فهرس تفسير القرطبي للسور

3 - تفسير القرطبي سورة آل عمران

التالي السابق

سورة آل عمران

 

الآيتان : 1 - 2 ( الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم )

 

هذه السورة مدنية بإجماع. وحكى النقاش أن اسمها في التوراة طَيْبة، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وعاصم بن أبي النجود وأبو جعفر الرؤاسي « الم. ألله » بقطع ألف الوصل، على تقدير الوقف على « الم » كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد في نحو واحد، إثنان، ثلاثة، أربعة، وهم واصلون. قال الأخفش سعيد: ويجوز « الم الله » بكسر الميم لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله. قال النحاس: القراءة الأولى قراءة العامة، وقد تكلم فيها النحويون القدماء؛ فمذهب سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين، واختاروا لها الفتح لئلا يجمع بين كسرة وياء وكسرة قبلها. وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لقيتها ألف وصل فحذفت ألف الوصل حركتها بحركة الألف فقلت: الم الله، والم اذكر، والمِ اقتربت. وقال الفراء: الأصل « الم ألله » كما قرأ الرؤاسي فألقيت حركة الهمزة على الميم. وقرأ عمر بن الخطاب « الحي القيام » . وقال خارجة: في مصحف عبدالله « الحي القيم » . وقد تقدم ما للعلماء من آراء في الحروف التي في أوائل السور في أول « البقرة » . ومن حيث جاء في هذه السورة: « الله لا إله إلا هو الحي القيوم » جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها.

 

روى الكسائي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى العشاء فاستفتح « آل عمران » فقرأ « آلم. الله لا إله إلا هو الحي القيام » فقرأ في الركعة الأولى بمائة آية، وفي الثانية بالمائة الباقية. قال علماؤنا: ولا يقرأ سورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه. وقال مالك في المجموعة: لا بأس به، وما هو بالشأن.

قلت: الصحيح جواز ذلك. وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأعراف في المغرب فرقها في ركعتين، خرجه النسائي أيضا، وصححه أبو محمد عبدالحق، وسيأتي.

 

هذه السورة ورد في فضلها آثار وأخبار؛ فمن ذلك ما جاء أنها أمان من الحيات، وكنز للصعلوك، وأنها تحاج عن قارئها في الآخرة، ويكتب لمن قرأ آخرها في ليلة كقيام ليلة، إلى غير ذلك. ذكر الدارمي أبو محمد في مسنده حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني عبيدالله الأشجعي قال: حدثني مسعر قال حدثني جابر، قبل أن يقع فيما وقع فيه، عن الشعبي قال قال عبدالله: ( نِعم كنز الصعلوك سورة « آل عمران » يقوم بها في آخر الليل ) حدثنا محمد بن سعيد حدثنا عبدالسلام عن الجريري عن أبي السليل قال: أصاب رجل دما قال: فأوى إلى وادي مجنة: واد لا يمشي فيه أحد إلا أصابته حية، وعلى شفير الوادي راهبان؛ فلما أمسى قال أحدهما لصاحبه: هلك والله الرجل! قال: فافتتح سورة « آل عمران » قالا: فقرأ سورة طيبة لعله سينجو. قال: فأصبح سليما. وأسند عن مكحول قال: ( من قرأ سورة « آل عمران » يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل ) . وأسند عن عثمان بن عفان قال: ( من قرأ آخر سورة « آل عمران » في ليلة كتب له قيام ليلة ) في طريقه ابن لهيعة. وخرج مسلم عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران ) ، وضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: - كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما حِزْقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما. وخرج أيضا عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البَطَلة ) . قال معاوية: وبلغني أن البطلة السحرة.

 

للعلماء في تسمية « البقرة وآل عمران » بالزهراوين ثلاثة أقوال:

الأول: إنهما النيرتان، مأخوذ من الزّهْر والزُّهْرة؛ فإما لهدايتهما قارئهما بما يزهر له من أنوارهما، أي من معانيهما.

وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة، وهو القول الثاني.

الثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم؛ كما ذكره أبو داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم والتي في آل عمران الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) أخرجه ابن ماجة أيضا. والغمام: السحاب الملتف، وهو الغَيَاية إذا كانت قريباً من الرأس، وهي الظلة أيضا. والمعنى: إن قارئهما في ظل ثوابهما؛ كما جاء ( الرجل في ظل صدقته ) وقوله: ( تحاجان ) أي يخلق الله من يجادل عنه بثوابهما ملائكة كما جاء في بعض الحديث: ( إن من قرأ « شهد الله أنه لا إله إلا هو... » الآية خلق الله سبعين ملكا يستغفرون له إلى يوم القيامة ) . وقوله: ( بينهما شرق ) قيد بسكون الراء وفتحها وهو تنبيه على الضياء، لأنه لما قال: ( سوداوان ) قد يتوهم أنهما مظلمتان، فنفى ذلك. بقوله: ( بينهما شرق ) . ويعني بكونهما سوداوان أي من كثافتهما التي بسببها حالتا بين من تحتهما وبين حرارة الشمس وشدة اللهب والله أعلم.

 

صدر هذه السورة نزل بسبب وفد نجران فيما ذكر محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير، وكانوا نصارى وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ستين راكبا، فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا، في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يرجع أمرهم: العاقب أمير القوم وذو آرائهم واسمه عبدالمسيح، والسيد ثمالهم وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم؛ فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر صلاة العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جُبَب وأرْدية فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة. وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المشرق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( دعوهم ) . ثم أقاموا بها أياما يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ويزعمون أنه ابن الله، إلى غير ذلك من أقوال شنيعة مضطربة، ورسول صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية؛ إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، حسب ما هو مذكور في سيرة ابن إسحاق وغيره.

 

الآية: 3 ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل )

 

قوله تعالى: « نزل عليك الكتاب » يعني القرآن. « بالحق » أي بالصدق وقيل: بالحجة الغالبة. والقرآن نزل نجوما: شيئا بعد شيء؛ فلذلك قال « نَزّلَ » والتنزيل مرة بعد مرة. والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة فلذلك قال « أنزل » والباء في قوله « بالحق » في موضع الحال من الكتاب والباء متعلقة بمحذوف التقدير آتيا بالحق ولا تتعلق بـ « نَزَّلَ » لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر، ولا يتعدى إلى ثالث. و « مصدقا » حال مؤكدة غير منتقلة؛ لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق، أي غير موافق؛ هذا قول الجمهور. وقدر فيه بعضهم الانتقال، على معنى أنه مصدق لنفسه ومصدق لغيره.

 

قوله تعالى: « لما بين يديه » يعني من الكتب المنزلة، « وأنزل التوراة والإنجيل » والتوراة معناها الضياء والنور مشتقة من ورى الزَّنْد ووَرِيَ لغتان إذا خرجت ناره. وأصلها تَوْرَيَة على وزن تفعلة، التاء زائدة، وتحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفا. ويجوز أن تكون تَفْعِلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح كما قالوا في جارية وفي ناصية ناصاة كلاهما عن الفراء. وقال الخليل: أصلها فَوْعَلة فالأصل وَوْرَيَة قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تَوْلَج، والأصل وَوْلج فوعل من وَلَجَت وقلبت الياء ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها. وبناء فَوْعَلة أكثر من تَفْعَلَة. وقيل: التوراة مأخوذة من التورية، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره؛ فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح، هذا قول المؤرج. والجمهور على القول الأول لقوله تعالى: « ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين » [ الأنبياء: 48 ] يعني التوراة. والإنجيل إفعيل من النَّجْل وهو الأصل، ويجمع على أناجيل وتوراة على تَوَار؛ فالإنجيل أصل لعلوم وحكم. ويقال: لعن الله ناجليه، يعني والديه، إذ كانا أصله. وقيل: هو من نجلت الشيء إذا استخرجته؛ فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم؛ ومنه سمي الولد والنسل نجلا لخروجه؛ كما قال:

إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم أصاغرهم وكل فحل لهم نجل

والنجل الماء الذي يخرج من النز. واستنجلت الأرض، وبها نجال إذا خرج منها الماء، فسمي الإنجيل به؛ لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا. وقيل: هو من النجل في العين ( بالتحريك ) وهو سعتها؛ وطعنة نجلاء، أي واسعة؛ قال:

ربما ضربة بسيف صقيل بين بصرى وطعنة نجلاء

فسمي الإنجيل بذلك؛ لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم ونورا وضياء. وقيل: التناجل التنازع؛ وسمي إنجيلا لتنازع الناس فيه. وحكى شمر عن بعضهم: الإنجيل كل كتاب مكتوب وافر السطور. وقيل: نَجَل عمل وصنع؛ قال:

وأنجل في ذاك الصنيع كما نجل

أي أعمل وأصنع. وقيل: التوراة والإنجيل من اللغة السريانية. وقيل: الإنجيل بالسريانية إنكليون؛ حكاه الثعلبي. قال الجوهري: الإنجيل كتاب عيسى عليه السلام يذكر ويؤنث؛ فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب. قال غيره: وقد يسمى القرآن إنجيلا أيضا؛ كما روي في قصة مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: ( يا رب أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي ) . فقال الله تعالى له: ( تلك أمة أحمد ) صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بالأناجيل القرآن. وقرأ الحسن: « والأنجيل » بفتح الهمزة، والباقون بالكسر مثل الإكليل، لغتان. ويحتمل أن سمع أن يكون مما عربته العرب من الأسماء الأعجمية، ولا مثال له في كلامها.

 

الآية: 4 ( من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام )

 

قوله تعالى: « من قبل » يعني القرآن « هدى للناس » قال ابن فورك: التقدير هدى للناس المتقين؛ دليله في البقرة « هدى للمتقين » [ البقرة: 2 ] فرد هذا العام إلى ذلك الخاص. و « هدى » في موضع نصب على الحال. و « الفرقان » القرآن. وقد تقدم.

 

الآية: 5 ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء )

 

هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير. فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلها أو بن إله وهو تخفى عليه الأشياء.

 

الآية: 6 ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم )

 

قوله تعالى: « هو الذي يصوركم » أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات وأصل الرحِم من الرحمة، لأنها مما يتراحم به. واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله؛ فالصورة مائلة إلى شَبَه وهيئة. وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نجران، وأن عيسى من المصَوَّرين، وذلك مما لا ينكره عاقل. وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة « الحج » و « المؤمنون » . وكذلك شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود، على ما يأتي هناك بيانه إن شاء الله تعالى وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة. وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد وفي مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سَنْجر - حديث ( إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة ) . وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح في قوله تعالى: « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى » [ الحجرات: 13 ] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه: أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: ( ينفعك إن حدثتك ) ؟. قال: أسمع بأذني، قال: جئتك أسألك عن الولد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذْكَرا بإذن الله تعالى وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله... ) الحديث. وسيأتي بيانه آخر « الشورى » إن شاء الله تعالى.

 

قوله تعالى: « كيف يشاء » يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة. وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث. فقيل له: وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها أني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال: ( هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ) فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت. والثاني حيث صورت في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام: ( يا رب شقي هو أم سعيد ) فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول: ( يا رب مع الكفر أم مع الإيمان ) فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع حيث يقول: « وامتازوا اليوم أيها المجرمون » [ يس:59 ] فلا أدري في أي الفريقين أكون. ثم قال تعالى: « لا إله إلا هو » أي لا خالق ولا مصور سواه وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور. « العزيز » الذي لا يغالب. « الحكيم » ذو الحكمة أو المحكم، وهذا أخص بما ذكر من التصوير.

 

الآية: 7 ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب )

 

خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم « هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب » قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم ) . وعن أبي غالب قال: كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة؛ فقال: ما هذه الرؤوس؟ قيل: هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة: كلاب النار كلاب النار كلاب النار شر قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ثلاثا - ثم بكى فقلت: ما يبكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمة لهم، ( إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه؛ ثم قرأ « هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات. .. » إلى آخر الآيات. ثم قرأ « ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات... » [ آل عمران: 105 ] . فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ قال نعم. قلت: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني إذا لجريء إني إذا لجريء! بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع، ووضع أصبعيه في أذنيه، قال: وإلا فصُمَّتا - قالها ثلاثا - ) ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار ) .

 

اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة؛ فقال جابر بن عبدالله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: ( المحكمات من أي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور ) .

قلت: هذا أحسن ما قيل في المتشابه. وقد قدمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم ( أن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء... ) الحديث. وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها. وقال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط. وقد قيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: « كتاب أحكمت آياته » [ هود: 1 ] . وقيل: كله متشابه؛ لقوله: « كتابا متشابها » [ الزمر: 23 ] .

قلت: وليس هذا من معنى الآية في شيء؛ فإن قوله تعالى: « كتاب أحكمت آياته » أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله. ومعنى « كتابا متشابها » ، أي يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً. وليس المراد بقوله: « آيات محكمات » « وأخر متشابهات » هذا المعنى؛ وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: « إن البقر تشابه علينا » [ البقرة: 70 ] أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعاً كثيرة من البقر. والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما. فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع؛ والمتشابه هو الفرع. وقال ابن عباس: المحكمات هو قوله في سورة الأنعام « قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم » [ الأنعام:151 ] إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل: « وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا » [ الإسراء 23 ] قال ابن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات. وقال ابن عباس أيضا: ( المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به ) وقال ابن مسعود وغيره: ( المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات ) وقاله قتادة والربيع والضحاك. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه. والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد؛ وقاله مجاهد وابن إسحاق. قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية. قال النحاس: أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره؛ نحو « لم يكن له كفوا أحد » [ الإخلاص: 4 ] « وإني لغفار لمن تاب » [ طه: 82 ] . والمتشابهات نحو « إن الله يغفر الذنوب جميعا » [ الزمر: 53 ] يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: « وإني لغفار لمن تاب » [ طه: 82 ] وإلى قوله عز وجل: « إن الله لا يغفر أن يشرك به » [ النساء: 48 ] .

قلت: ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري على وضع اللسان؛ وذلك أن المحكَم اسم مفعول من أحْكِم، والإحكام الإتقان؛ ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها؛ ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال. والله أعلم. وقال ابن خويز منداد: للمتشابه وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى؛ كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين. فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل ويقولون: ( سورة النساء القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا ) وكان علي وابن عباس يقولان لم تنسخ. وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ. وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه؛ كقوله تعالى: « وأحل لكم ما وراء ذلكم » [ النساء: 24 ] يقتضي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين، وقوله تعالى: « وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف » [ النساء: 23 ] يمنع ذلك. ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقيسة، فذلك المتشابه. وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه. والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا؛ كما قرئ: « وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم » [ المائدة: 6 ] بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانه « في المائدة » إن شاء الله تعالى.

 

روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي. قال: ما هو؟ قال: « فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون » [ المؤمنون: 101 ] وقال: « وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون » [ الصافات: 27 ] وقال: « ولا يكتمون الله حديثا » [ النساء:42 ] وقال: « والله ربنا ما كنا مشركين » [ الأنعام: 23 ] فقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات « أم السماء بناها » إلى قوله « دحاها » [ النازعات: 27 - 28 - 29 - 30 ] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: « أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين... إلى: طائعين » [ فصلت:9، 0 1، 11 ] فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء. وقال: « وكان الله غفورا رحيما » [ النساء: 100 ] « وكان الله عزيزا حكيما » [ النساء: 158 ] . « وكان الله سميعا بصيرا » [ النساء:134 ] فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس: ( « فلا أنساب بينهم » في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون؛ ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: « ما كنا مشركين » « ولا يكتمون الله حديثا » فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين؛ فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم؛ فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين؛ فذلك قوله: « والأرض بعد ذلك دحاها » . فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين. وقوله: « وكان الله غفورا رحيما » يعني نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك؛ فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد. ويحك فلا يختلف عليك القرآن؛ فإن كلا من عند الله ) .

 

قوله تعالى: « وأخر متشابهات » لم تصرف « أُخر » لأنها عدلت عن الألف واللام؛ لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر؛ فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منعت الصرف. أبو عبيد: لم يصرفوها لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش. الكسائي: لم تنصرف لأنها صفة. وأنكره المبرد أيضا وقال: إن لبداً وحطماً صفتان وهما منصرفان. سيبويه: لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة، ألا ترى أن سَحَرَ معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر، وأمْسِ في قول من قال: ذهب أمس معدولا عن الأمس؛ فلو كان أخر معدولا أيضا عن الألف واللام لكان معرفة، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة.

 

قوله تعالى: « فأما الذين في قلوبهم زيغ » الذين رفع بالابتداء، والخبر « فيتبعون ما تشابه منه » . والزيغ الميل؛ ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار. ويقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد؛ ومنه قوله تعالى: « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم » [ الصف: 5 ] . وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: « فأما الذين في قلوبهم زيغ » : إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم.

قلت: قد مر هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعا، وحسبك.

 

قوله تعالى: « فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله » قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن؛ أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال.

فهذه أربعة أقسام:

( الأول ) لا شك في كفرهم، وإن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. ( الثاني ) الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد.

( الثالث ) اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها. وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون أمروها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها.

( الرابع ) الحكم فيه الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ. وقال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل. فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء؛ فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبدالله صبيغ. فقال عمر رضي الله عنه: وأنا عبدالله عمر؛ ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي. وقد اختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في « الذاريات » . ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته. ومعنى « ابتغاء الفتنة » طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ويردوا الناس إلى زيغهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى « ابتغاء تأويله » أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: « هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله » أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب « يقول الذين نسوه من قبل » أي تركوه - « قد جاءت رسل ربنا بالحق » [ الأعراف: 53 ] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل قال: فالوقف على قوله تعالى: « وما يعلم تأويله إلا الله » أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله.

 

قوله تعالى: « وما يعلم تأويله إلا الله » يقال: إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أحطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك « آلم » فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة؛ لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فنزل « وما يعلم تأويله إلا الله » . والتأويل يكون بمعنى التفسير، كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا. ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه. واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه، أي صار. وأولته تأويلا أي صيرته. وقد حده بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ؛ كقوله « لا ريب فيه » [ البقرة: 2 ] أي لا شك. وأصله من الفسر وهو البيان؛ يقال: فسرت الشيء ( مخففا ) أفسره ( بالكسر ) فسرا. والتأويل بيان المعنى؛ كقوله لا شك فيه عند المؤمنين أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك. وكقول ابن عباس في الجد أبا، لأنه تأول قول الله عز وجل: « يا بني آدم » .

 

قوله تعالى: « والراسخون في العلم » اختلف العلماء في « والراسخون في العلم » هل هو ابتداء كلام مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع. فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأن الكلام تم عند قوله « إلا الله » هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم، وهو مذ هب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم. قال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة. وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم « آمنا به كل من عند ربنا » . وقال مثل هذا عمر بن عبدالعزيز، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. و « يقولون » على هذا خبر « الراسخون » . قال الخطابي: وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين: محكما ومتشابها؛ فقال عز من قائل: « هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات... إلى قوله: كل من عند ربنا » فأعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحد غيره، ثم أثنى الله عز وجل على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به. ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه. ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: « وما يعلم تأويله إلا الله » وأن ما بعده استئناف كلام آخر، وهو قوله « والراسخون في العلم يقولون آمنا به » . وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة. وإنما روي عن مجاهد أنه نسق « الراسخون » على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه. واحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا؛ وزعم أن موضع « يقولون » نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل؛ فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال؛ ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبدالله راكبا، بمعنى أقبل عبدالله راكبا؛ وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبدالله يتكلم يصلح بين الناس؛ فكان « يصلح » حالا له؛ كقول الشاعر - أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب - :

أرسلت فيها قطما لكالكا يقصر يمشي ويطول باركا

أي يقصر ماشيا؛ فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك. ألا ترى قوله عز وجل: « قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله » [ النمل: 65 ] وقوله: « لا يجليها لوقتها إلا هو » [ الأعراف: 187 ] وقوله: « كل شيء هالك إلا وجهه » [ القصص: 88 ] ، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره. وكذلك قوله تبارك وتعالى: « وما يعلم تأويله إلا الله » . ولو كانت الواو في قوله: « والراسخون » للنسق لم يكن لقوله: « كل من عند ربنا » فائدة. والله أعلم.

قلت: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به؛ وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم. و « يقولون » على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين؛ كما قال:

الريح تبكي شجوها والبرق يلمع في الغمامه

وهذا البيت يحتمل المعنيين؛ فيجوز أن يكون « والبرق » مبتدأ، والخبر « يلمع » على التأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله. ويجوز أن يكون معطوفا على الريح، و « يلمع » في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا. واحتج قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم؛ فكيف يمدحهم وهم جهال وقد قال ابن عباس: ( أنا ممن يعلم تأويله ) وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله؛ حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي.

قلت: وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال: وتقدير تمام الكلام « عند الله » أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه. فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: ( لا أدري ما الأواه ولا ما غسلين ) قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه. وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر. ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك؛ وفي قوله عليه السلام لابن عباس: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على هذا يكون عند قوله « والراسخون في العلم » . قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح؛ فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب. وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع!. لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره. فمن قال من العلماء الحداق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم؛ كقوله في عيسى: « وروح منه » [ النساء: 171 ] إلى غير ذلك. فلا يسمى أحد راسخا إلا أن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له. وأما من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل؛ لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح.

والرسوخ: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ. وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض؛ قال الشاعر:

لقد رسخت في الصدر مني مودة لليلى أبت آياتها أن تغيرا

ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا. وحكى بعضهم: رسخ الغدير: نضب ماؤه؛ حكاه ابن فارس فهو من الأضداد. ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال: ( هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه ) . فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: « وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم » [ النحل: 44 ] فكيف لم يجعله كله واضحا؟ قيل له: الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء؛ لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض. وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا، ويترك للجثوة موضعا؛ لأن ما هان وجوده قل بهاؤه. والله أعلم.

 

قوله تعالى: « كل من عند ربنا » فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه؛ والتقدير: كله من عند ربنا. وحذف الضمير لدلالة « كل » عليه؛ إذ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: « وما يذكر إلا أولوا الألباب » أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب، وهو العقل. ولب كل شيء خالصه؛ فلذلك قيل للعقل لب. و « أولو » جمع ذو.

 

الآية: 8 ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب )

 

قوله تعالى: « ربنا لا تزغ قلوبنا » في الكلام حذف تقديره يقولون. وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد، ويقال: إزاغة القلب فساد وميل عن الدين، أفكانوا يخافون وقد هدوا أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال فيعجزوا عنه؛ نحو « ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم... » [ النساء: 66 ] . قال ابن كيسان: سألوا ألا يزيغوا فيزيغ الله قلوبهم؛ نحو « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم... » [ الصف: 5 ] أي ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ قلوبنا. وقيل: هو منقطع مما قبل؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ. عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت هي وأهل الزيغ. وفي الموطأ عن أبي عبدالله الصنابحي أنه قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية « ربنا لا تزغ قلوبنا » الآية. قال العلماء: قراءته بهذه الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردة. والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم، وفي كل صلاة أيضا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم. وروى الترمذي من حديث شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) . فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قال: ( يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ ) . فتلا معاذ « ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا » . قال: حديث حسن. وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم: إن الله لا يضل العباد. ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعى في دفع ما لا يجوز عليه فعله. وقرأ أبو واقد الجراح « لا تزغ قلوبنا » بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه رغبة إلى الله تعالى. ومعنى الآية على القراءتين ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ.

 

قوله تعالى: « وهب لنا من لدنك رحمة » أي من عندك ومن قبلك تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل. وفي هذا استسلام وتطارح. وفي « لدن » أربع لغات: لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون، وهي أفصحها، وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون؛ وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون؛ وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون. ولعل جهال المتصوفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه الله ابتداء من غير كسب، والنظر في الكتب والأوراق حجاب. وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع. ومعنى الآية: هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة، لأن الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصور فيها الهبة. يقال: وَهب يَهَب والأصل يوهب بكسر الهاء. ومن قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو كما لم تحذف في يَوْجَل. وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق.

 

الآية: 9 ( ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد )

 

أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون وأقروا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه. والريب الشك، وقد تقدمت محامله في البقرة. والميعاد مفعال من الوعد.

 

الآية: 10 ( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار )

 

معناه بَيِّن، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا. وقرأ السلمي « لن يغني » بالياء لتقدم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل. وقرأ الحسن « يُغْني » بالياء وسكون الياء الآخرة للتخفيف؛ كقول الشاعر:

كفى باليأس من أسماء كافي وليس لسقمها إذ طال شافي

وكان حقه أن يقول كافيا، فأرسل الياء. وأنشد الفراء في مثله:

كأن أيديهن بالقاع القَرِقْ أيدي جوار يتعاطين الوَرِق

القَرِقُ والقَرِقَة لغتان في القاع. و « من » في قوله « من الله » بمعنى عند؛ قاله أبو عبيدة. « أولئك هم وقود النار » والوقود اسم للحطب، وقد تقدم في « البقرة » . وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف « وقود » بضم الواو على حذف مضاف تقديره حطب وقود النار. ويجوز في العربية إذا ضم الواو أن تقول أقود مثل أُقتت. والوقود بضم الواو المصدر؛ وقدت النار تقد إذا اشتعلت. وخرج ابن المبارك من حديث العباس بن عبدالمطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرؤون القرآن فإذا قرؤوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئكم من خير ) ؟ قالوا لا. قال: ( أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار ) .

 

الآية: 11 ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب )

 

الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله يدأب دأبا ودؤوبا إذا جد واجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب بعيره إذا جهده في السير. والدائبان الليل والنهار. قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر « كدأب » بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غليم: على أي شيء يجوز « كدأب » ؟ فقلت له: أظنه من دَئِب يدْأَب دَأَبا. فقبل ذلك مني وتعجب من جودة تقديري على صغري؛ ولا أدري أيقال أم لا. قال النحاس: « وهذا القول خطأ، لا يقال البتة دَئِب؛ وإنما يقال: دَأَب يدْأَب دُؤوبا ودَأْبا؛ هكذا حكى النحويون، منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر؛ كما قال امرؤ القيس: »

كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل

فأما الدَّأَب فإنه يجوز؛ كما يقال: شَعْر وشَعَر ونَهْر ونَهَر؛ لأن فيه حرفا من « حروف الحلق » . واختلفوا في الكاف؛ فقيل: هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون، أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى. وزعم الفراء أن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة. وقيل: هي متعلقة بـ « أخذهم الله » ، أي أخذهم أخذا كما أخذ آل فرعون. وقيل: هي متعلقة بقوله « لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم... » [ آل عمران: 10 ] أي لم تغن عنهم غناء كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا. ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى « ... وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب » [ المؤمن: 46 ] . والقول الأول أرجح، واختاره غير واحد من العلماء. قال ابن عرفة: « كدأب آل فرعون » أي كعادة آل فرعون. يقول: اعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبي صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء؛ وقال معناه الأزهري. فأما قوله في سورة ( الأنفال ) « كدأب آل فرعون » فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق والهلاك. « بآياتنا » يحتمل أن يريد الآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية. « فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب » .

 

الآية: 12 ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد )

 

يعني اليهود، قال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود فقال: ( يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم ) ، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك قتلت أقواما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل الله تعالى: « قل للذين كفروا ستغلبون » بالتاء يعني اليهود: أي تهزمون « وتحشرون إلى جهنم » في الآخرة. فهذه رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس. وفي رواية أبي صالح عنه أن اليهود لما فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد نزلت. فالمعنى على هذا « سيغلبون » بالياء، يعني قريشا، « ويحشرون » بالياء فيهما، وهي قراءة نافع. « وبئس المهاد » يعني جهنم؛ هذا ظاهر الآية. وقال مجاهد: المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى: بئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم.

 

الآية: 13 ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار )

 

قوله تعالى: « قد كان لكم آية » أي علامة. وقال « كان » ولم يقل « كانت » لأن « آية » تأنيثها غير حقيقي. وقيل: ردها إلى البيان، أي قد كان لكم بيان؛ فذهب إلى المعنى وترك اللفظ؛ كقول امرئ القيس:

برهرهة رؤدة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر

ولم يقل المنفطرة؛ لأنه ذهب إلى القضيب. وقال الفراء: ذكره لأنه فرق بينهما بالصفة، فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذكر الفعل. وقد مضى هذا المعنى في البقرة في قوله تعالى: « كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية » [ البقرة: 180 ]

 

قوله تعالى: « في فئتين التقتا » يعني المسلمين والمشركين يوم بدر « فئة » قرأ الجمهور « فئة » بالرفع، بمعنى إحداهما فئة. وقرأ الحسن ومجاهد « فئة » بالخفض « وأخرى كافرة » على البدل. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال أحمد بن يحيى: ويجوز النصب على الحال، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة. قال الزجاج: النصب بمعنى أعني. وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها، أي يرجع إليها في وقت الشدة. وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فَأَوْتُ رأسه بالسيف - ويقال: فأيته - إذا فلقته. ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر. واختلف من المخاطب بها؛ فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة؛ وبكل احتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع.

 

قوله تعالى: « يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار » قال أبو علي الرؤية في هذه الآية رؤية عين؛ ولذلك تعدت إلى مفعول واحد. قال مكي والمهدوي: يدل عليه « رَأْيَ العين » . وقرأ نافع « ترونهم » بالتاء والباقون بالياء. « مثليهم » نصب على الحال من الهاء والميم في « ترونهم » . والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ « ترونهم » بالتاء؛ قال: ولو كان كذلك لكان مثليكم. قال النحاس « وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مثلي أصحابكم. قال مكي: « ترونهم » بالتاء جرى على الخطاب في » لكم « فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: » حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم « [ يونس: 22 ] ، وقوله تعالى: » وما آتيتم من زكاة « [ الروم: 39 ] فخاطب ثم قال: » فأولئك هم المضعفون « [ الروم: 39 ] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في « مثليهم » يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد؛ وهو بعيد في المعنى؛ لأن الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم فينفذ حكم الله فيهم. ويحتمل أن يكون الضمير في « مثليهم » للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثلي عددكم؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأول أولى؛ يدل عليه قوله تعالى: » إذ يريكهم الله في منامك قليلا « [ الأنفال: 43 ] وقوله: » وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا « [ الأنفال:44 ] وروي عن ابن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين. وضعف الطبري هذا القول. قال ابن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم. وعلى هذا التأويل كان يكون » ترون « للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدم. وزعم الفراء أن المعنى ترونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم. وهو بعيد غير معروف في اللغة. قال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساويا له، ونعقل مثله ما يساويه مرتين. قال ابن كيسان: وقد بين الفراء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبد: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قاله، واللغة. والذي أوقع الفراء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر؛ فتوهم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عدتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك، لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأما قراءة الياء فقال ابن كيسان: الهاء والميم في » يرونهم « عائدة على » وأخرى كافرة « والهاء والميم في « مثليهم » عائدة على » فئة تقاتل في سبيل الله « وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: » يؤيد بنصره من يشاء « . فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكي: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقللهم الله في أعينهم على ما تقدم. والخطاب في » لكم « لليهود. وقرأ ابن عباس وطلحة » تُروهم « بضم التاء، والسلمي بالتاء المضمومة على ما لم يسم فاعله. » والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار « تقدم معناه والحمد لله.»

 

الآية: 14 ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب )

 

قوله تعالى: « زين للناس » زين من التزيين واختلف الناس من المزين؛ فقالت فرقة: الله زين ذلك؛ وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره البخاري. وفي التنزيل: « إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها » [ الكهف: 7 ] ؛ ولما قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا! نزلت: « قل أأنبئكم بخير من ذلكم » [ آل عمران: 15 ] وقالت فرقة: المزين هو الشيطان؛ وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: من زينها؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها. فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء. وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم. وقرأ الجمهور « زُيِّن » على بناء الفعل للمفعول، ورفع « حُبُّ » . وقرأ الضحاك ومجاهد « زَيَّن » على بناء الفعل للفاعل، ونصب « حُبَّ » وحركت الهاء من « الشهوات » فرقا بين الاسم والنعت. والشهوات جمع شهوة وهي معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشيء شهي أي مشتهى واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة. وفي صحيح مسلم: ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها. وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة... ) ؛ وهو معنى قوله ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) . أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة، وهو معنى قوله ( سهل بسهوة ) وهو بالسين المهملة.

 

قوله تعالى: « من النساء » بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن؛ لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء ) أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء. ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات. والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام. وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. وروى عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب ) . حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال، وليس في ذلك تحصين لهن ولا ستر؛ لأنهن قد يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة والبلاء، ولأنهن قد خلقن من الرجل؛ فهمتها في الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له؛ فغير مأمون كل واحد منهما على صاحبه. وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد. وفي كتاب الشهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أعروا النساء يلزمن الحجال ) . فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم له الدين؛ قال صلى الله عليه وسلم: ( عليك بذات الدين تربت يداك ) أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي سنن ابن ماجة عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل ) .

 

قوله تعالى: « والبنين » عطف على ما قبله. وواحد من البنين ابن. قال الله تعالى مخبرا عن نوح: ( إن ابني من أهلي ) . وتقول في التصغير « بني » كما قال لقمان. وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأشعث بن قيس: ( هل لك من ابنة حمزة من ولد ) ؟ قال: نعم، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني جبلة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لئن قلت بذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة ) .

 

قوله تعالى: « والقناطير » القناطير جمع قنطار، كما قال تعالى: « وآتيتم إحداهن قنطارا » [ النساء: 20 ] وهو العقدة الكبيرة من المال، وقيل: هو اسم للمعيار الذي يوزن به؛ كما هو الرطل والربع. ويقال لما بلغ ذلك الوزن: هذا قنطار، أي يعدل القنطار. والعرب تقول: قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار. وقال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه؛ تقول العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته؛ ومنه سميت القنطرة لإحكامها. قال طرفة:

كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد

والقنطرة المعقودة؛ فكأن القنطار عقد مال. واختلف العلماء في تحرير حده كم هو على أقوال عديدة؛ فروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ) ؛ وقال بذلك معاذ بن جبل وعبدالله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء. قال ابن عطية: وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية. وقيل: اثنا عشر ألف أوقية؛ أسنده البستي في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « القنطار اثنا عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض » . وقال بهذا القول أبو هريرة أيضا. وفي مسند أبي محمد الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال: « من قرأ في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر » قيل: وما القنطار؟ قال: « ملء مسك ثور ذهبا » . موقوف؛ وقال به أبو نضرة العبدي. وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية. وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه هكذا بلغة الروم. وقال ابن عباس والضحاك والحسن: ألف ومائتا مثقال من الفضة؛ ورفعه الحسن. وعن ابن عباس: اثنا عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ألف دينار دية الرجل المسلم؛ وروى عن الحسن والضحاك. وقال سعيد بن المسيب: ثمانون ألفا. قتادة: مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة. وقال أبو حمزة الثمالي: القنطار بإفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة. السدي: أربعة آلاف مثقال. مجاهد: سبعون ألف مثقال؛ وروي عن ابن عمر. وحكى مكي قولا أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة؛ وقاله ابن سيده في المحكم، وقال: القنطار بَرْبَرْ ألف مثقال. وقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض؛ وهذا هو المعروف عند العرب، ومنه قوله: « وآتيتم إحداهن قنطارا » أي مالا كثيرا. ومنه الحديث: ( إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه ) أي صار له قنطار من المال. وعن الحكم هو ما بين السماء والأرض. واختلفوا في معنى « المقنطرة » فقال الطبري وغيره: معناه المضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع. وروى عن الفراء أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير. السدي: المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم. مكي: المقنطرة المكملة؛ وحكاه الهروي؛ كما يقال: بدر مبدرة، وآلاف مؤلفة. وقال بعضهم. ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض. ابن كيسان والفراء: لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير. وقيل: المقنطرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا. وفي صحيح البستي عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرين ) .

 

قوله تعالى: « من الذهب والفضة » الذهب مؤنثة؛ يقال: هي الذهب الحسنة جمعها ذهاب وذُهوب. ويجوز أن يكون جمع ذَهْبَة، ويجمع على الأذهاب. وذهب فلان مذهبا حسنا. والذهب: مكيال لأهل اليمن. ورجل ذَهِب إذا رأى معدن الذهب فدهش. والفضة معروفة، وجمعها فضض. فالذهب مأخوذة من الذهاب، والفضة مأخوذة من انفض الشيء تفرق؛ ومنه فَضَضْت القوم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا. وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود. ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:

النار آخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري

والمرء بينهما إن كان ذا ورع معذب القلب بين الهم والنار

 

قوله تعالى: « والخيل » الخيل مؤنثة. قال ابن كيسان: حدثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، مثل طائر وطير، وضائن وضين؛ وسمي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وقال غيره: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، واحد فرس، كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحوها. وفي الخبر من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح ) . وهب بن منبه: خلقها من ريح الجنوب. قال وهب: فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها. وسيأتي لذكر الخيل ووصفها في سورة « الأنفال » ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. وفي الخبر: ( إن الله عرض على آدم جميع الدواب، فقيل له: اختر منها واحدا فاختار الفرس؛ فقيل له: اخترت عزك ) ؛ فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسميت خيلا لأنها موسومة بالعز فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطا وتناولا، وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي، فصار له نحلة من الله تعالى فسمي عربيا. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق ) . وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية ) . أخرجه الترمذي عن أبي قتادة. وفي مسند الدارمي عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري؟ قال: ( اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم ) . وروى النسائي عن أنس قال: لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل. وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر... ) الحديث بطوله، شهرته أغنت عن ذكره. وسيأتي ذكر أحكام الخيل في « الأنفال » و « النحل » بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى.

 

قوله تعالى: « المسومة » يعني الراعية في المروج والمسارح؛ قاله سعيد بن جبير. يقال: سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة. وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة. وسومتها تسويما فهي مسومة. وفي سنن ابن ماجة عن علي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السوم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات الدر. السوم هنا في معنى الرعي. وقال الله عز وجل: « فيه تسيمون »

[ النحل:10 ] قال الأخطل:

مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمال

أراد ابن راعية الإبل. والسوام: كل بهيمة ترعى، وقيل: المعدة للجهاد؛ قاله ابن زيد. مجاهد: المسومة المطهمة الحسان. وقال عكرمة: سومها الحسن؛ واختاره النحاس، من قولهم: رجل وسيم. وروي عن ابن عباس أنه قال: المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها، من السيما وهي العلامة. وهذا مذهب الكسائي وأبي عبيدة.

قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من غيرها. قال أبو زيد: أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى. وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله: المسومة المرسلة وعليها ركبانها. وقال المؤرج: المسومة المكوية، المبرد: المعروفة في البلدان. ابن كيسان: البلق. وكلها متقارب من السيما. قال النابغة:

وضمر كالقداح مسومات عليها معشر أشباه جن

 

قوله تعالى: « والأنعام » قال ابن كيسان: إذا قلت نعم لم تكن إلا للإبل، فإذا قلت أنعام وقعت للإبل وكل ما يرعى. قال الفراء: هو مذكر ولا يؤنث؛ يقولون هذا نعم وارد، ويجمع أنعاما. قال الهروي: والنعم يذكر ويؤنث، والأنعام المواشي من الإبل والبقر والغنم؛، إذا قيل: النعم فهو الإبل خاصة. وقال حسان:

وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء

وفي سنن ابن ماجة عن عروة البارقي يرفعه قال: ( الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة ) . وفيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الشاة من دواب الجنة ) . وفيه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال: عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى. وفيه عن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ( اتخذي غنما فإن فيها بركة ) . أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ، إسناد صحيح.

 

قوله تعالى: « والحرث » الحرث هنا اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به؛ تقول: حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة؛ فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة. وفي الحديث: ( احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ) . يقال حرثت واحترثت. وفي حديث عبدالله ( احرثوا هذا القرآن ) أي فتشوه. قال ابن الأعرابي: الحرث التفتيش؛ وفي الحديث: ( أصدق الأسماء الحارث ) لأن الحارث هو الكاسب، واحتراث المال كسبه، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس، والجمع أحرثة، وأحرث الرجل ناقته أهزلها. وفي حديث معاوية: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: حرثناها يوم بدر. قال أبو عبيد: يعنون هزلناها؛ يقال: حرثت الدابة وأحرثتها، لغتان. وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل ) . قيل: إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات؛ وذلك لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها؛ فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة. ألا ترى أن عمر قال: تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأمل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ) .

قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس؛ أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق. فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول، فأما النساء والبنون ففتنة للجميع.

 

قوله تعالى: « ذلك متاع الحياة الدنيا » أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى. وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. روى ابن ماجة وغيره عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة ) . وفي الحديث: ( إزهد في الدنيا يحبك الله ) أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري. قال صلى الله عليه وسلم: ( ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء ) أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب. وسئل سهل بن عبدالله: بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أمر به.

 

قوله تعالى: « والله عنده حسن المآب » ابتداء وخبر. والمآب المرجع؛ آب يؤوب إيابا إذا رجع؛ قال يؤوب إيابا إذا رجع؛ قال امرؤ القيس:

وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب

وقال آخر:

وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب

وأصل مآب مأوب، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال. ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة.

 

الآية: 15 ( قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد )

 

منتهى الاستفهام عند قوله: « من ذلكم » ، « للذين اتقوا » خبر مقدم، و « جنات » رفع بالابتداء. وقيل: منتهاه « عند ربهم » ، و « جنات » على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات. ويجوز على هذا التأويل « جنات » بالخفض بدلا من « خير » ولا يجوز ذلك على الأول. قال ابن عطية: وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه السلام: ( تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) خرجه مسلم وغيره. فقوله ( فاظفر بذات الدين ) مثال لهذه الآية. وما قبل مثال للأولى. فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها. وقد تقدم في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية. والرضوان مصدر من الرضا، وهو أنه إذا دخل أهل الجنة يقول الله تعالى لهم ( تريدون شيئا أزيدكم ) ؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: ( رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدأ ) خرجه مسلم. وفي قوله تعالى: « والله بصير بالعباد » وعد ووعيد.

 

الآيتان: 16 - 17 ( الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار )

 

« الذين » بدل من قوله « للذين اتقوا » وإن شئت كان رفعا أي هم الذين، أو نصبا على المدح. « ربنا » أي يا ربنا. « إننا آمنا » أي صدقنا. « فاغفر لنا ذنوبنا » دعاء بالمغفرة. « وقنا عذاب النار » تقدم في البقرة. « الصابرين » يعني عن المعاصي والشهوات، وقيل: على الطاعات. « والصادقين » أي في الأفعال والأقوال « والقانتين » الطائعين. « والمنفقين » يعني في سبيل الله. وقد تقدم في البقرة هذه المعاني على الكمال. ففسر تعالى في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات.

 

واختلف في معنى قوله تعالى: « والمستغفرين بالأسحار » فقال أنس بن مالك: هم السائلون المغفرة. قتادة: المصلون.

قلت: ولا تناقض، فإنهم يصلون ويستغفرون. وخص السحر بالذكر لأنه مظان القبول ووقت إجابة الدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام لبنيه: « سوف أستغفر لكم ربي » [ يوسف: 98 ] : ( أنه أخر ذلك إلى السحر ) خرجه الترمذي وسيأتي. وسأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ( أي الليل أسمع ) ؟ فقال: ( لا أدري غير أن العرش يهتز عند السحر ) . يقال سحر وسحر، بفتح الحاء وسكونها، وقال الزجاج: السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني، وقال ابن زيد: السحر هو سدس الليل الآخر.

قلت: أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر ) في رواية « حتى ينفجر الصبح » لفظ مسلم. وقد اختلف في تأويله؛ وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغر يغفر له هل من سائل يعطى ) . صححه أبو محمد عبدالحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال، وأن الأول من باب حذف المضاف، أي ينزل ملك ربنا فيقول. وقد روى « ينزل » بضم الياء، وهو يبين ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. وقد أتينا على ذكره في « الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى » .

مسألة: الاستغفار مندوب إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال: « وبالأسحار هم يستغفرون » [ الذاريات: 18 ] . وقال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة. وقال سفيان الثوري: بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد ليقِم القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر، فإذا كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرون فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرشهم كالموتى نشروا من قبورهم. وروي عن أنس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله يقول إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم ) . قال مكحول: إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله كل يوم خمسا وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأمة بعذاب العامة. وذكره أبو نعيم في كتاب الحلية له. وقال نافع: كان ابن عمر يحيى الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول لا. فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر. وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد يقول: يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود.

قلت: فهذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب. لا ما قال ابن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة. والله أعلم. وقال لقمان لابنه: ( يا بني لا يكن الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم ) . والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شداد بن أوس، وليس له في الجامع غيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت - قال - ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة ) . وروى أبو محمد عبدالغني بن سعيد من حديث ابن لهيعة عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال: ( ألا أعلمك كلمات تقولهن لو كانت ذنوبك كمدب النمل - أو كمدب الذر - لغفرها الله لك على أنه مغفور لك: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) .

 

الآية: 18 ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم )

 

قال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت هذه الآية خررن سجدا. وقال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام؛ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان. فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال ( نعم ) . قالا: وأنت أحمد؟ قال: ( نعم ) . قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سلاني ) . فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم « شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط » فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن المراد بأولي العلم الأنبياء عليهم السلام. وقال ابن كيسان: المهاجرون والأنصار. مقاتل: مؤمنو أهل الكتاب. السدي والكلبي: المؤمنون كلهم؛ وهو الأظهر لأنه عام.

 

في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم: « وقل رب زدني علما » [ طه: 114 ] . فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن العلماء ورثة الأنبياء ) . وقال: ( العلماء أمناء الله على خلقه ) . وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير. وخرج أبو محمد عبدالغني الحافظ من حديث بركة بن نشيط - وهو عنكل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط - وكان حافظا، حدثنا عمر بن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدثنا عنكل حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( العلماء ورثة الأنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة ) وفي هذا الباب حديث عن أبي الدرداء خرجه أبو داود.

 

روى غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش فكنت أختلف إليه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآية: « شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام » [ آل عمران: 18 - 19 ] ، قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، وإن الدين عند الله الإسلام - قالها مرارا - فغدوت إليه وودعته ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. قال: والله لا حدثتك به سنة. قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل، عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى أدخلوا عبدي الجنة ) . قال أبو الفرج الجوزي: غالب القطان هو غالب بن خطاف القطان، يروي عن الأعمش حديث ( شهد الله ) وهو حديث معضل. قال ابن عدي الضعف على حديثه بين. وقال أحمد بن حنبل: غالب بن خطاف القطان ثقة ثقة. وقال ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح.

قلت: يكفيك من عدالته وثقته أن خرج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك. وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قرأ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة ) . ويقال من أقر بهذه الشهادة عن عقد من قلبه فقد قام بالعدل. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من أحياء العرب صنم أو صنمان. فلما نزلت هذه الآية أصبحت الأصنام قد خرت ساجدة لله.

 

قوله تعالى: « شهد الله » أي بين وأعلم؛ كما يقال: شهد فلان عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق، أو على من هو. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه؛ فقد دلنا الله تعالى على وحدانيته بما خلق وبين. وقال أبو عبيدة: « شهد الله » بمعنى قضى الله، أي أعلم. وقال ابن عطية: وهذا مردود من جهات. وقرأ الكسائي بفتح « أن » في قوله « أنه لا إله إلا هو » وقوله « أن الدين » . قال المبرد: التقدير: أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال: أمرتك الخير. أي بالخير. قال الكسائي: أنصبهما جميعا، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الذين عند الله. قال ابن كيسان: « أن » الثانية بدل من الأولى؛ لأن الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. وقرأ ابن عباس فيما حكى الكسائي « شهد الله إنه » « بالكسر » « أن الدين » بالفتح. والتقدير: شهد الله أن الدين الإسلام، ثم ابتداء فقال: إنه لا إله إلا هو. وقرأ أبو المهلب وكان قارئا - شهداء الله بالنصب على الحال، وعنه « شهداء الله » . وروى شعبة عن عاصم عن زرٍّ عن أبي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ « أن الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية » . قال أبو بكر الأنباري: ولا يخفى على ذي تمييز أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن. و « قائماً » نصب على الحال المؤكدة من اسمه تعالى في قوله « شهد الله » أو من قوله « إلا هو » . وقال الفراء: هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نصب كقوله: « وله الدين واصباً » [ النحل: 52 ] . وفي قراءة عبدالله « القائم بالقسط » على النعت، والقسط العدل. « لا إاله إلا هو العزيز الحكيم » كرر لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم. وقال جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم.

 

الآية: 19 ( إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب )

 

قوله تعالى: « إن الدين عند الله الإسلام » الدين في هذه الآية الطاعة والملة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات؛ قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين. والأصل في مسمى الإيمان والإسلام التغاير؛ لحديث جبريل. وقد يكون بمعنى المرادفة. فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر؛ كما في حديث وفد عبدالقيس وأنه أمرهم بالإيمان بالله وحده وقال: ( هل تدرون ما الإيمان ) ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم ) الحديث. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله ) أخرجه الترمذي. وزاد مسلم ( والحياء شعبة من الإيمان ) . ويكون أيضا بمعنى التداخل وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال؛ ومنه قوله عليه السلام: ( الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ) . أخرجه ابن ماجة، وقد تقدم والحقيقة هو الأول وضعا وشرعا وما عداه من باب التوسع والله أعلم.

 

قوله تعالى: « وما اختلف الذين أوتوا الكتاب » الآية. أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا. قاله ابن عمر وغيره. وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم؛ قاله الأخفش. قال محمد بن جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران. وقال الربيع بن أنس: المراد بها اليهود. ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعم اليهود والنصارى؛ أي « وما اختلف الذين أوتوا الكتاب » يعني في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. « إلا من بعد ما جاءهم العلم » يعني بيان صفته ونبوته في كتبهم. وقيل: أي وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل في أمر عيسى وفرقوا فيه القول إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد، وأن عيسى عبدالله ورسوله. و « بغيا » نصب على المفعول من أجله، أو على الحال من ( الذين ) والله تعالى أعلم.

 

الآية: 20 ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد )

 

قوله تعالى: « فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن » أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله « وجهي » بمعنى ذاتي؛ ومنه الحديث ( سجد وجهي للذي خلقه وصوره ) . وقيل: الوجه هنا بمعنى القصد؛ كما تقول: خرج فلان في وجه كذا. وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى؛ والأول أولى. وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس. وقال:

أسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا

وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: « ويبقى وجه ربك » [ الرحمن: 27 ] : إنها عبارة عن الذات وقيل: العمل الذي يقصد به وجهه. وقوله « ومن اتبعن » « من » في محل رفع عطفا على التاء في قوله « أسلمت » أي ومن اتبعني أسلم أيضا، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما. وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء « اتبعن » على الأصل، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء. وقال الشاعر:

ليس تخفى يسارتي قدر يوم ولقد تخف شيمتي إعساري

 

قوله تعالى: « وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد » يعني اليهود والنصارى « والأميين » الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب. « أأسلمتم » استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا؛ كذا قال الطبري وغيره. وقال الزجاج: « أأسلمتم » تهديد. وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا. وجاءت العبارة في قوله « فقد اهتدوا » بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدي لهم وتحصيله. و « البلاغ » مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، أي إنما عليك أن تبلغ. وقيل: إنه مما نسخ بالجهاد. وقال ابن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها؛ وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره.

 

الآيتان: 21 - 22 ( إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم، أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين )

 

قوله تعالى: « إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين » قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء صلوات الله عليهم تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون. وقد روي عن ابن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية ) وروى أبو عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ) . ذكره المهدوي وغيره. وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبدالله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبيا ثم تقوم سوق بَقْلِهم من آخر النهار. فإن قال قائل: الذين وعظوا بهذا لم يقتلوا نبيا. فالجواب عن هذا أنهم رضوا فعل من قتل فكانوا بمنزلته؛ وأيضا فإنهم قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهموا بقتلهم؛ قال الله عز وجل: « وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك » [ الأنفال: 30 ] .

 

دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة. قال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه ) . وعن درة بنت أبي لهب قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال: من خير الناس يا رسول الله؟ قال: ( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم لرحمه ) . وفي التنزيل: « المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف » [ التوبة: 67 ] ثم قال: « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر » [ التوبة: 71 ] . فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه. ثم إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد، وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه، والتعزير إلى رأيه، والحبس والإطلاق له، والنفي والتغريب؛ فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة. قال الله تعالى: « الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر » [ الحج: 41 ] .

 

وليس من شرط الناهي أن يكون عدلا عند أهل السنة، خلافا للمبتدعة حيث تقول: لا يغيره إلا عدل. وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. فإن تشبثوا بقوله تعالى: « أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم » [ البقرة: 44 ] وقوله: « كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون » [ الصف: 3 ] ونحوه، قيل لهم: إنما وقع الذم ههنا على ارتكاب ما نهي عنه لا على نهيه عن المنكر. ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، ولذلك يدور في جهنم كما يدور الحمار بالرحى، كما بيناه في البقرة عند قوله تعالى: « أتأمرون الناس بالبر » [ البقرة: 44 ] .

 

أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبدالبر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وإنه إذا لم يلحقه بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره؛ فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ولكنها مقيدة بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يكلم مؤمن يرجى أو جاهل يعلم؛ فأما من وضع سيفه أو سوطه فقال: اتقني اتقني فما لك وله. وقال ابن مسعود: بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل لمؤمن أن يذل نفسه ) . قالوا: يا رسول الله وما إذلاله نفسه؟ قال: ( يتعرض من البلاء لما لا يقوم له ) .

قلت: وخرجه ابن ماجة عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن بن جندب عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما قد تكلم فيه. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه فليقل ثلاث مرات « اللهم إن هذا منكر » فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه، وزعم ابن العربي أن من رجا زواله وخاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل جاز له عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج زواله فأي فائدة عنده. قال: والذي عندي أن النية إذا خلصت فليقتحم كيف ما كان ولا يبالي.

قلت: هذا خلاف ما ذكره أبو عمر من الإجماع. وهذه الآية تدل على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوف القتل. وقال تعالى: « وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك » [ لقمان: 17 ] . وهذا إشارة إلى الإذاية.

 

روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) . قال العلماء: الأمر بالمعروف باليد على الأمراء، وباللسان على العلماء، وبالقلب على الضعفاء، يعني عوام الناس. فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل؛ وهذا تلقي من قول الله تعالى: « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله » [ الحجرات: 9 ] . وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شيء عليه. ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به؛ حتى لقد قال العلماء: لو فرضنا قودا. وقيل: كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء: إمام عادل لا يظلم، وعالم على سبيل الهدى، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى.

 

روى أنس بن مالك قال: قيل يا رسول الله، متى نترك الأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر؟ قال: ( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ) . قلنا: يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: ( الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم ) . قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( والعلم في رذالتكم ) إذا كان العلم في الفساق. خرجه ابن ماجة. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في « المائدة » وغيرها إن شاء الله تعالى. وتقدم معنى « فبشرهم » و « حبطت » في البقرة فلا معنى للإعادة.

 

الآية: 23 ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون )

 

قال ابن عباس: هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني على ملة إبراهيم ) . فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ) . فأبيا عليه فنزلت الآية. وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلموا إلى التوراة ففيها صفتي ) فأبوا. وقرأ الجمهور « ليحكم » وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع « ليحكم » بضم الياء. والقراءة الأولى أحسن؛ لقوله تعالى: « هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق » [ الجاثية: 29 ] .

 

في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله؛ فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف. وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية. وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل في سورة « النور » في قوله تعالى: « وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون » إلى قوله « بل أولئك هم الظالمون » [ النور: 48 - 49 - 50 ] . وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له ) . قال ابن العربي: وهذا حديث باطل. أما قوله « فهو ظالم » فكلام صحيح. وأما قوله « فلا حق له » فلا يصح، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. قال ابن خويز منداد المالكي: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداؤه من المدعي والمدعى عليه.

 

وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علمنا نسخه، وإنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا، على ما يأتي بيانه. وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدلها، ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته. ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها. وكان عليه السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها. وسيأتي بيان هذا في « المائدة » والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم.

 

الآية: 24 ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون )

 

إشارة إلى التولي والإعراض، واغترار منهم في قولهم: « نحن أبناء الله وأحباؤه » [ المائدة: 18 ] إلى غير ذلك من أقوالهم. وقد مضى الكلام في معنى قولهم: « لن تمسنا النار » في البقرة.

 

الآية: 25 ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون )

 

خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التوقيف والتعجب، أي فكيف يكون حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم. واللام في قوله « ليوم » بمعنى « في » ؛ قاله الكسائي، وقال البصريون: المعنى لحساب يوم، الطبري: لما يحدث في يوم.

 

الآية: 26 ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير )

 

قال علي رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لما أراد الله تعالى أن ينزل فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد الله وقل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب تعلقن بالعرش وليس بينهن وبين الله حجاب وقلن يا رب تهبط بنا دار الذنوب وإلى من يعصيك فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا يقرأكن عبد عقب كل صلاة مكتوبة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو ونصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ) . وقال معاذ بن جبل: احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم يوما فلم أصل معه الجمعة فقال: ( يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة ) ؟ قلت: يا رسول الله، كان ليوحنا بن باريا اليهودي علي أوقية من تبر وكان على بابي يرصدني فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: ( أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك ) ؟ قلت نعم. قال: ( قل كل يوم قل اللهم مالك الملك - إلى قوله - بغير حساب رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا لأداه الله عنك ) . خرجه أبو نعيم الحافظ، أيضا عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن - أو كلمات - ما في الأرض مسلم يدعو بهن وهو مكروب أو غارم أو ذو دين إلا قضى الله عنه وفرج همه، احتبست عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذكره. غريب من حديث عطاء أرسله عن معاذ. وقال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: نزلت دامغة لباطل نصارى أهل نجران في قولهم: إن عيسى هو الله؛ وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى ليس في شيء منها. قال ابن إسحاق: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بعنادهم وكفرهم، وإن عيسى صلى الله عليه وسلم وإن كان الله تعالى أعطاه آيات تدل على نبوته من إحياء الموتى وغير ذلك فإن الله عز وجل هو المنفرد بهذه الأشياء؛ من قوله: « تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء » . وقوله: « تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب » [ آل عمران: 27 ] فلو كان عيسى إلها كان هذا إليه؛ فكان في ذلك اعتبار وآية بينة.

 

قوله تعالى: « قل اللهم » اختلف النحويون في تركيب لفظة « اللهم » بعد إجماعهم أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة، وأنها منادى؛ وقد جاءت مخففة الميم في قول الأعشى:

كدعوة من أبي رباح يسمعها اللهم الكبار

قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: إن أصل اللهم يا الله، فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو « يا » جعلوا بدله هذه الميم المشددة، فجاؤوا بحرفين وهما الميمان عوضا من حرفين وهما الياء والألف، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد. وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل في اللهم يا ألله أمنا بخير؛ فحذف وخلط الكلمتين، وإن الضمة التي في الهاء هي الضمة التي كانت في أمنا لما حذفت الهمزة انتقلت الحركة. قال النحاس: هذا عند البصريين من الخطأ العظيم، والقول في هذا ما قاله الخليل وسيبويه. قال الزجاج: محال أن يترك الضم الذي هو دليل على النداء المفرد، وأن يجعل في اسم الله ضمة أُمّ، هذا إلحاد في اسم الله تعالى. قال ابن عطية: وهذا غلو من الزجاج، وزعم أنه ما سمع قط يا ألله أُمّ، ولا تقول العرب يا اللهم. وقال الكوفيون: إنه قد يدخل حرف النداء على « اللهم » وأنشدوا على ذلك قول الراجز:

غفرت أو عذبت يا اللهما

آخر:

وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت يا اللهم ما

اردد علينا شيخنا مسلما فإننا من خيره لن نعدما

آخر:

إني إذا ما حدث ألما أقول يا اللهم يا اللهما

قالوا: فلو كان الميم عوضا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذ ولا يعرف قائله، ولا يترك له ما كان في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب؛ وقد ورد مثله في قوله:

هما نفثا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام

قال الكوفيون: وإنما تزاد الميم مخففة في فم وابنم، وأما ميم مشددة فلا تزاد. وقال بعض النحويين: ما قاله الكوفيون خطأ؛ لأنه لو كان كما قالوا كان يجب أن يقال: « اللهم » ويقتصر عليه لأنه معه دعاء. وأيضا فقد تقول: أنت اللهم الرزاق. فلو كان كما ادعوا لكنت قد فصلت بجملتين بين الابتداء والخبر. قال النضر بن شميل: من قال اللهم فقد دعا الله تعالى بجميع أسمائه كلها وقال الحسن: اللهم تجمع الدعاء.

 

قوله تعالى: « مالك الملك » قال قتادة: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل أن يعطي أمته ملك فارس فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له ملك فارس والروم في أمته؛ فعلمه الله تعالى بأن يدعو بهذا الدعاء. وقد تقدم معناه. و « مالك » منصوب عند سيبويه على أنه نداء ثان؛ ومثله قوله تعالى: « قل اللهم فاطر السموات والأرض » [ الزمر: 46 ] ولا يجوز عنده أن يوصف اللهم لأنه قد ضمت إليه الميم. وخالفه محمد بن يزيد وإبراهيم بن السري الزجاج فقالا: « مالك » في الإعراب صفة لاسم الله تعالى، وكذلك « فاطر السموات والأرض » . قال أبو علي؛ هو مذهب أبي العباس المبرد؛ وما قاله سيبويه أصوب وأبين؛ وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد « اللهم » لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت، والأصوات لا توصف؛ نحو غاق وما أشبهه. وكان حكم الاسم المفرد ألا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضع. فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه ألا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت؛ نحو حيهل فلم يوصف. و « الملك » هنا النبوة؛ عن مجاهد. وقيل، الغلبة. وقيل: المال والعبيد. الزجاج: المعنى مالك العباد وما ملكوا. وقيل: المعنى مالك الدنيا والآخرة. ومعنى « تؤتي الملك » أي الإيمان والإسلام. « من تشاء » أي من تشاء أن تؤتيه إياه، وكذلك ما بعده، ولا بد فيه من تقدير الحذف، أي وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه، ثم حذف هذا، وأنشد سيبويه:

ألا هل لهذا الدهر من متعلل على الناس مهما شاء بالناس يفعل

قال الزجاج: مهما شاء أن يفعل بالناس يفعل. وقوله: « تعز من تشاء » يقال: عز إذا علا وقهر وغلب؛ ومنه، « وعزني في الخطاب » [ ص: 23 ] . « وتذل من تشاء » ذل يذل ذلا إذا غلب وعلا وقهر. قال طرفة:

بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ذليل بأجماع الرجال ملهد

« بيدك الخير » أي بيدك الخير والشر فحذف؛ كما قال: « سرابيل تقيكم الحر » [ النحل: 81 ] . وقيل: خص الخير لأنه موضع دعاء ورغبة في فضله. قال النقاش: بيدك الخير، أي النصر والغنيمة. وقال أهل الإشارات. كان أبو جهل يملك المال الكثير، ووقع في الرس يوم بدر، والفقراء صهيب وبلال وخباب لم يكن لهم مال، وكان ملكهم الإيمان، « قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء » تقيم الرسول يتيم أبي طالب على رأس الرس حتى ينادي أبدانا قد انقلبت إلى القليب: يا عتبة، يا شيبة تعز من تشاء وتذل من تشاء. أي صهيب، أي بلال، لا تعتقدوا أنا منعناكم من الدنيا ببغضكم. بيدك الخير ما منعكم من عجز « إنك على كل شيء قدير » إنعام الحق عام يتولى من يشاء.

 

الآية: 27 ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب )

 

قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي في معنى قوله « تولج الليل في النهار » الآية، أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر، حتى يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون، وكذا « تولج النهار في الليل » وهو قول الكلبي، وروى عن ابن مسعود. وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار، كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: « وتخرج الحي من الميت » فقال الحسن: معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان الفارسي. وروي معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على نسائه فإذا بامرأة حسنة الهيئة قال: ( من هذه ) ؟ قلن إحدى خالاتك. قال: ( ومن هي ) ؟ قلن: هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( سبحان الذي يخرج الحي من الميت ) . وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافرا. فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن؛ فالموت والحياة مستعاران. وذهب كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية حقيقتان؛ فقال عكرمة: هي إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة، وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية. وقال ابن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي، ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة. وقال عكرمة والسدي: هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة من النخلة والنخلة تخرج من النواة؛ والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه. ثم قال: « وترزق من تشاء بغير حساب » أي بغير تضييق ولا تقتير؛ كما تقول: فلان يعطي بغير حساب؛ كأنه لا يحسب ما يعطي.

 

الآية: 28 ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير )

 

قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار فيتخذوهم أولياء؛ ومثله « لا تتخذوا بطانة من دونكم » [ آل عمران 118 ] وهناك يأتي بيان هذا المعنى. ومعنى « فليس من الله في شيء » أي فليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء؛ مثل « واسأل القرية » [ يوسف: 82 ] . وحكى سيبويه « هو مني فرسخين » أي من أصحابي ومعي. ثم استثنى فقال: « إلا أن تتقوا منهم تقاة » قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثما. وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: « إلا أن تتقوا منهم تقية » وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم. ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر؛ بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في « النحل » إن شاء الله تعالى. وأمال حمزة والكسائي « تقاة » ، وفخم الباقون؛ وأصل « تقاة » وُقَيَة على وزن فعلة؛ مثل تؤدة وتهمة، قلبت الواو تاء والياء ألفا. وروى الضحاك عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا تقيا وكان له حلف من اليهود؛ فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله، إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو. فأنزل الله تعالى: « لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين » الآية. وقيل: إنها نزلت في عمار بن ياسر حين تكلم ببعض ما أراد منه المشركون، على ما يأتي بيانه في « النحل ] . »

 

قوله تعالى: « ويحذركم الله نفسه » قال الزجاج: أي ويحذركم الله إياه. ثم استغنوا عن ذلك بذا وصار المستعمل؛ قال تعالى: « تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك » [ المائدة: 116 ] فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك. وقال غيره: المعنى ويحذركم الله عقابه؛ مثل « واسأل القرية » . وقال: « تعلم ما في نفسي » أي مغيبي، فجعلت النفس في موضع الإضمار لأنه فيها يكون. « وإلى الله المصير » أي وإلى جزاء الله المصير. وفيه إقرار بالبعث.

 

الآية: 29 ( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير )

 

فهو العالم بخفيات الصدور وما اشتملت عليه، وبما في السموات والأرض وما احتوت عليه، علام الغيوب لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا يغيب عنه شيء، سبحانه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة.

 

الآية: 30 ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد )

 

« يوم » منصوب متصل بقوله: « ويحذركم الله نفسه. يوم تجد » . وقيل: هو متصل بقوله: « وإلى الله المصير. يوم تجد » . وقيل: هو متصل بقوله: « والله على كل شيء قدير. يوم تجد » ويجوز أن يكون منقطعا على إضمار اذكر؛ ومثله قوله: « إن الله عزيز ذو انتقام. يوم تبدل الأرض » [ إبراهيم:47، 48 ] . و « محضرا » حال من الضمير المحذوف من صلة « ما » تقديره يوم تجد كل نفس ما عملته من خير محضرا. هذا على أن يكون « تجد » من وجدان الضالة. و « ما » من قوله « وما عملت من سوء » عطف على « ما » الأولى. و « تود » في موضع الحال من « ما » الثانية. وإن جعلت « تجد » بمعنى تعلم كان « محضرا » المفعول الثاني، وكذلك تكون « تود » في موضع المفعول الثاني؛ تقديره يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت محضرا. ويجوز أن تكون « ما » الثانية رفعا بالابتداء، و « تود » في موضع رفع على أنه خبر الابتداء، ولا يصح أن تكون « ما » بمعنى الجزاء؛ لأن « تود » مرفوع، ولو كان ماضيا لجاز أن يكون جزاء، وكان يكون معنى الكلام: وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا؛ أي كما بين المشرق والمغرب. ولا يكون المستقبل إذا جعلت « ما » للشرط إلا مجزوما؛ إلا أن تحمله على تقدير حذف الفاء، على تقدير: وما عملت من سوء فهي تود. أبو علي: هو قياس قول الفراء عندي؛ لأنه قال في قوله تعالى: « وإن أطعتموهم إنكم لمشركون » [ الأنعام: 121 ] : إنه على حذف الفاء. والأمد: الغاية، وجمعه آماد. ويقال: استولى على الأمد، أي غلب سابقا. قال النابغة:

إلا لمثلك أو من أنت سابقه سبق الجواد إذا استولى على الأمد

والأمد: الغضب. يقال: أمِد أمَدا، إذا غضب غضبا.

 

الآية: 31 ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم )

 

الحب: المحبة، وكذلك الحب بالكسر. والحب أيضا الحبيب؛ مثل الخِدن والخَدين؛ يقال أحبه فهو محب، وحبه يحبه ( بالكسر ) فهو محبوب. قال الجوهري: وهذا شاذ؛ لأنه لا يأتي في المضاعف يفعل بالكسر. قال أبو الفتح: والأصل فيه حَبُب كظرف، فأسكنت الباء وأدغمت في الثانية. قال ابن الدهان سعيد: في حَبّ لغتان: حَبّ وأحَبّ، وأصل « حب » في هذا البناء حَبُب كظرف؛ يدل على ذلك قولهم: حَبُبْت، وأكثر ما ورد فعيل من فعل. قال أبو الفتح: والدلالة على أحب قوله تعالى: « يحبهم ويحبونه » [ المائدة: 54 ] بضم الياء. و « اتبعوني يحببكم الله » [ آل عمران: 31 ] و « حَبّ » يرد على فعل لقولهم حبيب. وعلى فعل كقولهم محبوب: ولم يرد اسم الفاعل من حب المتعدي، فلا يقال: أنا حاب. ولم يرد اسم المفعول من أفعل إلا قليلا؛ كقوله:

مني بمنزلة المحب المكرم

وحكى أبو زيد: حببته أحبه. وأنشد:

فوالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عويف وهاشم

وأنشد:

لعمرك إنني وطلاب مصر لكالمزداد مما حب بعدا

وحكى الأصمعي فتح حرف المضارعة مع الياء وحدها. والحب الخابية، فارسي معرب، والجمع حِباب وحِبَبَة؛ حكاه الجوهري. والآية نزلت في وفد نجران إذ زعموا أن ما ادعوه في عيسى حب لله عز وجل؛ قاله محمد بن جعفر بن الزبير. وقال الحسن وابن جريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا. وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا؛ فأنزل الله عز وجل: « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني » . قال ابن عرفة: المحبة عند العرب إرادة الشيء على قصد له. وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما؛ قال الله تعالى: « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني » . ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران؛ قال الله تعالى: « إن الله لا يحب الكافرين » [ آل عمران: 32 ] أي لا يغفر لهم. وقال سهل بن عبدالله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة؛ وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة. وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله » قال: ( على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس ) خرجه أبو عبدالله الترمذي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من أراد أن يحبه الله فعليه بصدق الحديث وأداء الأمانة وألا يؤذي جاره ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء - قال - ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلانا فأبغضوه - قال - فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض ) . وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر سورة « مريم » إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو رجاء العطاردي ( فاتبعوني ) بفتح الباء، « ويغفر لكم » عطف على « يحببكم » . وروى محبوب عن أبي عمرو بن العلاء أنه أدغم الراء من « يغفر » في اللام من « لكم » . قال النحاس: لا يجيز الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام، وأبو عمرو أجل من أن يغلط في مثل هذا، ولعله كان يخفي الحركة كما يفعل في أشياء كثيرة.

 

الآية: 32 ( قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين )

 

قوله تعالى: « قل أطيعوا الله والرسول » يأتي بيانه في ( النساء ) .

 

« فإن تولوا » شرط، إلا أنه ماض لا يعرب. والتقدير فإن تولوا على كفرهم وأعرضوا عن طاعة الله ورسوله « فإن الله لا يحب الكافرين » أي لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم كما تقدم. وقال « فإن الله » ولم يقل « فإنه » لأن العرب إذا عظمت الشيء أعادت ذكره؛ وأنشد سيبويه:

لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

 

الآية: 33 ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين )

 

قوله تعالى: « إن الله اصطفى آدم ونوحا » اصطفى اختار، وقد تقدم في البقرة. وتقدم فيها اشتقاق آدم وكنيته، والتقدير إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام؛ فحذف المضاف. وقال الزجاج: اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم. « ونوحا » قيل إنه مشتق من ناح ينوح، وهو اسم أعجمي إلا أنه انصرف لأنه على ثلاثة أحرف، وهو شيخ المرسلين، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات، ومن قال: إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم على ما يأتي بيانه في « الأعراف » إن شاء الله تعالى.

 

قوله تعالى: « وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين » تقدم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى. وفي البخاري عن ابن عباس قال: آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد؛ يقول الله تعالى: « إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين » [ آل عمران: 68 ] وقيل: آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وقيل: آل إبراهيم نفسه، وكذا آل عمران؛ ومنه قوله تعالى: « وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون » [ البقرة: 248 ] . وفي الحديث: ( لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود ) ؛ وقال الشاعر:

ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه علي وعباس وآل أبي بكر

وقال آخر:

يلاقي من تذكر آل ليلى كما يلقى السليم من العداد

أراد من تذكر ليلى نفسها. وقيل: آل عمران آل إبراهيم؛ كما قال: « ذرية بعضها من بعض » [ آل عمران: 34 ] . وقيل: المراد عيسى، لأن أمه ابنة عمران. وقيل: نفسه كما ذكرنا. قال مقاتل: هو عمران أبو موسى وهارون، وهو عمران بن يصهر لن فاهاث بن لاوى بن يعقوب. وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو من ولد سليمان عليه السلام. وحكى السهيلي: عمران بن ماتان، وامرأته حنة ( بالنون ) . وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء لأن الأنبياء والرسل بقضهم وقضيضهم من نسلهم. ولم ينصرف عمران لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين. ومعنى قوله: « على العالمين » أي على عالمي زمانهم، في قول أهل التفسير. وقال الترمذي الحكيم أبو عبدالله محمد بن علي: جميع الخلق كلهم. وقيل « على العالمين » : على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور، وذلك أن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق؛ فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة. قال الله تعالى: « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » [ الأنبياء: 107 ] فالرسل خلقوا للرحمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق بنفسه رحمة، فلذلك صار أمانا للخلق، لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور. وسائر الأنبياء لم يحلوا هذا المحل؛ ولذلك قال عليه السلام: ( أنا رحمة مهداة ) يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله. وقوله ( مهداة ) أي هدية من الله للخلق. ويقال: اختار آدم بخمسة أشياء: أولها أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته، والثاني أنه علمه الأسماء كلها، والثالث أمر الملائكة بأن يسجدوا له، والرابع أسكنه الجنة، والخامس جعله أبا البشر. واختار نوحا بخمسة أشياء: أولها أنه جعله أبا البشر؛ لأن الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم الباقين، والثاني أنه أطال عمره؛ ويقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، والثالث أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين، والرابع أنه حمله على السفينة، والخامس أنه كان أول من نسخ الشرائع؛ وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات. واختار إبراهيم بخمسة أشياء: أولها أنه جعله أبا الأنبياء؛ لأنه روى أنه خرج من صلبه ألف نبي من زمانه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني أنه اتخذه خليلا، والثالث أنه أنجاه من النار، والرابع أنه جعله إماما للناس، والخامس أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن. ثم قال: « وآل عمران » فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المن والسلوى وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم. وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ولم يكن ذلك لأحد في العالم. والله أعلم.

 

الآية: 34 ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )

 

تقدم في البقرة معنى الذرية واشتقاقها. وهي نصب على الحال؛ قاله الأخفش. أي في حال كون بعضهم من بعض، أي ذرية بعضها من ولد بعض. الكوفيون: على القطع. الزجاج: بدل، أي اصطفى ذرية بعضها من بعض، ومعنى بعضها من بعض، يعني في التناصر في الدين؛ كما قال: « المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض » [ التوبة: 67 ] يعني في الضلالة؛ قاله الحسن وقتادة. وقيل: في الاجتباء والاصطفاء والنبوة. وقيل: المراد به التناسل، وهذا أضعفها.

 

الآية: 35 ( إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتتقبل مني إنك أنت السميع العلي )

 

قوله تعالى: « إذ قالت امرأة عمران » قال أبو عبيدة: « إذ » زائدة. وقال محمد بن يزيد: التقدير: اذكر إذ. وقال الزجاج: المعنى واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران. وهي حنة ( بالحاء المهملة والنون ) بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدة عيسى عليه السلام، وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية حنة اسم امرأة. وفي العربية أبو حنة البدري، ويقال فيه: أبو حبة ( بالباء بواحدة ) وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشأم، ودير آخر أيضا يقال له كذلك؛ قال أبو نواس:

يا دير حنة من ذات الأكيراح من يصح عنك فإني لست بالصاحي

وحبة في العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاري، وأبو السنابل بن بعكك المذكور في حديث سبيعة حبة، ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي، وهي أم محمد بن نصر، ولا يعرف جنة ( بالجيم ) إلا أبو جنة، وهو خال ذي الرمة الشاعر. كل هذا من كتاب ابن ماكولا.

 

قوله تعالى: « رب إني نذرت لك ما في بطني محررا » تقدم معنى النذر، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه. ويقال: إنها لما حملت قالت: لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته محررا. ومعنى « لك » أي لعبادتك. « محررا » نصب على الحال، وقيل: نعت لمفعول محذوف، أي إني نذرت لك ما في بطني غلاما محررا، والأول أولى من جهة التفسير وسياق الكلام والإعراب: أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع، ويجوز على المجاز في أخرى، وأما التفسير فقيل أن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، وإنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يزق فرخا فتحركت نفسها لذلك، ودعت ربها أن يهب لها ولدا، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررا: أي عتيقا خالصا لله تعالى، خادما للكنيسة حبيسا عليها، مفرغا لعبادة الله تعالى. وكان ذلك جائزا في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم. فلما وضعت مريم قالت: « رب إني وضعتها أنثى » يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة. قيل لما يصيبها من الحيض والأذى. وقيل: لا تصلح لمخالطة الرجال. وكانت ترجو أن يكون ذكرا فلذلك حررت.

 

قال ابن العربي: « لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرة، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله؛ فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك؛ وإن كان حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له، وكذلك المرأة مثله؛ فأي وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلي، فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه؛ فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه، وهو على خدمة الله تعالى موقوف، وهذا نذر الأحرار من الأبرار. وأرادت به محررا من جهتي، محررا من رق الدنيا وأشغالها؛ وقد قال رجل من الصوفية لأمه: يا أمه: ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم، فقالت نعم. فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب، فقالت من؟ فقال لها: ابنك فلان، قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك.»

 

قوله تعالى: « محررا » مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية؛ من هذا تحرير الكتاب، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد: أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا. وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص: حر، ومحرر بمعناه؛ قال ذو الرمة:

والقرط في حرة الذفرى معلقه تباعد الحبل منه فهو يضطرب

وطين حر لا رمل فيه، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة؛ فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء.

 

الآية: 36 ( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم )

 

قوله تعالى: « فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى » قال ابن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور، فقبل الله مريم. « وأنثى » حال، وإن شئت بدل. فقيل: إنها ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها؛ رواه أشهب عن مالك: وقيل: لفتها في خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد، فوفت بنذرها وتبرأت منها. ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام؛ ففي البخاري ومسلم أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت. الحديث.

 

قوله تعالى: « والله أعلم بما وضعت » هو على قراءة من قرأ « وضعت » بضم التاء من جملة كلامها؛ فالكلام متصل. وهي قراءة أبي بكر وابن عامر، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفى عليه شيء، ولم تقله على طريق الإخبار لأن علم الله في كل شيء قد تقرر في نفس المؤمن، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى. وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم، وتقديره أن يكون مؤخرا بعد « وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » [ آل عمران: 36 ] والله أعلم بما وضعت؛ قاله المهدوي. وقال مكي: هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال: والله أعلم بما وضعت أم مريم قالته أو لم تقله. ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه الكلام: وأنت أعلم بما وضعت؛ لأنها نادته في أول الكلام في قولها: رب إني وضعتها أنثى. وروي عن ابن عباس « بما وضعت » بكسر التاء، أي قيل لها هذا.

 

قوله تعالى: « وليس الذكر كالأنثى » استدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب الكفارة عليها، ابن العربي، وهذه منه غفلة، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها ومقطع كلامها، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، فلما رأته أنثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها. ولم ينصرف « مريم » لأنه مؤنث معرفة، وهو أيضا أعجمي؛ قاله النحاس. والله تعالى أعلم.

 

قوله تعالى: « وإني سميتها مريم » يعني خادم الرب في لغتهم. « وإني أعيذها بك » يعني مريم. « وذريتها » يعني عيسى. وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه ) ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: « وإني أعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » . قال علماؤنا: فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها. قال قتادة: كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لها منه شيء، قال علماؤنا: وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد؛ فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال تعالى: « إن عبادي ليس لك عليهم سلطان » [ الحجر: 42 ] . هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمريم وابنها وإن عصما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لها ومقارنته. والله أعلم.

 

الآية: 37 ( فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب )

 

قوله تعالى: « فتقبلها ربها بقبول حسن » المعنى: سلك بها طريق السعداء؛ عن ابن عباس. وقال قوم: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها. وقال الحسن: معنى التقبل أنه ما عذبها ساعة قط من ليل ولا نهار. « وأنبتها نباتا حسنا » يعني سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. والقبول والنبات مصدران على غير المصدر، والأصل تقبلا وإنباتا. قال الشاعر:

أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا

أراد بعد إعطائك، لكن لما قال « أنبتها » دل على نبت؛ كما قال امرؤ القيس:

فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال

وإنما مصدر ذَلّت ذُلٌّ، ولكنه رده على معنى أذْلَلتْ؛ وكذلك كل ما يرد عليك في هذا الباب. فمعنى تقبل وقبل واحد، فالمعنى فقبلها ربها بقبول حسن. ونظيره قول رؤبة:

وقد تَطَوّيتُ انطواء الحِضْبِ

الأفعى لأن معنى تَطَوّيتُ وانطويت واحد؛ ومثله قول القطامي:

وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن تتبعه اتباعا

لأن تتبعت واتبعت واحد. وفي قراءة ابن مسعود « وأنزل الملائكة تنزيلا » لأن معنى نزل وأنزل واحد. وقال المفضل: معناه وأنبتها فنبتت نباتا حسنا. ومراعاة المعنى أولى كما ذكرنا. والأصل في القبول الضم؛ لأنه مصدر مثل الدخول والخروج، والفتح جاء في حروف قليلة؛ مثل الوَلوع والوزوع؛ هذه الثلاثة لا غير؛ قاله أبو عمر والكسائي والأئمة. وأجاز الزجاج « بقبول » بضم القاف على الأصل.

 

قوله تعالى: « وكفلها زكريا » أي ضمها إليه. أبو عبيدة: ضمن القيام بها. وقرأ الكوفيون « وكفلها » بالتشديد، فهو يتعدى إلى مفعولين؛ والتقدير وكفلها ربها زكريا، أي ألزمه كفالتها وقدر ذلك عليه ويسره له. وفي مصحف أبي « وأكفلها » والهمزة كالتشديد في التعدي؛ وأيضا فإن قبْله « فتقبلها، وأنبتها » فأخبر تعالى عن نفسه بما فعل بها؛ فجاء « كفلها » بالتشديد على ذلك. وخففه الباقون على إسناد الفعل إلى زكريا. فأخبر الله تعالى أنه هو الذي تولى كفالتها والقيام بها؛ بدلالة قوله: « أيهم يكفل مريم » [ آل عمران: 44 ] . قال مكي: وهو الاختيار؛ لأن التشديد يرجع إلى التخفيف، لأن الله تعالى إذا كفلها زكريا كفلها بأمر الله، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته؛ فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان. وروى عمرو بن موسى عن عبدالله بن كثير وأبي عبدالله المزني « وكفلها » بكسر الفاء. قال الأخفش: يقال كَفَلَ يَكْفُلُ وكَفِلَ يَكْفَلُ ولم أسمع كَفُلَ، وقد ذكرت. وقرأ مجاهد « فتقبلْها » بإسكان اللام على المسألة والطلب. « ربها » بالنصب نداء مضاف. « وأنبتْها » بإسكان التاء « وكفلها » بإسكان اللام « زكرياء » بالمد والنصب. وقرأ حفص وحمزة والكسائي « زكريا » بغير مد ولا همزة، ومده الباقون وهمزوه. وقال الفراء: أهل الحجاز يمدون « زكرياء » ويقصرونه، وأهل نجد يحذفون منه الألف ويصرفونه فيقولون: زكري. قال الأخفش: فيه أربع لغات: المد والقصر، وكري بتشديد الياء والصرف، وزكر ورأيت زكريا. قال أبو حاتم: زكرى بلا صرف لأنه أعجمي وهذا غلط؛ لأن ما كان فيه « يا » مثل هذا انصرف مثل كرسي ويحيى، ولم ينصرف زكرياء في المد والقصر لأن فيه ألف تأنيث والعجمة والتعريف.

 

قوله تعالى: « كلما دخل عليها زكريا المحراب » المحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس. وسيأتي له مزيد بيان في سورة « مريم » . وجاء في الخبر: إنها كانت في غرفة كان زكريا يصعد إليها بسلم. قال وضاح اليمن:

ربة محراب إذا جئتها لم أَلْقها حتى ارتَقِي سلما

أي ربة غرفة. روى أبو صالح عن ابن عباس قال: حملت امرأة عمران بعد ما أسنت فنذرت ما في بطنها محررا فقال لها عمران: ويحك ما صنعت؟ أرأيت إن كانت أنثى؟ فاغتما لذلك جميعا. فهلك عمران وحنة حامل فولدت أنثى فتقبلها الله بقبول حسن، وكان لا يحرر إلا الغلمان فتساهم عليها الأحبار بالأقلام التي يكتبون بها الوحي، على ما يأتي. فكفلها زكريا وأخذ لها موضعا فلما أسنت جعل لها محرابا لا يرتقي إليه إلا بسلم، واستأجر لها ظئرا وكان يغلق عليها بابا، وكان لا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت، فكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها امرأة زكريا في قول الكلبي. قال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا. وكانت إذا طهرت من حيضتها واغتسلت ردها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت لا تحيض وكانت مطهرة من الحيض. وكان زكريا إذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في القيظ وفاكهة القيظ في الشتاء فقال: يا مريم أنى لك هذا؟ فقالت: هو من عند الله. فعند ذلك طمع زكريا في الولد وقال: إن الذي يأتيها بهذا قادر أن يرزقني ولدا. ومعنى « أنى » من أين؛ قاله أبو عبيدة. قال النحاس: وهذا فيه تساهل؛ لأن « أين » سؤال عن المواضع و « أنى » سؤال عن المذاهب والجهات. والمعنى من أي المذاهب ومن أي الجهات لك هذا. وقد فرق الكميت بينهما فقال:

أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب

و « كلما » منصوب بـ « وجد » ، أي كل دخلة. « إن الله يرزق من يشاء بغير حساب » قيل: هو من قول مريم، ويجوز أن يكون مستأنفا؛ فكان ذلك سبب دعاء زكريا وسؤاله الولد.

 

الآية: 38 ( هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء )

 

قوله تعالى: « هنالك دعا زكريا ربه » هنالك في موضع نصب؛ لأنه ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان. وقال المفضل بن سلمة: « هنالك » في الزمان و « هناك » في المكان، وقد يجعل هذا مكان هذا. و « هب لي » أعطني. « من لدنك » من عندك. « ذرية طيبة » أي نسلا صالحا. والذرية تكون واحدة وتكون جمعا ذكرا وأنثى، وهو هنا واحد. يدل عليه قوله. « فهب لي من لدنك وليا » [ مريم: 5 ] ولم يقل أولياء، وإنما أنث « طَيِّبة » لتأنيث لفظ الذرية؛ كقوله:

أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال

فأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة. وروي من حديث أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أي رجل مات وترك ذرية طيبة أجرى الله له مثل أجر عملهم ولم ينقص من أجورهم شيئا ) . وقد مضى في « البقرة » اشتقاق الذرية. و « طيبة » أي صالحة مباركة. « إنك سميع الدعاء » أي قابله؛ ومنه: سمع الله لمن حمده.

 

دلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصديقين، قال الله تعالى: « ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية » [ الرعد: 38 ] . وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وخرج ابن ماجة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ومن كان ذا طول فلينكح ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) . وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال: الذي يطلب الولد أحمق، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق؛ قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: « واجعل لي لسان صدق في الآخرين » [ الشعراء: 84 ] وقال: « والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين » [ الفرقان: 74 ] . وقد ترجم البخاري على هذا « باب طلب الولد » . وقال صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة حين مات ابنه: ( أعرستم الليلة ) ؟ قال: نعم. قال: ( بارك الله لكما في غابر ليلتكما ) . قال فحملت. في البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤوا القرآن. وترجم أيضا « باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة » وساق حديث أنس بن مالك قال: قالت أم سُليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له. فقال: ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته ) . وقال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين ) . خرجه البخاري ومسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: ( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم ) . أخرجه أبو داود. والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعة في حياته وبعد موته. قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث ) فذكر ( أو ولد صالح يدعو له ) . ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.

فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه؛ ألا ترى قول زكريا: « واجعله رب رضيا » [ مريم: 6 ] وقال: « ذرية طيبة » . وقال: « هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين » [ الفرقان: 74 ] . ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنس فقال: ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ) . خرجه البخاري ومسلم، وحسبك.

 

الآية: 39 ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين )

 

قوله تعالى: « فنادته الملائكة » قرأ حمزة والكسائي « فناداه » بالألف على التذكير ويميلانها لأن أصلها الياء، ولأنها رابعة. وبالألف قراءة ابن عباس وابن مسعود، وهو اختيار أبي عبيد. وروي عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان عبدالله يذكر الملائكة في كل القرآن. قال أبو عبيد: نراه اختار ذلك خلافا على المشركين لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله. قال النحاس: هذا احتجاج لا يحصل منه شيء؛ لأن العرب تقول: قالت الرجال، وقال الرجال، وكذا النساء، وكيف يحتج عليهم بالقرآن، ولو جاز أن يحتج عليهم بالقرآن بهذا لجاز أن يحتجوا بقوله تعالى: « وإذ قالت الملائكة » ولكن الحجة عليهم في قوله عز وجل: « أشهدوا خلقهم » [ الزخرف: 19 ] أي فلم يشاهدوا، فكيف يقولون إنهم إناث فقد علم أن هذا ظن وهوى. وأما « فناداه » فهو جائز على تذكير الجمع، « ونادته » على تأنيث الجماعة. قال مكي: والملائكة ممن يعقل في التكسير فجرى في التأنيث مجرى ما لا يعقل، تقول: هي الرجال، وهي الجذوع، وهي الجِمال، وقالت الأعراب. ويقوي ذلك قوله: « وإذ قالت الملائكة » وقد ذكر في موضع آخر فقال: « والملائكة باسطو أيديهم » [ الأنعام: 93 ] وهذا إجماع. وقال تعالى: « والملائكة يدخلون عليهم من كل باب » [ الرعد: 23 ] فتأنيث هذا الجمع وتذكيره حسنان. وقال السدي: ناداه جبريل وحده؛ وكذا في قراءة ابن مسعود. وفي التنزيل « ينزل الملائكة بالروح من أمره » يعني جبريل، والروح الوحي. وجائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع. وجاء في التنزيل « الذين قال لهم الناس » [ آل عمران: 173 ] يعني نعيم بن مسعود، على ما يأتي. وقيل: ناداه جميع الملائكة، وهو الأظهر. أي جاء النداء من قبلهم.

 

قوله تعالى: « وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك » « وهو قائم » ابتداء وخبر « يصلي » في موضع رفع، وإن شئت كان نصبا على الحال من المضمر. « أن الله » أي بأن الله. وقرأ حمزة والكسائي « إن » أي قالت إن الله؛ فالنداء بمعنى القول. « يبشرك » بالتشديد قراءة أهل المدينة. وقرأ حمزة « يَبْشُرُك » مخففا؛ وكذلك حميد بن القيس المكي إلا أنه كسر الشين وضم الياء وخفف الباء. قال الأخفش: هي ثلاث لغات بمعنى واحد.

دليل الأولى هي قراءة الجماعة أن ما في القرآن من هذا من فعل ماض أو أمر فهو بالتثقيل؛ كقوله تعالى: « فبشر عباد » [ الزمر: 17 ] « فبشره بمغفرة » [ يس: 11 ] « فبشرناها بإسحاق » [ هود: 71 ] « قالوا بشرناك بالحق » [ الحجر: 55 ] . وأما الثانية وهي قراءة عبدالله بن مسعود فهي من بَشَر يَبْشُر وهي لغة تهامة؛ ومنه قول الشاعر:

بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة أتتك من الحجاج يتلى كتابها

وقال آخر:

وإذا رأيت الباهشين إلى الندى غبرا أكفهم بقاع ممحل

فأعِنْهُم وابشَرْ بما بَشِروا به وإذا هم نزلوا بضنك فانزل

وأما الثالثة فهي من أبشر يُبشر إبشارا قال:

يا أم عمرو أبشري بالبشرى موت ذريع وجراد عَظْلَى

 

قوله تعالى: « بيحيى » كان اسمه في الكتاب الأول حيا، وكان اسم سارة زوجة إبراهيم عليه السلام بسارة، وتفسيره بالعربية لا تلد، فلما بشرت بإسحاق قيل لها: سارة، سماها بذلك جبريل عليه السلام. فقالت: يا إبراهيم لم نقص من اسمي حرف؟ فقال إبراهيم ذلك لجبريل عليهما السلام. فقال: ( إن ذلك الحرف زيد في اسم ابن لها من أفضل الأنبياء اسمه حيي وسمي بيحيى ) . ذكره النقاش. وقال قتادة: سمي بيحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان والنبوة. وقال بعضهم: سمي بذلك لأن الله تعالى أحيا به الناس بالهدى. وقال مقاتل: اشتق اسمه من اسم الله تعالى حي فسمي يحيى. وقيل: لأنه أحيا به رحم أمه.

 

قوله تعالى: « مصدقا بكلمة من الله » يعني عيسى في قول أكثر المفسرين. وسمي عيسى كلمة لأنه كان بكلمة الله تعالى التي هي « كن » فكان من غير أب. وقرأ أبو السمال العدوي « بكِلْمة » مكسورة الكاف ساكنة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل كِتْف وفِخْذ. وقيل: سمي كلمة لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله تعالى. وقال أبو عبيد: معنى « بكلمة من الله » بكتاب من الله. قال: والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة؛ كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان فقال: لعن الله كلمته، يعني قصيدته. وقيل غير هذا من الأقوال. والقول الأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. و « يحيى » أول من آمن بعيسى عليهما السلام وصدقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين ويقال بستة أشهر. وكانا ابني خالة، فلما سمع زكريا شهادته قام إلى عيسى فضمه إليه وهو في خرقه. وذكر الطبري أن مريم لما حملت بعيسى حملت أيضا أختها بيحيى؛ فجاءت أختها زائرة فقالت: يا مريم أشعرت أني حملت؟ فقالت لها مريم: أشعرت أنت أني حملت؟ فقالت لها: وإني لأجد ما في بطني يسجد لما في بطنك. وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم. قال السدي: فذلك قوله « مصدقا بكلمة من الله » . « ومصدقا » نصب على الحال. « وسيدا » السيد: الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله، وأصله سَيْوِد يقال: فلان أسود من فلان، أفعل من السيادة؛ ففيه دلالة على جواز تسمية الإنسان سيدا كما يجوز أن يسمى عزيزا أو كريما. وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبني قريظة: ( قوموا إلى سيدكم ) . وفي البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: ( إن ابني هذا سيد ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ) وكذلك كان، فإنه لما قتل علي رضي الله عنه بايعه أكثر من أربعين ألفا وكثير ممن تخلف عن أبيه وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق وسار إليه معاوية في أهل الشام؛ فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له « مَسْكِن » من أرض السواد بناحية الأنبار كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى تهلك أكثر الأخرى فيهلك المسلمون؛ فسلم الأمر إلى معاوية على شروط شرطها عليه، منها أن يكون الأمر له من بعد معاوية، فالتزم كل ذلك معاوية فصدق قوله عليه السلام: ( إن ابني هذا سيد ) ولا أسود ممن سوده الله تعالى ورسوله. قال قتادة في قوله تعالى « وسيدا » قال: في العلم والعبادة. ابن جبير والضحاك: في العلم والتقى. مجاهد: السيد الكريم. ابن زيد: الذي لا يغلبه الغضب. وقال الزجاج: السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير. وهذا جامع. وقال الكسائي: السيد من المَعِز المسِن. وفي الحديث ( ثني من الضأن خير من السيد المعز ) . قال:

سواء عليه شاة عام دَنتْ له ليذبحها للضيف أم شاة سيد

قوله: « وحصورا » أصله من الحصر وهو الحبس. حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسني. قال ابن ميادة:

وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول

وناقة حصور: ضيقة الإحليل. والحصور الذي لا يأتي النساء كأنه محجم عنهن؛ كما يقال: رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرج ما يخرجه الندامى. يقال: شرب القوم فحصر عليهم فلان، أي بخل؛ عن أبي عمرو. قال الأخطل:

وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا فيها بسوار

وفي التنزيل « وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا » [ الإسراء: 8 ] أي محبسا. والحصير الملك لأنه محجوب. وقال لبيد:

وقماقم غُلْب الرقاب كأنهم جن لدى باب الحصير قيام

فيحيى عليه السلام حصور، فعول بمعنى مفعول لا يأتي النساء؛ كأنه ممنوع مما يكون في الرجال؛ عن ابن مسعود وغيره. وفعول بمعنى مفعول كثير في اللغة، من ذلك حلوب بمعنى محلوبة؛ قال الشاعر:

فيها اثنتان وأربعون حلوبة سودا كخافية الغراب الأسحم

وقال ابن مسعود أيضا وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبو الشعثاء والحسن والسدي وابن زيد: هو الذي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. وهذا أصح الأقوال لوجهين: أحدهما أنه مدح وثناء عليه، والثناء إنما يكون عن الفعل المكتسب دون الجبلة في الغالب. الثاني أن فعولا في اللغة من صيغ الفاعلين؛ كما قال:

ضَروب بنصل السيف سوق سمانها إذا عدموا زادا فإنك عاقر

فالمعنى أنه يحصر نفسه عن الشهوات. ولعل هذا كان شرعه؛ فأما شرعنا فالنكاح، كما تقدم. وقيل: الحصور العِنِّين الذي لا ذكر له يتأتى له به النكاح ولا ينزل؛ عن ابن عباس أيضا وسعيد بن المسيب والضحاك. وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) - ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى قَذاة من الأرض فأخذها وقال: ( كان ذَكَره هكذا مثل هذه القذاة ) . وقيل: معناه الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل. و « نبيا من الصالحين » قال الزجاج: الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه، وإلى الناس حقوقهم.

 

الآية: 40 ( قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء )

 

قيل: الرب هنا جبريل، أي قال لجبريل: رب - أي يا سيدي - أنى يكون لي غلام؟ يعني ولدا؛ وهذا قول الكلبي. وقال بعضهم: قوله « رب » يعني الله تعالى. « أنى » بمعنى كيف، وهو في موضع نصب على الظرف. وفي معنى هذا الاستفهام وجهان: أحدهما أنه سأل هل يكون له الولد وهو وامرأته على حاليهما أو يردان إلى حال من يلد؟. الثاني سأل هل يرزق الولد من امرأته العاقر أو من غيرها. وقيل: المعنى بأي منزلة استوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال؛ على وجه التواضع. ويروى أنه كان بين دعائه والوقت الذي بشر فيه أربعون سنة، وكان يوم بشر ابن تسعين سنة وامرأته قريبة السن منه. وقال ابن عباس والضحاك: كان يوم بشر ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة؛ فذلك قوله « وامرأتي عاقر » أي عقيم لا تلد. يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر بينة العقر. وقد عَقُرت وعَقُر ( بضم القاف فيهما ) تعقُر عُقْرا صارت عاقرا، مثل حسنت تحسن حسنا؛ عن أبي زيد. وعقارة أيضا. وأسماء الفاعلين من فُعل فعيلة، يقال: عظمت فهي عظيمة، وظرفت فهي ظريفة. وإنما قيل عاقر لأنه يراد به ذات عُقْر على النسب، ولو كان على الفعل لقال: عقرت فهي عقيرة كأن بها عقرا، أي كبرا من السن يمنعها من الولد. والعاقر: العظيم من الرمل لا ينبت شيئا. والعُقْر أيضا مهر المرأة إذا وُطئت على شبهة. وبيضة العُقْر: زعموا هي بيضة الديك؛ لأنه يبيض في عمره بيضة واحدة إلى الطول. وعُقْر النار أيضا. وسطها ومعظمها. وعَقْر الحوض: مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردت؛ يقال: عُقْر وعُقُر مثل عُسْر وعُسُر، والجمع الأعقار فهو لفظ مشترك. والكاف في قوله « كذلك » في موضع نصب، أي يفعل الله ما يشاء مثل ذلك. والغلام مشتق من الغُلْمة وهو شدة طلب النكاح. واغتلم الفحل غلمة هاج من شهوة الضراب. وقالت ليلى الأخيلية:

شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها

والغلام الطار الشارب. وهو بين الغلومة والغلومية، والجمع الغِلْمة والغِلمان. ويقال: إن الغَيْلم الشاب والجارية أيضا. والغيلم: ذكر السلحفاة. والغيلم: موضع. واغتلم البحر: هاج وتلاطمت أمواجه.

 

الآية: 41 ( قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار )

 

قوله تعالى: « قال رب اجعل لي آية » « جعل » هنا بمعنى صير لتعديه إلى مفعولين. و « لي » في موضع المفعول الثاني. ولما بشر بالولد ولم يبعد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب آية - أي علامة - يعرف بها صحة هذا الأمر وكونه من عند الله تعالى؛ فعاقبه الله تعالى بأن أصابه السكوت عن كلام الناس لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه؛ قاله أكثر المفسرين. قالوا: وكذلك إن لم يكن من مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب ما. قال ابن زيد: إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى؛ فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه.

 

قوله تعالى: « إلا رمزا » الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين؛ وأصله الحركة. وقيل: طلب تلك الآية زيادة طمأنينة. المعنى: تمم النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة؛ فقيل له: « آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام » أي تمنع من الكلام ثلاث ليال؛ دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشري الملائكة له. « وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا » [ مريم: 9 ] أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد. واختار هذا القول النحاس وقال: قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه؛ لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا؛ والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد، إذ كان ذلك مغيبا عني. و « رمزا » نصب على الاستثناء المنقطع؛ قاله الأخفش. وقال الكسائي: رمز يرمز ويرمِز. وقرئ « إلا رمزا » بفتح الميم و « رمزا » بضمها وضم الراء، الواحدة رمزة.

 

في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم من أمر السوداء حين قال لها: ( أين الله ) ؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقال: ( أعتقها فإنها مؤمنة ) . فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك؛ فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق إنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإن شك فيها فهي باطل، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. قال أبو الحسن بن بطال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة. ولعل البخاري حاول بترجمته « باب الإشارة في الطلاق والأمور » الرد عليه. وقال عطاء: أراد بقوله « ألا تكلم الناس » صوم ثلاثة أيام. وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا. وهذا فيه بعد. والله أعلم.

 

قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسنة: إن زكريا عليه السلام منع الكلام وهو قادر عليه، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام: ( لا صمت يوما إلى الليل ) . وأكثر العلماء على أنه ليس بمنسوخ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة؛ كذلك قال المفسرون. وذهب كثير من العلماء إلى أنه ( لا صمت يوما إلى الليل ) إنما معناه عن ذكر الله، وأما عن الهَذَر وما لا فائدة فيه، فالصمت عن ذلك حسن.

 

قوله تعالى: « واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار » أمره بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه؛ على القول الأول. وقد مضى في البقرة معنى الذكر. وقال محمد بن كعب القرظي: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل: « ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا » ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل: « إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا » [ الأنفال: 45 ] . وذكره الطبري. « وسبح » أي صل؛ سميت الصلاة سُبْحَة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. و « العشي » جمع عشية. وقيل: هو واحد. وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب؛ عن مجاهد. وفي الموطأ عن القاسم بن محمد قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي. « والإبكار » من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.

 

الآية: 42 ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين )

 

قوله تعالى: « إن الله اصطفاك » أي اختارك، وقد تقدم. « وطهرك » أي من الكفر؛ عن مجاهد والحسن. الزجاج: من سائر الأدناس من الحيض والنفاس وغيرهما، واصطفاك لولادة عيسى. « على نساء العالمين » يعني عالمي زمانها؛ عن الحسن وابن جريج وغيرهما. وقيل: « على نساء العالمين » أجمع إلى يوم الصور، وهو الصحيح على ما نبينه، وهو قول الزجاج وغيره. وكرر الاصطفاء لأن معنى الأول الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني لولادة عيسى. وروى مسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) . قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الكمال هو التناهي والتمام؛ ويقال في ماضيه « كمل » بفتح الميم وضمها، ويكمل في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه. والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة. ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين. وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم ويأتي بيانه أيضا في « مريم » . وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها، على ما يأتي بيانه في « التحريم » . وروي من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة: ( خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ) . ومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ) . وفي طريق آخر عنه: ( سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة ) . فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة؛ فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء؛ فهي إذا نبية والنبي أفضل من الولي فهي أفضل من كل النساء: الأولين والآخرين مطلقا. ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية. وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية ) . وهذا حديث حسن يرفع الإشكال. وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء؛ وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة؛ فليس هذا لأحد من النساء. وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية؛ ولذلك سماها الله في تنزيله صديقة فقال: « وأمه صديقة » [ المائدة: 75 ] . وقال: « وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين » [ التحريم: 12 ] فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقنوت. وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امرأته فقال: أنى يكون لي غلام وامرأتي عاقر؛ فسأل آية؛ وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها: « كذلك قال ربك » [ مريم: 21 ] فاقتصرت على ذلك، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنه هذا الأمر، ومن لامرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب. ولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة؛ جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم: ( لو أقسمتُ لبرَرْت لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلا منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران ) . وقد كان يحق على من انتحل علم الظاهر واستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقوله حيث يقول: ( لواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أول خطيب وأول شفيع وأول مبشر وأول وأول ) . فلم ينل هذا السؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن. وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصديقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية. ومن قال لم تكن نبية قال: إن رؤيتها للملك كما رؤى جبريل عليه السلام في صفة دحية الكلبي حين سؤاله عن الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأول أظهر وعليه الأكثر. والله أعلم.

 

الآية: 43 ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين )

 

أي أطيلي القيام في الصلاة؛ عن مجاهد. قتادة: أديمي الطاعة. وقد تقدم القول في القنوت. قال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا عليها السلام. « واسجدي واركعي » قدم السجود ها هنا على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب؛ وقد تقدم الخلاف في هذا في البقرة عند قوله تعالى: « إن الصفا والمروة من شعائر الله » [ البقرة: 158 ] . فإذا قلت: قام زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى واركعي واسجدي. وقيل: كان شرعهم السجود قبل الركوع. « مع الراكعين » قيل: معناه افعلي كفعلهم وإن لم تصلي معهم. وقيل: المراد به صلاة الجماعة. وقد تقدم في البقرة.

 

الآية: 44 ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون )

 

قوله تعالى: « ذلك من أنباء الغيب » أي الذي ذكرنا من حديث زكريا ويحيى ومريم عليهم السلام من أخبار الغيب. « نوحيه إليك » فيه دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب؛ وأخبر عن ذلك وصدقه أهل الكتاب بذلك؛ فذلك قوله تعالى: « نوحيه إليك » فرد الكناية إلى « ذلك » فلذلك ذكر. والإيحاء هنا الإرسال إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والوحي يكون إلهاما وإيماء وغير ذلك. وأصله في اللغة إعلام في خفاء؛ ولذلك صار الإلهام يسمى وحيا؛ ومنه « وإذ أوحيت إلى الحواريين » [ المائدة: 111 ] وقوله: « وأوحى ربك إلى النحل » [ النحل: 68 ] وقيل: معنى « أوحيت إلى الحواريين » أمرتهم؛ يقال: وحى وأوحى، ورمى وأرمى، بمعناه. قال العجاج:

أوحى لها القرار فاستقرت

أي أمر الأرض بالقرار. وفي الحديث: ( الوحي الوحي ) وهو السرعة؛ والفعل منه توحيت توحيا. قال ابن فارس: الوحي الإشارة والكتابة والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه وحي كيف كان. والوحي: السريع. والوَحَى: الصَّوْت؛ ويقال: استوحيناهم أي استصرخناهم. قال:

أوحيت ميمونا لها والأزراق

 

قوله تعالى: « وما كنت لديهم » أي وما كنت يا محمد لديهم، أي بحضرتهم وعندهم. « إذ يلقون أقلامهم » جمع قلم؛ من قلمه إذا قطعه. قيل: قداحهم وسهامهم. وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، وهو أجود؛ لأن الأزلام قد نهى الله عنها فقال « ذلكم فسق » [ المائدة: 3 ] . إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها. « أيهم يكفل مريم » أي يحضنها، فقال زكريا: أنا أحق بها، خالتها عندي. وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحق بها، بنت عالمنا. فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فجرت الأقلام وعال قلم زكريا ) . وكانت آية له؛ لأنه نبي تجري الآيات على يديه. وقيل غير هذا. و « أيهم يكفل مريم » ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام؛ التقدير: ينظرون أيهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في لفظ « أي » لأنها استفهام.

 

استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة. ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. قال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن المنذر. واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها. وقد ترجم البخاري في آخر كتاب الشهادات ( باب القرعة في المشكلات وقول الله عز وجل « إذ يلقون أقلامهم » ) وساق حديث النعمان بن بشير: ( مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم استهموا على سفينة... ) الحديث. وسيأتي في « الأنفال » إن شاء الله تعالى، وفي سورة « الزخرف » أيضا بحول الله سبحانه، وحديث أم العلاء، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين، الحديث، وحديث عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها؛ وذكر الحديث.

وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك؛ فقال مرة: يقرع للحديث. وقال مرة: يسافر بأوفقهن له في السفر. وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف. واحتج أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ابن العربي: « وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح؛ فأما ما يخرجه التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجري مع موضع التراضي، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي » وإنما تكون فيما يَتَشَاحّ الناس فيه ويُضَن به. وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها: أن تقطع رقاع صغار مستوية فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها ثم تجفف قليلا ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك ويغطي عليها ثوبه ثم يدخل ويخرج، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه.

 

ودلت الآية أيضا على أن الخالة أحق بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدة، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة - واسمها أمة الله - لجعفر وكانت عنده خالتها، وقال: ( إنما الخالة بمنزلة الأم ) وقد تقدمت في البقرة هذه المسألة. وخرج أبو داود عن علي قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة فقال جعفر: أنا آخذها أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها عندي، وإنما الخالة أم. فقال علي: أنا أحق بها ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أحق بها. وقال زيد: أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها؛ فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال: ( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ) . وذكر ابن أبي خيثمة أن زيد بن حارثة كان وصي حمزة، فتكون الخالة على هذا أحق من الوصي ويكون ابن العم إذا كان زوجا غير قاطع بالخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها.

الآية [ 45 ] في الصفحة التالية ...

 

الآيتان: 45 - 46 ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين )

 

دليل على نبوتها كما تقدم. « وإذ » متعلقة بـ « يختصمون » . ويجوز أن تكون متعلقة بقوله: « وما كنت لديهم » . « بكلمة منه » وقرأ أبو السمان « بكلمة منه » ، وقد تقدم. « اسمه المسيح » ولم يقل اسمها لأن معنى كلمة معنى ولد. والمسيح لقب لعيسى ومعناه الصديق؛ قاله إبراهيم النخعي. وهو فيما يقال معرب وأصله الشين وهو مشترك. وقال ابن فارس: والمسيح العرق، والمسيح الصديق، والمسيح الدرهم الأطلس لا نقش فيه والمَسْح الجماع؛ يقال مسحها. والأمسح: المكان الأملس. والمسحاء المرأة الرسحاء التي لا أست لها. وبفلان مسحة من جمال. والمسائح قسي جياد، واحدتها مسيحة. قال:

لها مسائح زور في مراكضها لين وليس بها وهن ولا رقق

واختلف في المسيح ابن مريم مماذا أخذ؛ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي ذهب فيها فلم يستكن بكن. وروي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بريء؛ فكأنه سمي مسيحا لذلك، فهو على هذا فعيل بمعنى فاعل. وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة، كانت الأنبياء تمسح به، طيب الرائحة؛ فإذا مسح به علم أنه نبي. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين. وقيل: لأن الجمال مسحه، أي أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما سمي بذلك لأنه مسح بالطهر من الذنوب. وقال أبو الهيثم: المسيح ضد المسيخ؛ يقال: مسحه الله أي خلقه خلقا حسنا مباركا، ومسخه أي خلقه خلقا ملعونا قبيحا. وقال ابن الأعرابي: المسيح الصِّدِّيق، والمسيخ الأعور، وبه سمي الدجال. وقال أبو عبيد: المسيح أصله بالعبرانية مشيحا بالشين فعرب كما عرب موشى بموسى. وأما الدجال فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدجال مسيح بكسر الميم وشد السين. وبعضهم يقول كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول مسيخ بفتح الميم وبالخاء والتخفيف؛ والأول أشهر وعليه الأكثر. سمي به لأنه يسيح في الأرض أي يطوفها ويدخل جميع بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس؛ فهو فعيل بمعنى فاعل، فالدجال يمسح الأرض محنة، وابن مريم يمسحها منحة. وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول. وقال الشاعر:

إن المسيح يقتل المسيخا

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ) الحديث. ووقع في حديث عبدالله بن عمرو ( إلا الكعبة وبيت المقدس ) ذكره أبو جعفر الطبري. وزاد أبو جعفر الطحاوي ( ومسجد الطور ) ؛ رواه من حديث جنادة بن أبي أمية عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم ( وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس ) . وذكر الحديث. وفي صحيح مسلم: ( فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه فيطلبه حتى يدركه بباب لُد فيقتله ) الحديث بطوله. وقد قيل: إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به. فعلى هذا يكون عيسى بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو. وعيسى اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة؛ لأن فيه ألف تأنيث. ويكون مشتقا من عاسه يُعوسه إذا ساسه وقام عليه. « وجيها » أي شريفا ذا جاه وقدر وانتصب على الحال؛ قاله الأخفش. « ومن المقربين » عند الله تعالى وهو معطوف على « وجيها » أي ومقربا؛ قاله الأخفش. وجمع وجيه وجهاء ووجهاء. « ويكلم الناس » عطف على « وجيها » قاله الأخفش أيضا. و « المهد » مضجع الصبي في رضاعه. ومهدت الأمر هيأته ووطأته. وفي التنزيل « فلأنفسهم يمهدون » [ الروم: 44 ] . وامتهد الشيء ارتفع كما يمتهد سنام البعير. « وكهلا » الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وامرأة كهلة. واكتهلت الروضة إذا عمها النور. يقول: يكلم الناس في المهد آية، ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة. وقال أبو العباس: كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال: « إني عبد الله » [ مريم: 30 ] الآية. وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزله الله تعالى من السماء أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم: « إني عبد الله » كما قال في المهد. فهاتان آيتان وحجتان. قال المهدوي: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش. قال الزجاج: « وكهلا » بمعنى ويكلم الناس كهلا. وقال الفراء والأخفش: هو معطوف على « وجيها » . وقيل: المعنى ويكلم الناس صغيرا وكهلا. وروى ابن جريح عن مجاهد قال: الكهل الحليم. قال النحاس: هذا لا يعرف في اللغة، وإنما الكهل عند أهل اللغة من ناهز الأربعين. وقال بعضهم: يقال له حدث إلى ست عشرة سنة. ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين. ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين؛ قاله الأخفش. « ومن الصالحين » عطف على « وجيها » أي وهو من العباد الصالحين. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدالله بن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف. قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب يوسف وصاحب جريج، كذا قال: « وصاحب يوسف » . وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لم يتكلم في المد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصاحب جريج وصاحب الجبار وبيْنا صبي يرضع من أمه ) وذكر الحديث بطوله. وقد جاء من حديث صهيب في قصة الأخدود ( أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي ) . في غير كتاب مسلم ( يرضع فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق ) . وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف وصبي ماشطة امرأة فرعون وعيسى ويحيى وصاحب جريج وصاحب الجبار. ولم يذكر الأخدود، فأسقط صاحب الأخدود وبه يكون المتكلمون سبعة. ولا معارضة بين هذا وبين قوله عليه السلام: ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ) بالحصر فإنه أخبر بما كان في علمه مما أوحى إليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بما شاء من ذلك فأخبر به.

قلت: أما صاحب يوسف فيأتي الكلام فيه، وأما صاحب جريج وصاحب الجبار وصاحب الأخدود ففي صحيح مسلم. وستأتي قصة الأخدود في سورة « البروج » إن شاء الله تعالى. وأما صبي ماشطة امرأة فرعون، فذكر البيهقي عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لما أسري بي سرت في رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة قالوا ماشطة ابنة فرعون وأولادها سقط مشطها من يديها فقالت: بسم الله فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربك ورب أبيك. قالت: أوَلكِ رب غير أبي؟ قالت: نعم ربي وربك ورب أبيك الله - قال - فدعاها فرعون فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم ربي وربك الله - قال - فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع واحد قال: ذاك لك لما لك علينا من الحق. فأمر بهم فألقوا واحدا بعد واحد حتى بلغ رضيعا فيهم فقال قعي يا أمه ولا تقاعسي فإنا على الحق - قال - وتكلم أربعة وهم صغار: هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى بن مريم.

 

الآية: 47 ( قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون )

 

قوله تعالى: « قالت رب » أي يا سيدي. تخاطب جبريل عليه السلام؛ لأنه لما تمثل لها قال لها: إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا. فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد فقالت: أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ أي بنكاح. في سورتها « ولم أك بغيا » [ مريم: 20 ] ذكرت هذا تأكيدا؛ لأن قولها « لم يمسسني بشر » يشمل الحرام والحلال. تقول: العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلا عن نكاح أو سفاح. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد: أمِن قِبل زوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء؟ فروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها: كذلك الله يخلق ما يشاء « قال كذلك قال ربك هو علي هين » [ مريم: 9 ] . نفخ في جيب درعها وكمها؛ قاله ابن جريج. قال ابن عباس: أخذ جبريل رُدْن قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى. وقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها فعلقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذريته فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمهات فإذا اجتمع الماءان صارا ولدا، وأن الله تعالى جعل الماءين جميعا في مريم بعضه في رحمها وبعضه في صلبها، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها؛ لأن المرأة ما لم تهج شهوتها لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك؛ فذلك قوله تعالى: « إذا قضى أمرا » يعني إذا أراد أن يخلق خلقا « فإنما يقول له كن فيكون » وقد تقدم في « البقرة » القول فيه مستوفى.

 

الآيتان: 48 - 49 ( ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين )

 

قوله تعالى: « ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل » قال ابن جريج: الكتاب الكتابة والخط. وقيل: هو كتاب غير التوراة والإنجيل علمه الله عيسى عليه السلام. « ورسولا » أي ونجعله رسولا. أو يكلمهم رسولا. وقيل: هو معطوف على قوله « وجيها » . وقال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله « ورسولا » مقحمة والرسول حالا للهاء، تقديره ويعلمه الكتاب رسولا. وفي حديث أبي ذر الطويل ( وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليه السلام ) . « أني أخلق لكم » أي أصور وأقدر لكم. « من الطين كهيئة الطير » قرأ الأعرج وأبو جعفر « كهيّة » بالتشديد. الباقون بالهمز. والطير يذكر ويؤنث. « فأنفخ فيه » أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائرا. وطائر وطير مثل تاجر وتجر. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى. وقيل: لم يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثديا وأسنانا وأذنا، وهي تحيض وتطهر وتلد. ويقال: إنما طلبوا خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق؛ ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يُسفر جدا، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة. ويقال: إن سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا: أخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك؛ فأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض؛ وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله.

 

قوله تعالى: « وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله » الأكمه: الذي يولد أعمى؛ عن ابن عباس. وكذا قال أبو عبيدة قال: هو الذي يولد أعمى؛ وأنشد لرؤبة:

فارتد ارتداد الأكمه

وقال ابن فارس: الكمه العمى يولد به الإنسان وقد يعرض. قال سويد:

كَمَهت عيناه حتى ابيضتا

مجاهد: هو الذي يُبصر بالنهار ولا يبصر بالليل. عكرمة: هو الأعمش، ولكنه في اللغة العمى؛ يقال كَمِه يَكْمه كَمَها وكمَّهتها أنا إذا أعميتها. والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد، والأبرص القمر، وسامُّ أبرص معروف، ويجمع على الأبارص. وخُص هذان بالذكر لأنهما عياءان. وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك. « وأحيي الموتى بإذن الله » قيل: أحيا أربعة أنفس: العاذر: وكان صديقا له، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح؛ فالله أعلم. فأما العاذر فإنه كان قد توفى قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له، وأما ابن العجوز فإنه مر به يُحمل على سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله. وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها؛ فلما رأوا ذلك قالوا: إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح. فقال لهم: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه، حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه. فقال له عيسى: كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟ فقال: يا روح الله، إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول: أجب روح الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النزع فقال: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي؛ وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم: صدقوه فإنه نبي؛ فآمن به بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا: هذا سحر. وروي من حديث إسماعيل بن عياش قال: حدثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى بن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى: « تبارك الذي بيده الملك » [ الملك: 1 ] . وفي الثانية « تنزيل » [ السجدة: 2 ] فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد؛ ذكره البيهقي وقال: ليس إسناده بالقوي.

 

قوله تعالى: « وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين » أي بالذي تأكلونه وما تدخرون. وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا: أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد؛ فأخبرهم فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا؛ فذلك قوله « وأنبئكم » الآية. وقرأ مجاهد والزهري والسختياني « وما تذخرون » بالذال المعجمة مخففا. وقال سعيد بن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان في الكتاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه. قتادة: أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ادخروه منها خفية.

 

الآيتان: 50 - 51 ( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون، إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم )

 

قوله تعالى: « ومصدقا » عطف على قوله: « ورسولا » . وقيل: المعنى وجئتكم مصدقا. « لما بين يدي » لما قبلي. « ولأحل لكم » فيه حذف، أي ولأحل لكم جئتكم. « بعض الذي حرم عليكم » يعني من الأطعمة. قيل: إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حرم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة عليهم. قال أبو عبيدة: يجوز أن يكون « بعض » بمعنى كل؛ وأنشد لبيد:

تَرّاكُ أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حِمامُها

وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة؛ لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع، لأن عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة. والدليل على هذا أنه روي عن قتادة أنه قال: جاءهم عيسى بألين مما جاء به موسى صلى الله عليهما وعلى نبينا؛ لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياء من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها. وقرأ النخعي « بعض الذي حرم عليكم » مثل كرم، أي صار حراما. وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه؛ كما قال الشاعر:

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حَنَانَيْكَ بعض الشر أهْوَنُ من بعض

يريد بعض الشر أهون من كله. « وجئتكم بآية من ربكم » إنما وحد وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته.

 

الآية: 52 ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون )

 

قوله تعالى: « فلما أحس عيسى منهم الكفر » أي من بني إسرائيل. وأحس معناه علم ووجد قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة: معنى « أحس » عرف، وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة. والإحساس: العلم بالشيء؛ قال الله تعالى: « هل تحس منهم من أحد » [ مريم: 98 ] والحس القتل؛ قال الله تعالى: « إذ تحسونهم بإذنه » [ آل عمران: 152 ] . ومنه الحديث في الجراد ( إذا حسه البرد ) . « منهم الكفر » أي الكفر بالله. وقيل: سمع منهم كلمة الكفر. وقال الفراء: أرادوا قتله. « قال من أنصاري إلى الله » استنصر عليهم. قال السدي والثوري وغيرهما: المعنى مع الله، فإلى بمعنى مع؛ كقوله تعالى: « ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم » [ النساء: 2 ] أي مع. والله أعلم. وقال الحسن: المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله؛ لأنه دعاهم إلى الله عز وجل. وقيل: المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل. فإلى على هذين القولين على بابها، وهو الجيد. وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة؛ عن الحسن ومجاهد. وهذه سنة الله في أنبيائه وأوليائه. وقد قال لوط: « لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد » [ هود: 80 ] أي عشيرة وأصحاب ينصرونني. « قال الحواريون نحن أنصار الله » أي أنصار نبيه ودينه. والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام، وكانوا اثني عشر رجلا؛ قاله الكلبي وأبو رَوْق.

واختلف في تسميتهم بذلك؛ فقال ابن عباس: سموا بذلك لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. ابن أبي نجيح وابن أرطاة: كانوا قصارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب. قال عطاء: أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى، وآخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين، فأراد معلم عيسى السفر، فقال لعيسى: عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها. فطبخ عيسى حُبّا واحدا وأدخله جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك. فقدم الحواري والثياب كلها في الحُبِّ فلما رآها قال: قد أفسدتها؛ فأخرج عيسى ثوبا أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغه؛ فعجب الحواري، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به؛ فهم الحواريون. قتادة والضحاك: سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء. يريدان لنقاء قلوبهم. وقيل. كانوا ملوكا، وذلك أن الملك صنع طعاما فدعا الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص، فقال الملك له: من أنت؟ قال: عيسى ابن مريم. قال: إني أترك ملكي هذا وأتبعك. فانطلق بمن اتبعه معه، فهم الحواريون؛ قاله ابن عون. وأصل الحَوَر في اللغة البياض، وحورت الثياب بيضتها، والحُوَّارَى من الطعام ما حُوّر، أي بيض، واحْوَرّ ابيضَّ، والجَفْنَة المحوّرة: المبيضة بالسنام، والحواري أيضا الناصر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لكل نبي حواري وحواريي الزبير ) . والحواريات: النساء لبياضهن؛ وقال:

فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح

 

الآية: 53 ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين )

 

قوله تعالى: « ربنا آمنا » أي يقولون ربنا آمنا. « بما أنزلت » يعني في كتابك وما أظهرته من حكمك. « واتبعنا الرسول » يعني عيسى. « فاكتبنا مع الشاهدين » يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ عن ابن عباس. والمعنى أثبت أسماءنا مع أسمائهم واجعلنا من جملتهم. وقيل: المعنى فاكتبنا مع الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق.

 

الآية: 54 ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين )

 

قوله تعالى: « ومكروا » يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، أي قتله. وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به، فذلك مكرهم. ومكر الله: استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون؛ عن الفراء وغيره. قال ابن عباس: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة. وقال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم؛ فسمى الجزاء باسم الابتداء؛ كقوله: « الله يستهزئ بهم » [ البقرة: 15 ] ، « وهو خادعهم » [ النساء: 142 ] . وقد تقدم في البقرة. وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع. والمكر: خدالة الساق. وامرأة ممكورة الساقين. والمكر: ضرب من الثياب. ويقال: بل هو المَغَرَة؛ حكاه ابن فارس. وقيل: « مكر الله » إلقاء شَبَه عيسى على غيره ورفع عيسى إليه، وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث يقال له يهوذا: ادخل عليه فاقتله، فدخل الخوخة فلم يجد هناك عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه. ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا؛ فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا فوقع بينهم قتال فقتل بعضهم بعضا؛ فذلك قوله تعالى: « ومكروا ومكر الله » . وقيل غير هذا على ما يأتي. « والله خير الماكرين » اسم فاعل من مكر يمكر مكرا. وقد عده بعض العلماء في أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به: يا خير الماكرين أمكر لي. وكان عليه السلام يقول في دعائه: ( اللهم امكر لي ولا تمكر علي ) . وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى. والله أعلم.

 

الآية: 55 ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون )

 

قوله تعالى: « إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك » العامل في « إذ » مكروا، أو فعل مضمر. وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى: « إني متوفيك ورافعك إلي » على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء؛ كقوله: « ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى » [ طه: 129 ] ؛ والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما. قال الشاعر:

ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام

أي عليك السلام ورحمة الله. وقال الحسن وابن جريح: معنى متوفيك قابضك ورافعك إلى السماء من غير موت؛ مثل توفيت مالي من فلان أي قبضته. وقال وهب بن منبه: توفى الله عيسى عليه السلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء. وهذا فيه بعد؛ فإنه صح في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم نزوله وقتله الدجال على ما بيناه في كتاب التذكرة، وفي هذا الكتاب حسب ما تقدم، ويأتي. وقال ابن زيد: متوفيك قابضك، ومتوفيك ورافعك واحد ولم يمت بعد. وروى ابن طلحة عن ابن عباس معنى متوفيك مميتك. الربيع بن أنس: وهي وفاة نوم؛ قال الله تعالى: « وهو الذي يتوفاكم بالليل » [ الأنعام: 60 ] أي ينيمكم لأن النوم أخو الموت؛ كما قال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أفي الجنة نوم؟ قال: ( لا النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها ) . أخرجه الدارقطني. والصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس، وقاله الضحاك. قال الضحاك: كانت القصة لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة وهم اثنا عشر رجلا فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جمع اليهود فركب منهم أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة. فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج ويقتل ويكون معي في الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله؛ فألقى إليه مدرعة من صوف وعمامة من صوف وناوله عكازه وألقى عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه. وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال لهم: أما إن منكم من سيكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم فقال أنا. فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال عيسى: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا. فقال نعم أنت ذاك. فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام. قال: ورفع الله تعالى عيسى من رَوْزَنة كانت في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبيه فقتلوه ثم صلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به؛ فتفرقوا ثلاث فرق: قالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فقتلوا؛ فأنزل الله تعالى: « فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا » [ الصف: 14 ] أي آمن آباؤهم في زمن عيسى « على عدوهم » بإظهار دينهم على دين الكفار « فأصبحوا ظاهرين » . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القِلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ) . وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما ) ولا ينزل بشرع مبتدأ فينسخ به شريعتنا بل ينزل مجددا لما درس منها متبعها. كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ) . وفي رواية: ( فأمّكم منكم ) . قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟. قلت: تخبرني. قال: فأَمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم. وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب ( التذكرة ) والحمد لله. و « متوفيك » أصله متوفِّيُك حذفت الضمة استثقالا، وهو خبر إن. « ورافعك » عطف عليه، وكذا « مطهرك » وكذا « وجاعل الذين اتبعوك » . ويجوز « وجاعل الذين » وهو الأصل. وقيل: إن الوقف التام عند قوله: « ومطهرك من الذين كفروا » . قال النحاس: وهو قول حسن. « وجاعل الذين اتبعوك » يا محمد « فوق الذين كفروا » أي بالحجة وإقامة البرهان. وقيل بالعز والغلبة. وقال الضحاك ومحمد بن أبان: المراد الحواريون. والله تعالى أعلم.

 

الآيات: 56 - 58 ( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين، ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم )

 

قوله تعالى: « فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة » يعني بالقتل والصلب والسبي والجزية، وفي الآخرة بالنار. « ذلك نتلوه عليك » « ذلك » في موضع رفع بالابتداء وخبره « نتلوه » . ويجوز: الأمر ذلك، على إضمار المبتدأ.

 

الآيتان: 59 - 60 ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين )

 

قوله تعالى: « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب » دليل على صحة القياس. والتشبيه واقع على أن عيسى خلق من غير أب كآدم، لا على أنه خلق من تراب. والشيء قد يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير بعد أن يجتمعا في وصف واحد؛ فان آدم خلق من تراب ولم يخلق عيسى من تراب فكان بينهما فرق من هذه الجهة، ولكن شبه ما بينهما أنهما خلقهما من غير أب؛ ولأن أصل خلقتهما كان من تراب لأن آدم لم يخلق من نفس التراب، ولكنه جعل التراب طينا ثم جعله صلصالا ثم خلقه منه، فكذلك عيسى حوله من حال إلى حال، ثم جعله بشرا من غير أب. ونزلت هذه الآية بسبب وفد نجران حين أنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( إن عيسى عبد الله وكلمته ) فقالوا: أرنا عبدا خلق من غير أب؛ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( آدم من كان أبوه أعجبتم من عيسى ليس له أب؟ فآدم عليه السلام ليس له أب ولا أم ) . فذلك قوله تعالى: « ولا يأتونك بمثل » أي في عيسى « إلا جئناك بالحق » في آدم « وأحسن تفسيرا » [ الفرقان: 33 ] . وروي أنه عليه السلام لما دعاهم إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين قبلك. فقال: ( كذبتم يمنعكم من الإسلام ثلاث: قولكم اتخذ الله ولدا، وأكلكم الخنزير، وسجودكم للصليب ) . فقالوا: من أبو عيسى؟ فأنزل الله تعالى: « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب » إلى قوله: « فنجعل لعنة الله على الكاذبين » [ آل عمران: 61 ] . فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا. فقالوا: أما تعرض علينا سوى هذا؟ فقال: ( الإسلام أو الجزية أو الحرب ) فأقروا بالجزية على ما يأتي. وتم الكلام عند قوله « آدم » . ثم قال: « خلقه»

من تراب ثم قال له كن فيكون « أي فكان. والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى. قال الفراء: » الحق من ربك « مرفوع بإضمار هو. أبو عبيدة: هو استئناف كلام وخبره في قوله » من ربك « . وقيل هو فاعل، أي جاءك الحق. » فلا تكن من الممترين « الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام.»

 

الآية: 61 ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين )

 

قوله تعالى: « فمن حاجك فيه » أي جادلك وخاصمك يا محمد « فيه » ، أي في عيسى « من بعد ما جاءك من العلم » بأنه عبد الله ورسوله. « فقل تعالوا » أي أقبلوا. وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال، وسيأتي له مزيد بيان في « الأنعام » . « ندع » في موضع جزم. « أبناءنا » دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول لهم: ( إن أنا دعوت فأمّنوا ) . وهو معنى قوله: « ثم نبتهل » أي نتضرع في الدعاء؛ عن ابن عباس. أبو عبيدة والكسائي: نلتعن. وأصل الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره. قال لبيد:

في كهول سادة من قومه نظر الدهر إليهم فابتهل

أي اجتهد في إهلاكهم. يقال: بهله الله أي لعنه. والبهل: اللعن. والبهل: الماء القليل. وأبهلته إذا خليته وإرادته. وبهلته أيضا. وحكى أبو عبيدة: بهله الله يبهله بهلة أي لعنه. قال ابن عباس: هم أهل نجران: السيد والعاقب وابن الحارث رؤساؤهم. « فنجعل لعنة الله على الكاذبين » .

 

هذه الآية من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا فإن محمدا نبي مرسل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى؛ فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حُلَّة في صَفَر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلا من الإسلام.

 

قال كثير من العلماء: إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين لما باهل « ندع أبناءنا وأبناءكم » وقوله في الحسن: ( إن ابني هذا سيد ) مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابنيْ النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهما؛ لقوله عليه السلام: ( كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي ) ولهذا قال بعض أصحاب الشافعي فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة: إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة؛ وهو قول الشافعي. وسيأتي لهذا مزيد بيان في « الأنعام والزخرف » إن شاء الله تعالى.

 

الآيتان: 62 - 63 ( إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم، فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين )

 

قوله تعالى: « إن هذا لهو القصص الحق » الإشارة في قوله « إن هذا » إلى القرآن وما فيه من الأقاصيص، سميت قصصا لأن المعاني تتابع فيها؛ فهو من قولهم: فلان يقص أثر فلان، أي يتبعه. « وما من إله إلا الله » « من » زائدة للتوكيد، والمعنى وما إله إلا الله « العزيز » أي الذي لا يغلب. « الحكيم » ذو الحكمة. وقد تقدم مثله والحمد لله.

 

الآية: 64 ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون )

 

قوله تعالى: « قل يا أهل الكتاب » الخطاب في قول الحسن وابن زيد والسدي لأهل نجران. وفي قول قتادة وابن جريج وغيرهما ليهود المدينة، خوطبوا بذلك لأنهم جعلوا أحبارهم في الطاعة لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود والنصارى جميعا. وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل « بسم الله الرحمن الرحيم - من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله - إلى قوله: » فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون « . لفظ مسلم. والسواء العدل والنصفة؛ قاله قتادة. وقال زهير: »

أروني خطة لا ضيم فيها يسوي بيننا فيها السواء

الفراء: ويقال في معنى العدل سِوًى وسُوًى، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت؛ كقوله تعالى: « مكانا سوى » [ طه: 58 ] . قال: وفي قراءة عبدالله « إلى كلمة عدل بيننا وبينكم » وقرأ قعنب « كلمة » بإسكان اللام، ألقى حركة اللام على الكاف؛ كما يقال كبد. فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق. وقد فسرها بقوله تعالى: « ألا نعبد إلا الله » [ آل عمران:64 ] فموضع « أن » خفض على البدل من « كلمة » ، أو رفع على إضمار مبتدأ، التقدير هي أن لا نعبد إلا الله. أو تكون مفسرة لا موضع لها، ويجوز مع ذلك في « نعبد » وما عطف عليه الرفع والجزم: فالجزم على أن تكون « أن » مفسرة بمعنى أي؛ كما قال عز وجل: « أن امشوا » [ ص: 6 ] وتكون « لا » جازمة. هذا مذهب سيبويه. ويجوز على هذا أن ترفع « نعبد » وما بعده يكون خبرا. ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد؛ ومثله « ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا » [ طه: 89 ] . وقال الكسائي والفراء: « ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ » بالجزم على التوهم أنه ليس في أول الكلام أن.

 

قوله تعالى: « ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله » أي لا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى. وهو نظير قوله تعالى: « اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله » [ التوبة: 31 ] معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله. وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي؛ قال الكيا الطبري: مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة. وفيه رد على الروافض الذين يقولون: يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي، وإنه يحل ما حرمه الله من غير أن يبين مستندا من الشريعة. وأرباب جمع رب. و « دون » هنا بمعنى غير.

 

قوله تعالى: « فإن تولوا » أي أعرضوا عما دعوا إليه. « فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون » أي متصفون بدين الإسلام منقادون لأحكامه معترفون بما لله علينا في ذلك من المنن والإنعام، غير متخذين أحدا ربا لا عيسى ولا عزيزا ولا الملائكة؛ لأنهم بشر مثلنا محدث كحدوثنا، ولا نقبل من الرهبان شيئا بتحريمهم علينا ما لم يحرمه الله علينا، فنكون قد اتخذناهم أربابا. وقال عكرمة: معنى « يتخذ » يسجد. وقد تقدم أن السجود كان إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذا لما أراد أن يسجد؛ كما مضى في البقرة بيانه. وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول الله، أينحني بعضنا لبعض؟ قال ( لا ) قلنا: أيعانق بعضنا بعضا؟ قال ( لا ولكن تصافحوا ) أخرجه ابن ماجة في سننه. وسيأتي لهذا المعنى زيادة ببان في سورة « يوسف » إن شاء الله، وفي « الواقعة » مس القرآن أو بعضه على غير طهارة إن شاء الله تعالى.

 

الآية: 65 ( يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون )

 

قوله تعالى: « يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم » الأصل « لِما » فحذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر. وهذه الآية نزلت بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه، فأكذبهم الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانتا من بعده.

 

قوله تعالى: « وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده » قال الزجاج: هذه الآية أبين حجة على اليهود والنصارى؛ إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب. ويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضا ألف سنة. « أفلا تعقلون » دحوض حجتكم وبطلان قولكم. والله أعلم.

 

الآية: 66 ( ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )

 

قوله تعالى: « ها أنتم هؤلاء حاججتم » يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يعلمونه فيما يجدون من نعته في كتابهم فحاجوا فيه بالباطل. « فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم » يعني دعواهم في إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا. والأصل في « ها أنتم » أأنتم فأبدِل من الهمزة الأولى هاء لأنها أختها؛ عن أبي عمرو بن العلاء والأخفش. قال النحاس: وهذا قول حسن. وقرأ قنبل عن ابن كثير « هأنتم » مثل هعنتم. والأحسن منه أن يكون الهاء بدلا من همزة فيكون أصله أأنتم. ويجوز أن تكون ها للتنبيه دخلت على « أنتم » وحذفت الألف لكثرة الاستعمال. وفي « هؤلاء » لغتان المد والقصر ومن العرب من يقصرها. وأنشد أبو حاتم:

لعمرك إنا والأحاليف هاؤلا لفي محنة أظفارها لم تقلم

وهؤلاء ها هنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء. ويجوز هؤلاء خبر أنتم، على أن يكون أولاء بمعنى الذين وما بعده صلة له. ويجوز أن يكون خبر « أنتم » حاججتم. وقد تقدم هذا في « البقرة » والحمد لله.

 

في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده فقال عز وجل: « ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم » . وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن فقال تعالى: « وجادلهم بالتي هي أحسن » [ النحل: 125 ] . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل أنكر ولده فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل لك من إبل ) ؟ قال نعم. قال: ( ما ألوانها ) ؟ قال: حمر: قال: ( هل فيها من أورق ) ؟ قال نعم. قال: ( فمن أين ذلك ) ؟ قال: لعل عرقا نزعه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وهذا الغلام لعل عرقا نزعه ) . وهذا حقيقة الجدال ونهاية في تبيين الاستدلال من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

الآية: 67 ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين )

 

نزهه تعالى من دعاويهم الكاذبة، وبين أنه كان على الحنيفية الإسلامية ولم يكن مشركا. والحنيف: الذي يوحد ويحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة. وقد مضى في « البقرة » اشتقاقه. والمسلم في اللغة: المتذلل لأمر الله تعالى المنطاع له. وقد تقدم في « البقرة » معنى الإسلام مستوفى والحمد لله.

 

الآية: 68 ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين )

 

وقال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك، فإنه كان يهوديا وما بك إلا الحسد؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. « أولى » معناه أحق، قيل: بالمعونة والنصرة. وقيل بالحجة. « للذين اتبعوه » على ملته وسنته. « وهذا النبي » أفرد ذكره تعظيما له؛ كما قال « فيهما فاكهة ونخل ورمان » [ الرحمن: 68 ] وقد تقدم في « البقرة » هذا المعنى مستوفى. و « هذا » في موضع رفع عطف على الذين، و « النبي » نعت لهذا أو عطف بيان، ولو نصب لكان جائزا في الكلام عطفا على الهاء في « اتبعوه » . « والله ولي المؤمنين » أي ناصرهم. وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي - ثم قرأ - إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ) .

 

الآية: 69 ( ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون )

 

نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمن وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود من بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم. وهذه الآية نظير قوله تعالى: « ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا » [ البقرة: 109 ] . و « من » على هذا القول للتبعيض. وقيل: جميع أهل الكتاب، فتكون « من » لبيان الجنس. « لو يضلونكم » أي يكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له. وقال ابن جريج: « يضلونكم » أي يهلكونكم؛ ومنه قول الأخطل:

كنت القدى في موج أكدر مزبد قذف الأَتي به فضلّ ضلالا

أي هلك هلاكا. « وما يضلون إلا أنفسهم » نفي وإيجاب. « وما يشعرون » أي يفطنون أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: « وما يشعرون » أي لا يعلمون بصحة الإسلام وواجب عليهم أن يعلموا؛ لأن البراهين ظاهرة والحجج باهرة، والله أعلم.

 

الآية: 70 ( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون )

 

أي بصحة الآيات التي عندكم في كتبكم؛ عن قتادة والسدي. وقيل: المعنى وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي أنتم مقرون بها.

 

الآية: 71 ( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون )

 

اللبس الخلط، وقد تقدم في البقرة. ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى ذلك. « وتكتمون الحق » ويجوز « تكتموا » على جواب الاستفهام. « وأنتم تعلمون » جملة في موضع الحال.

 

الآية: 72 ( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون )

 

نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وغيرهما، قالوا للسفلة من قومهم: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، يعني أوله. وسمي وجها لأنه أحسنه، وأول ما يواجه منه أوله. قال الشاعر:

وتضيء في وجه النهار منيرة كجمانة البحري سل نظامها

وقال آخر:

من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار

وهو منصوب على الظرف، وكذلك « آخره » . ومذهب قتادة أنهم فعلوا ذلك ليشككوا المسلمين. والطائفة: الجماعة، من طاف يطوف، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة. ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد في أول النهار ثم اكفروا به آخره؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون إن أهل الكتاب أعلم به منا. وقيل: المعنى آمنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس فإنه الحق، واكفروا بصلاته آخر النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قبلتكم؛ عن ابن عباس وغيره. وقال مقاتل: معناه أنهم جاؤوا محمدا أول النهار ورجعوا من عنده فقالوا للسفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا: قد نظرنا في التوراة فليس هو به. يقولون إنه ليس بحق، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه.

 

الآية: 73 ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم )

 

قوله تعالى: « ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم » هذا نهي، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة. وقال السدي: من قول يهود خيبر ليهود المدينة. وهذه الآية أشكل ما في السورة. فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا. و « أن » و « يحاجوكم » في موضع خفض، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم، أي لا تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم. « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل. فيكون « أن يؤتى » مؤخرا بعد « أو يحاجوكم » ، وقوله « إن الهدى هدى الله » اعتراض بين كلامين. وقال الأخفش: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم؛ يذهب إلى أنه معطوف. وقيل: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أتوه؛ لأن علماء اليهود قالت لهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ فالكلام على نسقه. و « أن » في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته، والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدقون أو تقرون، أي إيتاء موجود مصدق أو مقر به، أي لا تصدقون بذلك. ويجوز أن تكون « أن » في موضع نصب على إضمار فعل؛ كما جاز في قولك أزيدا ضربته، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى، والتقدير أتقرون أن يؤتى، أو أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك ونحوه. وبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد. وقال أبو حاتم: « آن » معناه « ألأن » ، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدة؛ كقراءة من قرأ « أن كان ذا مال » [ القلم: 14 ] أي ألأن. وقوله « أو يحاجوكم » على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين؛ أو تكون « أو » بمعنى « أن » لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر. وتقدير الآية: وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين، فقل: يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه. ومن قرأ بترك المد قال: إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا. فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لا إيمان لهم ولا حجة؛ فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات، أي أنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة. ومن استثنى ليس من الأول، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت « أحد » لأن أول الكلام نفي، فدخلت في صلة « أن » لأنه مفعول الفعل المنفي؛ فإن في موضع نصب لعدم الخافض. وقال الخليل: ( أن ) في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ليست بزائدة، و « تؤمنوا » محمول على تُقِرّوا. وقال ابن جريج: المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. وقيل: المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه. وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل « إلا لمن تبع دينكم » ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم « قل إن الهدى هدى الله » . أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » بين ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، و