر » إذا أرسلتها فيه , فإذا استقيت فيها قلت: « دلوْتُ أدْلُو دلوًا » .

وفي الكلام محذوف، استغنى بدلالة ما ذكر عليه، فترك , وذلك: ( فأدلى دلوه ) فتعلق به يُوسف، فخرج , فقال المدلي: ( يا بشرى هذا غلام ) .

وبالذي قلنا في ذلك , جاءت الأخبار عن أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ) فتعلق يوسف بالحبل، فخرج , فلما رآه صاحب الحبل نادَى رجلا من أصحابه يقال له « بُشرى » : ( يا بشرى هذا غلامٌ ) .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه ) فتشبث الغلام بالدلو , فلما خرج قال: ( يا بشرى هذا غلام ) .

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( فأرسلوا واردهم ) يقول: أرسلوا رسولهم , فلما أدلى دلوه تشبث بها الغلام ( ( قال يا بشرى هذا غلام ) .

واختلفوا في معنى قوله: ( يا بشرى هذا غلام ) .

فقال بعضهم: ذلك تبشير من المدلي دلوَه أصحابَه، في إصابته يوسف بأنه أصاب عبدًا .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( قال يا بشرى هذا غلام ) تباشروا به حين أخرجوه . وهي بئر بأرض بيت المقدس معلومٌ مكانها

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( يا بشرى هذا غلام ) قال: بشّرهم واردهم حين وجدَ يوسف.

وقال آخرون: بل ذلك اسم رجل من السيَّارة بعينه، ناداه المدلي لما خرج يوسف من البئر متعلِّقًا بالحبل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( يا بشرى هذا غلام ) قال: نادى رجلا من أصحابه يقال له « بشرى » , فقال: ( يا بشرى هذا غلام ) .

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا خلف بن هشام , قال: حدثنا يحيى بن آدم , عن قيس بن الربيع , عن السدي , في قوله: ( يا بشرى هذا غلام ) قال: كان اسم صاحبه « بشرى » .

حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد , قال: حدثنا الحكم بن ظهير , عن السدي , في قوله: ( يا بشرى هذا غلام ) قال: اسم الغلام « بشرى » ; قال: « يا بشرى » , كما تقول « : يا زيد » .

واختلفت القراء في قراءة ذلك:

فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة: « يا بُشْرَيَّ » بإثبات ياء الإضافة , غير أنه أدغم الألف في الياء طلبا للكسرة التي تلزم ما قبل ياء الإضافة من المتكلم، في قولهم « : غلامي » و « جاريتي » ، في كل حال , وذلك من لغة طيئ , كما قال أبو ذؤيب:

سَــبَقوا هَــوَيَّ وأَعْنَقُـوا لِهَـوَاهُمُ فَتُخِــرِّمُوا وَلِكُــلِّ جَـنْبٍ مَصْـرَعُ

وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( يا بُشْرَى ) بإرسال الياء وترك الإضافة .

وإذا قرئ ذلك كذلك احتمل وجهين من التأويل:

أحدهما ما قاله السدي , وهو أن يكون اسم رجل دعاه المستقي باسمه , كما يقال: « يا زيد » , و « يا عمرو » , فيكون « بشرى » في موضع رفع بالنداء.

والآخر: أن يكون أرادَ إضافة البشرى إلى نفسه , فحذف الياء وهو يريدها , فيكون مفردًا وفيه نيَّة الإضافة , كما تفعل العرب في النداء فتقول: « يا نفس اصبري » , و « يا نفسي اصبري » , و « يا بُنَيُّ لا تفعل » , و « يا بُنَيِّ لا تفعل » , فتفرد وترفع، وفيه نية الإضافة. وتضيف أحيانًا فتكسر , كما تقول: « يا غلامِ أقبل » , و « يا غلامي أقبل » .

قال أبو جعفر: وأعجب القراءة في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأه بإرسال الياء وتسكينها ; لأنه إن كان اسم رجل بعينِه كان معروفًا فيهم كما قال السدي , فتلك هي القراءة الصحيحة لا شك فيها . وإن كان من التبشير فإنه يحتمل ذلك إذا قرئ كذلك على ما بيَّنت.

وأما التشديد والإضافة في الياء، فقراءة شاذة، لا أرى القراءة بها , وإن كانت لغة معروفة ; لإجماع الحجة من القرأة على خلافها .

وأما قوله: ( وأسروه بضاعة ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: وأسرَّه الوارد المستقي وأصحابُه من التجار الذين كانوا معهم , وقالوا لهم « : هو بضاعة استبضعناها بعضَ أهل مصر » ; لأنهم خافوا إن علموا أنهم اشتروه بما اشتروه به أن يطلبوا منهم فيه الشركة .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وأسرو بضاعة ) قال: صاحب الدلو ومن معه , قالوا لأصحابهم: « إنما استبضعناه » , خيفةَ أن يشركوهم فيه إن علموا بثمنه. وتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثق منه لا يأبَقْ ! حتى وَقَفوه بمصر , فقال: من يبتاعني ويُبَشَّر؟ فاشتراه الملك , والملك مُسلم.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بنحوه غير أنه قال: خيفة أن يستشركوهم إن علموا به , واتبعهم إخوته يقولون للمدلي وأصحابه: استوثقوا منه لا يأبق ! حتى واقفوه بمصر وسائر الحديث مثل حديث محمد بن عمرو.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد

.... قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , بنحوه غير أنه قال: خيفة أن يشاركوهم فيه، إن علموا بثمنه .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , بنحوه إلا أنه قال: خيفة أن يستشركوهم فيه إن علموا ثمنه . وقال أيضًا: حتى أوقفوه بمصر.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( وأسروه بضاعة ) قال: لما اشتراه الرجلان فَرَقًا من الرفقة أن يقولوا: « اشتريناه » فيسألونهم الشركة , فقالا إن سألونا ما هذا؟ قلنا بضاعة استبضَعَناه أهل الماء . فذلك قوله: ( وأسروه بضاعة ) بينهم

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأسرّه التجار بعضهم من بعض .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن سفيان , عن رجل , عن مجاهد: ( وأسروه بضاعة ) قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم الفضل , قال: حدثنا سفيان , عن مجاهد: ( وأسروه بضاعة ) قال: أسرّه التجار بعضهم من بعض.

وقال آخرون: معنى ذلك: أسرُّوا بيعَه .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا معمر , عن قتادة: ( وأسروه بضاعة ) قال: أسروا بيعه.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن مجاهد: ( وأسروه بضاعة ) قال: قالوا لأهل الماء: إنما هو بضاعة .

وقال آخرون: إنما عني بقوله: ( وأسروه بضاعة ) إخوة يوسف، أنهم أسرُّوا شأن يوسف أن يكون أخَاهم , قالوا: هو عبدٌ لنا .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله: ( وأسروه بضاعة ) يعني: إخوة يوسف أسرُّوا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم , فكتم يوسف شأنه مخافةَ أن تقتله إخوته , واختار البيع . فذكره إخوته لوارد القوم , فنادى أصحابه قال: يا بشرى‍! هذا غلامٌ يباع . فباعه إخوته.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب: قولُ من قال: « وأسرَّ وارد القوم المدلي دلوَه ومن معه من أصحابه، من رفقته السيارة، أمرَ يوسف أنهم أشتروه، خيفةً منهم أن يستشركوهم , وقالوا لهم: هو بضاعة أبضَعَها معنا أهل الماء وذلك أنه عقيب الخبر عنه , فلأن يكون ما وليه من الخبر خبرًا عنه , أشبهُ من أن يكون خبرًا عمَّن هو بالخبر عنه غيرُ متَّصِل . »

وقوله: ( والله عليم بما يعملون ) يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يعمله باعَةُ يوسف ومشتروه في أمره، لا يخفى عليه من ذلك شيء , ولكنه ترك تغيير ذلك ليمضي فيه وفيهم حكمه السابق في علمه , وليري إخوة يوسف ويوسف وأباه قدرتَه فيه.

وهذا , وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن يوسف نبيّه صلى الله عليه وسلم , فإنه تذكير من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتسلية منه له عما كان يلقى من أقربائه وأنسبائه المشركين من الأذى فيه , يقول : فاصبر، يا محمد، على ما نالك في الله , فإنّي قادرٌ على تغيير ما ينالك به هؤلاء المشركون , كما كنت قادرًا على تغيير ما لقي يوسف من إخوته في حال ما كانوا يفعلون به ما فعلوا , ولم يكن تركي ذلك لهوان يوسف عليّ، ولكن لماضي علمي فيه وفي إخوته , فكذلك تركي تغييرَ ما ينالك به هؤلاء المشركون لغير هوان بك عليّ , ولكن لسابق علمي فيك وفيهم , ثم يصير أمرُك وأمرهم إلى عُلوّك عليهم، وإذعانهم لك , كما صار أمر إخوة يوسف إلى الإذعان ليوسف بالسؤدد عليهم، وعلوِّ يوسف عليهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 )

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: ( وشروه ) به: وباع إخوة يوسف يوسف.

فأما إذا أراد الخبر عن أنه ابتاعه , قال: « اشتريته » ، ومنه قول ابن مفرّغ الحميري:

وَشَــــرَيْتُ بُـــرْدًا لَيْتَنِـــي مِــنْ قَبْــلِ بُــرْدٍ كـنْتُ هَامَـهْ

يقول: « بعت بردًا » , وهو عبدٌ كان له.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب , قال: حدثنا إبراهيم , قال: حدثنا هشيم , عن مغيرة , عن أبي معشر , عن إبراهيم , أنه كره الشراء والبيع للبدويّ. قال: والعرب تقول: « اشر لي كذا وكذا » ، أي: بع لي كذا وكذا وتلا هذه الآية ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) يقول: باعوه , وكان بيعه حرامًا.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: إخوة يوسف أحد عشر رجلا باعوه حين أخرجَه المدلي بدلوه.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد بمثله .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن أبي نجيح , عن مجاهد

وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

.... قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج ( وشروه ) قال: قال ابن عباس: فبيع بينهم.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , في قوله: ( وشروه بثمن بخس ) قال: باعوه.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , مثله .

حدثني محمد بن سعد , قال: ثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: فباعه إخوته بثمن بخس.

وقال آخرون: بل عني بقوله: ( وشروه بثمن بخس ) السيارةَ أنهم باعوا يوسف بثمن بخس .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( وشروه بثمن بخس ) وهم السيارة الذين باعوه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: تأويل ذلك: وشَرى إخوةُ يوسف يوسف بثمن بخس وذلك أن الله عز وجل قد أخبر عن الذين اشتروه أنهم أسرُّوا شراء يوسف من أصحابهم، خيفة أن يستشركوهم، بادّعائهم أنَّه بضاعة. ولم يقولوا ذلك إلا رغبة فيه أن يخلُص لهم دونهم، واسترخاصًا لثمنه الذي ابتاعوه به , لأنهم ابتاعوه كما قال جل ثناؤه ( بثمن بخس ) . ولو كان مبتاعوه من إخوته فيه من الزاهدين، لم يكن لقيلهم لرفقائهم: « هو بضاعة » ، معنى ولا كان لشرائهم إياه، وهم فيه من الزاهدين وجهٌ , إلا أن يكونوا كانوا مغلوبًا على عقولهم ; لأنه محال أن يشتري صحيح العقل ما هو فيه زاهدٌ من غير إكراهِ مكرِهٍ له عليه , ثم يكذب في أمرِه الناس بأن يقول: « هو بضاعة لم أشتره » ، مع زهده فيه. بل هذا القولُ من قول من هو بسلعته ضنينٌ لنفاستها عنده , ولما يرجُو من نفيس الثَّمن لها وفضلِ الربح.

وأما قوله: ( بخس ) فإنه يعني: نَقْص.

وهو مصدر من قول القائل: « بخست فلانًا حقه » : إذا ظلمته , يعني: ظلمه فنقصه عما يجبُ له من الوفاء: « أبخَسُه بَخْسًا » ، ومنه قوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [ سورة هود: 85 ] ، وإنما أريد: بثمن مبخوس منقوصٍ , فوضع « البخس » وهو مصدر مكان « مفعول » , كما قيل: بِدَمٍ كَذِبٍ وإنما هو « بدم مكذوب فيه » .

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: قيل ( بثمن بخس ) لأنه كان حرامًا عليهم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن جويبر عن الضحاك : ( وشروه بثمن بخس ) قال: « البخس » : الحرام.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا علي بن عاصم , عن جويبر , عن الضحاك: ( وشروه بثمن بخس ) ، قال: حرام.

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: كان ثمنه بخسًا، حرامًا، لم يحلّ لهم أن يأكلوه .

حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: حدثنا هشيم , عن جويبر , عن الضحاك , في قوله: ( وشروه بثمن بخس ) قال: باعوه بثمن بخس , قال: كان بيعه حرامًا وشراؤه حرامًا.

حدثني القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا جويبر , عن الضحاك: ( بثمن بخس ) قال: حرام .

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: ( بثمن بخس ) يقول: لم يحلّ لهم أن يأكلوا ثمنَه.

وقال آخرون: معنى البخس هنا: الظلم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وشروه بثمن بخس ) قال « : البخس » : هو الظلم . وكان بيع يوسف وثمنه حرامًا عليهم

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , قال: قال قتادة: ( وشروه بثمن بخس ) قال: ظلم.

وقال آخرون: عني بالبخس في هذا الموضع: القليل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن آدم , عن قيس , عن جابر , عن عكرمة , قال: « البخس » : القليل.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن عكرمة , مثله.

قال أبو جعفر: وقد بينا الصحيح من القول في ذلك.

وأما قوله ( دراهم معدودة ) ، فإنه يعني عز وجل أنهم باعوه بدراهم غير موزونة، ناقصة غير وافية، لزهدهم كان فيه.

وقيل: إنما قيل « معدودة » ليعلم بذلك أنها كانت أقلّ من الأربعين , لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقلّ من أربعين درهمًا , لأن أقل أوزانهم وأصغرها كان الأوقية , وكان وزن الأوقية أربعين درهمًا . قالوا: إنما دلَّ بقوله: ( معدودة ) على قلة الدراهم التي باعُوه بها.

فقال بعضهم: كان عشرين درهمًا .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن , عن زهير , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال: إن ما اشتري به يوسف عشرون درهمًا.

حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله: ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) قال: عشرون درهمًا.

حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن نوف البكالي , في قوله: ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) قال: عشرون درهمًا.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن نوف الشاميّ: « بخس دراهم » قال: كانت عشرين درهمًا .

حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن نوف , مثله .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال: قال ابن عباس , في قوله: ( بثمن بخس دراهم معدودة ) قال: عشرون درهمًا .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: ( دراهم معدودة ) قال: كانت عشرين درهمًا.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ذكر لنا أنه بيع بعشرين درهمًا ( وكانوا فيه من الزاهدين ) .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , مثله .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أبي إدريس , عن عطية , قال: كانت الدراهم عشرين درهمًا، اقتسموها درهمين درهمين.

وقال آخرون: بل كان عددها اثنين وعشرين درهمًا , أخذ كل واحد من إخوة يوسف، وهم أحد عشر رجلا درهمين درهمين منها .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أسباط , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( دراهم معدودة ) قال: اثنين وعشرين درهمًا.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله: ( دراهم معدودة ) قال: اثنان وعشرون درهمًا لإخوة يوسف، [ وكان إخوة ] أحد عشر رجلا .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله: ( دراهم معدودة )

.... قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , بنحوه .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , بنحوه.

وقال آخرون: بل كانت أربعين درهمًا .

ذكر من قال ذلك:

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن عكرمة: ( دراهم معدودة ) قال: أربعين درهمًا.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: باعوه ولم يبلغ ثمنه الذي باعوه به أوقية , وذلك أن الناس كانوا يتبايعون في ذلك الزمان بالأواقي , فما قصَّر عن الأوقية فهو عَدد ; يقول الله: ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) أي لم يبلغ الأوقية.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعُوه بدراهم معدودة غير موزونة , ولم يحدَّ مبلغَ ذلك بوزن ولا عدد , ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم . وقد يحتمل أن يكون كان عشرين ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين وأن يكون كان أربعين , وأقل من ذلك وأكثر , وأيُّ ذلك كان، فإنها كانت معدودة غير موزونة ; وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضرّ فيه . والإيمان بظاهر التنـزيل فرضٌ , وما عَداه فموضوعٌ عنا تكلُّفُ علمه.

وقوله: ( وكانوا فيه من الزاهدين ) يقول تعالى ذكره: وكان إخوة يوسف في يوسف من الزاهدين , لا يعلمون كرامته على الله , ولا يعرفون منـزلته عنده , فهم مع ذلك يحبّون أن يحولوا بينه وبين والده، ليخلو لهم وجهه منه , ويقطعوه عن القرب منه، لتكون المنافع التي كانت مصروفة إلى يوسف دونهم، مصروفةً إليهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أبي مرزوق , عن جويبر , عن الضحاك: ( وكانوا فيه من الزاهدين ) قال: لم يعلموا بنبوّته ومنـزلته من الله.

حدثت عن الحسين بن الفرج , قال: سمعت أبا معاذ , يقول: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك , في قوله: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فنـزلت على الجب , فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فاستقى من الماء فاستخرج يوسف , فاستبشروا بأنهم أصابوا غلامًا لا يعلمون علمه ولا منـزلته من ربه , فزهدوا فيه، فباعوه. وكان بيعه حرامًا , وباعوه بدراهم معدودة.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني هشيم , قال: أخبرنا جويبر , عن الضحاك: ( وكانوا فيه من الزاهدين ) قال إخوته زهدوا , فلم يعلموا منـزلته من الله ونبوته ومكانه.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال: إخوته زهدوا فيه , لم يعلموا منـزلته من الله .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 21 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: وقال الذي اشترى يوسف من بائعه بمصر .

وذكر أن اسمه: « قطفير » .

حدثني محمد بن سعد , قال:حدثني أبي , قال:حدثني عمي , قال:حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال: كان اسم الذي اشتراه قطفير.

وقيل: إن اسمه إطفير بن روحيب , وهو العزيز , وكان على خزائن مصر , وكان الملك يومئذ الريَّان بن الوليد , رجل من العماليق، كذلك: -

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق .

وقيل: إن الذي باعه بمصر كان مالك بن ذعر بن بُويب بن عفقان بن مديان بن إبراهيم، كذلك: -

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن محمد بن السائب , عن أبي صالح , عن ابن عباس .

( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته ) ، واسمها فيما ذكر ابن إسحاق: راعيل بنت رعائيل.

حدثنا بذلك ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق.

( أكرمي مثواه ) ، يقول: أكرمي موضع مقامه، وذلك حيث يَثوِي ويُقيم فيه.

يقال: « ثوى فلان بمكان كذا » : إذا أقام فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( أكرمي مثواه ) منـزلته , وهي امرأة العزيز .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , قوله: ( وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ) ، قال: منـزلته.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد اشتراه الملك , والملك مسلم.

وقوله: ( عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ) ذكر أن مشتري يوسف قال هذا القول لامرأته، حين دفعه إليها , لأنه لم يكن له ولد، ولم يأت النساء , فقال لها: أكرميه عسَى أن يكفينا بعض ما نعاني من أمورنا إذا فهم الأمور التي يُكلَّفها وعرفها ( أو نتخذه ولدًا ) ، يقول: أو نتبنَّاه .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: كان إطفير فيما ذكر لي رجلا لا يأتي النساء، وكانت امرأته راعيل امرأةً حسناء ناعمةً طاعمة، في مُلك ودُنْيا.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال لامرأته: ( أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ) وأبو بكر حين تفرَّس في عمر والتي قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [ سورة القصص: 26 ] .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي , قال: انطُلِق بيوسف إلى مصر , فاشتراه العزيز ملك مصر , فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته: ( أكرمي مثْواه عسى أن ينفعنا أو نتخذهُ ولدًا ) .

حدثنا أحمد بن إسحاق , قال: حدثنا أبو أحمد , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي إسحاق , عن أبي عبيدة , عن عبد الله , قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: ( أكرمي مثواه ) ، والقوم فيه زاهدون وأبو بكر حين تفرَّس في عمر فاستخلفه والمرأة التي قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ .

وقوله: ( وكذلك مكنَّا ليوسف في الأرض ) يقول عز وجل : وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله , وأخرجناه من الجبّ بعدَ أن ألقي فيه , فصيرناه إلى الكرامة والمنـزلة الرفيعة عند عزيز مصر , كذلك مكنّا له في الأرض، فجعلناه على خزائنها .

وقوله: ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) يقول تعالى ذكره: وكي نعلم يوسف من عبارة الرؤيا، مكنا له في الأرض، كما: -

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( من تأويل الأحاديث ) قال: عبارة الرؤيا.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) قال: تعبير الرؤيا.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبو أسامة , عن شبل , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث ) قال: عبارة الرؤيا.

وقوله: ( والله غالب على أمره ) يقول تعالى ذكره: والله مستولٍ على أمر يوسف، يسوسه ويدبّره ويحوطه.

و « الهاء » في قوله: ( على أمره ) عائدة على يوسف.

وروي عن سعيد بن جبير في معنى « غالب » , ما: -

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن حبير: ( والله غالب على أمره ) قال: فعالٍ.

وقوله ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يقول: ولكن أكثر الناس الذين زهدوا في يوسف، فباعوه بثمن خسيس , والذين صَار بين أظهرهم من أهل مصر حين بيع فيهم , لا يعلمون ما الله بيوسف صانع، وإليه يوسف من أمره صائرٌ .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: لما بلغ يوسف أشده , يقول: ولما بلغ منتهى شدته وقوته في شبابه وحَدِّه، وذلك فيما بين ثماني عشرة إلى ستين سنة , وقيل إلى أربعين سنة.

يقال منه: « مضت أشُدُّ الرجل » : أي شدته , وهو جمع مثل « الأضُرّ » و « الأشُرّ » ، لم يسمع له بواحد من لفظه. ويجب في القياس أن يكون واحده « شدَّ » , كما واحد « الأضر » « ضر » , وواحد « الأشُر » « شر » , كما قال الشاعر :

هَـلْ غَـيْرُ أَنْ كَـثُرَ الأشُـرُّ وَأَهْلَكَتْ حَــرْبُ المُلُــوكِ أَكَـاثِرَ الأَمْـوَالِ

وقال حُميد:

وَقَــدْ أَتَــى لَـوْ تُعْتِـبُ الْعَـوَاذِلُ بَعْـــدَ الأشُــدّ أَرْبَــعٌ كَــوَامِلُ

وقد اختلف أهل التأويل في الذي عنى الله به في هذا الموضع من « مبلغ الأشد » .

فقال بعضهم: عني به ثلاث وثلاثون سنة .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع والحسن بن محمد , قالا حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( ولما بلغ أشده ) ، قال: ثلاثًا وثلاثين سنة.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , مثله .

حدثت عن علي بن الهيثم , عن بشر بن المفضل , عن عبد الله بن عثمان بن خثيم , عن مجاهد , قال: سمعت ابن عباس يقول في قوله: ( ولما بلغ أشده ) قال: بضعًا وثلاثين سنة.

وقال آخرون: بل عني به عشرون سنة .

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن علي بن المسيب , عن أبي روق , عن الضحاك , في قوله: ( ولما بلغ أشده ) قال: عشرين سنة.

وروي عن ابن عباس من وجه غير مرضيّ أنه قال: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين . وقد بينت معنى « الأشُدّ » .

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى يوسف لما بلغ أشدهُ حكمًا وعلمًا و « الأشُدّ » : هو انتهاء قوته وشبابه وجائز أن يكون آتاه ذلك وهو ابن ثماني عشرة سنة وجائز أن يكون آتاه وهو ابن عشرين سنة وجائز أن يكون آتاه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ولا دلالة له في كتاب الله، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في إجماع الأمة، على أيّ ذلك كان . وإذا لم يكن ذلك موجودًا من الوجه الذي ذكرت , فالصوابُ أن يقال فيه كما قال عز وجل , حتى تثبت حجة بصحة ما قيل في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له، فيسلم لها حينئذ .

وقوله: ( آتيناه حكمًا وعلمًا ) يقول تعالى ذكره: أعطيناه حينئذ الفهم والعلم، كما: -

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( حكمًا وعلمًا ) قال: العقل والعلم قبل النبوة.

وقوله: ( وكذلك نجزي المحسنين ) يقول تعالى ذكره: وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إيّاي الحكمَ والعلمَ , ومكنته في الأرض , واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله , كذلك نجزي من أحسن في عمله , فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته عنه من معاصيّ .

وهذا، وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن , فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم . يقول له عز وجل : كما فعلت هذا بيوسف من بعد ما لقي من إخوته ما لقي، وقاسى من البلاء ما قاسى , فمكنته في الأرض، ووطَّأتُ له في البلاد , فكذلك أفعل بك فأنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة , وأمكن لك في الأرض، وأوتيك الحكم والعلم , لأنّ ذلك جزائي أهلَ الإحسان في أمري ونهيي.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس: ( وكذلك نجزي المحسنين ) يقول: المهتدين.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وراودت امرأة العزيز، وهي التي كان يوسفُ في بيتها [ يوسفَ ] عن نفسه، أن يواقعها، كما: -

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ولما بلغ أشدَّه، راودته التي هو في بيتها عن نفسه، امرأة العزيز.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) قال: أحبته.

.... قال: وحدثني أبي , عن إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال: قالت: تعالَهْ.

وقوله: ( وغلقت الأبواب ) ، يقول: وغلقت المرأة أبواب البيوت عليها وعلى يوسف، لما أرادت منه وراودته عليه , بابًا بعد باب.

وقوله: ( وقالت هيت لك ) ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة الكوفة والبصرة: ( هَيْتَ لَكْ ) بفتح , الهاء والتاء , بمعنى: هلمَّ لك، وادن وتقرَّب , كما قال الشاعر لعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه:

أَبْلِــــغْ أَمِــــيرَ الْمُـــؤْمِنِينَ أَخَــــا العِـــرَاقِ إذَا أَتَيْنَـــا

أَنَّ العِــــــرَاقَ وَأَهْلَــــــهُ عُنُـــقٌ إِلَيْـــكَ فَهَيْــتَ هَيْتَــا

يعني: تعال واقرب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوّله من قرأه كذلك:

حدثني محمد بن عبد الله المخرمي , قال: حدثنا أبو الجواب , قال: حدثنا عمار بن رزيق , عن الأعمش , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: ( هيت لك ) قال: هلمَّ لك.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: ( هيت لك ) قال: هلم لك.

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال:حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قال: ( هيت لك ) تقول: هلمّ لك.

حدثني المثنى , قال: حدثنا حجاج , قال: حدثنا حماد , عن عاصم بن بهدلة , عن زرّ بن حبيش , أنه كان يقرأ هذا الحرف: ( هيتَ لك ) نصبًا، أي: هلم لك.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , قال: قال ابن جريج , قال ابن عباس , قوله: ( هيت لك ) قال: تقول: هلم لك.

حدثني أحمد بن سهيل الواسطي , قال: حدثنا قرة بن عيسى , قال: حدثنا النضر بن عربيّ الجزري , عن عكرمة , مولى ابن عباس , في قوله: ( هيت لك ) قال: هلم لك قال: هي بالحَوْرانية.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وقالت هيت لك ) قال الحسن: يقول: هلم لك.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , عن الحسن: ( هيت لك ) يقول بعضهم: هلم لك.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( وقالت هيت لك ) قال: هلم لك وهي بالقبطية.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء , عن عمرو , عن الحسن: ( هيت لك ) قال: كلمة بالسريانية، أي: عليك.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن: ( هيت لك ) قال: هلمَّ لك.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا خلف بن هشام , قال: حدثنا محبوب , عن قتادة , عن الحسن: ( هيت لك ) قال: هلم لك.

... قال: حدثنا عفان , قال: حدثنا حماد , عن عاصم , عن زرّ: ( هيت لك ) ، أي: هلم.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا الثوري , قال: بلغني في قوله: ( هيت لك ) قال: هلم لك.

حدثنا أحمد بن يوسف , قال: حدثنا أبو عبيد , قال: حدثنا علي بن عاصم , عن خالد الحذاء , عن عكرمة , عن ابن عباس أنه قرأ: ( هيت لك ) وقال: تدعوه إلى نفسها .

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله تعالى: ( هيت لك ) قال: لغة عربية، تدعُوه بها .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله إلا أنه قال: لغة بالعربية، تدعوه بها إلى نفسها .

حدثنا الحسن , قال: حدثنا شبابة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثل حديث محمد بن عمرو سواء .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله .

حدثنا أحمد بن يوسف , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا هشيم , عن يونس , عن الحسن: ( هيت لك ) بفتح الهاء والتاء , وقال: تقول: هلم لك.

حدثني الحارث قال: قال أبو عبيد: كان الكسائي يحكيها يعني: ( هيت لك ) قال: وقال: وهي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز , معناها: « تعال » . قال: وقال أبو عبيدة: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران , فذكر أنها لغتُهم، يعرفها.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( هيت لك ) قال: تعال.

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( وقالت هيت لك ) قال: هلمَّ لك، إليَّ.

وقرأ ذلك جماعة من المتقدمين: « وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ » بكسر الهاء، وضم التاء، والهمزة , بمعنى: تهيَّأت لك , من قول القائل: « هئت للأمر أهِيء هَيْئَةً » .

وممن روي ذلك عنه ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وجماعة غيرهما .

حدثنا أحمد بن يوسف , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحجاج , عن هارون , عن أبان العطار , عن قتادة: أن ابن عباس قرأها كذلك، مكسور الهاء، مضمومة التاء . قال أحمد: قال أبو عبيدة: لا أعلمها إلا مهموزة.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن أبان العطار , عن عاصم , عن أبي عبد الرحمن السلمي: « هِئْتُ لَكَ » أي: تهيأت لك.

.... قال: حدثنا عبد الوهاب , عن سعيد , عن قتادة , عن عكرمة , مثله .

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قال: كان عكرمة يقول: تهيأت لك.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال: « هِئْتُ لَكَ » قال عكرمة: تهيأت لك .

حدثني المثنى , قال: حدثنا الحجاج , قال: حدثنا حماد , عن عاصم بن بهدلة , قال: كان أبو وائل يقول: « هِئْتُ لَكَ » : أي تهيأت لك. وكان أبو عمرو بن العلاء والكسائي ينكران هذه القراءة .

حدثت عن علي بن المغيرة , قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: شهدت أبا عمرو وسأله أبو أحمد أو أحمد وكان عالما بالقرآن [ وكان لألاء، ثم كبر، فقعد في بيته، فكان يؤخذ عنه القرآن، ويكون مع القضاة، فسأله ] عن قول من قال: « هِئْتُ لَكَ » بكسر الهاء، وهمز الياء. فقال: أبو عمرو: [ سى ] إي: باطل، جعلها , « فعلت » من « تهيأت » , فهذا الخندق، فاستعرض العربَ حتى تنتهي إلى اليمن , هل تعرف أحدًا يقول: « هئت لك » ؟

حدثني الحارث , قال: حدثنا القاسم , قال: لم يكن الكسائي يحكي « هئت لك » عن العرب.

وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة: « هِيتَ لَكَ » بكسر الهاء، وتسكين الياء، وفتح التاء.

وقرأه بعض المكيين: « هَيْتُ لَكَ » بفتح الهاء، وتسكين الياء، وضم التاء.

وقرأه بعض البصريين , وهو عبد الله بن إسحاق: « هَيْتِ لَكَ » بفتح الهاء، وكسر التاء.

وقد أنشد بعض الرواة بيتًا لطرفة بن العبد في « هيت » بفتح الهاء، وضم التاء , وذلك:

لَيْسَ قَــومِي بِــالأبْعَدِينَ إذَا مَــا قَــالَ دَاعٍ مِــنَ الْعَشِــيرَةِ هَيْـتُ

قال أبو جعفر: وأولى القراءة في ذلك , قراءة من قرأه: ( هَيْتَ لَكَ ) بفتح الهاء والتاء , وتسكين الياء , لأنها اللغة المعروفة في العرب دون غيرها , وأنها فيما ذُكِر قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا الثوري , عن الأعمش , عن أبي وائل , قال ابن مسعود: قد سمعت القرأة، فسمعتهم متقاربين , فاقرءوا كما عُلِّمتم , وإياكم والتنطع والاختلاف , فإنما هو كقول أحدكم: « هلم » و « تعال » . ثم قرأ عبد الله: ( هَيْتَ لَكَ ) فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا يقرءونها: « هَيْتُ لَكَ » فقال عبد الله: إني أقرؤها كما عُلِّمْت، أحبُّ إليَّ.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن الأعمش , عن أبي وائل , قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ هذه الآية: ( وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ) قال: فقالوا له: ما كنا نقرؤها إلا « هَيْتُ لَكَ » ، فقال عبد الله: إنّي أقرؤها كما عُلِّمت، أحبُّ إليّ.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن عيينة , عن منصور , عن أبي وائل , قال: قال عبد الله: ( هَيْتَ لَكَ ) فقال له مسروق: إن ناسًا يقرءونها: « هَيْتُ لَكَ » فقال: دعوني , فإني أقرأ كما أقرئت أحبُّ إليّ.

حدثني المثنى , قال: حدثنا آدم العسقلاني , قال: حدثنا شعبة , عن الأعمش , عن شقيق , عن ابن مسعود قال: ( هَيْتَ لَكَ ) بنصب الهاء، والتاء، وبلا همز.

وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى: أنَّ العرب لا تثني « هيت » ولا تجمع ولا تؤنث، وأنها تصوره في كل حال،, وإنّما يتبين العدد بما بعد , وكذلك التأنيث والتذكير. وقال: تقول للواحد: « هيت لك » , وللإثنين: « هيت لكما » , وللجمع: « هيت لكم » , وللنساء: « هيت لكن » .

وقوله: ( قال معاذ الله ) يقول جل ثناؤه: قال يوسف إذ دعته المرأة إلى نفسها، وقالت له: « هلم إلي » : أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه، واستجير به منه.

وقوله: ( إنه ربي أحسن مثواي ) يقول: إن صاحبك وزوجك سيدي، كما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( معاذ الله إنه ربي ) قال: سيدي.

.... قال: حدثنا ابن نمير , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح: ( إنه ربي ) قال: سيدي.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال:حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: ( قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) قال: سيدي يعني: زوج المرأة.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( قال معاذ الله إنه ربي ) يعني: إطفير. يقول: إنه سيدي.

وقوله: ( أحسن مثواي ) يقول: أحسن منـزلتي، وأكرمني وائتمنني , فلا أخونه، كما:-

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: ( أحسن مثواي ) أمنني على بيته وأهله.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( أحسن مثواي ) فلا أخونه في أهله.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد: ( أحسن مثواي ) قال: يريد يوسف سيدَه زوجَ المرأة.

وقوله: ( إنه لا يفلح الظالمون ) يقول: إنه لا يدرك البقاء , ولا ينجح من ظلم، ففعل ما ليس له فعله. وهذا الذي تدعوني إليه من الفجور، ظلم وخيانة لسيدي الذي ائتمنني على منـزله، كما:-

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( إنه لا يفلح الظالمون ) قال: هذا الذي تدعوني إليه ظلم , ولا يفلح من عمل به.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 )

قال أبو جعفر: ذكر أنَّ امرأة العزيز لما هَمَّت بيوسف وأرادت مُراودته , جعلت تذكر له محاسنَ نفسه , وتشوّقه إلى نفسها، كما:-

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: قالت له: يا يوسف، ما أحسن شعرك! قال: هو أوَّل ما ينتثر من جسدي . قالت: يا يوسف، ما أحسن وجهك ! قال: هو للتراب يأكله . فلم تزل حتى أطمعته , فهمَّت به وهم بها، فدخلا البيت , وغلَّقت الأبواب , وذهب ليحلّ سراويله , فإذا هو بصورة يعقوب قائمًا في البيت، قد عضَّ على إصبعه، يقول: « يا يوسف لا تواقعها فإنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق , ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات ووقع إلى الأرض لا يستطع أن يدفع عن نفسه. ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُعمل عليه , ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النَّمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه » ، فربط سراويله , وذهب ليخرج يشتدُّ , فأدركته , فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته، حتى أخرجته منه وسقط , وطرحه يوسف واشتدَّ نحو الباب.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: أكبَّت عليه - يعني المرأة - تُطمعه مرة وتخيفه أخرى , وتدعوه إلى لذّة من حاجة الرجال في جمالها وحسنها وملكها , وهو شاب مستقبل يجد من شَبق الرجال ما يجد الرجل ; حتى رَقَّ لها مما يرى من كَلَفها به , ولم يتخوَّف منها حتى همَّ بها وهمَّت به , حتى خلوا في بعض بُيوته.

ومعنى « الهم بالشيء » ، في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعتِه , ما لم يُواقِع .

فأما ما كان من هم يوسف بالمرأة وهمها به , فإن أهل العلم قالوا في ذلك ما أنا ذاكره , وذلك ما:-

حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع , وسهل بن موسى الرازي , قالوا: حدثنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , سئل عن همّ يوسف ما بلغ؟ قال: حَلّ الهِمْيان , وجلس منها مجلس الخاتن لفظ الحديث لأبي كريب.

حدثنا أبو كريب , وابن وكيع , قالا حدثنا ابن عيينة , قال: سمع عبيد الله بن أبي يزيد ابن عباس في ( ولقد همت به وهم بها ) قال: جلس منها مجلس الخاتن , وحلّ الهميان.

حدثنا زياد بن عبد الله الحسَّاني , وعمرو بن علي , والحسن بن محمد , قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة , عن عبد الله بن أبي يزيد , قال: سمعت ابن عباس سئل: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: حلّ الهميان , وجلس منها مجلس الخاتن.

حدثني زياد بن عبد الله , قال: حدثنا محمد بن أبي عدي , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: سألت ابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقت له , وجلس بين رجليها.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن يمان , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: استلقت له , وحلّ ثيابه.

حدثني المثنى , قال: حدثنا قبيصة بن عقبة , قال: حدثنا سفيان , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس: ( ولقد همت به وهم بها ) ، ما بلغ؟ قال: استلقت له وجلس بين رجليها , وحلّ ثيابه أو ثيابها.

حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا يحيى بن سعيد , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: سألت ابن عباس ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقت على قفاها , وقعد بين رجليها لينـزعَ ثيابه.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة , قال: سئل ابن عباس , عن قوله: ( ولقد همت به وهم بها ) ما بلغ من هم يوسف؟ قال: حل الهميان يعني السَّراويل .

حدثنا أبو كريب وابن وكيع , قالا حدثنا ابن إدريس , قال: سمعت الأعمش , عن مجاهد , في قوله: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: حلَّ السراويل حتى أَلْيَتيه واستلقت له.

حدثنا زياد بن عبد الله الحساني , قال: حدثنا مالك بن سعير , قال: حدثنا الأعمش , عن مجاهد , في قوله: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: حلّ سراويله , حتى وقع على أَلْيَتيه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: جلس منها مجلس الرجل من امرأته.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , قال: حدثني القاسم بن أبي بزة: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: أمّا همّها به , فاستلقت له وأما همُّه بها، فإنه قعد بين رجليها ونـزع ثيابه.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثني حجاج بن محمد , عن ابن جريج , قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة , قال: قلت لابن عباس: ما بلغ من همّ يوسف؟ قال: استلقت له , وجلس بين رجليها ينـزع ثيابه.

حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا يحيى بن اليمان , عن سفيان , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير وعكرمة , قالا حلّ السراويل , وجلس منها مجلس الخاتن.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , عن شريك , عن جابر , عن مجاهد: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: استلقت , وحلّ ثيابه حتى بلغ ألياته.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: أطلق تِكَّة سراويله.

حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , قال: شهدت ابن عباس سئل عن هم يوسف ما بلغ؟ قال: حلّ الهِميان , وجلس منها مجلس الخاتن.

فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا، وهو لله نبيّ؟

قيل: إن أهل العلم اختلفوا في ذلك.

فقال بعضهم: كان من ابتلي من الأنبياء بخطيئة , فإنما ابتلاه الله بها، ليكون من الله عز وجلّ على وَجَلٍ إذا ذكرها , فيجد في طاعته إشفاقًا منها , ولا يتّكل على سعة عفو الله ورحمته.

وقال آخرون: بل ابتلاهم الله بذلك، ليعرّفهم موضع نعمته عليهم , بصفحه عنهم، وتركه عقوبتَه عليه في الآخرة.

وقال آخرون: بل ابتلاهم بذلك ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رَجاء رحمة الله , وترك الإياس من عفوه عنهم إذا تابوا.

وأما آخرون ممن خالف أقوال السلف وتأوَّلوا القرآن بآرائهم , فإنهم قالوا في ذلك أقوالا مختلفة.

فقال بعضهم: معناه: ولقد همت المرأة بيوسف , وهمَّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمِّها به مما أرادته من المكروه , لولا أنّ يوسف رأى برهان ربه , وكفَّه ذلك عما همّ به من أذاها لا أنها ارتدعت من قِبَل نفسها . قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله: ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) قالوا: فالسوء هُو ما كان همَّ به من أذاها , وهو غير « الفحشاء » .

وقال آخرون منهم: معنى الكلام: ولقد همت به، فتناهى الخبرُ عنها. ثم ابتدئ الخبر عن يوسف , فقيل: « وهم بها يوسف لولا أن رأى برهان ربه » . كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى أنَّ يوسف لم يهمّ بها , وأن الله إنما أخبر أنَّ يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمَّ بها , ولكنه رأى برهان ربه فلم يهمَّ بها , كما قيل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ، [ النساء: 83 ] .

قال أبو جعفر: ويفسد هذين القولين: أن العرب لا تقدم جواب « لولا » قبلها , لا تقول: « لقد قمت لولا زيد » , وهي تريد « : لولا زيد لقد قمت » , هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله.

وقال آخرون منهم: بل قد همَّت المرأة بيوسف، وهم يوسف بالمرأة , غير أن همَّهما كان تميِيلا منهما بين الفعل والترك، لا عزمًا ولا إرادة. قالوا: ولا حرج في حديث النفس، ولا في ذكر القلب، إذا لم يكن معهما عزْمٌ ولا فعلٌ.

وأما « البرهان » الذي رآه يوسف، فترك من أجله مواقعة الخطيئة , فإن أهل العلم مختلفون فيه.

فقال بعضهم: نودي بالنهي عن مواقعة الخطيئة .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: نودي: يا يوسف، أتزني , فتكون كالطير وَقَع ريشه، فذهب يطير فلا ريش له؟

.... قال: حدثنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , قال: لم يُعْطِ على النداء، حتى رأى برهان ربه , قال: تمثالَ صورة وجه أبيه قال سفيان: عاضًّا على أصبعه فقال: يا يوسف، تزني , فتكون كالطير ذهب ريشه؟

حدثني زياد بن عبد الله الحساني , قال:حدثني محمد بن أبي عدي , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: نُودي: يا ابن يعقوب، لا تكن كالطائر له ريش , فإذا زنى ذهب ريشه، أو قعد لا ريش له. قال: فلم يُعْطِ على النداء، فلم يزد على هذا قال ابن جريج: وحدثني غير واحد , أنه رأى أباه عاضًّا على إصبعه.

حدثني أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي ، عن نافع بن عمر , عن ابن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: نودي فلم يسمع , فقيل له: يا ابن يعقوب، تريد أن تزني، فتكون كالطير نتف فلا ريش له؟

حدثنا ابن حميد . قال: حدثنا سلمة , عن طلحة , عن عمرو الحضرمي , عن ابن أبي مليكة , قال: بلغني أنّ يوسف لما جلس بين رجلي المرأة فهو يحلّ هميانه، نودي: يا يوسف بن يعقوب، لا تزن , فإن الطير إذا زنى تناثر ريشه. فأعرض، ثم نودي فأعرض، فتمثل له يعقوب عاضًّا على إصبعه , فقام.

حدثني المثنى , قال: حدثنا قبيصة بن عقبة , قال: حدثنا سفيان , عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , قال: نودي: يا ابن يعقوب، لا تكن كالطير إذا زنى ذهب ريشه، وبقي لا ريش له ! فلم يطع على النداء , ففُزِّع.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا حجاج بن محمد , عن ابن جريج , قال: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: نودي: يا ابن يعقوب لا تكونَنّ كالطائر له ريش , فإذا زنى ذهب ريشه قال: أو قعد لا ريش له فلم يُعْطِ على النداء شيئًا , حتى رأى برهان ربه , ففَرِق ففرَّ.

حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا ابن عيينة , عن عثمان بن أبي سليمان , عن ابن أبي مليكة , قال: قال ابن عباس: نودي: يا ابن يعقوب، أتزني، فتكون كالطير وقع ريشه، فذهب يطيرُ فلا ريش له؟

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: أخبرني نافع بن يزيد , عن همام بن يحيى , عن قتادة قال: نودي يوسف فقيل: أنت مكتوب في الأنبياء، تعمل عمل السفهاء؟

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن يمان . عن ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , قال: نودي: يُوسفَ بن يعقوب، تزني , فتكون كالطير نتف فلا ريش له؟

وقال آخرون: « البرهان » الذي رأى يوسف فكفّ عن مواقعة الخطيئة من أجله، صورة يعقوب عليهما السلام يتوعّده .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , قال: أخبرنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى صورةَ أو: تمثالَ وجهِ يعقوب عاضًّا على إصبعه , فخرجت شهوته من أنامله.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد العنقزي , عن إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: مَثَل له يعقوب , فضرب في صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا محمد بن بشر , عن مسعر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى تمثال وجه أبيه، قائلا بكفه هكذا وبسط كفه فخرجت شهوته من أنامله.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي عن سفيان , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: مَثَل له يعقوب عاضًّا على أصابعه , فضرب صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

حدثنا يونس بن عبد الأعلى , قال: حدثنا عبد الله بن وهب , قال: أخبرني ابن جريج , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس , في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى صورة يعقوب واضعًا أنملته على فيه، يتوعَّده , ففرَّ.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا يحيى بن عباد , قال: حدثنا جرير بن حازم , قال سمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث , عن ابن عباس , في قوله: ( ولقد همت به وهم بها ) قال: حين رأى يعقوبَ في سقف البيْت , قال: فنـزعت شهوته التي كان يجدها، حتى خرج يسعى إلى باب البيت , فتبعته المرأة.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي عن قرة بن خالد السدوسي , عن الحسن , قال: زعموا، والله أعلم، أن سقف البيت انفرج , فرأى يعقوبَ عاضًّا على أصابعه.

حدثني يعقوب , قال: حدثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى تمثالَ يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف! يوسف!

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن يونس , عن الحسن , نحوه .

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو العنقزي , قال: أخبرنا سفيان الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى تمثال وجه يعقوب , فخرجت شهوته من أنامله.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن يمان , عن سفيان , عن علي بن بذيمة , عن سعيد بن جبير , قال: رأى صورةً فيها وجه يعقوب عاضًّا على أصابعه , فدفع في صدره , فخرجت شهوته من أنامله . فكلُّ ولد يعقوب وُلِدَ له اثنا عشر رجلا إلا يوسف , فإنه نقص بتلك الشهوة، ولم يولد له غير أحد عشر.

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: أخبرني يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , أن حميد بن عبد الرحمن أخبره: أن البرهان الذي رأى يوسف، يعقوبُ.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عيسى بن المنذر , قال: حدثنا أيوب بن سويد , قال: حدثنا يونس بن يزيد الإيلي , عن الزهري , عن حميد بن عبد الرحمن , مثله .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: مَثَل له يعقوب.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن عمرو , عن منصور , عن مجاهد , مثله .

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: يعقوب.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , وحدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا الثوري , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال: مَثَل له يعقوب.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال: جلس منها مجلس الرجل من امرأته، حتى رأى صورةَ يعقوب في الجدُر .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: مثل له يعقوب.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن القاسم بن أبي بزة , قال: نودي: يا ابن يعقوب , لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قَعَد ليس له ريش. فلم يُعْرِض للنداء وقعد , فرفع رأسه , فرأى وجهَ يعقوب عاضًّا على إصبعه , فقام مرعوبًا استحياء من الله، فذلك قول الله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) ، وجهَ يعقوب.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن النضر بن عربي , عن عكرمة , قال: مثل له يعقوب عاضًّا على أصابعه.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن نضر بن عربي , عن عكرمة , مثله .

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , قال: مثل له يعقوب , فدفع في صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

.... قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا سفيان , عن علي بن بذيمة , قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر ابنًا، إلا يوسف , ولد له أحد عشر، من أجل ما خرج من شهوته.

حدثني يونس , قال: أخبرنا: ابن وهب , قال: قال أبو شريح: سمعت عبيد الله بن أبي جعفر يقول: بلغ من شهوة يوسف أن خرجت من بَنَانه.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يعلى بن عبيد , عن محمد الخراساني , قال: سألت محمد بن سيرين , عن قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: مَثَل له يعقوب عاضًّا على أصابعه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله , اسمك في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء؟

حدثني محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا يزيد بن زريع , عن يونس , عن الحسن , في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف !

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال، حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , قال، قال قتادة: رأى صورة يعقوب , فقال: يا يوسف، تعمل عمل الفجَّار , وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فاستحيى منه.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( لولا أن رأى برهان ربه ) رأى آية من آيات ربه , حجزه الله بها عن معصيته. ذكر لنا أنه مثل له يعقوب حتى كلمه , فعصمه الله، ونـزع كل شهوة كانت في مفاصله.

.... قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن: أنه مَثَل له يعقوب وهو عاضٌّ على إصبع من أصابعه.

حدثني يعقوب , قال: حدثنا هشيم , قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم , عن أبي صالح , قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف! يا يوسف ! يعني قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) .

حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن منصور ويونس عن الحسن , في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) ، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت، عاضًّا على إصبعه.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن إسماعيل بن سالم , عن أبي صالح مثله , وقال عاضًّا على إصبعه يقول: يوسف! يوسف !

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا يعقوب القمي , عن حفص بن حميد , عن شمر بن عطية , قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف ! فذاك حيث كفَّ , وقام فاندفع.

حدثني المثنى , قال: حدثنا الحماني , قال: حدثنا شريك , عن سالم وأبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى صورةً فيها وجه يعقوب عاضًّا على أصابعه , فدفع في صدره، فخرجت شهوته من بين أنامله.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم , قال: حدثنا مسعر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: رأى تمثال وجه أبيه , فخرجت الشهوة من أنامله.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا يحيى يعني ابن عباد , قال: حدثنا أبو عوانة , عن إسماعيل بن سالم , عن أبي صالح: ( لولا أن رأى برهان ربه ) ، قال: تمثال صورة يعقوب في سقف البيت.

حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا جعفر بن سليمان , عن يونس بن عبيد , عن الحسن , قال: رأى يعقوب عاضًّا على يده.

.... قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا الثوري , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) ، قال: يعقوب، ضرب بيده على صدره , فخرجت شهوته من أنامله.

حدثت عن الحسين بن الفرج , قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لولا أن رأى برهان ربه ) ، آية من ربه ; يزعمون أنه مَثَلَ له يعقوب , فاستحيى منه.

وقال آخرون: بل البرهان الذي رأى يوسف، ما أوعد الله عز وجل على الزنا أهله .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن أبي مودود , قال: سمعت محمد بن كعب القرظي , قال: رفع رأسَه إلى سقف البيت , فإذا كتاب في حائط البيت: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ، [ سورة الإسراء: 32 ] .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن أبي مودود , عن محمد بن كعب , قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ , فرأى كتابًا في حائط البيت: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا .

.... قال: حدثنا زيد بن الحباب , عن أبي معشر , عن محمد بن كعب: ( لولا أن رأى برهان ربه ) قال: لولا ما رأى في القرآن من تعظيم الزنا.

حدثنا يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: أخبرني نافع بن يزيد , عن أبي صخر , قال: سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رأى يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ الآية، [ سورة الانفطار: 10 ] , وقوله: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ الآية، [ سورة يونس: 61 ] ، وقوله: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [ سورة الرعد: 33 ] . قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي , وزاد آية رابعة: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا .

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: أخبرنا أبو معشر , عن محمد بن كعب القرظي: ( لولا أن رأى برهان ربه ) فقال: ما حرَّم الله عليه من الزنا.

وقال آخرون: بل رأى تمثال الملك .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) يقول: آيات ربه، أُرِيَ تمثالَ الملك.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: كان بعض أهل العلم، فيما بلغني، يقول: البرهان الذي رأى يوسف فصرف عنه السوءَ والفحشاء، يعقوبُ عاضًّا على إصبعه , فلما رآه انكشفَ هاربًا ويقول بعضهم: إنما هو خيال إطفير سيده، حين دَنا من الباب , وذلك أنه لما هرب منها واتبعته، ألفياه لدى الباب.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه , لولا أن رأى يوسف برهان ربه , وذلك آيةٌ من الله , زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب وجائز أن تكون صورة الملك - وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا ولا حجة للعذر قاطعة بأيِّ ذلك [ كان ] من أيٍّ . والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى , والإيمان به , وترك ما عدا ذلك إلى عالمه.

وقوله: ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) ، يقول تعالى ذكره: كما أرينَا يوسف برهاننا على الزجر عمَّا همّ به من الفاحشة , كذلك نسبّب له في كلِّ ما عرض له من همٍّ يهمُّ به فيما لا يرضاه، ما يزجره ويدفعه عنه ; كي نصرف عنه ركوب ما حرَّمنا عليه، وإتيان الزنا , لنطهره من دنس ذلك.

وقوله: ( إنه من عبادنا المخلصين ) اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة المدينة والكوفة ( إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) بفتح اللام من « المخلصين » , بتأويل: إن يوسف من عبادنا الذين أخلصناهم لأنفسنا، واخترناهم لنبوّتنا ورسالتنا.

وقرأ بعض قرأة البصرة: « إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ » بكسر اللام بمعنى: إن يوسف من عبادنا الذين أخلَصوا توحيدنا وعبادتنا , فلم يشركوا بنا شيئًا , ولم يعبدُوا شيئًا غيرنا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بهما جماعة كثيرة من القرأة , وهما متفقتا المعنى. وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره , فهو مُخْلِصٌ لله التوحيدَ والعبادة , ومن أخلص توحيدَ الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئًا , فهو ممن أخلصه الله , فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصوابِ مصيبٌ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 25 )

قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: واستبق يوسف وامرأة العزيز بابَ البيت، أما يوسف ففرارًا من ركوب الفاحشة لما رأى برهان ربه فزجره عنها، وأما المرأة فطلبها ليوسف لتقضي حاجتها منه التي راودته عليها , فأدركته فتعلقت بقميصه , فجذبته إليها مانعةً له من الخروج من الباب، , فقدَّته من دبر يعني: شقته من خلف لا من قدام، لأن يوسف كان هو الهارب، وكانت هي الطالبة، كما: -

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( واستبقا الباب ) ، قال: استبق هو والمرأة الباب , ( وقدت قميصه من دبر ) .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما رأى برهان ربه , انكشفَ عنها هاربًا , واتبعته , فأخذت قميصه من دبر، فشقَّته عليه.

وقوله: ( وألفيا سيدها لدى الباب ) ، يقول جل ثناؤه: وصادفا سيدها وهو زوج المرأة « لدى الباب » , يعني: عند الباب . كالذي: -

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا الثوري , عن رجل , عن مجاهد: ( وألفيا سيدها ) ، قال: سيدها: زوجها , ( لدى الباب ) ، قال: عند الباب.

حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا يحيى بن سعيد , عن أشعث , عن الحسن , عن زيد بن ثابت , قال « : السيد » ، الزوج.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وألفيا سيدها لدى الباب ) ، أي: عند الباب.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( وألفيا سيدها لدى الباب ) ، قال: جالسًا عند الباب وابن عمّها معه، فلما رأته قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا؟ إنه راودني عن نفسي , فدفعته عن نفسي , فشققت قميصه. قال يوسف: بل هي راودتني عن نفسي , وفررت منها فأدركتني , فشقت قميصي. فقال ابن عمها: تِبْيان هذا في القميص , فإن كان القميص , قدّ من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين , وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين . فأتي بالقميص , فوجده قدّ من دبر قال: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( وألفيا سيدها لدى الباب ) ، إطفير، قائمًا على باب البيت، فقالت وهابَتْه: ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) ولطخته مكانها بالسيئة، فَرَقًا من أن يتهمها صاحبُها على القبيح. فقال هو , وصَدقه الحديث: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي .

وقوله: ( قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا ) يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز لزوجها لما ألفياه عند الباب , فخافت أن يتهمها بالفجور: ما ثواب رجل أرادَ بامرأتك الزنا إلا أن يسجن في السجن، أو إلا عذاب أليم يقول: موجع.

وإنما قال: ( إلا أن يسجن أو عذاب أليم ) ، لأن قوله: ( إلا أن يسجن ) ، بمعنى إلا السجن , فعطف « العذاب » عليه ; وذلك أن « أن » وما عملت فيه بمنـزلة الاسم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرادته الفاحشة منها، مكذِّبًا لها فيما قذفته به ودفعًا لما نسب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها , بل هي راودتني عن نفسي.

وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك، لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمارة , قال: حدثنا عبيد الله بن موسى , قال: أخبرنا شيبان , عن أبي إسحاق , عن نوف الشامي , قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره، حتى قالت: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ، الآية , قال: فغضب فقال: ( هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) .

وأما قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد.

فقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار , عن حماد بن سلمة , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال: تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون , وشاهد يوسف , وصاحب جريج , وعيسى ابن مريم عليه السلام.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن أبي بكر الهذلي , عن شهر بن حوشب , عن أبي هريرة , قال: عيسى , وصاحب يوسف , وصاحب جريج يعني: تكلموا في المهد.

حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا زائدة , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، قال: صبي.

حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: كان في المهد صبيًّا.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال: حدثنا أيوب بن جابر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , في قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: صبي.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال: حدثنا أبو بكر بن عياش , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , بمثله .

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن شريك , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال: كان صبيًّا في مهده.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن إدريس , عن حصين , عن هلال بن يساف: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: صبي في المهد.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أبي مرزوق , عن جويبر , عن الضحاك: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، قال: صبي أنطقه الله . ويقال: ذو رأي برأيه.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: أخبرنا عفان , قال: حدثنا حماد , قال: أخبرني عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تكلم أربعة وهم صغار » ، فذكر فيهم شاهد يوسف .

حدثت عن الحسين بن الفرج . قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) يزعمون أنه كان صبيًّا في الدار.

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثنا عمي . قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، قال: كان صبيًّا في المهد.

وقال آخرون: كان رجلا ذا لحية .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال: كان ذا لحية.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، عن سفيان , عن جابر , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، قال: كان من خاصّة الملك.

.... وبه قال، حدثنا أبي , عن عمران بن حدير , سمع عكرمة يقول: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: ما كان بصبيّ , ولكن كان رجلا حكيمًا.

حدثنا سوّار بن عبد الله , قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح , قال: حدثنا عمران بن حدير , عن عكرمة , وذكره عنده: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) فقالوا: كان صبيًّا. فقال: إنه ليس بصبي، ولكنه رجل حكيم .

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن مجاهد: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: كان رجلا.

حدثنا ابن بشار , قال، حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان, عن منصور , عن مجاهد: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: رجل.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , في قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: رجل.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبو بكر بن عياش , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: رجل.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: أخبرنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: ذو لحية.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي , قال: ابن عمها كان الشاهدَ من أهلها.

حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: ذو لحية.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو غسان , قال: حدثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال: ذو لحية.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن ابن أبي مليكة: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: كان من خاصة الملك.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: رجل حكيم كان من أهلها.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: رجل حكيم من أهلها.

حدثنا المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: كان رجلا.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن بعض أصحابه , عن الحسن , في قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: رجل له رأي أشارَ برأيه.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: يقال: إنما كان الشاهد مشيرًا، رجلا من أهل إطفير، وكان يستعين برأيه إلا أنه قال: أشهد إن كان قميصه قدّ من قبل لقد صدقت وهو من الكاذبين.

وقيل: معنى قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ ) : حكم حاكم.

حدثت بذلك عن الفراء , عن معلي بن هلال , عن أبي يحيى , عن مجاهد.

وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد، القميصَ المقدودَ .

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) قال: قميصُه مشقوق من دبر , فتلك الشهادة.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، قميصُه مشقوق من دبر , فتلك الشهادة.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن ليث , عن مجاهد: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) لم يكن من الإنس.

.... قال: حدثنا حفص , عن ليث , عن مجاهد: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، قال: كان من أمر الله , ولم يكن إنسيًا.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك , قول من قال: كان صبيًّا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنه ذكر من تكلم في المهد. فذكر أنَّ أحدهم صاحب يوسف.

فأمّا ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له ; لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة فقال: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ) ، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.

وقوله: ( إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) ، لأن المطلوب إذا كان هاربًا فإنما يؤتى من قِبل دبره , فكان معلومًا أن الشق لو كان من قُبُل لم يكن هاربًا مطلوبًا. ولكن كان يكون طالبًا مدفوعًا , وكان يكون ذلك شهادة على كذبه .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبُل لقد صدقت وهو من الكاذبين. وذلك أن الرجل إنما يريد المرأة مقبلا ( وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) وذلك أن الرجل لا يأتي المرأة من دُبر . وقال: إنه لا ينبغي أن يكون في الحقّ إلا ذاك . فلما رأى إطفير قميصَه قدَّ من دُبر عرف أنه من كيدها , فقال: ( إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ) .

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: قال يعني: الشاهدُ من أهلها : القميصُ يقضي بينهما، ( إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) .

قال أبو جعفر: وإنما حذفت « أنَّ » التي تتلقَّى بها « الشهادة » لأنه ذهب بالشهادة إلى معنى « القول » , كأنه قال: وقال قائل من أهلها: إن كان قميصه كما قيل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ [ سورة النساء: 11 ] ، لأنه ذهب بالوصية إلى « القول » .

وقوله: ( فلما رأى قميصه قدّ من دبر ) ، خبر عن زوج المرأة , وهو القائل لها: إن هذا الفعل من كيدكن أي: صنيعكن , يعني من صنيع النساء ( إن كيدكن عظيم ) .

وقيل: إنه خبر عن الشاهد أنه القائلُ ذلك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ( 29 )

قال أبو جعفر: وهذا فيما ذكر عن ابن عباس , خبرٌ من الله تعالى ذكره عن قِيل الشاهد أنه قال للمرأة وليوسف.

يعني بقوله: ( يوسف ) يا يوسف ( أعرض عن هذا ) ، يقول: أعرض عن ذكر ما كان منها إليك فيما راودتك عليه، فلا تذكره لأحد، كما:-

حدثنا يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد في قوله: ( يوسف أعرض عن هذا ) ، قال: لا تذكره , ( واستغفري ) أنت زوجك , يقول: سليه أن لا يعاقبك على ذنبك الذي أذنبتِ , وأن يصفح عنه فيستره عليك.

( إنك كنت من الخاطئين ) , يقول: إنك كنت من المذنبين في مراودة يوسف عن نفسه.

يقال منه: « خَطِئ » في الخطيئة « يخطَأ خِطْأً وخَطَأً » كما قال جل ثناؤه: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [ سورة الإسراء: 31 ] ، و « الخطأ » في الأمر.

وحكي في « الصواب » أيضًا « الصوابُ » ، و « الصَّوْبُ » ، كما قال: الشاعر:

لَعَمْــرُكَ إِنَّمَــا خَـطَئِي وَصَـوْبِي عَــلَيَّ وَإِنَّ مَــا أَهْلَكْــتُ مَــالُ

وينشد بيت أمية:

عِبَــادُكَ يُخْــطِئُونَ وَأَنْــتَ رَبٌّ بِكَـــفَّيْكَ الْمَنَايَـــا وَالْحُـــتُومُ

من خطئ الرجل.

وقيل: ( إنك كنت من الخاطئين ) ، لم يقل: من الخاطئات , لأنه لم يقصد بذلك قصد الخبر عن النساء , وإنما قصد به الخبر عمَّن يفعل ذلك فيخطَأ.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 30 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وتحدث النساء بأمر يوسف وأمر امرأة العزيز في مدينة مصر , وشاع من أمرهما فيها ما كان , فلم ينكتم , وقلن: ( امرأة العزيز تراود فتاها ) ، عبدها ( عن نفسه ) ، كما:-

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: وشاع الحديث في القرية , وتحدث النساء بأمره وأمرها , وقلن: ( امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ) ، أي: عبدها.

وأما « العزيز » فإنه: « الملك » في كلام العرب، ومنه قول أبي دؤاد:

دُرَّةٌ غَـــاصَ عَلَيْهَـــا تَــاجِرٌ جُــلِيَتْ عِنْــدَ عَزِيـزٍ يَـوْمَ طَـلِّ

يعني بالعزيز، الملك , وهو من « العزّة » .

وقوله: ( قد شغفها حبًّا ) ، يقول قد وصل حبُّ يوسف إلى شَغَاف قلبها فدخل تحته، حتى غلب على قلبها.

و « شَغَاف القلب » : حجابه وغلافه الذي هو فيه , وإياه عنى النابغة الذبياني بقوله:

وَقَــدْ حَـالَ هَـمٌّ دُونَ ذَلِـكَ دَاخِـلٌ دُخُــولَ شَـغَافٍ تَبْتَغِيـهِ الأصَـابِعُ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا حجاج بن محمد , عن ابن جريج , قال: أخبرني عمرو بن دينار , أنه سمع عكرمة يقول في قوله: ( شغفها حبًّا ) قال: دخل حبه تحت الشَّغاف.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: دخل حبه في شَغافها.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: دخل حبه في شَغافها.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: كان حبه في شَغافها.

.... قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثل حديث الحسن بن محمد , عن شبابة .

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله: ( قد شغفها حبًّا ) ، يقول: عَلَّقها حبًّا.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: غَلَبها.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي عن أبيه عن أيوب بن عائذ الطائي عن الشعبي: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: « المشغوف » : المحب , و « المشعوف » ، المجنون.

.... وبه قال، حدثنا أبي , عن أبي الأشهب , عن أبي رجاء والحسن: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال أحدهما: قد بَطَنَها حبًّا. وقال الآخر: قد صَدَقها حبًّا.

حدثني يعقوب , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , في قوله: ( قد شغفها حبا ) ، قال: قد بطنَها حبًّا قال يعقوب: قال أبو بشر: أهل المدينة يقولون: « قد بَطَنها حبًّا » .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , قال: سمعته يقول في قوله: ( قد شغفها حبا ) ، قال: بَطنَها حبًّا . وأهل المدينة يقولون ذلك.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عبد الوهاب , عن قرة , عن الحسن: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: قد بَطَن بها حبًّا.

حدثنا الحسن , قال: حدثنا أبو قطن , قال: حدثنا أبو الأشهب , عن الحسن: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: بَطَنها حبه.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة . عن الحسن: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: بطَن بها.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: استبطنها حبها إياه.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( قد شغفها حبًّا ) ، أي: قد عَلَّقها.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي يحيى , عن مجاهد: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: قد عَلَّقَها حبًّا.

حدثنا بن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك , قال: هو الحب اللازق بالقلب.

حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد , قال: سمعت الضحاك , في قوله: ( قد شغفها حبًّا ) ، يقول: هلكت عليه حبًّا، و « الشَّغَاف » : شَغَاف القلب.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( قد شغفها حبًّا ) ، قال: و « الشَّغاف » : جلدة على القلب يقال لها « : لسان القلب » ، يقول: دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب.

وقد اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الأمصار بالغين: ( قَدْ شَغَفَهَا ) ، على معنى ما وصفت من التأويل.

وقرأ ذلك أبو رجاء: « قَدْ شَعَفَهَا » بالعين.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أبو قطن , قال: حدثنا أبو الأشهب , عن أبي رجاء: « قَدْ شَعَفَهَا » .

.... قال: حدثنا خلف , قال: حدثنا هشيم , عن أبي الأشهب , أو عوف عن أبي رجاء: « قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا » ، بالعين.

.... قال: حدثنا خلف , قال: حدثنا محبوب , قال: قرأه عوف: « قَدْ شَعَفَهَا » .

.... قال: حدثنا عبد الوهاب , عن هارون , عن أسيد , عن الأعرج: « قَدْ شَعَفَهَا حُبًّا » ، وقال: شَعَفَهَا إذا كان هو يحبها.

ووجَّه هؤلاء معنى الكلام إلى أنَّ الحبَّ قد عمَّها.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: هو من قول القائل: « قد شُعفَ بها » , كأنه ذهب بها كل مَذهب، من « شَعَف الجبال » , وهي رؤوسها.

وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: « الشغف » ، شغف الحب و « الشعف » ، شعف الدابة حين تذعر .

حدثني بذلك الحارث , عن القاسم , أنه قال: يروى ذلك عن أبي عوانة , عن مغيرة عنه .

قال الحارث: قال القاسم , يذهب إبراهيم إلى أن أصل « الشَّعَف » ، هو الذعر . قال: وكذلك هو كما قال إبراهيم في الأصل , إلا أن العرب ربما استعارت الكلمة فوضعتها في غير موضعها ; قال امرؤ القيس:

أَتَقْتُلُنِــي وَقَــدْ شَــعَفْتُ فُؤَادَهَـا كَمَـا شَـعَفَ المَهْنُـوءَة الرَّجُلُ الطَّالِي

قال: و « شعف المرأة » من الحبّ , و « شعف المهنوءة » من الذعر , فشبه لوعة الحب وجَوَاه بذلك.

وقال ابن زيد في ذلك ما: -

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( قد شغفها حبًّا ) قال: إن « الشغف » و « الشعف » ، مختلفان , و « الشعف » ، في البغض و « الشغف » في الحب.

وهذا الذي قاله ابن زيد لا معنى له , لأن « الشعف » في كلام العرب بمعنى عموم الحب، أشهر من أن يجهله ذو علم بكلامهم.

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندنا من القراءة: ( قَدْ شَغَفَهَا ) ، بالغين، لإجماع الحجة من القرأة عليه.

وقوله: ( إنا لنراها في ضلال مبين ) ، قلن: إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه، وغلبة حبه عليها، لفي خطأ من الفعل، وجَوْر عن قصد السبيل « مبين » ، لمن تأمله وعلمه أنه ضلال، وخطأ غير صواب ولا سداد. وإنما كان قيلهنّ ما قلن من ذلك، وتحدُّثهن بما تحدَّثن به من شأنها وشأن يوسف، مكرًا منهن، فيما ذكر، لتريَهُنَّ يوسف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عز وجل عنهن

وكان مكرهنَّ ما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( فلما سمعت بمكرهن ) ، يقول: بقولهن.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما أظهر النساء ذلك، من قولهن « : تراود عبدها! » مكرًا بها لتريهن يوسف , وكان يوصف لهن بحُسنه وجماله ; ( فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ ) .

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( فلما سمعت بمكرهن ) : ، أي بحديثهن , ( أرسلت إليهن ) ، يقول: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدثن بشأنها وشأن يوسف.

( وأعتدت ) ، « أفعلت » من العتاد , وهو العدَّة، ومعناه: أعدّت لهن « متكأ » ، يعني: مجلسًا للطعام , وما يتكئن عليه من النمارق والوَسائد:

وهو « مفتعل » من قول القائل: « اتَّكأت » , يقال: « ألق له مُتَّكأ » , يعني: ما يتكئ عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا يحيى بن اليمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد: ( وأعتدت لهن متكأ ) قال: طعامًا وشرابًا ومتكأ.

.... قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: يتكئن عليه.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية عن علي , عن ابن عباس: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: مجلسًا.

.... قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن أبي الأشهب , عن الحسن أنه كان يقرأ: ( مُتَّكَآءً ) ، ويقول: هو المجلس والطعام.

.... قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن يزيد: من قرأ: « مُتْكَأً » ، خفيفة , يعني طعامًا. ومن قرأ ( مُتَّكَأً ) ، يعني المتكأ.

فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه تأويل هذه الكلمة , هو معنى الكلمة، وتأويل « المتكأ » , وأنها أعدّت للنسوة مجلسًا فيه متكأ وطعام وشراب وأترج . ثم فسر بعضهم « المتكأ » بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذي أعدّ من أجله المتكأ وبعضهم عن الخبر عن الأترج. إذ كان في الكلام: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا ) ، لأن السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به وبعضهم على البزماورد.

حدثني هارون بن حاتم المقرئ , قال: حدثنا هشيم بن الزبرقان , عن أبي روق , عن الضحاك , في قوله: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: البزماورد.

وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: « المتكأ » : هو النُّمْرُق يتكأ عليه. وقال: زعم قوم أنه الأترج. قال: وهذا أبطل باطل في الأرض , ولكن عسى أن يكون مع « المتكأ » أترج يأكلونه.

وحكى أبو عبيد القاسم بن سلام قول أبي عبيدة , ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل منه . ثم قال: ولعله بعضُ ما ذهب من كلام العرب , فإنّ الكسائي كان يقول: قد ذهب من كلام العرب شيء كثير انقرض أهله.

قال أبو جعفر: والقول في أن الفقهاء أعلم بالتأويل من أبي عبيدة، كما قال أبو عبيد لا شك فيه , غير أن أبا عبيدة لم يُبْعد من الصواب في هذا القول , بل القول كما قال: مِن أن مَن قال للمتكأ: هو الأترج، إنما بيَّن المعدَّ في المجلس الذي فيه المتكأ، والذي من أجله أعطين السكاكين , لأن السكاكين معلومٌ أنها لا تعدُّ للمتكأ إلا لتخريقه! ولم يعطين السكاكين لذلك.

ومما يبين صحة ذلك القول الذي ذكرناه عن ابن عباس , من أن « المتكأ » هو المجلس .

ثم رُوي عن مجاهد عنه، ما: -

حدثني به سليمان بن عبد الجبار , قال، حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: ( وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينًا ) ، قال: أعطتهن أترجًّا , وأعطت كل واحدة منهن سكّينًا.

فبيّن ابن عباس في رواية مجاهد هذه، ما أعطت النسوة , وأعرض عن ذكر بيان معنى « المتكأ » , إذ كان معلومًا معناه.

* ذكر من قال في تأويل « المتكأ » ما ذكرنا:

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال: حدثنا فضيل بن عياض , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: التُّرُنْج.

حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: حدثنا هشيم , عن عوف , قال: حدثت عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: « مُتْكًا » مخففة , ويقول: هو الأترُجّ.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن إدريس , عن أبيه , عن عطية: « وأعتدت لهن متكأ » ، قال الطعام.

حدثني يعقوب والحسن بن محمد , قالا حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , في قوله: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: طعامًا.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن علية , عن أبي رجاء , عن الحسن , مثله .

حدثنا ابن بشار وابن وكيع , قالا حدثنا غندر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير , في قوله: ( وأعتدت لهن مُتَّكأ ) ، قال: طعامًا.

حدثنا ابن المثنى , قال: حدثنا وهب بن جرير , قال: حدثنا شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير، نحوه .

حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: من قرأ ( مُتَّكَأ ) فهو الطعام , ومن قرأها « مُتْكًأ » فخففها , فهو الأترجّ.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: ( متكأ ) ، قال: طعامًا

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد

وحدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا أبو خالد القرشي , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , قال: من قرأ: « مُتْكًا » ، خفيفة , فهو الأترجّ.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , بنحوه .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا جرير , عن ليث , قال سمعت بعضهم يقول: الأترج .

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( وأعتدت لهن متكأ ) : ، أي طعامًا.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , مثله .

.... قال: حدثنا يزيد , عن أبي رجاء , عن عكرمة , في قوله: ( متكأ ) ، قال: طعامًا.

حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثني عمي , قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس: ( وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتْكًا ) ، يعني الأترج.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، والمتكأ، الطعام.

.... قال: حدثنا جرير عن ليث , عن مجاهد: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: الطعام.

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، قال: طعامًا.

حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , قال: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( مُتَّكَأً ) ، فهو كل شيء يجزّ بالسكين.

قال أبو جعفر: قال الله تعالى ذكره، مخبرًا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدَّثن بشأنها في المدينة: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا ) ، يعني بذلك جل ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها، سكينًا لتقطع به من الطعام ما تقطع به. وذلك ما ذكرت أنَّها آتتهن إما من الأترج , وإما من البزماورد , أو غير ذلك مما يقطع بالسكين، كما:-

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا ) ، وأترجًّا يأكلنه.

حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال: حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا ) ، قال: أعطتهن أترجًّا , وأعطت كل واحدة منهن سكينًا.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( وآتت كل واحدة منهن سكينًا ) ، ليحتززن به من طعامهنّ.

حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( وآتت كل واحدة منهن سكينا ) ، وأعطتهن تُرنجًا وعسلا فكن يحززن الترنج بالسكين , ويأكلن بالعسل.

قال أبو جعفر: وفي هذه الكلمة بيانُ صحة ما قلنا واخترنا في قوله ( وأعتدت لهن متكأ ) . وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوةَ السكاكينَ , وترك ما لَهُ آتتهن السكاكين , إذ كان معلومًا أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها. فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين، عن ذكر ما له آتتهن ذلك. فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ، عن ذكر ما يعتدُّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء ; لفهم السامعين بالمراد من ذلك , ودلالة قوله: ( وأعتدت لهن متكأ ) ، عليه . فأما نفس « المتكأ » فهو ما وصفنا خاصةً دون غيره.

وقوله: ( وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه ) ، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: ( اخرج عليهن ) ، فخرج عليهن يوسف ( فلما رأينه أكبرنه ) ، يقول جل ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللْنه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد , قال، حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: ( أكبرنه ) ، أعظمنه.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح . قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( فلما رأينه أكبرنه ) : ، أي: أعظمنه.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( وقالت اخرج عليهن ) ، ليوسف ( فلما رأينه أكبرنه ) : ، عظَّمنه.

حدثنا إسماعيل بن سيف العجلي , قال: حدثنا علي بن عابس , قال: سمعت السدي يقول في قوله: ( فلما رأينه أكبرنه ) ، قال: أعظمنه.

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( اخرج عليهن ) ، فخرج، فلما رأينه أعظمنه وبُهِتن.

حدثنا إسماعيل بن سيف . قال: حدثنا عبد الصمد بن علي الهاشمي , عن أبيه , عن جده , في قوله: ( فلما رأينه أكبرنه ) ، قال: حِضْن.

حدثنا علي بن داود , قال: حدثنا عبد الله , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , في قوله: ( فلما رأينه أكبرنه ) ، يقول: أعظمنه.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا يحيى بن أبي زائدة , عن ابن جريج , عن مجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: وهذا القول أعني القول الذي روي عن عبد الصمد , عن أبيه , عن جده , في معنى ( أكبرنه ) ، أنه حِضْن إن لم يكن عَنَى به أنهن حضن من إجلالهن يوسف وإعظامهن لما كان الله قسم له من البهاء والجمال , ولما يجد من مثل ذلك النساءُ عند معاينتهن إياه فقولٌ لا معنى له. لأن تأويل ذلك: فلما رأين يوسف أكبرنه , فالهاء التي في « أكبرنه » ، من ذكر يوسف , ولا شك أن من المحال أن يحضنَ يوسف. ولكن الخبر، إن كان صحيحًا عن ابن عباس على ما روي , فخليقٌ أن يكون كان معناه في ذلك أنهن حضن لِمَا أكبرن من حسن يوسف وجماله في أنفسهن، ووجدن ما يجد النساء من مثل ذلك.

وقد زعم بعض الرواة أن بعض الناس أنشده في « أكبرن » بمعنى حضن , بيتًا لا أحسب أنَّ له أصلا لأنه ليس بالمعروف عند الرواة , وذلك:

نَـأْتِي النِّسَـاءَ عَـلَى أَطْهَـارِهِنَّ وَلا نَــأْتِي النِّسَــاءَ إِذَا أَكْـبَرْنَ إِكْبَـارَا

وزعم أن معناه: إذا حضن .

وقوله: ( وقطعن أيديهن ) ، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك.

فقال بعضهم: معناه: أنهن حَززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترُجّ .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: ( وقطعن أيديهن ) ، حزًّا حزًّا بالسكين.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وقطعن أيديهن ) ، قال: حزًّا حزًّا بالسكاكين.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد

.... قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وقطعن أيديهن ) ، قال: حزًّا حزًّا بالسكين.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( وقطعن أيديهن ) قال: جعل النسوة يحززن أيديهن , يحسبن أنهن يقطعن الأترج.

حدثنا إسماعيل بن سيف , قال: حدثنا علي بن عابس , قال: سمعت السدي يقول: كانت في أيديهن سكاكين مع الأترج , فقطعن أيديهنّ , وسالت الدماء , فقلن: نحن نلومك على حبّ هذا الرجل , ونحن قد قطعنا أيدينا وسالت الدماء !

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد: جعلن يحززن أيديهن بالسكين , ولا يحسبن إلا أنهن يحززن الترنج , قد ذهبت عقولهن مما رأين‍!

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( وقطعن أيديهن ) ، وحززن أيديهن.

حدثني سليمان بن عبد الجبار , قال: حدثنا محمد بن الصلت , قال: حدثنا أبو كدينة , عن حصين , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال: جعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترج.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( وقطعن أيديهن ) ، قال: جعلن يحززن أيديهن , ولا يشعرن بذلك.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قالت ليوسف: ( اخرج عليهن ) ، فخرج عليهن ( فلما رأينه أكبرنه ) , وغلبت عقولهن عجبًا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن، ما يعقلن شيئًا مما يصنعن ( وقلن حاش لله ما هذا بشرًا ) .

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنَّها، وهن لا يشعرن.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال: قطعن أيديهن حتى ألقينَها.

حدثني المثنى , قال: حدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا معمر , عن قتادة , في قوله: ( وقطعن أيديهن ) ، قال: قطعن أيديهن حتى ألقينها.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطَّعن أيديهن وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعًا بإبانة وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنـزيل.

حدثنا محمد بن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن.

حدثنا محمد بن المثنى , قال: حدثنا محمد بن جعفر , قال: حدثنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , مثله .

.... وبه عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: قسم ليوسف وأمه ثلث الحسن.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص , عن عبد الله , قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الخلق.

حدثني أحمد بن ثابت , وعبد الله بن محمد الرازيّان , قالا حدثنا عفان , قال: أخبرنا حماد بن سلمة , قال: أخبرنا ثابت , عن أنس , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: أعطي يوسف وأمه شَطْرَ الحسن .

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن أبي معاذ , عن يونس , عن الحسن , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطي يوسف وأمه ثلث حُسن أهل الدنيا , وأعطي الناس الثلثين أو قال: أعطي يوسف وأمه الثلثين , وأعطي الناس الثلث.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين , فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن , والنصف الآخر بين سائر الخلق.

حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين: فقسم ليوسف وأمه النصف , والنصف لسائر الناس.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , عن ربيعة الجرشي , قال: قسم الحسن نصفين , فجعل ليوسف وسارَة النصف , وجعل لسائر الخلق نصف.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا حكام , عن عيسى بن يزيد , عن الحسن: أعطي يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا , وأعطي الناس الثلثين.

وقوله: ( وقلن حاش لله ) ، اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الكوفيين: ( حَاشَ لِلّهِ ) بفتح الشين وحذف الياء.

وقرأه بعض البصريين بإثبات الياء « حَاشَى لله » .

وفيه لغات لم يقرأ بها: « حَاشَى اللهِ » ، كما قال الشاعر:

حَاشَــى أَبِــي ثَوْبَــانَ إِنَّ بِــهِ ضَنًّــا عَــنِ المَلْحَــاةِ وَالشَّــتْمِ

وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بهذه اللغة: « حَشَى اللهَ » ، و « حاشْ اللهَ » ، بتسكين الشين والألف، يجمع بين الساكنين.

وأما القراءة فإنما هي بإحدى اللغتين الأوليين , فمن قرأ: ( حَاشَ لله ) بفتح الشين وإسقاط الياء، فإنه أراد لغة من قال: « حاشى لله » , بإثبات الياء , ولكنه حذف الياء لكثرتها على ألسن العرب , كما حذفت العرب الألف من قولهم: « لا أب لغيرك » , و « لا أب لشانيك » , وهم يعنون: « لا أبا لغيرك » . و « لا أبا لشانيك » .

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: « حاشى لله » , موضعين في الكلام:

أحدهما: التنـزيه.

والآخر: الاستثناء. وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى التنـزيه لله , كأنه قيل: معاذ الله.

قال أبو جعفر: وأما القول في قراءة ذلك. فإنه يقال: للقارئ الخيار في قراءته بأي القراءتين شاء , إن شاء بقراءة الكوفيين، وإن شاء بقراءة البصريين , وهو: ( حَاشَ لله ) و « حَاشَى لله » ، لأنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد , وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها , لأنا لا نعلم قارئًا قرأ بها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن نمير , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وقلن حاش لله ) ، قال: معاذ الله.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قوله: ( حاش لله ) ، معاذ الله.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( وقلن حاش لله ) : معاذ الله.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: ( حاش لله ) : معاذ الله.

.... قال: حدثنا عبد الوهاب , عن عمرو , عن الحسن: ( حاش لله ) : معاذ الله.

حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا يحيى , عن ابن جريج , عن مجاهد , مثله.

وقوله: ( ما هذا بشرًا ) ، يقول: قلن ما هذا بشرًا , لأنهن لم يرين في حسن صورته من البشر أحدًا , فقلن: لو كان من البشر، لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر , ولكنه من الملائكة لا من البشر، كما:-

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( وقلن حاش لله ما هذا بشرا ) : ما هكذا تكون البشر!

وبهذه القراءة قرأ عامة قرأة الأمصار . وقد: -

حدثت عن يحيى بن زياد الفراء , قال: حدثني دعامة بن رجاء التيمي وكان غَزَّاءً عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأ: « ما هذا بِشِرًى » ، أي ما هذا بمشتري.

يريد بذلك أنهن أنكرن أن يكون مثلُه مستعبدًا يشترى ويُبَاع.

قال أبو جعفر: وهذه القراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع قرأة الأمصار على خلافها. وقد بينا أن ما أجمعت عليه، فغير جائز خلافُها فيه.

وأما « نصب » البشر , فمن لغة أهل الحجاز إذا أسقطوا « الباء » من الخبر نصبوه , فقالوا: « ما عمرو قائمًا » . وأما أهل نجد , فإن من لغتهم رفعه , يقولون: « ما عمرو قائم » ; ومنه قول بعضهم حيث يقول:

لَشَـتَّانَ مَـا أَنْـوِي وَيَنْـوِي بَنُـو أَبِي جَمِيعًــا , فَمَــا هَـذَانِ مُسْـتَوِيَانِ

تَمَنَّـوْا لِـيَ المَـوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى وَكُــلُّ فَتًــى وَالمَــوْتُ يَلْتَقِيَـانِ

وأما القرآن , فجاء بالنصب في كل ذلك , لأنه نـزل بلغة أهل الحجاز.

وقوله: ( إن هذا إلا مَلَك كريمٌ ) ، يقول: قلن ما هذا إلا ملك من الملائكة، كما: -

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( إن هذا إلا ملك كريم ) ، قال: قلن: ملك من الملائكة.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالت امرأة العزيز للنسوة اللاتي قطعن أيديهن , فهذا الذي أصابكن في رؤيتكن إياه، وفي نظرة منكن نظرتن إليه ما أصابكن من ذهاب العقل وعُزوب الفهم وَلَهًا، ألِهتُنّ حتى قطعتن أيديكن، هو الذي لمتنني في حبي إياه، وشغف فؤادي به، فقلتنّ: قد شغف امرأة العزيز فتاها حُبًّا، إنا لنراها في ضلال مبين! ثم أقرّت لهن بأنها قد راودته عن نفسه , وأن الذي تحدثن به عنها في أمره حق فقالت: ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) ، مما راودته عليه من ذلك كما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي , قالت: ( فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) : ، تقول: بعد ما حلّ السراويل استعصى , لا أدري ما بَدَا له.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: ( فاستعصم ) ، أي: فاستعصى.

حدثني علي بن داود , قال: حدثنا عبد الله بن صالح , قال: حدثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله: ( فاستعصم ) ، يقول: فامتنع.

وقوله: ( ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونَن من الصاغرين ) ، تقول: ولئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه من حاجتي إليه ( ليسجنن ) ، تقول: ليحبسن وليكونًا من أهل الصغار والذلة بالحبس والسجن , ولأهينَنَّه

والوقف على قوله: « ليسجنن » ، بالنون، لأنها مشددة , كما قيل: لَيُبَطِّئَنَّ ، [ سورة النساء: 72 ]

وأما قوله: ( وليكونَن ) فإن الوقف عليه بالألف، لأنها النون الخفيفة , وهي شبيهةُ نون الإعراب في الأسماء في قول القائل: « رأيت رجلا عندك » , فإذا وقف على « الرجل » قيل: « رأيتُ رجلا » , فصارت النون ألفًا. فكذلك ذلك في: « وليكونًا » , ومثله قوله: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ ، [ سورة العلق: 15، 16 ] الوقف عليه بالألف لما ذكرت ; ومنه قول الأعشي:

وَصَـلِّ عَـلَى حَينِ العَشَيَّاتِ والضُّحَى وَلا تَعْبُــدِ الشَّـيْطَانَ وَاللـهَ فَـاعْبُدَا

وإنما هو: « فاعبدن » , ولكن إذا وقف عليه كان الوقف بالألف.

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 33 )

قال أبو جعفر: وهذا الخبر من الله يدلُّ على أن امرأة العزيز قد عاودت يوسف في المراودة عن نفسه , وتوعَّدته بالسّجن والحبس إن لم يفعل ما دعته إليه , فاختار السجن على ما دعته إليه من ذلك ; لأنها لو لم تكن عاودته وتوعَّدته بذلك , كان محالا أن يقول: ( ربّ السجن أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه ) ، وهو لا يدعَى إلى شيء، ولا يخوَّف بحبس.

و « السجن » هو الحبس نفسه , وهو بيت الحَبْس.

وبكسر السين قرأه قرأة الأمصار كلها. والعرب تضع الأماكن المشتقة من الأفعال مواضع الأفعال . فتقول: « طلعت الشمس مطلعًا , وغربت مغربًا » , فيجعلونها، وهي أسماء، خلفًا من المصادر , فكذلك « السجن » , فإذا فتحت السين من « السَّجن » كان مصدرًا صحيحًا.

وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرأه: « السَّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ » ، بفتح السين . ولا أستجيز القراءة بذلك، لإجماع الحجة من القرأة على خلافها.

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قال يوسف: يا رب، الحبس في السجن أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه من معصيتك، ويراودنني عليه من الفاحشة، كما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , قال: حدثنا أسباط , عن السدي: ( قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ) : من الزنا.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال يوسف، وأضاف إلى ربه، واستغاثه على ما نـزل به ( رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ) ، أي: السجن أحبّ إليّ من أن آتي ما تكره.

وقوله: ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن ) ، يقول: وإن لم تدفع عني، يا رب، فعلهن الذي يفعلن بي، في مراودتهن إياي على أنفسهن « أصب إليهن » , يقول: أمِلْ إليهن , وأتابعهن على ما يُرِدن مني ويهوَيْن.

من قول القائل: « صَبا فلان إلى كذا » , ومنه قول الشاعر:

إِلَـــى هِنْـــدٍ صَبَـــا قَلْبِــي وَهِنْــــدٌ مِثْلُهَــــا يُصْبِـــي

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( أصب إليهن ) ، يقول: أتابعهن.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( وإلا تصرف عني كيدهن ) ، أي: ما أتخوَّف منهن ( أصب إليهن ) .

حدثني يونس , قال: أخبرنا ابن وهب , قال: قال ابن زيد , في قوله: ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ) ، قال: إلا يكن منك أنت العون والمنعة , لا يكن منّي ولا عندي.

وقوله: ( وأكن من الجاهلين ) ، يقول: وأكن بصبوتي إليهن، من الذين جهلوا حقك، وخالفوا أمرك ونهيك، كما: -

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( وأكن من الجاهلين ) ، أي: جاهلا إذا ركبت معصيتك.

 

القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 )

قال أبو جعفر: إن قال قائل: وما وجه قوله: ( فاستجاب له ربه ) ، ولا مسألةَ تقدَّمت من يوسف لربّه، ولا دعا بصَرْف كيدهنَّ عنه , وإنما أخبر ربه أن السجن أحب إليه من معصيته؟

قيل: إن في إخباره بذلك شكايةً منه إلى ربه مما لقي منهنَّ، وفي قوله: وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ، معنى دعاءٍ ومسألةٍ منه ربَّه صرفَ كيدهِنَّ , ولذلك قال الله تعالى ذكره: ( فاستجاب له ربه ) ، وذلك كقول القائل لآخر: « إن لا تزرني أهنك » , فيجيبه الآخر: « إذن أزورَك » ، لأن في قوله: « إن لا تزرني أهنك » , معنى الأمر بالزيارة.

قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: فاستجاب الله ليوسف دعاءه , فصرف عنه ما أرادت منه امرأة العزيز وصواحباتها من معصية الله، كما: -

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ) ، أي: نجاه من أن يركب المعصية فيهن , وقد نـزل به بعض ما حَذر منهنَّ.

وقوله: ( إنه هو السميع ) ، دعاءَ يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاءَ كل داع من خلقه ( العليم ) ، بمطلبه وحاجته , وما يصلحه , وبحاجة جميع خلقه وما يُصْلحهم.

 

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ( 35 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بدا للعزيز، زوج المرأة التي راودت يوسف عن نفسه.

وقيل: « بدا لهم » , ، وهو واحد , لأنه لم يذكر باسمه ويقصد بعينه , وذلك نظير قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، [ سورة آل عمران: 173 ] ، وقيل: إن قائل ذلك كان واحدًا.

وقيل: معنى قوله: ( ثم بدا لهم ) في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقًا , ورأوا أن يسجنوه ( من بعد ما رأوا الآيات ) ببراءته مما قذفته به امرأة العزيز.

وتلك « الآيات » ، كانت قدَّ القميص من دُبُر , وخمشًا في الوجه , وقَطْعَ أيديهن , كما:-

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن نصر بن عوف , عن عكرمة , عن ابن عباس: ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ) ، قال: كان من الآيات: قدٌّ في القميص، وخمشٌ في الوجه.

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي وابن نمير , عن [ نصر ] , عن عكرمة , مثله.

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ) ، قال: قدُّ القميص من دبر.

حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( من بعد ما رأوا الآيات ) ، قال: قدُّ القميص من دبر.

حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو حذيفة , قال: حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد

.... قال: وحدثنا إسحاق , قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة: ( من بعد ما رأوا الآيات ) ، قال: « الآيات » : حزُّهن أيديهن , وقدُّ القميص.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قال: قدُّ القميص من دبر.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه ) ، ببراءته مما اتهم به، من شق قميصه من دُبر ( ليسجننه حتى حين ) .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي: ( من بعد ما رأوا الآيات ) ، القميصُ , وقطع الأيدي.

وقوله: ( ليسجننه حتى حين ) ، يقول: ليسجننه إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم.

وجعل الله ذلك الحبس ليوسف، فيما ذكر، عقوبةً له من همِّه بالمرأة، وكفارة لخطيئته .

حدثت عن يحيى بن أبي زائدة , عن إسرائيل , عن خصيف , عن عكرمة , عن ابن عباس: ( ليسجننه حتى حين ) ، عثر يوسف عليه السلام ثلاثَ عثرات: حين همَّ بها فسجن. وحين قال: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، فلبث في السجن بضع سنين، وأنساه الشيطان ذكر ربه. وقال لهم: إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ، فقالوا: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ .

وذكر أن سبب حبسه في السجن، كان شكوى امرأة العزيز إلى زوجها أمرَه وأمرَها، كما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي: ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) ، قال: قالت المرأة لزوجها: إن هذا العبدَ العبرانيَّ قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم، ويخبرهم أني راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري , فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر , وإما أن تحبسه كما حبستَني. فذلك قول الله تعالى: ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) .

وقد اختلف أهل العربية في وجه دخول هذه « اللام » في: ( ليسجننه ) .

فقال بعض البصريين: دخلت ههنا، لأنه موضع يقع فيه « أيّ » , فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه دخلته النون , لأن النون تكون في الاستفهام , تقول: « بدا لهم أيّهم يأخذنّ » ، أي: استبان لهم.

وأنكر ذلك بعض أهل العربية فقال: هذا يمين، وليس قوله: « هل تقومن » بيمين , و « لتقومن » ، لا يكون إلا يمينًا.

وقال بعض نحويي الكوفة: « بدا لهم » , بمعنى « : القول » , و « القول » يأتي بكل الكلام، بالقسم وبالاستفهام , فلذلك جاز: « بدا لهم قام زيد » , و « بدا لهم ليقومن » .

وقيل: إن « الحين » في هذا الموضع معنِيٌّ به سبع سنين.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن داود , عن عكرمة: ( ليسجننه حتى حين ) ، قال: سبع سنين.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان فدل بذلك على متروكٍ قد ترك من الكلام، وهو: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ، فسجنوه وأدخلوه السجن ودخل معه فتيان , فاستغنَى بدليل قوله: ( ودخل معه السجن فتيان ) ، على إدخالهم يوسف السجن، من ذكره.

وكان الفتيان، فيما ذكر، غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحبُ شرابه , والآخر صاحبُ طعامه، كما: -

حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: فطرح في السجن يعني يوسف ( ودخل معه السجن فتيان ) , غلامان كانا للملك الأكبر الرّيان بن الوليد , كان أحدهما على شرابه , والآخر على بعض أمره , في سَخْطَةٍ سخطها عليهما , اسم أحدهما « مجلث » والآخر « نبو » , و « نبو » الذي كان على الشراب.

حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة: ( ودخل معه السجن فتيان ) ، قال: كان أحدهما خبازًا للملك على طعامه , وكان الآخر ساقيه على شرابِه.

وكان سبب حبس الملك الفتيين فيما ذكر، ما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: إن الملك غضب على خبَّازه , بلغه أنه يريد أن يسمّه , فحبسه وحبس صاحب شرابه , ظنَّ أنه مالأه على ذلك. فحبسهما جميعًا ; فذلك قول الله: ( ودخل معه السجن فتيان ) .

وقوله: ( قال أحدهما إني أراني أعصر خمرًا ) ، ذكر أن يوسف صلوات الله عليه لما أدخل السجن , قال لمن فيه من المحبَّسين , وسألوه عن عمله: إني أعبُرُ الرؤيا: فقال أحد الفتيين اللذين أدخلا معه السجن لصاحبه: تعال فلنجربه، كما: -

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أسباط , عن السدي , قال: لما دخل يوسف السجن قال: أنا أعبُرُ الأحلام . فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمَّ نجرّب هذا العبد العبرانيّ فتراءَيَا له ! فسألاه، من غير أن يكونا رأيا شيئًا . فقال الخباز: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ وقال الآخر: إني أراني أعصر خمرًا؟

حدثنا ابن وكيع وابن حميد , قالا حدثنا جرير , عن عمارة بن القعقاع , عن إبراهيم , عن عبد الله , قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا , وإنما كانا تحالما ليجرِّبا علمه.

وقال قوم: إنما سأله الفَتَيان عن رؤيا كانا رأياها على صحةٍ وحقيقةٍ , وعلى تصديق منهما ليوسف لعلمه بتعبيرها .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: لما رأى الفتيان يوسف , قالا والله، يا فتى لقد أحببناك حين رأيناك.

.... قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن عبد الله , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: أن يوسف قال لهم حين قالا له ذلك: أنشدكما الله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحدٌ قط إلا دخل عليَّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء , ثم لقد أحبني أبي فدخل عليّ بحبه بلاء , ثم لقد أحبتني زوجةُ صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء , فلا تحباني بارك الله فيكما ! قال: فأبيا إلا حبه وإلفه حيث كان , وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله. وقد كانا رأيا حين أدخلا السجن رؤيا , فرأى « مجلث » أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه , ورأى « نبو » أنه يعصر خمرًا , فاستفتياه فيها، وقالا له: ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) ، إن فعلت.

وعني بقوله: ( أعصر خمرًا ) ، أي: إني أرى في نومي أني أعصر عنبًا . وكذلك ذلك في قراءة ابن مسعود فيما ذكر عنه .

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن أبي سلمة الصائغ , عن إبراهيم بن بشير الأنصاري , عن محمد بن الحنفية قال في قراءة ابن مسعود: « إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا. »

وذكر أن ذلك من لغة أهل عمان , وأنهم يسمون العنب خمرًا .

ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الحسين , قال: سمعت أبا معاذ , يقول: حدثنا عبيد , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( إني أراني أعصر خمرًا ) ، يقول: أعصر عنبًا , وهو بلغة أهل عمان، يسمون العنب خمرًا.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك: ( إني أراني أعصر خمرًا ) ، قال: عنبًا , أرضُ كذا وكذا يدعُون العنب « خمرًا » .

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: ثني حجاج , عن ابن جريج , قال: قال ابن عباس: ( إني أراني أعصر خمرًا ) ، قال: عنبًا.

حدثت عن المسيب بن شريك , عن أبي حمزة , عن عكرمة , قال: أتاه فقال: رأيت فيما يرى النائم أني غرست حَبَلة من عنب، فنبتت , فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ , ثم سقيتهن الملك، فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام , ثم تخرج فتسقيه خمرًا.

وقوله: ( وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله ) ، يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفَتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزًا ; يقول: أحمل على رأسي فوضعت « فوق » مكان « على » ( تأكل الطير منه ) ، يعني: من الخبز.

وقوله: ( نبئنا بتأويله ) ، يقول: أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنَّا رأيناه في منامنا، ويرجع إليه، كما: -

حدثني الحارث , قال: حدثنا القاسم , قال: حدثنا يزيد , عن ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد: ( نبئنا بتأويله ) ، قال: به قال الحارث , قال أبو عبيد: يعني مجاهد أن « تأويل الشيء » ، هو الشيء . قال: ومنه: « تأويل الرؤيا » ، إنما هو الشيء الذي تؤول إليه.

وقوله: ( إنا نراك من المحسنين ) اختلف أهل التأويل في معنى « الإحسان » الذي وصف به الفتيان يوسف.

فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم , ويعزي حزينهم , وإذا احتاج منهم إنسان جَمَع له .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا سعيد بن منصور , قال: حدثنا خلف بن خليفة , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك بن مزاحم , قال: كنت جالسًا معه ببلخ , فسئل عن قوله: ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) ، قال: قيل له: ما كان إحسان يوسف؟ قال: كان إذا مرض إنسان قام عليه , وإذا احتاج جمع له , وإذا ضاق أوْسَع له.

حدثنا إسحاق , عن أبي إسرائيل , قال: حدثنا خلف بن خليفة , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك , قال: سأل رجل الضحاك عن قوله: ( إنا نراك من المحسنين ) ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قامَ عليه , وإذا احتاج جمع له , وإذا ضاق عليه المكان وسَّع له.

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن أبي بكر بن عبد الله , عن قتادة , قوله: ( إنا نراك من المحسنين ) ، قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم , ويعزِّي حزينهم , ويجتهد لربه . وقال: لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم , فطال حزنهم , فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجَروا , إن لهذا أجرًا , إن لهذا ثوابًا. فقالوا: يا فتى، بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك , لقد بورك لنا في جوارك , ما نحبُّ أنَّا كنا في غير هذا منذ حبسنا، لما تخبرنا من الأجر والكفَّارة والطَّهارة , فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله. وكانت عليه محبَّة. وقال له عامل السجن: يا فتى، والله لو استطعت لخلَّيت سبيلك , ولكن سأحسن جِوارك، وأحسن إسارك , فكن في أيِّ بيوت السجن شئت.

حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن خلف الأشجعي , عن سلمة بن نبيط , عن الضحاك في: ( إنا نراك من المحسنين ) ، قال: كان يوسع للرجل في مجلسه , ويتعاهد المرضى.

وقال آخرون: معناه: ( إنا نراك من المحسنين ) ، إذا نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: استفتياه في رؤياهما , وقالا له: ( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) ، إن فعلت.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.

فإن قال قائل: وما وجهُ الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت , وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما، ليست من الخبَر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه، ويحسن إلى من احتاج في شيء , وإنما يقال للرجل: « نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم » , وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم، لا بغيره؟

قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنًا إلينا في إخبارك إيانا بذلك , كما نراك تحسن في سائر أفعالك: ( إنا نراك من المحسنين ) .

 

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ( 37 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ( قال ) يوسف للفتيين اللذين استعبراه الرؤيا: ( لا يأتيكما ) ، أيها الفتيان في منامكما ( طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ) ، في يقظتكما ( قبل أن يأتيكما ) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو , عن أسباط , عن السدي , قال: قال يوسف لهما: ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، في النوم ( إلا نبأتكما بتأويله ) ، في اليقظة.

حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال يوسف لهما: ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، يقول: في نومكما ( إلا نبأتكما بتأويله ) .

ويعنى بقوله ( بتأويله ) : ما يؤول إليه ويصير ما رأيا في منامهما من الطعام الذي رأيا أنه أتاهما فيه.

وقوله: ( ذلكما مما علمني ربي ) ، يقول: هذا الذي أذكر أني أعلمه من تعبير الرؤيا، مما علمني ربى فعلمته ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) وجاء الخبر مبتدأ، أي: تركت ملة قوم , والمعنى: ما ملت، وإنما ابتدأ بذلك، لأن في الابتداء الدليل على معناه.

وقوله: ( إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) ، يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله , ويقرّ بوحدانيته ( وهم بالآخرة هم كافرون ) ، يقول: وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله ، لا يقرّون بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب.

وكُررت « هم » مرتين , فقيل: ( وهم بالآخرة هم كافرون ) ، لما دخل بينهما قوله: ( بالآخرة ) ، فصارت « هم » الأولى كالملغاة , وصار الاعتماد على الثانية , كما قيل: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ سورة النمل: 3/ سورة لقمان: 4 ] ، وكما قيل: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ سورة المؤمنون: 35 ]

فإن قال قائل: ما وجه هذا الخبر ومعناه من يوسف؟ وأين جوابه الفتيين عما سألاه من تعبير رؤياهما، من هذا الكلام؟

قيل له: إن يوسف كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم من مكروه ذلك على أحدهما , فأعرض عن ذكره، وأخذ في غيره، ليعرضا عن مسألته الجوابَ عما سألاه من ذلك.

وبنحو ذلك قال أهل العلم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم , قال: حدثنا الحسين , قال: حدثني حجاج , عن ابن جريج , في قوله: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ، قال: فكره العبارة لهما , وأخبرهما بشيء لم يسألاه عنه ليريهما أن عنده علمًا . وكان الملك إذا أراد قتل إنسان , صنع له طعامًا معلومًا , فأرسل به إليه , فقال يوسف: ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، إلى قوله: يَشْكُرُونَ ، فلم يدَعَاه , فعدل بهما , وكره العبارة لهما. فلم يدعاه حتى يعبر لهما , فعدل بهما وقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، إلى قوله: يَعْلَمُونَ ، فلم يدعاه حتى عبر لهما , فقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ . قالا ما رأينا شيئًا , إنما كنا نلعب ! قال: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ .

قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل الذي تأوله ابن جريج، فقوله: ( لا يأتيكما طعام ترزقانه ) ، في اليقظة لا في النوم، . وإنما أعلمهما على هذا القول أنَّ عنده علم ما يؤول إليه أمر الطعام الذي يأتيهما من عند الملك ومن عند غيره , لأنه قد علم النوعَ الذي إذا أتاهما كان علامةً لقتل من أتاه ذلك منهما , والنوع الذي إذا أتاه كان علامة لغير ذلك , فأخبرهما أنه عنده علم ذلك .

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 )

قال أبو جعفر : يعني بقوله: ( واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) ، واتبعت دينهم لا دين أهل الشرك ( ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ) ، يقول: ما جاز لنا أن نجعل لله شريكًا في عبادته وطاعته ، بل الذي علينا إفراده بالألُوهة والعبادة ( ذلك من فضل الله علينا ) ، يقول: اتباعي ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب على الإسلام ، وتركي ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ، من فضل الله الذي تفضّلَ به علينا ، فأنعم إذ أكرمنا به ( وعلى الناس ) ، يقول: وذلك أيضًا من فضل الله على الناس ، إذ أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ، يقول: ولكن من يكفر بالله لا يشكر ذلك من فضله عليه ، لأنه لا يعلم من أنعم به عليه ولا يعرف المتفضِّل به .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثني علي قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: ( ذلك من فضل الله علينا ) ، أن جعلنا أنبياء ( وعلى الناس ) ، يقول: أن بعثنا إليهم رسلا.

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ) ، ذكر لنا أن أبا الدرداء كان يقول: يا رُبَّ شاكرٍ نعمةِ غيرِ منعم عليه لا يدري، وربّ حامل فقه غيرِ فقيه.

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( 39 )

قال أبو جعفر : ذكر أن يوسف صلوات الله عليه قال هذا القول للفتيين اللذين دخلا معه السجن ، لأن أحدهما كان مشركًا ، فدعاه بهذا القول إلى الإسلام وترك عبادة الآلهة والأوثان ، فقال: ( يا صاحبي السجن ) ، يعني: يا من هو في السجن، وجعلهما « صاحبيه » لكونهما فيه ، كما قال الله تعالى لسكان الجنة: فَـ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وكذلك قال لأهل النار ، وسماهم « أصحابها » لكونهم فيها .

وقوله: ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ، يقول: أعبادة أرباب شتى متفرقين وآلهة لا تنفع ولا تضر، خيرٌ أم عبادة المعبود الواحد الذي لا ثاني له في قدرته وسلطانه ، الذي قهر كل شي فذلـله وسخره، فأطاعه طوعًا وكرهًا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون ) إلى قوله: لا يَعْلَمُونَ ، لما عرف نبيُّ الله يوسف أن أحدهما مقتولٌ، دعاهما إلى حظّهما من ربهما، وإلى نصيبهما من آخرتهما.

حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( يا صاحبي السجن ) يوسفُ يقوله.

... قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام ، فقال: ( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) ، أي: خيرٌ أن تعبدوا إلهًا واحدًا ، أو آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئا؟

 

القول في تأويل قوله تعالى : مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 40 )

قال أبو جعفر : يعنى بقوله: ( ما تعبدون من دونه ) ، ما تعبدون من دون الله .

وقال: ( ما تعبدون ) وقد ابتدأ الخطاب بخطاب اثنين فقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ لأنه قصد المخاطب به، ومن هو على الشرك بالله مقيمٌ من أهل مصر ، فقال للمخاطَب بذلك: ما تعبد أنتَ ومن هو على مثل ما أنت عليه من عبادة الأوثان ( إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ) ، وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة أربابًا ، شركًا منهم، وتشبيهًا لها في أسمائها التي سمَّوها بها بالله ، تعالى عن أن يكون له مثل أو شبيه ( ما أنـزل الله بها من سلطان ) ، يقول: سموها بأسماء لم يأذن لهم بتسميتها ، ولا وضع لهم على أن تلك الأسماء أسماؤها، دلالةً ولا حجةً ، ولكنها اختلاق منهم لها وافتراء .

وقوله: ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ) ، يقول: وهو الذي أمر ألا تعبدوا أنتم وجميعُ خلقه، إلا الله الذي له الألوهة والعبادة خالصةً دون كل ما سواه من الأشياء ، كما:-

حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية ، في قوله: ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا أياه ) ، قال: أسَّسَ الدين على الإخلاص لله وحده لا شريك له.

وقوله: ( ذلك الدين القيم ) ، يقول: هذا الذي دعوتكما إليه من البراءة من عبادة ما سوى الله من الأوثان، وأن تخلصا العبادة لله الواحد القهار ، هو الدِّين القويم الذي لا اعوجاج فيه ، والحقُّ الذي لا شك فيه ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ، يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك ، فلا يعلمون حقيقته .

 

القول في تأويل قوله تعالى : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ( 41 )

قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه، مخبرًا عن قِيل يوسف للذين دخلا معه السجن: ( يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا ) ، هو الذي رأى أنه يعصر خمرًا ، فيسقي ربَّه يعني سيده، وهو ملكهم « خمرا » ، يقول: يكون صاحب شرابه .

حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ، في قوله: ( فيسقي ربه خمرًا ) ، قال: سيده.

وأما الآخر ، وهو الذي رأى أن على رأسه خبزًا تأكل الطير منه « فيصلب فتأكل الطير من رأسه » ، فذكر أنه لما عبَر ما أخبراه به أنهما رأياه في منامهما ، قالا له: ما رأينا شيئًا ! فقال لهما: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) يقول: فُرغ من الأمر الذي فيه استفتيتما ، ووجب حُكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل العلم .

ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال: قال اللذان دخلا السجن على يوسف: ما رأينا شيئًا ! فقال: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) .

حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن عمارة بن القعقاع ، عن إبراهيم ، عن عبد الله: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) ، قال: لما قالا ما قالا أخبرهما ، فقالا ما رأينا شيئا ! فقال: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) .

حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله، في الفتيين اللذين أتيا يوسف والرؤيا، إنما كانا تحالما ليجرّباه، فلما أوَّل رؤياهما قالا إنما كنا نلعب ! قال: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) .

حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن عبد الله قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئًا ، إنما كانا تحالما ليجرّبا علمه، فقال أحدهما: إني أراني أعصر عنبًا! وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه؟ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ! قال: ( يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه ) . فلما عبَّر ، قالا ما رأينا شيئًا! قال: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) ، على ما عبَّر يوسف.

حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال: قال: لمجلث: أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك. وقال لنبو: أما أنت فتردُّ على عملك ، فيرضى عنك صاحبك، ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) أو كما قال.

حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج قال ،قال ابن جريج........... فيه تستفتيان.

حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال: ( قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ) ، عند قولهما: ما رأينا رؤيا إنما كنا نلعب ! قال: قد وقعت الرؤيا على ما أوَّلتُ.

حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله: ( الذي فيه تستفتيان ) ، فذكر مثله.

 

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 )

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف للذي علم أنه ناج من صاحبيه اللذين استعبراه الرؤيا: ( اذكرني عند ربك ) يقول: اذكرني عند سيدك ، وأخبره بمظلمتي، وأني محبوس بغير جُرْم ، كما:-

حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال ،قال يعني لنبو ( اذكرني عند ربك ) : أي اذكر للملك الأعظم مظلمتي وحبسي في غير شيء، قال: أفعل.

حدثنا محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله: ( اذكرني عند ربك ) قال للذي نجا من صاحبي السجن ، يوسف يقول: اذكرني عند الملك.

حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه .

حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ، عن جابر ، عن أسباط: ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ) ، قال: عند ملك الأرض.

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( اذكرني عند ربك ) ، يعني بذلك الملك.

حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ) ، الذي نجا من صاحبي السجن ، يقول يوسف: اذكرني للملك.

حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال أخبرنا العوّام بن حوشب ، عن إبراهيم التيمي: أنه لما انتهى به إلى باب السجن، قال له صاحبٌ له: حاجتَك أوصني بحاجتك ! قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك سوى الربِّ ، قال يوسف.

وكان قتادة يوجِّه معنى « الظن » في هذا الموضع، إلى « الظنِّ » ، الذي هو خلاف اليقين .

حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة: ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ) ، وإنما عبارة الرؤيا بالظن ، فيحقُّ الله ما يشاءُ ويُبْطِل ما يشاء.

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله قتادة، من أن عبارة الرؤيا ظن ، فإن ذلك كذلك من غير الأنبياء . فأما الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنه كائنٌ ثم لا يكون ، أو أنه غير كائن ثم يكون، مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن، لأن ذلك لو جاز عليها في أخبارها، لم يُؤمَن مثل ذلك في كل أخبارها. وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها، سقطت حُجَّتها على من أرسلت إليه . فإذا كان ذلك كذلك، كان غير جائزٍ عليها أن تخبر بخبرٍ إلا وهو حق وصدق . فمعلومٌ، إذ كان الأمر على ما وصفت، أن يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن ، فيقول لأحدهما: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ، ثم يؤكد ذلك بقوله: قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ، عند قولهما: ( لم تر شيئا ) ، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه، أنه كائن لا محالة لا شك فيه. وليقينه بكون ذلك، قال للناجي منهما: ( اذكرني عند ربك ) . فبيِّنٌ إذًا بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة في معنى قوله: ( وقال للذي ظن أنه ناج منهما ) .

وقوله: ( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) وهذا خبرٌ من الله جل ثناؤه عن غفلة عَرَضت ليوسف من قبل الشيطان، نسي لها ذكر ربه الذي لو به استغاث لأسرع بما هو فيه خلاصه ، ولكنه زلَّ بها فأطال من أجلها في السجن حبسَه، وأوجع لها عقوبته، كما:-

حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، عن بسطام بن مسلم ، عن مالك بن دينار قال: لما قال يوسف للساقي: ( اذكرني عند ربك ) ، قال: قيل: يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلا؟ لأطيلن حبسك! فبكى يوسف وقال: يا ربّ، أنسى قلبي كثرة البلوى ، فقلت كلمة ، فويل لإخوتي.

حدثنا الحسن قال ،أخبرنا عبد الرزاق قال ،أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنه يعني يوسف قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية قال ، حدثنا يونس ، عن الح