إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ( 7 ) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 8 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 9 ) .

( إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ) أي: لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا. والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، ( وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فاختاروها وعملوا لها، ( وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ) سكنوا إليها. ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ) أي: عن أدلتنا غافلون لا يعتبرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عن آياتنا عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن غافلون معرضون.

( أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) من الكفر والتكذيب.

قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) فيه إضمار، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى جنة، ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ ) قال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورًا يمشون به.

وقيل: « يهديهم » معناه يثيبهم ويجزيهم.

وقيل: معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، أي: بتصديقهم هداهم « تجري من تحتهم الأنهار » أي: بين أيديهم، كقوله عز وجل: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ( مريم - 24 ) لم يُرِدْ به أنه تحتها وهي قاعدة عليه، بل أراد بين يديها.

وقيل: تجري من تحتهم أي: بأمرهم، ( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) .

دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 10 ) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 11 ) .

( دَعْوَاهُم ) أي: قولهم وكلامهم. وقيل: دعاؤهم. ( فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ) وهي كلمة تنـزيه، تنـزه الله من كل سوء. وروينا: « أن أهل الجنة يُلهمون الحمد والتسبيح، كما يُلهمون النَّفَسَ » .

قال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام، فإذا أرادوا الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فأتوهم في الوقت بما يشتهون على الموائد، كل مائدة مِيلٌ في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صَحْفَة، وفي كل صَحْفَة لون من الطعام لا يشبه بعضُها بعضًا، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله، فذلك، قوله تعالى: ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )

قوله تعالى: ( وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ ) أي: يُحَيِّي بعضهم بعضا بالسلام. وقيل: تحية الملائكة لهم بالسلام.

وقيل: تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام.

( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يريد: يفتتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه بالتحميد.

قوله عز وجل: ( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ) قال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، ولا بارك فيكم. قال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب. معناه: لو يعجل الله الناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم بالخير، أي: كما يحبون استعجالهم بالخير، ( لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) قرأ ابن عامر ويعقوب: « لقَضَى » بفتح القاف والضاد، ( أَجَلَهُمْ ) نصب، أي: لأهلك مَنْ دعا عليه وأماته. وقال الآخرون: « لقُضي » بضم القاف وكسر الضاد « أَجَلُهُمْ » رفع، أي: لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا.

وقيل: إنها نـزلت في النضر بن الحارث حين قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ الآية ( الأنفال - 32 ) يدل عليه قوله عز وجل: ( فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ) لا يخافون البعث والحساب، ( فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصلاحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنبأنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبِّه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تُخْلِفَنِيهْ، فإنما أنا بشر فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأي المؤمنين آذَيْتُه، أو شتمتُه، أو جلدتُه، أو لعنتُه فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً، تُقَرِّبه بها إليك يوم القيامة » .

وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) .

قوله تعالى: ( وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ ) الجَهْد والشدة، ( دَعَانَا لِجَنْبِهِ ) أي: على جنبه مضطجعا، ( أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ) يريد في جميع حالاته، لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات. ( فَلَمَّا كَشَفْنَا ) دفعنا ( عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ) أي استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي: لم يطلب منا كشف ضُرّ مَسَّه. ( كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ) المجاوزين الحد في الكفر والمعصية، ( مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) من العصيان. قال ابن جريج: كذلك زيِّن للمسرفين ما كانوا يعملون من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: معناه كما زَيّن لكم أعمالكم زَيّن للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم.

قوله عز وجل: ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ) أشركوا، ( وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ ) أي: كما أهلكناهم بكفرهم، ( نَجْزِي ) نعاقب ونهلك، ( الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) الكافرين بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، يُخَوّف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية المكذبة.

ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) .

( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ ) أي: خلفاء، ( فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، ( لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) وهو أعلم بهم. وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ألا إن هذه الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون » .