قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 144 )

( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ) اخترتك على الناس, قرأ ابن كثير وأبو عمرو « إني » بفتح الياء وكذلك أَخِي * اشْدُدْ [ طه- 31 ] , ( بِرِسَالاتِي ) قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد, والآخرون بالجمع, ( وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ ) أعطيتك ( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لله على نعمه.

فإن قيل: فما معنى قوله « اصطفيتك على الناس برسالاتي » وقد أعطي غيره الرسالة؟ قيل :لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره, كما يقول الرجل: خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما.

وفي بعض القصة: أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور, ولم يزل على وجهه برقع حتى مات. وقالت له امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرجت لله ساجدة, وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة, قال: ذاك لك إن لم تتزوجي بعدي, فإن المرأة لآخر أزواجها.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المزكي أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد بن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب الأحبار: أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف, وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر, ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال, رب اجعلهم أمتي, قال: هي أمة محمد يا موسى, فقال: ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي, قال: هي أمة محمد, فقال: رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم, وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار, وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي, قال: هي أمة محمد, قال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر الله فإذا هبط واديا حمد الله, الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا, يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء, غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي, قال: هي أمة محمد, فقال: رب إني أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف, وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت له سيئة مثلها, فاجعلهم أمتي, قال: هي أمة أحمد, فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ولا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي, قال: هي أمة محمد, فقال: يا رب إني أجد أمة [ مصاحفهم ] في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشحر, فاجعلهم أمتي, قال: هي أمة أحمد, فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد وأمته, فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: « يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي » إلى قوله: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ * وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فرضي موسى كل الرضابس .

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ( 145 )

قوله عز وجل: ( وَكَتَبْنَا لَهُ ) يعني لموسى, ( فِي الألْوَاحِ ) قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة, وفي الحديث: « كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعا » . وجاء في أحاديث خلق الله آدم بيده: « وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده » .

وقال الحسن: كانت الألواح من خشب. قال الكلبي كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر, وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح من برد. قال ابن جريج: كانت من زمرد, أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن, وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب: أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثم شققها بأصبعه, وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة, وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب: ( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ ) كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: نـزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير, يقرأ الجزء منه في سنة, لم يقرأه إلا أربعة نفر: موسى, ويوشع, وعزير, وعيسى.

وقال الحسن: هذه الآية في التوراة ألف آية يعني « وكتبنا له في الألواح » ( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) مما أمروا به ونهوا عنه, ( مَوْعِظَةً ) نهيا عن الجهل, وحقيقة الموعظة: التذكرة والتحذير بما يخاف عاقتبه, ( وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ) أي: تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي, والحلال والحرام, والحدود والأحكام. ( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ) أي: بجد واجتهاد, وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة, لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور, ( وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ) قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يحلوا حلالها, ويحرموا حرامها, ويتدبروا أمثالها, ويعملوا بمحكمها, ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه, فأمر بما لم يؤمروا به.

قال قطرب: بأحسنها أي بحسنها, وكلها حسن. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل, وهي ما يستحق عليها الثواب, وما دونها المباح, لأنه لا يستحق عليه الثواب. وقيل: بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص, والصبر أحسن من الانتصار.

( سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ) قال مجاهد: مصيرها في الآخرة. قال الحسن وعطاء: يعني جهنم, يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. قال عطية العوفي: أراد دار فرعون وقومه وهي مصر, يدل عليه قراءة قسامة بن زهير: « سأوريكم دار الفاسقين » , وقال السدي: دار الفاسقين مصارع الكفار. وقال الكلبي: ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا.

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ( 146 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 147 )

قوله تعالى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) قال ابن عباس: يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي, يعني: سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق, كقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ .

قال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج: يعني عن خلق السموات والأرض وما فيها أي أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها. وقيل: حكم الآية لأهل مصر خاصة, وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام. والأكثرون على أن الآية عامة ( وَإِنْ يَرَوْا ) [ يعني: هؤلاء المتكبرين ] ( كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ ) قرأ حمزة والكسائي « الرَّشَد » بفتح الراء والشين, والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسُّقم والسَّقم والبُخل والبَخل والحُزن والحَزن.

وكان أبو عمرو يفرِّق بينهما, فيقول: الرُّشد - بالضم - الصلاح في الأمر, وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: إن يروا طريق الهدى والسداد ( لا يَتَّخِذُوهُ ) لأنفسهم ( سَبِيلا ) ( وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ ) أي طريق الضلال ( يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ) عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين.

( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ ) أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب, ( حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) بطلت وصارت كأن لم تكن, ( هَلْ يُجْزَوْنَ ) في العقبى ( إِلا مَا كَانُوا ) أي إلا جزاء ما كانوا ( يَعْمَلُونَ ) في الدنيا.

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 149 )

قوله عز وجل: ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ ) أي: بعد انطلاقه إلى الجبل ( مِنْ حُلِيِّهِمْ ) التي استعاروها من قوم فرعون. قرأ حمزة والكسائي ( مِنْ حُلِيِّهِمْ ) بكسر الحاء [ وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام ] واتخذ السامري منها ( عِجْلا ) وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا ( جَسَدًا ) حيا ولحما ودما ( لَهُ خُوَارٌ ) وهو صوت البقر, وهذا قول ابن عباس, والحسن, وقتادة, وجماعة أهل التفسير.

وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه, كان يسمع منه صوت.

وقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج, والأول أصح.

وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة, وقيل: كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رءوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك.

وقال السدي: كان يخور ويمشي ( أَلَمْ يَرَوْا ) يعني: الذين عبدوا العجل ( أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ) قال الله عز وجل: ( اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ) أي: اتخذوه إلها وكانوا كافرين.

( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) أي ندموا على عبادة العجل, تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه, ( وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ) يتب علينا ربنا, ( وَيَغْفِرْ لَنَا ) يتجاوز عنا, ( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) قرأ حمزة والكسائي: « ترحمنا وتغفر لنا » بالتاء فيهما « ربنا » بنصب الباء. وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم.